← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقد ذكر الاحتجاج بهذا البيهقي في كتاب الأسماء والصفات (١)، لكن نقل احتجاج أحمد على غير وجهه، وعورض بمعارضة فلم يجب عنها. ثم قال البيهقي (٢): (ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق (٣)، فدل على (٤) أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة، كما أمره الله أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوقة (٥)). ثم قال (٦): (وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق، قال: وذلك أنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص). قلت: احتجاج أحمد هو من الوجه الذي تقدم، كما حكينا لفظ المروذي (٧) في كتابه الذي عرض على أحمد. والمقصود هنا (٨) الكلام على قول الطائفة الثانية الذين قالوا: إن القرآن هو الحروف والأصوات دون المعاني، ثم إن قولهم هذا: متناقض في نفسه، فإن الحروف والأصوات التي سمعها موسى عبرية، والتي ذكرها الله عنه في القرآن عربية، فلو لم يكن الكلام إلّا مجرد الحروف والأصوات، لم يكن بين الكلام الذي سمعه موسى، والذي

стр. 457

ذكره الله أنه سمعه قدر مشترك أصلًا (١)، بل كان يكون الإخبار بأنه سمع هذه الأصوات التي لم يسمعها كذب، وكذلك سائر من حكى الله في القرآن أنه قال من الأمم المتقدمة الذين تكلموا بغير العربية، فإنما تكلموا بلغتهم، وقد حكى الله ذلك باللغة التي أنزل بها القرآن وهي العربية، وكلام الله صدق، فلو كان قولهم: مجرد الحروف والأصوات، والحروف والأصوات التي قالوها ليست مثل هذه، لم تكن الحكاية عنهم مطلقًا، بل كلامهم كان حروفًا (٢)، ومعاني، فحكى الله ذلك عنهم (٣) بلغة أخرى، والحروف تابعة للمعاني، والمعاني هي المقصود الأعظم، كما يترجم كلام سائر المخلوقين (٤). وهؤلاء المثبتة (٥) الذين وافقوا أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ووافقوا المعتزلة على أن الكلام ليس هو إلا مجرد الحروف والأصوات يقولون: إن كلام الله القائم به ليس هو إلا مجرد الحروف والأصوات، وهذا هو الذي بينته أيضًا في جواب المحنة (٦)، وبينت أن هذا لم يقله أحد من السلف، ولا قالوا- أيضًا: إنه معنى قائم بذاته، بل كلاهما بدعة وأنا ليس في كلامي شيء من البدع. ثم منهم من (٧) يقول: هو مع ذلك قديم غير حادث، لموافقتهم

стр. 458

الطائفة الأولى على أن معنى قول السلف: إن (١) القرآن كلام الله غير مخلوق، أنه صفة قديمة قائمة بذاته لا يتعلق بمشيئته واختياره قط. ومنهم (٢) من لا يقول ذلك، بل يقول: هو وإن كان مجرد الحروف والأصوات وهو قائم به، فإنه يتعلق بمشيئته واختياره، وأنه إذا شاء تكلم بذلك، وإذا شاء سكت، وإن كان لم يزل كذلك. وظن الموافقون (٣) للسلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، من القائلين (٤): بأن الكلام ليس إلّا معنى في النفس، وكثير من

стр. 459

القائلين: بأنه ليس إلّا الحروف والأصوات أن (١) معنى قول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، أنه صفة قديمة قائمة بذاته لا يتعلق بمشيئته واختياره وإرادته وقدرته، وهذا اعتقدوه في جميع الأمور المضافة إلى الله أنها [إما] (٢) أن تكون مخلوقة منفصلة عن الله، وإما أن تكون قديمة غير متعلقة بمشيئته وإرادته وقدرته (٣). ومنعوا أن يقال: إنه يتكلم إذا شاء، أو يتكلم بما شاء (٤)، أو إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، أو أنه قادر على الكلام أو التكلم، أو إنه يستطيع أن يتكلم بشيء دون شيء، أو إنه إن (٥) شاء تكلم، وإن شاء سكت أو إنه يقدر على الكلام والسكوت. كما يمتنع أن يقال: إنه يحيى إذا شاء، أو إنه يقدر على أن يحيى وعلى أن لا يحيى (٦)، إذ (٧) الحياة صفة لازمة لذاته يمتنع أن يكون إلّا حيًّا قيومًا- سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. فاعتقد هؤلاء في الكلام والإرادة والمحبة والبغض والرضا والسخط والإتيان والمجيء والاستواء على العرش والفرح والضحك مثل الحياة. وأول من أظهر هذا القول من الموافقين لأهل السنة في الأصول الكبار (٨) هو عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهذا مقتضى ما ذكره الأشعري

