← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عجميًّا، وهو متكلم به ليس مخلوقًا منفصلًا عنه. وأما أئمة أهل الحديث والفقهاء والصوفية وطوائف أهل الكلام الذين خالفوا المعتزلة قديمًا من المرجئة والشيعة ثم الكرامية وغيرهم فيخالفون في ذلك، ويجعلون هذه الأفعال القائمة بذاته متعلقة بمشيئته وقدرته. وأصحاب الإمام أحمد قد تنازعوا في ذلك (١) كما تنازع غيرهم، وذكر أبو بكر عبد العزيز عنهم في المقنع قولين (٢). وحكى الحارث المحاسبي (٣) القولين (٤) عن أهل السنة، ولكن المنصوص الصريح عن الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة يوافق هذا

стр. 492

القول، كما ذكرناه من كلامه في الرد على الجهمية (١)، فإن الجهمي لما قال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، فنفى المستقبل كما نفى الماضي. قال أحمد (٢): فكيف يصنعون بحديث عدي بن حاتم؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلّا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان" (٣). ثم قال أحمد: والجوارح إذا شهدت على الكافرين [فقالوا: لم شهدتم علينا] (٤) ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥) أتراها نطقت بجوف وشفتين وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كما شاء، فكذلك تكلم الله كيف شاء، من غير أن نقول: جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان. فذكر أن الله يتكلم كيف [يشاء] (٦)، ومن يقول بالأول يقول: إن تكلمه لا يتعلق بالمشيئة، إذ لا يتعلق بالمشيئة عندهم إلّا المحدث، الذي هو مخلوق منفصل. ثم قال (٧) أحمد: (وحديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الكلام (٨) الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك (٩)، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.

стр. 493

قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا (١): صف لنا كلام ربك، فقال: سبحان الله!! وهل أستطيع أن أصفه لكم؟. قالوا: فشبهه، قال: أسمعتم (٢) الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله (٣). فقوله: إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، أي: لغة، ولي قوة الألسن كلها، أي: اللغات كلها، وأنا أقوى من ذلك (٤). فيه بيان أن الكلام يكون بقوة الله وقدرته، وأنه يقدر أن يتكلم بكلام أقوى من كلام، وهذا صريح في قول هؤلاء، كما هو صريح في أنَّه كلمه بصوت، وكان (٥) يمكنه أن يتكلم بأقوى من ذلك الصوت، وبدون ذلك الصوت. وكذلك قول أحمد (٦): وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة ﴿يَا عِيسَى﴾ (٧). وقلنا (٨): فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٩).

стр. 494

فإنه دليل على أنَّه سألهم عن تكليمه في المستقبل [حيث أنكروا أن يكون منه تكليم في المستقبل] (١). ثم لما قالوا: يكون (٢) شيئًا فيعبر عن الله قال (٣): قلنا: قد أعظمتم على الله الفرية، حيث (٤) زعمتم أن الله لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك (٥)، ولا تزول من مكان [إلى مكان] (٦). فقد حكى عنهم منكرًا عليهم نفيهم عن الله تعالى أن يتكلم، أو يتحرك، أو يزول من مكان إلى مكان. ثم إنه قال (٧): فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد (٨) يتكلم، ولكن كلامه مخلوق. فقلنا (٩): وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله ﵎ بخلقه، حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم أن الله تعالى [قد] (١٠) كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتَّى خلق التكلم، وكذلك

стр. 495

بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتَّى خلق لهم (١) كلامًا، فقد (٢) جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله - جل ثناؤه - عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله - جل ثناؤه - لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتَّى خلق [فتكلم] (٣)، ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتَّى خلق فعلم (٤) ولا نقول: إن الله قد (٥) كان ولا قدرة (٦) حتَّى خلق لنفسه قدرة (٧). فهذا من كلامه يبين أن أولئك الذين قالوا: كلامه مخلوق أرادوا أنَّه لم يكن متكلمًا حتَّى خلق الكلام إذ هذا معنى قولهم: قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق، إذ المخلوق هو القائم ببعض الأجسام، فعندهم تكلمه مثل بعض الأعيان المخلوقة، ولهذا يمتنع عندهم أن يكون قبل ذلك متكلمًا، فرد أحمد هذا بأن هذا تشبيه بالإنسان الَّذي كان عاجزًا عن التكلم لصغره حتَّى خلق الله له كلامًا، فمن مر عليه وقت وهو غير موصوف فيه بأنه متكلم إذا شاء، مقتدر على الكلام، كان ناقصًا، ففي ذلك كفر لجحد (٨) كمال الرب وصفته، وتشبيهه له بالإنسان العاجز، ولهذا قال: بل نقول لم يزل متكلمًا إذا شاء، فجمع بين الأمرين، بين كونه لم يزل متكلمًا، وبين كون ذلك متعلقًا بمشيئته، وأنه لا يجوز نفي التكلم عنه إلى (٩) أن يخلق التكلم، كما لا يجوز نفي العلم والقدرة

