← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقد صنف أبو بكر المروذي أخص أصحاب الإمام أحمد به في ذلك رسالة كبيرة (١) مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال في كتاب "السنة" الَّذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من أئمة المسلمين في أبواب الاعتقاد، وكان بعض أهل الحديث (٢) إذ ذاك أطلق القول: بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر (٣) ذلك إنكارًا شديدًا، وبدع من. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 527

قال (١) ذلك (٢)، وأخبر أن أحدًا من العلماء لم يقل ذلك، فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم؟ وأقبح من ذلك من يحكي عن بعض العلماء أن المداد الَّذي في المصحف قديم، وجميع أئمة أصحاب الإمام وغيرهم أنكروا ذلك، وما علمت أن عالمًا يقول ذلك، إلّا ما يبلغنا عن بعض الجهال، وقد ميز الله في كتابه بين الكلام والمداد (٣) فقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤)، فهذا خطأ من هذا الجانب. وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ في الصدور، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه متلو بالألسن، كما أن الله مذكور بالألسن، وأنه مكتوب في المصحف، كما أن الله مكتوب، وجعل ثبوت القرآن في الصدور والألسن والمصاحف مثل ثبوت ذات الله تعالى في هذه المواضع، فهذا -أيضًا- مخطئ في ذلك، فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بين واضح، فإن الموجودات (٥) لها أربع مراتب: مرتبة في الأعيان، ومرتبة في الأذهان، ومرتبة في اللسان، ومرتبة في البنان، فالعلم يطابق العين، واللفظ يطابق العلم، والخط يطابق اللفظ. فإذا قيل: إن العين في الكتاب كما في (٦) قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ

стр. 528

فَعَلُوهُ فِي الْزُّبُرِ﴾ (١) فقد علم أن الَّذي في الزبر إنما هو الخط المطابق للعلم، فبين الأعيان وبين المصحف (٢) مرتبتان، وهما (٣): اللفظ والخط. وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة، بل نفس الكلام يجعل في الكتاب، وإن كان بين الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من وجه آخر، إلَّا إذا أريد أن الَّذي في المصحف هو ذكره والخبر عنه مثل قوله: ﴿إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤). فالذي في زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد ﷺ فإن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله ﷺ ولكن في زبر الأولين ذكر القرآن وخبره، كما فيها ذكر محمد ﷺ وخبره، كما أن أفعال العباد في الزبر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٥)، فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء في الزبر، وبين كون الكلام نفسه في الزبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٧). فمن قال: إن المداد قديم فقد أخطأ، ومن قال ليس في المصحف كلام الله وإنما فيه المداد الَّذي هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ، بل القرآن

стр. 529

في المصحف، كما أن سائر الكلام في الورق، كما عليه الأمة مجمعة، وكما هو في قطر المسلمين، فإن كل مرتبة لها حكم يخصها وليس (١) وجود الكلام في الكتاب كوجود الصفة بالموصوف، مثل وجود العلم والحياة [في] (٢) محلها (٣)، حتَّى يقال: إن صفة الله حلت بغيره، أو فارقته، ولا وجود (٤) فيه كالدليل المحض، مثل وجود العالم الدال على الباري تعالى: حتَّى يقال: ليس فيه إلّا ما هو علامة على كلام الله ، بل هو قسم آخر، ومن لم يعط كل مرتبة مما يستعمل فيها أداة الظرف حقها، فيفرق بين وجود الجسم في الحيز وفي المكان، ووجود العرض للجسم، ووجود الصورة بالمرأة، ويفرق بين رؤية الشيء بالعين يقظة، وبين رؤيته بالقلب يقظة ومنامًا، ونحو ذلك، وإلا اضطربت عليه الأمور. وكذلك سؤال السائل عما في المصحف هل هو حادث أو قديم؟ سؤال مجمل، فإن لفظ القديم (٥) أولًا ليس مأثورًا عن السلف، وإنما