стр. 460

في المقالات (١)، فإنه لم يذكر ذلك عن أحد قبله، لكن (٢) ذكر عن بعض المرجئة أنه يقول بقوله (٣)، وذكر عن بعض الزيدية ما يحتمل أن يكون موافقًا لبعض قوله (٤). وذكر (٥) أبو الحسن في كتاب المقالات (٦) قول أهل الحديث، وأهل السنة: فقال: (هذه حكاية قول جملة (٧) أصحاب الحديث، وأهل السنة). جملة ما عليه أصحاب (٨) الحديث وأهل (٩) السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئًا، والله تعالى إله واحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١٠)، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١١)،

стр. 461

وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (١)، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢)، وأن له وجهًا، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣). وأن أسماء الله لا يقال: إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علمًا كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٤) وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ (٥). وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله، كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٦). وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر (٧) إلّا ما شاء الله، وإن الأشياء تكون بمشيئة الله تعالى، كما قالت: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٨)، وكما (٩) قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لا (١٠) يشاء لا يكون. وقالوا: إن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله، أو يكون

стр. 462

أحد يقدر أن يخرج عن (١) علم الله، أو أن يفعل شيئًا علم الله أنه لا يفعله. وأقروا أنه لا خالق إلّا الله (٢)، وأن أعمال العباد يخلقها الله تعالى وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا. وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين، ولطف بالمؤمنين (٣) ونظر [لهم] (٤) وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف بالكافرين (٥)، ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين (٦)، ويلطف بهم (٧) حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم، ولم يصلحهم (٨)، وطبع على قلوبهم. وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، ويؤمنون بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله، كما قال، ويُلْجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال. ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، و (٩) الكلام في الوقف

стр. 463

واللفظ، من قال بالوقف أو باللفظ (١): فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق. ويقولون: إن الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢)، وإن موسى ﵇ سأل الله الرؤية في الدنيا، وإن الله تجلى للجبل فجعله دكًّا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه (٣) في الدنيا، بل يراه في الآخرة. ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذئب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر (٤).

стр. 464

والإيمان -عندهم- هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خير وشره وحلوه (١) ومره، وأن ما (٢) أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن (٣) ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، والإسلام أن يشهدوا أن لا إله إلّا الله على ما جاء (٤) في الحديث (٥)، والإسلام عندهم غير. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 465

الإيمان (١).

стр. 466

ويقرون بأن الله مقلب القلوب. ويقرون بشفاعة رسول الله ﷺ وأنها لأهل الكبائر من أمته (١)، وبعذاب القبر، وأن الحوض (٢) حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، والمحاسبة من الله للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق. ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق، ولا يقولون: أسماء الله هي الله، ولا غير الله، ولا يشهدون (٣) على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله ينزلهم حيث شاء، ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، ويؤمنون (٤) بأن الله تعالى يخرج قومًا من الموحدين من النار، على

стр. 467

ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ (١)، وينكرون الجدل والمراء في الدين، والخصومة في القدر، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم، بالتسليم (٢) للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقاة عدلًا عن عدلٍ حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . ولا يقولون: كيف؟ ولا لِمَ؟ لأن ذلك بدعة. ويقولون: إن الله لم يأمر بالشر، بل نهى عنه، وأمر بالخير، ولم يرض بالشر، وإن كان مريدًا له. ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم، ويقدمون أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليًّا (٣) -رضي الله تعالى عنهم- ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون، أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ . ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ "أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر. . . " (٤) كما جاء الحديث عن

стр. 468

رسول الله ﷺ . ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال الله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يبتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله. ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢)، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال (٣): ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٤). ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كل إمام بر وفاجر، ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه (٥) في الحضر والسفر. ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ بعث [الله] (٦) نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال، وبعد ذلك. ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأن لا يخرجوا عليهم

стр. 469

بالسيف، وأن لا يقاتلوهم في الفتنة. ويصدقون (١) بخروج الدجال، وأن عيسى بن مريم يقتله. ويؤمنون بمنكر ونكير، والمعراج، والرؤيا في المنام، وأن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم. ويصدقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر [كافر] (٢)، كما قال الله (٣) وأن السحر (٤) كائن موجود في الدنيا (٥).

стр. 470

ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة مؤمنهم (١) وفاجرهم ومواراتهم. ويقرون بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات مات بأجله، وكذلك من قتل قتل بأجله. وأن الأرزاق من قبل الله -تعالى- يرزقها عباده، حلالًا كانت أو حرامًا. وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه (٢). وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله بآيات تظهر عليهم. وأن السنة لا تنسخ القرآن (٣). وأن الأطفال أمرهم إلى الله تعالى، إن شاء عذبهم، وإن شاء فعل بهم ما أراد. [وأن الله] (٤) عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله تعالى.