стр. 496

والنور، وهذا هو (١) الكمال في الكلام أن يتكلم المتكلم إذا شاء، فأما العاجز عن الكلام فهو ناقص قبيح، وأما الَّذي يلزمه الكلام ولا يتعلق بمشيئته واختياره فإنه يكون -أيضًا- عاجزًا ناقصًا، كالذي يصوت بغير اختياره، كالأصوات الدائمة التي تلزم الجمادات بغير اختيارها، مثل النواعير (٢). ولما أقام الحجة بتكليم الله تعالى موسى، وأنه تكلم ويتكلم، وأن ذلك ممكن، من غير حاجة إلى جوف وفم وشفتين ولسان، إذا (٣) كان من المخلوقات ما (٤) يتكلم، وينطقها الله - تعالى - بدون حاجة إلى ذلك، فالخالق - سبحانه - أولى بالغناء من المخلوق، إذ كل ما ثبت للمخلوق من صفة كمال كالغناء، فالله - تعالى - أولى به، فالله - سبحانه - أحق بالاستغناء عن ما استغنت عنه المخلوقات في كلامها، ذكر أن الجهمي لما خنقته الحجج قال (٥): إن الله كلم موسى إلّا أن كلامه غيره. قلنا: غيره مخلوق؟ قال: نعم. قلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلّا أنكم تدفعون الشنعة عن أنفسكم (٦) بما تظهرون.

стр. 497

فأحمد -رحمه الله تعالى- لم ينكر عليه إطلاق لفظ الغير على القرآن حتَّى يستفسره (١) ما أراد به، إذ لفظ (الغير) مجمل (٢) يراد به الَّذي يفارق الآخر، وهو قولهم: إنه مخلوق، ويراد به ما لا يكون هو إياه، وهذا يبين أن إطلاق القول على الصفة بأنها هي الموصوف أو غيره كلام مجمل، يقبل بوجه ويرد بوجه، فمتى أريد بالغير المباينة للرب كان المعنى فاسدًا، وإنما ذكر هذا لأن أهل البدع كما وصفهم به يتمسكون بالمتشابه من الكلام، ولفظ الغير من المتشابه، فإذا قال: هو غيره.

стр. 498

فقيل له: نعم، لأنه ليس هو إياه. قال: وما كان غير الله فهو مخلوق و (غير) في هذا الموضع الثاني إنما يصح، إذا أريد بها ما كان باينًا عن الله - تعالى - فهو مخلوق، فيستعمل لفظ (الغير) في إحدى المقدمتين بمعنى، وفي المقدمة الأخرى بمعنى آخر، لما فيها من الإجمال والاشتراك، فلهذا استفسره الإمام أحمد، فلما فسر مراده قال: فهذا هو القول الأول، متى قلت: هو مخلوق. فقد قلت: بأنه خلق شيئًا فعبر عنه، وأنه لا تكلم ولا يتكلم، ثم احتج عليهم بما دل عليه القرآن من تكلمه في الآخرة خطابه للرسل، فلما أقروا بنفي التكلم عنه أزلًا وأبدًا، ولم يفسروا ذلك إلا بخلق الكلام في غيره، قال: قد أعظمتم الفرية على الله (١) حين زعمتم أن الله تعالى لا يتكلم (٢)، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك (٣) ولا تزول من مكان إلى مكان. وهذه الحجة من باب قياس الأولى (٤)، وهي من جنس الأمثال التي

стр. 499

ضربها الله في كتابه، فإن الله تعالى علي الأصنام بأنها لا ترجع قولًا، وأنها لا تملك ضرًّا ولا نفعًا، وهذا من المعلوم ببدائه (١) العقول، أن كون الشيء لا يقدر على التكلم صفة نقص، وأن المتكلم أكمل من العاجز عن الكلام، وكل ما تنزه المخلوق عنه من صفة نقص فالله -تعالى- أحق بتنزيهه عنه، وكلما أثبت لشيء من صفة -كمال فالله تعالى أحق باتصافه بذلك، فالله أحق بتنزيهه عن كونه لا يتكلم من الأحياء الآدميين وأحق بالكلام منهم، وهو - سبحانه - منزه عن مماثلة الناقصين، المعدوم والموات.

стр. 500

وأما قول أحمد (١): فلما ظهرت عليه الحجة قال: إنه قد يتكلم (٢) ولكن كلامه مخلوق. فقلنا (٣): وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبّهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتَّى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم لا يتكلمون حتَّى خلق لهم كلامًا، فقد (٤) جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله - جل ثناؤه - عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله - جل ثناؤه - لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان (٥) ولا يتكلم حتَّى خلق [الكلام] (٦) ولا نقول: إنه كان (٧) لا يعلم حتَّى خلق فعلم، ولا نقول: إنه كان (٨) ولا قدرة حتَّى خلق لنفسه قدرة، ولا نقول: إنه كان (٩) ولا نور له حتَّى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه كان (١٠) ولا عظمة حتَّى خلق لنفسه عظمة. فهذا يدل على أن هذا القول أراد به الجهمي أنَّه قد يتكلم بعد أن لم يكن متكلمًا بكلام مخلوق، يخلق لنفسه في ذاته، أو يخلقه قائمًا بنفسه، ليكون هذا القول غير الأول الذي قال: إنه يخلق شيئًا فيعبر عن الله تعالى. وقال: إنكم شبهتموه بالأصنام التي لا تتكلم، ولا تتحرك،