стр. 530

الَّذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله حيث تلي وحيث كتب، وهو قرآن واحد، وكلام واحد، وإن تنوعت الصور التي يتلى فيها ويكتب، من أصوات العباد ومدادهم، فإن الكلام (١) كلام من قاله مبتدئًا لا كلام من بلغه مؤديًا. فإذا سمعنا محدثًا يحدث بقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٢). قلنا: هذا كلام رسول الله ﷺ لفظه ومعناه، مع علمنا أن الصوت صوت المبلغ، لا صوت رسول الله ﷺ وهكذا كل من بلغ كلام غيره من نظم ونثر، ونحن إذا قلنا هذا كلام الله، لما نسمعه من القارئ ونرى في المصحف، فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو، مع قطع النظر عما اقترن به البلاع من صوت المبلغ ومداد الكاتب، فمن قال:

стр. 531

صوت القارئ، ومداد الكاتب، كلام الله الَّذي ليس بمخلوق، فقد أخطأ، وهذا الفرق الَّذي بينه الإمام أحمد لمن سأله، وقد قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١)، فقال: هذا كلام الله غير مخلوق، فقال: نعم، فنقل السائل عنه أنَّه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فدعا به وزبره زبرًا (٢) شديدًا، وطلب عقوبته وتعزيره، وقال أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لا، ولكن قلت لي لما قرأت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) هذا كلام الله غير مخلوق، قال: فلم تنقل عني ما لم أقله (٤)؟.

стр. 532

فبين الإمام أحمد أن القائل إذا قال لما سمعه من المبلغين المؤدين هذا كلام الله، فالإشارة إلى حقيقته التي تكلم الله بها، وإن كنا إنما سمعناها (١) ببلاغ المبلغ وحركته وصوته، فإذا أشار إلى شيء من صفات المخلوق لفظه أو صوته (٢) أو فعله، وقال: هذا غير مخلوق، فقد ضل وأخطأ. فالواجب أن يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فالقرآن في المصاحف كما أن سائر الكلام في المصحف ولا يقال: إن شيئًا من المداد والورق غير مخلوق، بل كل ورق ومداد في العالم فهو مخلوق. ويقال -أيضًا-: القرآن الَّذي في المصحف كلام الله غير مخلوق، والقرآن الَّذي يقرؤه المسلمون كلام الله غير مخلوق. ويتبين هذا بالجواب عن المسألة الثانية، وهو قوله: إن كلام الله هل هو حرف وصوت أم لا؟ فإن إطلاق الجواب في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا خطأً، وهي من البدع المتولدة (٣) الحادثة بعد المائة الثالثة، لما قال قوم من متكلمة الصفاتية (٤): إن كلام الله الَّذي أنزله على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والقرآن والذي لم ينزله، والكلمات التي كون بها الكائنات، والكلمات المشتملة على أمره وخبره، ليس إلَّا مجرد معنى واحد، هو صفة واحدة

стр. 533

قامت (١) بالله إن عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة [وإن عبر عنها بالسريانية كانت الإنجيل] (٢)، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وإن الأمر والنهي والخبر صفات لها، لا أقسام لها، وإن حروف القرآن مخلوقة خلقها الله ولم يتكلم بها وليست من كلامه، إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت. عارضهم آخرون من المثبتة (٣) فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد، وبالأصوات أصوات العباد، وهذا لم يقله عالم. و الصواب الَّذي عليه سلف الأمة ، كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم، اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء (٤) من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله (٥)، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما (٦)، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى

стр. 534

متكلم بصوت، كما جاءت به الأحاديث الصحاح (١)، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوقين (٢)، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته [ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته] (٣) وقد كتبت في الجواب المبسوط المستوفي (٤) مراتب مذاهب

стр. 535

أهل الأرض في ذلك، وأن المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلَّا في نفوس (١) الأنبياء تفيض (٢) عليهم المعاني من العقل الفعال، فيصير في نفوسهم حروفًا، كما أن ملائكة (٣) الله عندهم ما يحدث في نفوس الأنبياء من الصور النورانية، وهذا من جنس قول فيلسوف (٤) قريش: الوليد بن المغيرة ﴿إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٥). فحقيقة قولهم: إن القرآن تصنيف الرسول الكريم، لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية. وهؤلاء هم (٦) الصابئية (٧)، فتقربت منهم الجهمية فقالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به كلام، وإنما كلامه ما يخلقه في الهواء أو غيره، فأخذ (٨) ببعض ذلك قوم من متكلمة الصفاتية فقالوا: بل نصْفُه -وهو المعنى- كلام الله، ونصفه -وهو الحروف- ليس كلام الله، بل هو خلق من خلقه. وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير مخلوق، هل يقال: إنه قديم لم يزل ولم يتعلق بمشيئته؟ أم يقال: يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء؟ على قولين مشهورين في ذلك، ذكرهما الحارث المحاسبي (٩) عن