стр. 471

ويرون الصبر على حكم الله، والأخذ بما أمر الله تعالى به، والانتهاء عما نهى عنه (١)، وإخلاص العمل، والنصيحة للمسلمين، ويدينون بعبادة الله تعالى في العابدين، والنصيحة لجماعة المسلمين، واجتناب الكبائر، والزنا، وقول الزور، والعصبية (٢)، والفخر، والكبر والإزراء (٣) على الناس، والعجب. ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة، والسعاية، وتفقد (٤) المأكل والمشرب. قال (٥): فهذه جملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلّا بالله، وهو حسبنا (٦)، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير. قال (٧): فأما أصحاب عبد الله بن سعيد فإنهم يقولون بأكثر ما (٨) ذكرناه عن أهل السنة، ويثبتون أن الباري لم يزل حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا عزيزًا عظيمًا جليلًا كبيرًا كريمًا مريدًا متكلمًا جوادًا. ويثبتون العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والعظمة والجلال

стр. 472

والكبرياء والإرادة والكلام صفات لله تعالى. وقال (١): ويقولون أسماء الله تعالى وصفاته، لا يقال: هي غيره، ولا يقال: إن علمه غيره، كما قالت الجهمية، ولا يقال: إن علمه هو هو، كما قال بعض المعتزلة، وكذلك قولهم في سائر الصفات. فذكر الأشعري أن أصحاب ابن كلاب يقولون بأكثر قول أهل الحديث، وأن لهم زيادة أخرى، وذلك دليل على أنهم ينقصون عن أقوالهم. فأما قول ابن كلاب في القرآن فلم يذكره الأشعري إلا عنه وحده، وجعل له ترجمة، فقال (٢): وهذا قول عبد الله بن كلاب. قال (٣) عبد الله بن كلاب: إن الله لم يزل متكلمًا، وإن كلام الله صفة له قائمة به، وإنه قديم بكلامه (٤)، وإن كلامه قائم به كما أن العلم قائم به والقدرة قائمة به، وهو قديم بعلمه وقدرته، وإن الكلام ليس بحرف (٥) ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وإنه معنى واحد بالله تعالى، وإن الرسم هو الحروف المتغايرة، وهو قراءة القارئ وأنه خطأ أن يقال: كلام الله هو هو أو بعضه أو غيره، وإن العبارات عن كلام الله تختلف وتتغاير، وكلام الله ليس بمختلف ولا متغاير، كما أن ذكرنا لله يختلف ويتغاير، والمذكور لا يختلف ولا يتغاير، وإنما سمي كلام الله عربيًّا، لأن الرسم (٦) الذي هو العبارة

стр. 473

عنه وهو قراءته عربي فسمي عربيًّا لعلة، وكذلك سمي عبرانيًّا لعلة (١)، وكذلك سمي أمرًا لعلة، وسمي نهيًا لعلة، وخبرًا لعلة، ولم يزل الله متكلمًا قبل أن يسمى كلامه أمرًا، وقبل وجود العلة التي بها (٢) سمي كلامه أمرًا، وكذلك القول في تسميته نهيًا وخبرًا، وأنكر أن يكون الباري لم يزل مخبرًا، وكذلك (٣) لم يزل ناهيًا). فهذه حكاية الأشعري عن ابن كلاب أنه يقول: إن الله لم يزل متكلمًا، وإن كلامه صفة قائمة (٤) به كعلمه وقدرته، وكذلك سائر الصفات التي يثبتها لله تعالى هي عنده قديمة قائمة بالله غير متعلقة بمشيئته وقدرته. وأما الجهميّة المحضة من المعتزلة وغيرهم فعندهم لا يقوم (٥) به شيء من هذه الصفات ولا غيرها، بل كل ما يضاف إليه فإنما يعود معناه إلى أمر مخلوق منفصل عنه، كما قالوه في الكلام، ولما قال أولئك لهؤلاء: إن الحروف لا تكون إلّا متعاقبة ولا بد لها من مخارج، وكلاهما يمنع قدمها، قال لهم هؤلاء: هذا بعينه وارد في المعنى، فإن المعاني مطابقة للحروف في الترتيب، وهي مفتقرة إلى محل كافتقار الحروف، فما قيل في أحدهما قيل في الآخر، ولما زعم أولئك أن الكلام كله هو معنى واحد، قال هؤلاء: إن جاز أن يعقل أن المعاني المتنوعة تعود إلى معنى (٦) واحد، جاز أن يعقل أن الحروف المتنوعة