стр. 501

ولا تزول من مكان إلى مكان، ثم انتقل الجهمي عن ذلك القول (١) إلى هذا القول. وقال أحمد (٢) في الجواب: (فقلنا: كذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله - تعالى - بخلقه، حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتَّى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم لا يتكلمون (٣) حتَّى خلق لهم كلامًا، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه) إلى آخر كلامه. ففي هذا كله دليل على أنَّه أنكر عليهم كونه كان لا يتكلم حتَّى خلق لنفسه كلامًا في نفسه، فصار حينئذ متكلمًا بعد أن لم يكن متكلمًا، وبين أن ذلك يستلزم أنَّه كان ناقصًا فصار كاملًا، لأن عدم التكلم صفة نقص، وهذا هو الكفر، فإن وصف الله بالنقص كفر، وفيه تشبيه له بمن كان ناقصًا عاجزًا عن الكلام حتَّى خلق له الكلام، ولهذا قال: (بل نقول: إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء). فبين أن كونه موصوفًا بالتكلم إذا شاء، أمر لم يزل، لا يجوز أن يكون ذلك محدثًا، لأنه يستلزم لكماله (٤) بعد نقصه، وفيه تشبيه له بالآدميين، كما أن منع تكلمه بالكلية تشبيه له بالجمادات من الأصنام التي تعبد من دون الله - تعالى - وغيره، ثم إنه بين أن ثبوت هذه الصفة له فيما لم يزل كثبوت العلم والقدرة والنور والعظمة، لم يزل موصوفًا بها لا يقال: إنه كان بدون هذه الصفات حتَّى أحدثها، لأن ذلك يستلزم أنَّه كان ناقصًا فكمل بعد نقصه (٥) - عن ذلك.

стр. 502

ولهذا كان كلام أحمد وغيره من الأئمة مع الجهمية في هذه المسألة، فيه بيان الفصل بين كلام الله - تعالى - وقوله، وبين خلقه، وأن هذا ليس هذا، ويذكرون هذا الفرق في المواضع التي أخبر الله ورسوله بأنه تكلم بالوحي، وأنه إذا تكلم بالوحي كان (١) هذا من أعظم الحجج لهم، فإن من يقول: القرآن مخلوق. يقول: إن الله خلقه منفصلًا عنه كسائر المخلوقات، وليس يعود إليه من خلق حكم من الأحكام أصلًا، بل ذلك بمنزلة خلق السماء والأرض، وكلام الذراع المسموم (٢)، ونطق الأيدي والأرجل (٣) وغير ذلك، مما خلقه الله تعالى من الموصوفات والأفعال والصفات، ومما يعلم باضطرار أن ما كان كذلك فلا بد أن يصفه الله - تعالى - بالخلق كما وصف غيره من المخلوقات، ولا يجوز -أيضًا- أن يضاف إلى الله - تعالى - إضافة اختصاص يتميز بها عن غيره من المخلوقات إذ لا اختصاص له أصلًا، فلا يكون كلامًا لله - تعالى - ولا قولًا أصلًا. والقرآن كله يثبت له صفة الاختصاص بالقول والكلام، ولم يثبت قط له الصفة المشتركة بينه وبين سائر المخلوقات من صفة الخلق، فالقرآن دل على الفرق بين القول والمقول، وبين المخلوق المفعول. قال الإمام أحمد (٤): (وقد ذكر الله - تعالى - كلامه في غير موضع

стр. 503

من القرآن، فسماه كلامًا ولم يسمه خلقًا، قال (١) ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٤) وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٥)، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦) وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (٧). فأخبرنا (٨) الله أن النبي ﷺ كان يؤمن بالله، وبكلام الله، وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٩)، وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (١٠)، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١١) ولم يقل حتَّى يسمع خلق الله، فهذا المنصوص (١٢) بلسان عربي مبين لا يحتاج إلى تفسير، هو بين والحمد لله (١٣)). قلت: وقد تضمن هذا أن الله (١٤) سماه كلامًا في مواضع كثيرة،