стр. 536

أهل السنة، وذكرهما أبو بكر عبد العزيز (١) عن أهل السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية، وفرق الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية، بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة في جنس هذا الباب، وليس هذا موضع بسط (٢) ذلك، هذا لفظ الجواب في الفتيا المصرية. قلت (٣): وأما سؤال السائل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) فهو حق كما أخبر الله به، وأهل السنة متفقون على ما قاله ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٥)، ومالك بن أنس، وغيرهما من

стр. 537

الأئمة (١): أن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيف بدعة. فمن زعم أن الله مفتقر إلى عرش (٢) يُقِلُّه، أو أنَّه محصور في سماء تظله، أو أنَّه محصور في شيء من مخلوقاته، أو أنَّه يحيط به جهة من جهات مصنوعاته (٣) فهو مخطئ ضال، ومن قال: إنه ليس على العرش ربّ ولا فوق السماوات خالق، بل ما هناك (٤) إلَّا العدم المحض، والنفي الصرف، فهو معطل جاحد لرب العالمين، مضاه لفرعون الَّذي قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (٥). بل أهل السنة والحديث، وسلف الأمة متفقون على أنَّه فوق سماواته [على عرشه] (٦) بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، وعلى ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمة السنة، بل على ذلك جميع المؤمنين والأولين والآخرين. وأهل السنة وسلف الأمة متفقون على أن من تأول (استوى) بمعنى استولى [أو بمعنى آخر ينفي (٧) أن يكون الله فوق سماواته] (٨) فهو جهمي ضال.

стр. 538

قلت: وأما سؤاله عن إجراء القرآن على ظاهره، فإنه إذا آمن بما وصف الله به نفسه ووصفه (١) به رسوله من غير تحريف ولا تكييف، فقد اتبع سبيل المؤمنين، ولفظ "الظاهر" في عرف المستأخرين قد صار فيه اشتراك، فإن أراد بإجرائه على الظاهر الَّذي هو (٢) من خصائص المخلوقين حتَّى يشبه الله بخلقه، فهذا ضلال، بل يجب القطع بأن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقد قال ابن عباس ﵄ ليس في الدنيا مما في الجنّة إلا الأسماء (٣)، يعني أن موعود الله في الجنّة من الذهب والحرير والخمر واللبن تخالف حقائقه حقائق هذه الأمور الموجودة في الدنيا، فالله -تعالى- أبعد عن (٤) مشابهة مخلوقاته بما لا يدركه العباد ليست (٥) حقيقته كحقيقة شيء منها. وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر الَّذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة، بحيث لا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يلحد في أسماء الله - تعالى - ولا يفسر القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة بل يجري ذلك على ما اقتضته النصوص، وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، فهذا مصيب في ذلك، وهو الحق.

стр. 539

وهذه (١) جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها، وقلت في جواب الفتيا الدمشقية (٢)، وقد سئلت فيها عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن القرآن حرف وصوت، وأن الرحمن على العرش استوى على (٣) ما يفيده الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره، هل يحنث هذا أم لا؟ فقلت في الجواب: إن كان مقصود هذا الحالف أن أصوات العباد بالقرآن، والمداد الَّذي يكتب به حروف القرآن قديمة أزلية، فقد حنث في يمينه، وما علمت أحدًا من الناس يقول ذلك. وإن (٤) كان يكره تجريد الكلام في المداد الَّذي في المصحف وفي صوت العبد لئلا يتذرع بذلك إلى القول بخلق القرآن، ومن الناس من تكلم في صوت العبد، وإن كنا نعلم أن الَّذي نقرؤه هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، وأن الَّذي بين اللوحين هو كلام الله حقيقة، ولكن ما علمت أحدًا حكم على مجموع المداد المكتوب به، وصوت العبد بالقرآن بأنه قديم.