стр. 474

تعود إلى حرف واحد، وقالوا لهم -أيضًا- الترتيب نوعان (١): ترتيب ذاتي، وترتيب وجودي (٢)، فالأول: كترتيب العلم على الحياة والمعلول على العلة التامة، وهؤلاء الذين فسروا قولهم بأنه غير مخلوق: بأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته سواء قالوا: إنه معنى أو هو حروف أو هو حرف ومعنى (٣)، يقولون: إن المخلوق هو المحدث وهو ما يحدثه الله تعالى منفصلًا عنه، وإنه ما ثم (٤) إلا قديم أو مخلوق، وما كان قديمًا (٥) فإنه لازم لذات الله -تعالى- ولا يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا يكون فعلًا له، وما كان محدثًا فهو المخلوق المنفصل عن الله -تعالى- وهو المتعلق بمشيئته وقدرته، ولا يقوم (٦) عندهم بذات الله فعل ولا كلام ولا إرادة، ولا غير ذلك مما يتعلق بمشيئته وقدرته، ويقولون: لا تحل الحوادث بذاته، ولا يجوز عليه الحركة، ولا فعل حادث، ولا غير ذلك، وهؤلاء يتأولون كل ما ورد في الكتاب والسنة مما يخالف ذلك، وهو كثير جدًّا، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧)، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٨)، وكما وصف به نفسه من المجيء، والإتيان، والنزول، وغضبه يوم القيامة، ورضاه على أهل الجنة، وتكليمه لموسى ولعباده يوم القيامة (٩)، وتكلمه بالوحي إذا تكلم به فسمعته الملائكة.

стр. 475

وهؤلاء جميعًا يحتجون على قدم القرآن، بحجتهم المشهورة التي هي أصل (١) المذهب، التي احتج بها الأشعري وأصحابه، والقاضي أبو يعلى (٢)، وابن عقيل (٣)، وأبو الحسن الزاغوني (٤)، وغيرهم، وهي التي تقدم ذكرها (٥) في بيان أصل الطائفة الأولى عن أبي المعالي، لأنه اعتقد أنه صاغها على وجه يدفع بها بعض الأسئلة، وقد ذكرنا ذلك، ونبين أنه بناها على امتناع حلول الحوادث به، ونحن نذكرها هنا كما ذكرها هؤلاء، فإن هذا مشهور في كلامهم كلهم، وقد اعترف أصحاب الأشعري أن هذه الطريقة هي عمدته، وعمدة غيره من أئمتهم كالقاضي أبي بكر (٦)، وأبي إسحاق (٧)، وابن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 476

فورك (١)، وأبي منصور (٢) على قدم الكلام (٣). قال (٤): لو كان كلام الباري حادثًا لم يخل من أن يقوم (٥) بذات الباري تعالى (٦) فيكون محلًا للحوادث بمثابة الجواهر، أو يحدث لا في محل وذلك محال، لأنه يؤدي إلى إبطال التفرقة بين ما يقوم بنفسه وبين

стр. 477

ما لا يقوم بنفسه، على أن في نفي المحل نفي اختصاصه، [إذ أليس (١) اختصاصه به -سبحانه- أولى من اختصاصه] (٢) بغيره، وإن حدث في محل آخر وقام به كان كلامًا لذلك المحل، وكان المحل به متكلمًا آمرًا ناهيًا، لأن كل قائم بمحل اختص به اختصاصًا يجب أن يضاف إليه عند العبارة بأخص أوصافه، يشتق له أو للجملة التي المحل منها وصف منه إما من أخص (٣) وصفه أو أعم [أوصافه] (٤) أو من معناه، أو يصح إضافته إليه بأخص وصفه فإذا لم يكن ذلك بطل أن يخلق كلامه في محل، وإذا بطلت هذه الأقسام بطل كونه حادثًا. وقال طائفة: منهم القاضيان: أبو علي بن [أبي موسى] (٥)،

стр. 478

وأبو يعلى، وابن عقيل، وأبو الحسن الزاغوني -وهذا لفظه (١) -. قال: والطريق الثاني المعقول، وفيه أدلة نذكر منها الجلي من معتمداتها، فمن ذلك نقول (٢): لو كان كلام الله مخلوقًا، لم يخل أن يكون مخلوقًا في محل أو لا في محل، فإن كان في محل، فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري سبحانه، أو ذاتًا (٣) غير ذاته مخلوقة، ومحال أن يكون خلقه الله في ذاته، لأن ذلك يوجب كون ذاته -تعالى- محلًا للحوادث، وهذا محال اتفقت الأئمة قاطبة على إحالته. ومحال أن يكون في محل هو ذات غير ذاته- تعالى، لأن ذلك