стр. 504

ولم يسمه خلقًا، ومن المعلوم المستقر في الفطر أن الكلام هو ما تكلم به المتكلم لا يكون منفصلًا، ولهذا قال: (فهذا المنصوص (١) بلسان عربي [مبين] (٢) لا يحتاج إلى تفسير هو بين). يعني: أن بيان الله مما ذكره من كلامه (٣)، وأنه (٤) كلامه، هو بين لكل أحد، ليس من الخفي ولا من المتشابه الَّذي يحتاج إلى تفسير، بل (٥) الجهمي الَّذي يجعله مخلوقًا منفصلًا عنه كسائر المخلوقات، حرف هذا الكلم عن مواضعه، وألحد في آيات الله، تحريفًا وإلحادًا يعلمه كل ذي فطرة سليمة. ولهذا تجد ذوي الفطر السليمة إذا ذكر لهم هذا المذهب يقولون: هذا يقول: إن القرآن ليس كلام الله، حتَّى إنهم يقولون ذلك عمن يقول: حروف القرآن مخلوقة، هذا يقول: القرآن ليس كلام الله، لا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق، لما استقر في فطرهم أن ما يكون مخلوقًا منفصلًا عن الله لا يكون كلام الله، فمن قال: إن الله لم يتكلم بحروف القرآن، بل جعله خالقًا لها في جسم من الأجسام، فهو عندهم يقول: إن القرآن ليس بكلام الله، سواء (٦) جعل تلك الحروف هي القرآن أو ادعى أن [ثم] (٧) معنى قديمًا هو كلام الله دون سائر الحروف. فإن المستقر في فطر الناس الَّذي تلقته الأمة خلفًا عن سلف عن نبيها أن القرآن [جميعه] (٨) كلام الله، وكلهم فهم هذا المعنى المنصوص

стр. 505

بلسان عربي مبين، كما ذكر أحمد أنَّه تكلم به، لا أنَّه خلقه في بعض المخلوقات. ثم ذكر أحمد ما أمر الله به من القول، وما نهى عنه من القول، وأنه (١) لم يذكر من المأمور به: قولوا عن القرآن: إنه مخلوق، ولا من المنهي عنه: لا تقولوا: إنه كلامي. قال أحمد (٢): (وقد سألت الجهمية أليس إنما قال الله - جل ثناؤه -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٣)، ﴿وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٤)، ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (٥)، ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٦)، ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٧)، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ﴾ (٨)، وقال: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ﴾ (٩). ولم نسمع الله يقول: قولوا: إن كلامي خلق. وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا﴾ (١٠)، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (١١) وقال: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا

стр. 506

انْظُرْنَا﴾ (١)، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ (٢)، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٣)، وقال (٤): ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٥) وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦)، ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٧)، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (٨)، وقال (٩): ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (١٠)، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ (١١)، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١٢)، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (١٣)، ومثله في القرآن كثير. فهذا ما نهى الله عنه، ولم يقل لنا: لا تقولوا: إن القرآن كلامي. قلت: وهذه حجة قوية، وذلك أن القرآن لو كان كما يزعمه الجهمية مخلوقًا منفصلًا، كالسماء والأرض وكلام الذراع والأيدي

стр. 507

والأرجل؛ لكان معرفة ذلك واجبًا، لا سيما وعند الجهمية من المعتزلة وغيرهم أن معرفة ذلك من أصول الإيمان الَّذي لا يتم إلا به. وقد يقولون: إن (١) معرفة ذلك واجبة قبل (٢) معرفة الرسالة، وأن معرفة الرسالة لا تتم إلا بتنزيه الله عن كلام يقوم به، لأن الكلام لا يقوم إلَّا بجسم متحيز (٣)، ونفي ذلك عندهم واجب قبل الإقرار بالرسول، فإن (٤) الجسم يستلزم أن يكون محدثًا مخلوقًا يجوز عليه الحاجة، وذلك يمنع ما بنوا عليه العلم بصدق الرسول، وقد صرحوا بذلك في كتبهم (٥)، فإن كان الأمر كذلك كان بيان ذلك من الواجبات، فإذا لم يأمر الله به قط مع حاجة المكلفين إليه، ومع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ علم أنَّه ليس مأمورُا به ولا واجبًا (٦)، وذلك يبطل قولهم. -وأيضًا- فلم ينه العباد عن أن يسموه كلامه، مع العلم بأن هذه التسمية ظاهرة في أنَّه هو المتكلم به، ليس هو الَّذي خلقه في جسم غيره.

стр. 508

والجهمي وإن زعم أن الكلام يقال لمن فعله بغيره (١)، كما مثله من تكلم الجني على لسان المصروع، فهو لا ينازع في أن غالب الناس لا يفهمون (٢) من الكلام إلّا ما يقوم بالمتكلم، بل لا يعرفون كلامًا منفصلًا عن متكلمه قط، وأمر الجني فيه من الإشكال والنزاع (٣)، بل بطلان قول المستدل به ما (٤) يمنع أن يكون ذلك ظاهرًا لعموم الناس. وإذا كان كذلك، كان (٥) الواجب على قول الجهمي إما (٦) نهي الناس عن أن يقولوا: القرآن كلام الله، حتَّى لا يقولوا (٧) بالباطل، وإما البيان بأن قولهم: كلام الله أن الله خلق ذلك الكلام في جسم غيره، كما ذكره الجهمية من أنَّه خلق شيئًا فعبر عنه، فلما لم يؤمروا بهذا ولم ينهوا عن ذلك، مع الحاجة إلى هذا الأمر والنهي -على زعم الجهمي- علم أن قوله المستلزم لازم للأمر والنهي الَّذي لم يقع من الشارع باطل. ولهذا كان أحمد يقول لهم فيما يقوله في المناظرة الخطابية: كيف أقول ما لم يُقل؟ أي هذا القول لم يقله أحد قبلنا، ولو كان من الدين لكان قوله واجبًا، فعدم قول أولئك له يدل على أنَّه ليس من الدين. وكذلك احتجاج أبي عبد الرحمن الأذرمي (٨)، وهو الشيخ