стр. 540

ولكن الذين في قلوبهم زيغ من أهل الأهواء لا يفهمون من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان في (باب صفات الله تعالى) إلَّا المعاني (١) التي تليق بالخلق لا بالخالق، ثم يريدون تحريف الكلم عن مواضعه، في كلام الله، وكلام رسوله إذا وجدوا ذلك فيهما، وإن وجدوه في كلام التابعين للسلف افتروا الكذب عليهم، ونقلوا عنهم بحسب الفهم الباطل الَّذي فهموه، أو زادوا عليهم في الألفاظ، أو غيّروها قدرًا أو وصفًا (٢)، كما نسمع من ألسنتهم، ونرى في كتبهم. ثم إن بعض من يحسن الظن بهؤلاء النقلة قد يحكي هذا المذهب عمن حكوه عنهم، ويذم ويحنث مع من لا وجود له، وذمه واقع على موصوف غير موجود، نظير ما وصف الله تعالى عن رسوله ﷺ حيث قال: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش يشتمون مذممًا وأنا محمد" (٣) ﷺ . وهذا نظير ما تحكي الرافضة عن أهل السنة من أهل الحديث والفقه

стр. 541

والمعرفة أنهم ناصبة (١)، وتحكي (٢) القدرية عنهم أنهم مجبرة، وتحكي الجهمية عنهم أنهم مشبهة، ويحكي من خالف الحديث ونابذ أهله عنه أنهم نابتة (٣) وحشوية وغثاء (٤) وغثر (٥)، إلى غير ذلك من الأسماء المكذوبة (٦).

стр. 542

ومن تأمل كتب المتكلمين الذين يخالفون هذا القول وجدهم لا يبحثون في الغالب أو (١) في الجميع إلَّا مع هذا القول الَّذي ما علمنا لقائله وجودًا. وإن كان مقصود الحالف أن القرآن الَّذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ هو هذه المائة والأربع عشرة سورة حروفها ومعانيها وأن القرآن ليس الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، بل هو مجموع (٢) الحروف والمعاني، وأن تلاوتنا للحروف وتصورنا للمعاني لا يخرج المعاني والحروف عن أن تكون موجودة قبل وجودنا، فهذا مذهب المسلمين، ولا حنث عليه. وكذلك إن كان مقصوده أن هذا القرآن الَّذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم هو كلام الله - سبحانه - حقيقة لا مجازًا، وأنه لا يجوز نفي كونه كلام الله، إذ الكلام يضاف حقيقة لمن قاله متصفًا به مبتدئًا، وإن كان قد قاله غيره مبلغًا مؤديًا، وهو كلام لمن اتصف به مبتدئًا لا لمن بلغه مؤديًا (٣)، فإنا باضطرار نعلم من دين رسول الله ﷺ ودين سلف الأمة أن قائلًا لو قال: إن هذه الحروف -حروف القرآن- ما هي من القرآن، وإنما القرآن اسم لمجرد المعاني، لأنكروا ذلك عليه غاية الإنكار، وكان عندهم بمنزلة من يقول: إن جسد رسول الله ﷺ

стр. 543

ما هو داخلًا (١) في اسم رسول الله ﷺ وإنما هذا اسم للروح دون الجسد، أو يقول: إن الصلاة ليست اسمًا لحركات القلب والبدن، وإنما هي اسم لأعمال القلب فقط. ولذلك ذكر الشهرستاني (٢) -وهو من أخبر الناس بالملل والنحل والمقالات- في (نهاية الإقدام) (٣) أن القول بحدوث حروف القرآن قول محدث وأن مذهب سلف الأمة نفي الخلق عنها، وهو من أعيان الطائفة القائلة بحدوثها. ولا يحسب اللبيب أن في العقل وفي السمع ما يخالف ذلك، بل من تبحر في المعقولات، ووقف على أسرارها علم قطعًا أن ليس في العقل الصريح الذي لا يكذب قط ما يخالف مذهب (٤) السلف وأهل الحديث، بل يخالف ما قد يتوهمه المنازعون لهم بظلمة قلوبهم، وأهواء نفوسهم، أو ما قد يقترفونه عليهم لعدم التقوى وقلة الدين. ولو فرض على سبيل التقدير أن العقل الصريح الذي لا يكذب يناقض بعض الأخبار، للزم أحد الأمرين: إما تكذيب الناقل، أو تأويل المنقول، لكن -ولله الحمد- هذا لم يقع، ولا ينبغي أن يقع قط، فإن حفظ الله تعالى لما أنزله من الكتاب والحكمة يأبى ذلك. نعم يوجد مثل هذا في أحاديث وضعتها الزنادقة ليشينوا بها أهل