стр. 479

يوجب أن يكون كلامًا لتلك الذات ولا يكون كلامًا لله -تعالى- ولأنه لو جاز أن يكون كلامًا لله -تعالى- يقال له كلامه وصفته، لجاز أن يقال مثل ذلك في سائر الصفات، مثل الكون واللون والحركة والسكون والإرادة، إلى غير ذلك من الصفات، وهذا مما اتفقنا (١) على بطلانه. ومحال أن يكون خلقه لا في محل من جهة أن الكلام صفة، والصفات لا بد لها من محل تقوم به، ولو جاز أن يقال: كلام الله لا في محل، لجاز أن يقال: إرادة وحركة وشهوة وفعل ولون لا في محل، وهذا مما يعلم إحالته قطعًا، وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنه غير مخلوق. ثم قال (٢): قالوا: قد وصفنا (٣) الباري بأشياء حدثت في غيره، ألا ترى أنا نصفه بأنه محسن بإحسان أحدثه في حق عباده، ونصفه بأنه كاتب لوجود كتابة أحدثها في اللوح المحفوظ، فما كان يمتنع بأن (٤) يكون ها هنا مثله؟ قلنا: الإحسان صفة قائمة بنفس المحسن، وليس (٥) توقف وصفه بهذه الصفة على وجود الإحسان منه، وإذا ظهر إحسانه على خلقه كان

стр. 480

ذلك أثر (١) وصفه بالإحسان، لأن ما فعله هو صفته، وجرى ذلك مجرى وصفه بأنه صانع، فإنه يوصف بذلك، لأنه عالم بحقيقة المصنوع، لا أن الصنعة (٢) هي المصنوع، وكذلك القول في وصفه بأنه كاتب، لأن الكتابة تجري مجرى الصنعة (٣) في أنها نوع من أنواع العلوم بكيفيات المنفعل في إيجاد فعله، وذلك أمر غير المصنوع وهذا بين واضح. قلت: هذا الإلزام (٤) بالمحسن والكاتب والعادل والخالق ونحو ذلك، هو إلزام مشهور للمعتزلة على قول أهل الإثبات، باطنه أن المتكلم لا بد أن يقوم به الكلام، فألزموهم أسماء الأفعال، وهذا السؤال هو الذي ضعضع هذه الحجة عند أبي المعالي الجويني والرازي وغيرهم، لما ألزمهم (٥) المعتزلة بذلك، ولهذا عدل عنها أبو المعالي إلى أن قال (٦): قد حصل الاتفاق على أنه سبحانه متكلم بكلامه، وأنه لا بد من ضرب من الاختصاص في إضافة الكلام إليه، ثم الاختصاص: إما اختصاص قيام، وإما أن يكون اختصاص فعل بفاعل، والثاني باطل، لأنه لا فرق بين خلق الأجسام وأنواع الأعراض، وبين خلق الكلام، في أنه لا يرجع إلى القديم سبحانه صفة حقيقة من جميع ما خلقه. قلت: فهو في هذا لم يلتزم أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، لئلا ترد عليه المعارضات، لكن قال: يزول

стр. 481

الاختصاص، وهذا الذي ذكره في الحقيقة مستلزم (١) لذلك وملزوم له، فإن الكلام له اختصاص، فإن لم يكن بفاعله كان بمحله، والمعارضات واردة لا محالة. وأجاب غيره عن أسماء (٢) العادل والمحسن ونحوهما بأن قالوا: العادل من تمام الأسماء عندنا، لأنه فاعل العدل، وإنما يشترط قيام العدل بالعادل منّالا (٣) من حيث كان فاعلًا للعدل، بل لخصوص وصف ذلك الفعل، فإن العدل قد يكون حركة أو سكونًا أو نحوهما، فمن ذلك الوجه يجب قيامه به، وكل معنى له ضد فشرط قيامه بالموصوف به، والذي يسمى عدلًا فينا من (٤) الأفعال، فله ضد وهو الجور، فمن ذلك يجب قيامه بالفاعل منا. قلت: هذه فروق لا حقيقة لها عند التأمل، فإن قيام الكلام بالمتكلم، كقيام الفعل بالفاعل سواء، لا فرق بينهما في الشاهد، ولا في اللغة والاشتقاق، ولا في القياس العقلي، ولهذا عدل الرازي عن تقرير الطريقة المشهورة بأن (٥) المتكلم من قام به الكلام إذا (٦) كانت تحتاج إلى هذه المقدمة، وإلى نفي جواز كونه محلًا للحوادث، وأثبت ذلك بطريقة في غاية الضعف، وهي الإجماع الجدلي المركب (٧).

стр. 482

والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد لهم في مسائل الصفات والقدر، فجعلوه موصوفًا بمفعولاته القائمة بغيره، حتى قالوا: من فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل السفه فهو سفيه، ومن فعل الكذب فهو كاذب، ونحو ذلك، فكل هذا باطل، بل الموصوف بهذه الأسماء من قامت به هذه الأفعال، لا من جعلها دعلًا لغيره أو قائمة بغيره. والأشعرية عجزوا عن مناظرتهم في هذا المقام، في مسألة القرآن، ومسائل القدر، بكونهم سلموا لهم أن الرب لا تقوم به صفة فعلية، فلا يقوم به عدل ولا إحسان ولا تأثير أصلًا (١)، لزمهم أن يقولوا: هو موصوف بمفعولاته، فلا يجب أن يكون القرآن قائمًا به، ويكون مسمى بأسماء القبائح التي خلقها. لكن أبو محمد بن كلّاب يقول (٢): لم يزل كريمًا جوادًا، فهذا قد