стр. 509

الأذني (١) الَّذي قدمه ابن أبي دواد على الواثق فناظره أمامه كما حكاه ابنه المهتدي (٢) وقطعه الأذني في المناظرة، والقصة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 510

مشهورة (١)، وقال لابن أبي دواد: يا أحمد أرأيت مقالتك هذه التي (٢) تدعو الناس إليها، هل هي داخلة في عقد الدين لا يتم الدين إلّا بها؟ وهل علمها رسول الله ﷺ ﷺ وهل أمر بها؟ وهل وسعه و (٣) وسع خلفاءه السكوت عنها؟ فكانت هذه الحجج كلها تبين أن هذا القول لو كان من الدين لوجب بيانه، وعدم ذلك مع قيام المقتضى له دليل على أنَّه ليس من الدين وإذا لم يكن من الدين كان باطلًا، لأن الدين لا بد فيه من أحد (٤) أمرين: إما أن يكون الله - تعالى - تكلم بالقرآن وبسائر (٥) كلامه، وإما أن يكون خلقه في غيره لا يحتمل الأمر وجهًا ثالثًا (٦)، فإذا بطل أن يكون خلقه في غيره من الدين، تعين (٧) أن يكون القول الآخر من الدين، وهو أنَّه هو المتكلم به، فمنه بدأ، ومنه يعود، ومنه حق القول، ومن لدنه نزل ولو كان مخلوقًا (٨) في جسم غيره، لكان بمثابة ما يخلق في الأيدي والأرجل والذراع والصخر [وغير ذلك من الأجسام] (٩) فإنه وإن كان منه، أي: من خلقه فليس من لدنه، ولا هو قولًا منه، ولا بدأ (١٠) منه.

стр. 511

قال (١) الإمام أحمد (٢): وقد سمت الملائكة كلام الله كلامًا ولم تسمه خلقًا [في] (٣) قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (٤). وذلك أن الملائكة لم يسمعوا صوت الوحي [ما] (٥) بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وبينهما ستمائة سنة (٦). فلما أوحى الله جل - ثناؤه - إلى محمد ﷺ سمع الملائكة صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا، وظنوا (٧) أنَّه أمر من أمر الساعة، ففزعوا وخرّوا لوجوههم سجدًا، فذلك قوله ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٨)، يقول: حتَّى إذا تجلى الفزع عن قلوبهم رفع الملائكة رؤوسهم، فسأل بعضهم بعضًا فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (٢) ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم. فهذا بيان لمن أراد الله هداه.

стр. 512

قلت: احتج أحمد بما سمعته الملائكة من الوحي إذا تكلم الله به، كما قد جاءت بذلك الآثار (١) المتعددة، وسمعوا صوت الوحي فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (٢)، ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم، فبين أن تكلم الله بالوحي الَّذي سمعوا صوته هو قوله، ليس هو خلقه، ومثل هذه العبارة ذكر البخاري الإمام صاحب الصحيح، إما تلقيًا له عن أحمد أو غيره، أو موافقة اتفاقية، وقد ذكر ذلك في كتاب (٣) الصحيح، وفي كتاب خلق الأفعال (٤)، فقال في الصحيح في آخره في كتاب الرد على الجهمية (٥): باب قول الله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٦)، ولم يقل: ماذا خلق ربكم (٧)، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ (٨). قال (٩): وقال مسروق عن ابن مسعود (١٠): إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنَّه

стр. 513

الحق من ربكم (١)، ونادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (٢). قال (٣): ويذكر عن جابر بن عبد الله (٤)، عن عبد الله بن أنيس [قال] (٥) سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان" (٦). ثم قال (٧): حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان"، [قال علي] (٨) وقال غيره: صفوان يَنْفُذُهُم [ذلك] (٩) ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم﴾ (١٠)، للذي قال (١١): ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١). قال علي (١٢): وثنا سفيان، ثنا عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة بهذا.

стр. 514

قال (١) سفيان، قال عمرو: سمعت (٢) عكرمة، ثنا أبو هريرة، قال علي: قلت لسفيان، قال (٣) [سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة، قال: نعم، قلت لسفيان] (٤): إن إنسانًا روى عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، يرفعه، أنَّه قرأ: فرّغ (٥)، قال سفيان: هكذا قرأ عمرو، فلا أدري سمعه (٦) هكذا أم لا؟ قال سفيان: وهي قراءتنا. وما ذكره أحمد من الفترة، وتكلمه بالوحي بعدها، قاله طوائف من السلف، كما ذكره عبد الرزاق (٧) في تفسيره (٨)، أنبأنا معمر، عن