стр. 544

الحديث، كحديث عرق الخيل (١)، والجمل الأورق (٢)، وغير ذلك مما

стр. 545

يعلم العلماء بالحديث أنه كذب. ومما يوضح هذا ما قد استفاض عن علماء الإِسلام مثل الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، والحميدي، وغيرهم من إنكارهم على من زعم أن لفظ القرآن مخلوق، والآثار بذلك مشهورة في كتاب ابن أبي حاتم (١)، وكتاب اللالكائي (٢)، تلميذ أبي حامد

стр. 546

الإسفراييني، وكتاب الطبراني (١) وكتاب شيخ الإِسلام (٢)، وغيرهم ممن يطول ذكره، وليس هذا موضع التقرير بالأدلة والأسئلة (٣) والأجوبة. وكذلك إن كان مقصود الحالف بذكر الصوت التصديق بالآثار عن النبي ﷺ وصحابته، وتابعيهم، التي وافقت القرآن وتلقاها السلف بالقبول، مثلما خرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله يا آدم (٤)، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار" (٥). وما استشهد به البخاري -أيضًا- في هذا الباب من: "أن الله ينادي عباده يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" (٦). ومثل: "إن الله إذا تكلم بالوحي القرآن أو غيره سمع أهل السماوات صوته" (٧). وفي قول ابن عباس: سمعوا صوت الجبار، وأن الله كلم موسى بصوت (٨)، إلى غير ذلك من الآثار التي قالها، إما ذاكرًا وإما أثرًا (٩)،

стр. 547

مثل: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن أنيس، وجابر بن عبد الله، ومسروق أحد أعيان كبار التابعين، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (١) أحد الفقهاء السبعة (٢)، وعكرمة مولى ابن عباس، والزهبري، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، ومن لا يحصى كثرة. ولا ينقل عن أحد من علماء الإِسلام قبل المائة الثانية أنه أنكر ذلك ولا قال خلافه، بل كانت الآثار مشهورة بينهم متداولة في كل عصر

стр. 548

ومصر، بل أنكر ذلك شخص (١) في زمن الإِمام أحمد (وهو أول الأزمنة) (٢) التي (٣) نبعت (٤) فيها البدع بإنكار ذلك على الخصوص، وإلا فقبله قد نبع من أنكر ذلك وغيره، فهجر أهل الإِسلام من أنكر ذلك، وصار بين المسلمين كالجمل الأجرب. فإن أراد الحالف ما هو المنقول عن السلف نقلًا صحيحًا، فلا حنث عليه. قلت: وأما حلفه أن الرحمن على العرش استوى، على ما يفيده

стр. 549

الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره، فلفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة فإن الظاهر في الفطر السليمة واللسان العربي والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر في عرف كثير من المستأخرين (١)، فإن أراد الحالف بالظاهر شيئًا من المعاني التي هي من خصائص المحدثين، أو ما يقتضي نوع نقص بأن يتوهم أن الاستواء مثل استواء الأجسام على الأجسام، أو كاستواء الأرواح (٢) إن كانت عنده لا تدخل في اسم (٣) الأجسام فقد حنث في ذلك وكذب (٤)، وما أعلم أحدًا يقول ذلك إلَّا ما يروى عن مثل داود الجواربي البصري (٥)، ومقاتل بن سليمان الخرساني (٦)، وهشام بن