стр. 483

يجب [عن صفة] (١) الإحسان (٢) وحدها بذلك. وأما سائر أهل الإثبات من أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام، من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم، فيقولون: إن الرب تقوم به الأفعال، فيتصف به طردًا لما (٣) ذكر في الكلام، وأن الفاعل من قام به الفعل، فالعادل والمحسن من قام به العدل والإحسان، كما أشرنا إلى هذا فيما تقدم، وبهذا (٤) أجاب القاضي (٥) وأبو الحسن بن الزاغوني وغيرهم، فجواب (٦) هؤلاء للمعتزلة جيد (٧)، لكن تنازع هؤلاء هل ما يقوم به يمتنع تعلقه بمشيئته وقدرته؟ فالقاضي وابن الزاغوني وغيرهم، مشوا على أصلهم في امتناع قيام الحوادث به، ولكن تفسيرهم للصانع والكاتب بالعالم، ليس بمستقيم على هذا الأصل، فإنه إذا جاز أن تفسر (٨) الأفعال بالعلم قيل مثل ذلك في الجميع فبطل الأصل، بل الكتابة والصنعة (٩) فعل يقوم به وإن استلزم العلم، وهل يجب أن يكون قديمًا لا يتعلق بمشيئته وقدرته؟ أو يجوز أن يكون من ذلك ما يتعلق

стр. 484

بمشيئته وقدرته؟ على القولين في الكلام والأفعال (١). وقد ظن من ذكر من هؤلاء كأبي علي وأبي الحسن بن الزغواني، أن الأمة قاطبة اتفقت على أنه لا تقوم به الحوادث، وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه، وهذا مبلغهم من العلم (٢)، وهذا الإجماع نظير غيره من الإجماعات (٣) الباطلة المدعاة في الكلام وغيره (٤) -وما أكثرها- فمن تدبر (٥) وجد عامة المقالات الفاسدة يبنونها على مقدمات لا تثبت إلّا بإجماع مدعى أو قياس، وكلاهما عند التحقيق يكون باطلًا. ثم إن من العجب أن بعض متكلمة أهل الحديث، من أصحاب أحمد وغيرهم (٦)، يدعون مثل هذا الإجماع، مع النصوص الكثيرة عن أصحابهم بنقيض ذلك، بل عن إمامهم وغيره (٧) من الأئمة، حتى في لفظ الحركة والانتقال بينهم في ذلك نزاع مشهور، وقد أثبت ذلك [طوائف] (٨) مثل ابن حامد (٩) وغيره، وقد ذكر إجماع أهل السنة على

стр. 485

ذلك حرب الكرماني (١)، وعثمان بن سعيد الدارمي (٢) وغيرهما من علماء السنة المشهورين. فليتدبر العاقل ما وقع في هذه الأصول من الاضطراب، وليحمد الله على الهداية، وليقل: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا للإيمان

стр. 486

ولا تجعل في قلوبنا غِلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، ولكن نعرف أن هذه الحجة تبين فساد قول الجهمية من المعتزلة (١) الذين يقولون: خلق الله كلامه في محل، فما ذكروه يبين فساد هذا القول، الذي اتفق (٢) سلف الأمة وأئمتها على ضلالة قائله، بل ذلك عند من يعرف ما جاء به الرسول معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، ولكن هذا يسلم ويطرد لمن جعل الأفعال قائمة به، وجعل صفة التكوين قائمة به، ولهذا انتقضت على الأشعرية دون الجهمية (٣)، ويبين أن كلام الله قائم به، وهذا حق. وأما كونه لا يتكلم إذا شاء، ولا يقدر أن يتكلم بما شاء، فهذا لا يصح إلّا بما ابتدعته الجهمية من قولهم: لا يتحرك، ولا تحل به الحوادث، وبذلك نفوا أن يكون استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويًا، وأن يجيء يوم القيامة، وغير ذلك مما وصف به نفسه في الكتاب والسنة. وأما قول هؤلاء (٤): لو خلقه في نفسه لكانت ذاته محلًا للحوادث، فالذين يقولون: إنه يتكلم إذا شاء لا يقولون: إنه يخلق في نفسه شيئًا، إذ (٥) الخلق هو فعل -أيضًا- قائم به عندهم بمشيئته، فلا يكون للخلق خلق آخر، وإلّا لزم الدور والتسلسل، ولهذا لم يقل أحد