стр. 515

قتادة والكلبي في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (١) قالا (٢): لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد، فنزل الوحي، قال قتادة: نزل مثل صوت الحديد على الصخر، فأفزع الملائكة ذلك، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (١)، يقول: إذا جلى (٣) عن قلوبهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١). وهذه الآية وما فيها من الأحاديث المتعددة في الصحاح والسنن والمساند والآثار المأثورة عن السلف في تفسيرها، فيها أصول من أصول الإيمان، يبين بها ضلال من خالف ذلك من المتفلسفة الصابئية (٤) والجهمية ونحو هؤلاء. ففيها ما دل عليه القرآن من أن الملائكة لا يشفعن إلّا من (٥) بعد أن يأذن الله لهم، فضلًا عن أن يتصرفوا ابتداء، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٧) وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلا مِنْ

стр. 516

بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (١)، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (٢) فأخبر سبحانه أنهم لا يسبقونه بالقول، ولا يعملون إلّا بأمره، وأنهم لا يتكلمون بالشفاعة إلّا من (٣) بعد أن يأذن (٤) لهم، وأنهم مع ذلك لا يعلمون ما قال ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٥)، أي: جلى (٦) عن قلوبهم فأزيل الفزع كما يقال: قردت البعير: إذا أزلت قراده، وتحوب (٧) وتحرج وتأثم وتحنث إذا أزال (٨) عن نفسه الحوب (٩) والإثم والحرج والحنث، فإذا أزيل الفزع عن قلوبهم قالوا حينئذ: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوْا الْحَقَّ﴾ (١٠)، وفي كل ذلك تكذيب للمتفلسفة من الصابئية (١١) ونحوهم، ومن أتباعهم من أصناف المتكلمة والمتصوفة والمتفقهة (١٢) الذين خلطوا الحنيفية بالصابئية (١٣) فيما يزعمونه من تعظيم العقول والنفوس التي يزعمون أنها هي الملائكة، وأنها متولدة عن الله لازمة

стр. 517

لذاته، وهي المدبرة للعالم بطريق التولد والتعليل، لا بأمر من الله وإذن يكون إذا شاء، بل يجعلون الَّذي (١) يسمونه العقل الفعال هو المدبر لهذا العالم من غير أن يحدث الله نفسه شيئًا أصلًا، ولهذا عبد هؤلاء الملائكة والكواكب وعظموا ذلك جدًّا، وهذه النصوص المتواترة تكذبهم، وتبين بعدهم عن الحق بمراتب متعددة خمسة وأكثر. فإن المرتبة الأولى: أن الملائكة هل تتصرف وتتكلم، كما يفعل ذلك سائر الأحياء بغير إذن من الله وأمر وقول؟ وإن كان الله خالق (٢) أفعالهم، كما هو خالق أفعال الحيوان كله، فإن الحيوان من الجن والإنس والبهائم، وإن كان الله خالق أفعالهم فإن أفعالهم قد تكون معصية، وقد تكون غير مأمور بها ولا منهي عنها، بل يتصرفون بموجب إرادتهم، وإن كانت مخلوقة والملائكة ليسوا كذلك، بل لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، فلا يفعلون ما يكون من جنس المباحات والمنهيات، بل لا يفعلون إلّا ما هو من الطاعات. والمرتبة الثانية: أنهم لا يشفعون إلّا لمن ارتضى، فلا يشفعون عنده لمن لا يحب الشفاعة له، كما قد يفعله بعض من يدعو الله بما لا يحبه. والمرتبة الثالثة: أنهم (٣) لا يبتدئون بالشفاعة، فلا يشفعون إلّا بعد أن يأذن لهم في الشفاعة. والمرتبة الرابعة: أنهم لا يستأذنون في أن يشفعوا إذ هم لا يسبقونه بالقول، بل هو يأذن لهم في الشفاعة ابتداء، فيأمرهم بها فيفعلونها عبادة لله وطاعة.

стр. 518

والمرتبة الخامسة: أنهم يسجدون إذا سمعوا كلامه وأمره وإذنه، لم يطيقوا فهمه ابتداء، بل خضعت وفزعت وضربت بأجنحتها وصعقت وسجدت، فإذا فزع عن قلوبهم فجلى عنهم الفزع ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١)، فهذا (٢) حالهم عند (٣) تكلمه بالوحي، وأما وحي كلامه الَّذي يبعث به رسله، كما أنزل القرآن، وأما أمره الَّذي يقضي به من أمر بكونه، فذلك حاصل في أمر التشريع وأمر التكوين، ولهذا قال سبحانه ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (٢) و (حتَّى) حرف غاية يكون ما بعدها داخلًا فيما قبلها، ليست بمنزلة (إلى) التي قد يكون ما بعدها خارجًا عما قبلها، كما في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الْلَّيلِ﴾ (٤)، وهي سواء كانت حرف عطف أو حرف جر تتضمن (٥) ذلك، وما بعدها يكون النهاية التي ينبه بها على ما قبلها فتقول: قدم الحجاج (٦) حتَّى المشاة، فقدوم المشاة تنبيه على قدوم الركاب، وتقول: أكلت السمكة حتَّى رأسها، فأكل رأسها تنبيه على غيره، فإن أكل رؤوس السمك قد يبقى (٧) في العادة. وهذه الآية أخبر فيها - سبحانه - أنَّه ليس لغير ملك ولا شرك في الملك، ولا معاونة ولا شفاعة إلّا بعد إذنه، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ

стр. 519

أَذِنَ لَهُ﴾ (١)، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (٢)، والضمير في قوله (عن قلوبهم) يعود إلى ما دل عليه قوله (من أذن له)، فإن الملائكة يدخلون في قوله: (من أذن له)، ودل عليه قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ﴾ (٣)، فإن الملائكة تدخل في ذلك، فسلبهم الملك والشركة والمعاونة والشفاعة إلّا بإذنه، ثم بين ذلك حتَّى إنه إذا تكلم لا يثبتون لكلامه ولا يستقرون بل يفزعون، ثم إذا (٤) أزيل عنهم الفزع يقولون ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (٥)، وذلك أن ما بعد (حتَّى) هنا جملة تامة، وقوله: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ والعامل في (إذا) هو قوله: (قالوا ماذا) وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط، أي: لما زال الفزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم، والغاية بعد حتَّى يكون مفردًا كما تقدم، ويكون جملة، ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ (٧).

стр. 520

فأخبر عن ضلال أولئك إلى تلك الغاية، وعن تسيير هؤلاء إلى هذه الغاية. وكذلك قوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ (١). . . الآية. وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ (٢). وكذلك قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (٣). * * *

стр. 521

فصل ولما (١) قالوا: ولا تقول (٢): إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته. قلت إخبارًا عما وقع مني قبل ذلك: ليس في كلامي هذا -أيضًا- بل قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة، وقوله: إنه معنى قائم به بدعة ، لم يقله (٣) أحد من السلف، لا هذا، ولا هذا، وأنا ليس في كلامي شيء من البدع، بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا كلام صحيح، فلم أقل: إن الحروف ليست من كلام الله، وإن المعاني ليست من كلام الله، ولا إن الله -تعالى- لم يتكلم بالحروف والأصوات ومعاني قائمة في نفسه، ولكن بينت أن من جعل القرآن مجرد حرف وصوت قائم بالله فإنه مبتدع، وقوله يتضمن أن المعاني ليست من القرآن، ولا من كلام الله، ومن جعل القرآن مجرد معنى قائم به مبتدع، وقوله يتضمن أن حروف (٤) القرآن ليست من (٥) القرآن، ولم يتكلم الله بها وأن جميع كلام الله ليس إلّا معنى واحدًا (٦)، وقد قلت قبل هذا في جواب الفتيا المصرية (٧)، وقد قيل فيها:

стр. 522

المسؤول (١) بيان ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلمًا بأوضح عبارة وأبينها من أن ما في المصاحف هو كلام الله القديم؟ أم هو عبارة عنه لا نفسه، وأنه حادث أو قديم؟ وأن كلام الله حرف وصوت؟ أم كلامه صفة قائمة به لا تفارقه؟ وأن قوله تعالى (٢): ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)، حقيقة أم لا؟ وأن الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئًا منه، ويقول (٤) أؤمن به كما أنزل هل يكفيه ذلك [في] (٥) الاعتقاد؟ أم يجب عليه التأويل؟ فقلت في الجواب: الَّذي يجب على الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره، ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، واتفق عليه سلف المؤمنين، الذين أثنى الله -تعالى- على من اتبعهم، وذم من اتبع غير سبيلهم (٦)، وهو أن القرآن الَّذي أنزله على عبده ورسوله كلام الله - تعالى - وأنه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلّا المطهرون، وأنه قرآن مجيد في لوح محفوظ، وأنه كما قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٧)، وأنه في الصدور، كما قال النبي ﷺ : "استذكروا القرآن فلهو أشد (٨) تفصيًا (٩)

стр. 523

من صدُور الرجال من النعم من عقلها" (١). وقال النبي ﷺ : "الجوف الَّذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب" (٢). وإن ما بين لوحي المصحف الَّذي كتبته الصحابة ﵃ كلام الله كما قال النبي ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم" (٣). فهذه الجملة تكفي المسلم في هذا الباب. وأما تفصيل ما وقع في ذلك من النزاع، فكثير منه يكون كلا الإطلاقين (٤) خطأ، ويكون الحق في التفصيل، ومنه ما يكون مع كل من

стр. 524

المتنازعين نوع من الحق، ويكون كل منهما ينكر (١) حق صاحبه، وهذا من التفرق والاختلاف الَّذي ذمه الله تعالى، ونهى عنه فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٥). فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل، وإلَّا استمسك بالجمل (٦) الثابتة بالنص والإجماع، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. وقد بسطت القول في جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الَّذي اتفق عليه العقل والسمع، وبيان ما يدخل في هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط في مواضع متعددة (٧)، ولكن نذكر منها جملة

стр. 525

مختصرة، بحسب حال السائل (١)، بعد الجواب بالجمل (٢) الثابتة بالنص والإجماع، ومنعهم من الخوض في التفصيل الَّذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف، فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله. والتفصيل المختصر (٣) أن نقول: من اعتقد أن المداد الَّذي في المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهو ضال مخطئ، مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأولين وسائر علماء المسلمين (٤)، ولم يقل أحد قط من علماء المسلمين أن ذلك قديم، لا من أصحاب (٥) أحمد ولا من غيرهم، ومن نقل قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد، فهو مخطئ في النقل، أو متعمد للكذب، بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه تبديع (٦) من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما جهموا من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق (٧).