стр. 550

الحكم الرافضي (١) ونحوهم، إن صح النقل عنهم. فإنه يجب القطع بأن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في نفسه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وأن مباينته للمخلوقين وتنزهه عن مشاركتهم أكبر وأعظم مما يعرفه العارفون من خليقته ويصفه الواصفون، وأن كل صفة تستلزم حدوثه أو نقصًا غير الحدوث فيجب نفيها عنه، ومن حكى عن أحد من أهل السنة أنه قاس صفاته بصفات خلقه، فهو إما كاذب أو مخطئ. وإن أراد الحالف بالظاهر ما هو الظاهر في فطر المسلمين قبل ظهور الأهواء وتشتت الآراء، وهو الظاهر الذي يليق بجلاله كما أن هذا هو الظاهر في سائر ما يطلق (٢) عليه -سبحانه- من أسمائه وصفاته، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة، والمحبة والغضب والرضا و ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)، و (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا) (٤) إلى غير ذلك، فإن ظاهر هذه الألفاظ إذا أطلقت علينا أن تكون أعراضًا أو (٥) أجسامًا؛ لأن ذواتنا كذلك، وليس ظاهرها إذا أطلقت على الله إلّا ما يليق بجلاله ويناسب

стр. 551

نفسه، فكما أن لفظ "ذات" و"وجود" و"حقيقة" يطلق على الله وعلى عباده، وهو على ظاهره في الإطلاقين، مع القطع بأنه ليس ظاهره في حق الله تعالى مساويًا لظاهره في حقنا, ولا مشاركًا له فيما يوجب نقصًا وحدوثًا، سواء جعلت هذه الألفاظ متواطئة أو مشتركة أو مشككة، كذلك قوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢)، و ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) الباب في الجميع واحد. وكان قدماء الجهمية ينكرون جميع الصفات التي هي فينا أعراض. كالعلم والقدرة، وأجسام: كالوجه واليد، وحدثاؤهم أقروا بكثير من الصفات [التي هي فينا أعراض] (٥) كالعلم والقدرة، وأنكروا بعضها، والصفات التي هي فينا أجسام هي فينا أعراض، ومنهم من أقر ببعض الصفات التي هي فينا أجسام كاليد. وأما السلفية فعلى ما حكاه الخطابي (٦) وأبو بكر

стр. 552

الخطيب (١)، وغيرهما، قالوا: مذهب السلف إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع العلم، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية. فقد أخبرك الخطابي والخطيب -وهما إمامان من أصحاب الشافعي ﵁ متفق على علمهما بالنقل، وعلم الخطابي بالمعاني -أن مذهب السلف إجراؤها (٢) على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، والله -تعالى- يعلم أني قد بالغت في البحث عن مذهب (٣) السلف، فما علمت أحدًا منهم خالف ذلك. ومن قال من المتأخرين: إن مذهب السلف أن الظاهر غير مراد، فيجب لمن أحسن به الظن أن يعرف أن معنى قوله (الظاهر) الذي يليق بالمخلوق لا بالخالق، ولا شك أن هذا غير مراد، ومن قال: إنه مراد فهو -بعد قيام الحجة عليه- كافر. فهنا بحثان: لفظي ومعنوي.

стр. 553

أما المعنوي: فالأقسام ثلاثة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) ونحوه. أن يقال: استواء كاستواء مخلوق، أو يفسر باستواء مستلزم (٢) حدوثًا أو نقصًا، فإذا هو الذي يحكى عن الضلال المشبهة والمجسمة، وهو باطل قطعًا بالقرآن وبالعقل. وإما أن يقال: ما تم استواء حقيقي أصلًا، ولا على العرش إله، ولا فوق السماوات رب، فهذا (٣) مذهب الجهمية الضالة المعطلة، وهو باطل قطعًا بما علم بالاضطرار من دين الإِسلام، لمن أمعن النظر في العلوم النبوية، وبما فطر الله عليه خليقته من الإقرار بأنه فوق خلقه، كإقرارهم بأنه ربهم. قال ابن قتيبة (٤): ما زالت الأمم -عربها وعجمها، في جاهليتها وإسلامها- معترفة بأن الله في السماء، أي: على السماء. أو يقال: بل استوى -سبحانه- على العرش على الوجه الذي يليق بجلاله، ويناسب كبرياءه، وأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، مع أنه -سبحانه- هو حامل للعرش، ولحملة العرش، وأن الاستواء معلوم، الكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، كما قالته (٥) أم سلمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن

стр. 554

أنس، فهذا مذهب المسلمين. وهو الظاهر من لفظ (استوى) عند عامة المسلمين الباقين على الفطرة السالمة التي لم تنحرف إلى تعطيل، ولا إلى (١) تمثيل، وهذا هو الذي أراده يزيد بن هارون الواسطي (٢)، المتفق على إمامته وجلالته وفضله، وهو من أتباع التابعين، حيث قال (٣): (من زعم أن الرحمن على العرش استوى خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي). فإن الذي أقره الله -تعالى- في فطر عباده وجبلهم عليه، أن ربهم فوق سماواته، كما أنشد عبد الله بن رواحة (٤) ﵁ (٥) - النبي ﷺ فأقره (٦) النبي ﷺ : شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا (٧)

стр. 555

وقال عبد الله بن المبارك -الذي أجمعت فرق الأمة على إمامته وجلالته، حتى قيل: إنه أمير المؤمنين في كل شيء (١)، وقيل: ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك (٢)، وقد أخذ عن عامة علماء وقته، مثل: الثوري ومالك وأبي (٣) حنيفة والأوزاعي وطبقتهم [حين] (٤) قيل له: بماذا نعرف (٥) ربنا؟

стр. 556

قال (١): (بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه). وقال (٢) محمَّد بن إسحاق بن خزيمة -الملقب إمام الأئمة، وهو ممن يفرح (٣) أصحاب الشافعي بما ينصره من مذهبه، ويكاد يقال: ليس فيهم أعلم بذلك منه-: (من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلّا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملة (٤)، ولا أهل الذمة، وكان ماله فيئًا). وقال (٥) مالك بن أنس -الإِمام- فيما رواه عنه عبد الله بن نافع وهو مشهور عنه: (الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان).

стр. 557

وقال (١) الإِمام أحمد بن حنبل مثل ما قال مالك، وما قال ابن المبارك. والآثار عن النبي ﷺ وأصحابه، وسائر علماء الأمة بذلك متواترة (٢) عند من تتبعها، قد جمع العلماء فيها مصنفات صغارًا وكبارًا، ومن تتبع الآثار علم -أيضًا- قطعًا أنه لا يمكن أن ينقل عن أحد منهم حرف واحد يناقض ذلك، بل كلهم مجمعون على كلمة واحدة وعقيدة واحدة، يصدق بعضهم بعضًا، وإن كان بعضهم أعلم من بعض كما أنهم متفقون على الإقرار بنبوة محمَّد ﷺ وإن كان فيهم من هو أعلم بخصائص النبوة ومزاياها وحقوقها وموجباتها وحقيقتها وصفاتها. ثم ليس أحد منهم قال يومًا من الدهر: ظاهر هذا غير مراد، ولا قال: ظاهر (٣) هذه الآية أو (٤) هذا الحديث مصروفة عن ظاهره، مع أنهم قد قالوا مثل ذلك في آيات الأحكام المصروفة عن عمومها وظهورها، وتكلموا فيما يستشكل مما قد يتوهم أنه متناقض، وهذا مشهور لمن تأمله، وهذه الصفات أطلقوها بسلامة، وطهارة وصفاء، لم يشوبوه (٥) بكدر ولا غش. ولو لم يكن هذا هو الظاهر عند المسلمين لكان رسول الله ﷺ ثم