стр. 487

ممن قال بذلك: إن كلامه مخلوق، بل كل من قال: إن (١) كلامه مخلوق، فإنما مراده أنه يخلقه منفصلًا عنه، والسلف علموا أن هذا مرادهم، فجعلوا يبينون فساد (٢) ذلك، كقول مالك وأحمد وغيرهما: كلام الله من الله، ولا يكون من الله شيء مخلوق (٣)، وقولهم: كلام الله من الله ليس ببائن عنه، وقول أحمد لمن سأله: أليس كلامك (٤) منك؟ قال: بلى، قال: فكلام الله من الله (٥)، ومثل هذا كثير في كلامهم، فلو أن المحتج قال: اتفق المسلمون على أنه لا يخلق في ذاته شيئًا،

стр. 488

لكان هذا كلامًا صحيحًا، فإن أحدًا لم يطلق عليه أنه يخلق في نفسه شيئًا -فيما أعلم- بخلاف اللفظ الذي ادعاه، فإن النزاع فيه [من] (١) أشهر الأمور، والذين أثبتوا ذلك أكثر من الذين نفوه من أهل الحديث وأهل الكلام جميعًا، ولكن اتفاق الأمة -فيما أعلم- على (٢) أنه لا يخلق في نفسه شيئًا يبطل مذهب المعتزلة، ولا يدل على أنه قديم لا يتعلق بمشيئته وقدرته ولعل هذه هي (٣) حجة عبد العزيز الكناني (٤). ولهذا النزاع العظيم بين الذين يقولون (٥): هو مخلوق أو محدث، بمعنى أنه أحدثه في غيره، والذين يقولون (٦): هو قديم لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إذا تدبره اللبيب، وجد كل طائفة أنما تقيم الحجج على إبطال

стр. 489

قول خصمها، لا على صحة قولها. أما الذين ينفون الخلق عنه (١)، فأدلتهم عامتها مبنية على أنه لا بد من قيام الكلام به، وأنه يمتنع أن يكون متكلمًا بكلام لا يقوم إلا بغيره وهذا أصل صحيح وهو من أصول السلف الذين بينوا [به] (٢) فساد قول الجهمية. وأما الذين قالوا: مخلوق فليس لهم حجة إلّا ما يتضمن أنه متعلق بمشيئته وقدرته، وأن ذلك يمنع كونه قديمًا، وذلك كقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ (٣) ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤)، ﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ (٥)، لا يكون إلّا بعد وجود المخبر عنه وإلّا كان كذابًا، لأنه إخبار عن الماضي، وكذلك إخباره عن أقوال الأمم المتقدمة، ومخاطبة (٦) بعضهم بعضًا بقوله: قالوا، وقالوا كذلك، فهذا لا يكون إلّا بعد وجود المخبر عنه. وقولهم (٧): إنه موصوف بأنه مجعول عربيًّا، وإنه أحكمت آياته ثم فصلت، وهذا إخبار بفعل منه تعلق به، وذلك يوجب تعلقه بمشيئته وقدرته، وقد نص أحمد على أن (الجعل) فعل من الله غير (الخلق) كما تقدم ذكر لفظه (٨). وقد حققوا (٩) ذلك بأن الله ذكر أنه جعله عربيًّا على وجه الامتنان علينا به، والامتنان إنما يكون بفعله المتعلق بمشيئته وقدرته، لا بالأمور

стр. 490

اللازمة لذاته، ومن خالف ذلك أجابوا بجواب ضعيف، كقول ابن الزاغوني: جعلناه: أي أظهرناه وأنزلناه. فيقال لهم: يكفي في ذلك أن يقال: أنزلناه قرآنًا عربيًّا، فإنه عندكم لا يقدر على أن ينزله ويظهره غير عربي، ولا يمكن ذلك، فإذا كان ذلك ممتنعًا لذاته فكيف يمتن بترك فعله؟ وإنما الممكن أن ينزله أو لا ينزله، أما أن ينزله عربيًّا وغير عربي، فهذا ممتنع عندهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (١) فعلم أن جعله عجميًّا كان ممكنًا، وعندهم ذلك غير ممكن، وهذا -أيضًا- حجة على من جعل العبارة مخلوقة منفصلة عن الله، لأنه جعل القرآن نفسه عربيًّا وعجميًّا، وعندهم لا يكون ذلك إلّا في العبارة المخلوقة، لا في نفس القرآن الذي هو غير مخلوق، وعندهم (٢) المعنى الذي عبارته عربية هو الذي عبارته سريانية (٣) وعبرانية (٤)، فإن جاز أن يقال: هو عربي لكون عبارته كذلك، كان كلام الله هو عربي عجمي سرياني عبراني، لأن الموصوف بذلك شيء واحد عندهم (٥). وكتاب الله يدل على أن كلامه يقدر أن يجعله عربيًّا، وأن يجعله