стр. 526

وقد صنف أبو بكر المروذي أخص أصحاب الإمام أحمد به في ذلك رسالة كبيرة (١) مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال في كتاب "السنة" الَّذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من أئمة المسلمين في أبواب الاعتقاد، وكان بعض أهل الحديث (٢) إذ ذاك أطلق القول: بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر (٣) ذلك إنكارًا شديدًا، وبدع من. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 527

قال (١) ذلك (٢)، وأخبر أن أحدًا من العلماء لم يقل ذلك، فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم؟ وأقبح من ذلك من يحكي عن بعض العلماء أن المداد الَّذي في المصحف قديم، وجميع أئمة أصحاب الإمام وغيرهم أنكروا ذلك، وما علمت أن عالمًا يقول ذلك، إلّا ما يبلغنا عن بعض الجهال، وقد ميز الله في كتابه بين الكلام والمداد (٣) فقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤)، فهذا خطأ من هذا الجانب. وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ في الصدور، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه متلو بالألسن، كما أن الله مذكور بالألسن، وأنه مكتوب في المصحف، كما أن الله مكتوب، وجعل ثبوت القرآن في الصدور والألسن والمصاحف مثل ثبوت ذات الله تعالى في هذه المواضع، فهذا -أيضًا- مخطئ في ذلك، فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بين واضح، فإن الموجودات (٥) لها أربع مراتب: مرتبة في الأعيان، ومرتبة في الأذهان، ومرتبة في اللسان، ومرتبة في البنان، فالعلم يطابق العين، واللفظ يطابق العلم، والخط يطابق اللفظ. فإذا قيل: إن العين في الكتاب كما في (٦) قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ

стр. 528

فَعَلُوهُ فِي الْزُّبُرِ﴾ (١) فقد علم أن الَّذي في الزبر إنما هو الخط المطابق للعلم، فبين الأعيان وبين المصحف (٢) مرتبتان، وهما (٣): اللفظ والخط. وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة، بل نفس الكلام يجعل في الكتاب، وإن كان بين الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من وجه آخر، إلَّا إذا أريد أن الَّذي في المصحف هو ذكره والخبر عنه مثل قوله: ﴿إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤). فالذي في زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد ﷺ فإن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله ﷺ ولكن في زبر الأولين ذكر القرآن وخبره، كما فيها ذكر محمد ﷺ وخبره، كما أن أفعال العباد في الزبر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٥)، فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء في الزبر، وبين كون الكلام نفسه في الزبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٧). فمن قال: إن المداد قديم فقد أخطأ، ومن قال ليس في المصحف كلام الله وإنما فيه المداد الَّذي هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ، بل القرآن

стр. 529

في المصحف، كما أن سائر الكلام في الورق، كما عليه الأمة مجمعة، وكما هو في قطر المسلمين، فإن كل مرتبة لها حكم يخصها وليس (١) وجود الكلام في الكتاب كوجود الصفة بالموصوف، مثل وجود العلم والحياة [في] (٢) محلها (٣)، حتَّى يقال: إن صفة الله حلت بغيره، أو فارقته، ولا وجود (٤) فيه كالدليل المحض، مثل وجود العالم الدال على الباري تعالى: حتَّى يقال: ليس فيه إلّا ما هو علامة على كلام الله ، بل هو قسم آخر، ومن لم يعط كل مرتبة مما يستعمل فيها أداة الظرف حقها، فيفرق بين وجود الجسم في الحيز وفي المكان، ووجود العرض للجسم، ووجود الصورة بالمرأة، ويفرق بين رؤية الشيء بالعين يقظة، وبين رؤيته بالقلب يقظة ومنامًا، ونحو ذلك، وإلا اضطربت عليه الأمور. وكذلك سؤال السائل عما في المصحف هل هو حادث أو قديم؟ سؤال مجمل، فإن لفظ القديم (٥) أولًا ليس مأثورًا عن السلف، وإنما

стр. 530

الَّذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله حيث تلي وحيث كتب، وهو قرآن واحد، وكلام واحد، وإن تنوعت الصور التي يتلى فيها ويكتب، من أصوات العباد ومدادهم، فإن الكلام (١) كلام من قاله مبتدئًا لا كلام من بلغه مؤديًا. فإذا سمعنا محدثًا يحدث بقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٢). قلنا: هذا كلام رسول الله ﷺ لفظه ومعناه، مع علمنا أن الصوت صوت المبلغ، لا صوت رسول الله ﷺ وهكذا كل من بلغ كلام غيره من نظم ونثر، ونحن إذا قلنا هذا كلام الله، لما نسمعه من القارئ ونرى في المصحف، فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو، مع قطع النظر عما اقترن به البلاع من صوت المبلغ ومداد الكاتب، فمن قال:
следующие страницы →