стр. 491

عجميًّا، وهو متكلم به ليس مخلوقًا منفصلًا عنه. وأما أئمة أهل الحديث والفقهاء والصوفية وطوائف أهل الكلام الذين خالفوا المعتزلة قديمًا من المرجئة والشيعة ثم الكرامية وغيرهم فيخالفون في ذلك، ويجعلون هذه الأفعال القائمة بذاته متعلقة بمشيئته وقدرته. وأصحاب الإمام أحمد قد تنازعوا في ذلك (١) كما تنازع غيرهم، وذكر أبو بكر عبد العزيز عنهم في المقنع قولين (٢). وحكى الحارث المحاسبي (٣) القولين (٤) عن أهل السنة، ولكن المنصوص الصريح عن الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة يوافق هذا

стр. 492

القول، كما ذكرناه من كلامه في الرد على الجهمية (١)، فإن الجهمي لما قال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، فنفى المستقبل كما نفى الماضي. قال أحمد (٢): فكيف يصنعون بحديث عدي بن حاتم؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلّا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان" (٣). ثم قال أحمد: والجوارح إذا شهدت على الكافرين [فقالوا: لم شهدتم علينا] (٤) ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥) أتراها نطقت بجوف وشفتين وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كما شاء، فكذلك تكلم الله كيف شاء، من غير أن نقول: جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان. فذكر أن الله يتكلم كيف [يشاء] (٦)، ومن يقول بالأول يقول: إن تكلمه لا يتعلق بالمشيئة، إذ لا يتعلق بالمشيئة عندهم إلّا المحدث، الذي هو مخلوق منفصل. ثم قال (٧) أحمد: (وحديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الكلام (٨) الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك (٩)، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.

стр. 493

قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا (١): صف لنا كلام ربك، فقال: سبحان الله!! وهل أستطيع أن أصفه لكم؟. قالوا: فشبهه، قال: أسمعتم (٢) الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله (٣). فقوله: إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، أي: لغة، ولي قوة الألسن كلها، أي: اللغات كلها، وأنا أقوى من ذلك (٤). فيه بيان أن الكلام يكون بقوة الله وقدرته، وأنه يقدر أن يتكلم بكلام أقوى من كلام، وهذا صريح في قول هؤلاء، كما هو صريح في أنَّه كلمه بصوت، وكان (٥) يمكنه أن يتكلم بأقوى من ذلك الصوت، وبدون ذلك الصوت. وكذلك قول أحمد (٦): وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة ﴿يَا عِيسَى﴾ (٧). وقلنا (٨): فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٩).

стр. 494

فإنه دليل على أنَّه سألهم عن تكليمه في المستقبل [حيث أنكروا أن يكون منه تكليم في المستقبل] (١). ثم لما قالوا: يكون (٢) شيئًا فيعبر عن الله قال (٣): قلنا: قد أعظمتم على الله الفرية، حيث (٤) زعمتم أن الله لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك (٥)، ولا تزول من مكان [إلى مكان] (٦). فقد حكى عنهم منكرًا عليهم نفيهم عن الله تعالى أن يتكلم، أو يتحرك، أو يزول من مكان إلى مكان. ثم إنه قال (٧): فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد (٨) يتكلم، ولكن كلامه مخلوق. فقلنا (٩): وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله ﵎ بخلقه، حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم أن الله تعالى [قد] (١٠) كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتَّى خلق التكلم، وكذلك

стр. 495

بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتَّى خلق لهم (١) كلامًا، فقد (٢) جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله - جل ثناؤه - عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله - جل ثناؤه - لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتَّى خلق [فتكلم] (٣)، ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتَّى خلق فعلم (٤) ولا نقول: إن الله قد (٥) كان ولا قدرة (٦) حتَّى خلق لنفسه قدرة (٧). فهذا من كلامه يبين أن أولئك الذين قالوا: كلامه مخلوق أرادوا أنَّه لم يكن متكلمًا حتَّى خلق الكلام إذ هذا معنى قولهم: قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق، إذ المخلوق هو القائم ببعض الأجسام، فعندهم تكلمه مثل بعض الأعيان المخلوقة، ولهذا يمتنع عندهم أن يكون قبل ذلك متكلمًا، فرد أحمد هذا بأن هذا تشبيه بالإنسان الَّذي كان عاجزًا عن التكلم لصغره حتَّى خلق الله له كلامًا، فمن مر عليه وقت وهو غير موصوف فيه بأنه متكلم إذا شاء، مقتدر على الكلام، كان ناقصًا، ففي ذلك كفر لجحد (٨) كمال الرب وصفته، وتشبيهه له بالإنسان العاجز، ولهذا قال: بل نقول لم يزل متكلمًا إذا شاء، فجمع بين الأمرين، بين كونه لم يزل متكلمًا، وبين كون ذلك متعلقًا بمشيئته، وأنه لا يجوز نفي التكلم عنه إلى (٩) أن يخلق التكلم، كما لا يجوز نفي العلم والقدرة
следующие страницы →