стр. 558

سلف الأمة، قالوا للأمة: الظاهر الذي تفهمونه غير مراد، أو (١) لكان أحد (٢) من المسلمين استشكل هذه الآية وغيرها. فإن كان بعض المتأخرين قد زاغ قلبه، حتى صار يظهر له من الآية معنى فاسد (٣)، مما يقتضي حدوثًا أو نقصًا، فلا شك أن الظاهر لهذا الزائغ غير مراد، وإذا رأينا رجلًا يفهم من (٤) الآية هذا الظاهر الفاسد، قررنا عنده أولًا: أن هذا المعنى ليس مفهومًا من (٣) ظاهر الآية، ثم قررنا عنده ثانيًا: أنه في نفسه معنى فاسد، حتى لو فرض أنه ظاهر الآية -وإن كان هذا فرض ما لا حقيقة له- لوجب صرف الآية عن ظاهرها كسائر الظواهر التي عارضها ما أوجب أن المراد بها غير الظاهر. واعلم أن من لم يحكم (٥) دلالات اللفظ، ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ، تارة يكون (٦) بالوضع اللغوي، أو العرفي، أو الشرعي، إما في الألفاظ المفردة، وإما في المركبة، وتارة بما اقترن باللفظ المفرد من التركيب الذي يتغير به دلالته في نفسه، وتارة بما اقترن به من القرائن اللفظية التي تجعلها مجازًا، وتارة بما يدل عليه حال المتكلم، والمخاطب والمتكلم فيه، وسياق الكلام الذي يعين أحد محتملات اللفظ، أو يبين أن المراد به هو مجازه، إلى غير ذلك من الأسباب التي تعطي اللفظ صفة الظهور، وإلا فقد يتخبط في هذه المواضع، نعم إذا لم يقترن باللفظ قط شيء من القرائن المتصلة تبين مراد المتكلم، بل علم مراده، بدليل آخر لفظي منفصل، فهنا أريد به خلاف الظاهر،

стр. 559

كالعموم (١) المخصوص بدليل منفصل، وإن كان الصارف عقليًّا ظاهرًا ففي تسميته المراد خلاف الظاهر خلاف مشهور في أصول الفقه (٢). وبالجملة: فإذا عرف المقصود فقولنا: هذا هو الظاهر، أو ليس هو الظاهر خلاف لفظي فإن كان الحالف ممن في عرف خطابه أن ظاهر هذه الآية ما (٣) هو مماثل لصفات المخلوقين فقد حنث، وإن كان في عرف خطابه أن ظاهرها هو ما يليق بالله تعالى لم يحنث، وإن لم يعلم عرف (٤) أهل ناحيته في هذه اللفظة، ولم يكن سبب يستدل به على مراده، وتعذر العلم بنيته، فقد جاز أن يكون أراد معنى صحيحًا، وجاز أن يكون أراد معنى باطلًا، فلا يحنث بالشك. وهذا كله تفريع على قول من يقول: إن من حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه حنث، وأما على قول من لم يحنثه (٥) فالحكم في يمينه ظاهر. واعلم أن عامة من ينكر هذه الصفة وأمثالها، إذا بحثت (٦) عن

стр. 560

الوجه الذي أنكروه، وجدتهم قد اعتقدوا أن ظاهر هذه الآية كاستواء المخلوقين، أو استواء يستلزم حدوثًا أو نقصًا، ثم حكوا عن مخالفهم هذا القول ثم تعبوا (١) في إقامة الأدلة على (٢) بطلانه، ثم يقولون: فيتعين تأويله، إما بالاستيلاء، أو بالظهور والتجلي، أو بالفضل والرجحان الذي هو علو القدر والمكانة، ويبقى المعنى الثالث: وهو استواء يليق بجلاله، تكون دلالة هذا اللفظ عليه كدلالة لفظ العلم والإرادة والسمع والبصر على معانيها، قد دل السمع عليه. بل من أكثر النظر في آثار الرسول ﷺ علم بالاضطرار أنه قد ألقى إلى الأمة أن ربكم [الذي] (٣) تعبدونه فوق كل شيء، وعلى كل شيء، فوق العرش، وفوق (٤) السماوات، وعلم أن عامة السلف كان هذا عندهم مثل ما عندهم أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه لا ينقل عن واحد لفظ يدل -لا نصًّا ولا ظاهرًا- على خلاف ذلك، ولا قال أحد منهم يومًا من الدهر: إن ربنا ليس فوق العرش، أو إنه ليس على العرش أو إن استواءه على العرش كاستوائه على البحر، إلى غير ذلك من ترهات الجهمية، ولا مثّل استواءه باستواء المخلوقين، ولا أثبت له صفة تستلزم حدوثًا أو نقصًا. والذي يبين لك خطأ من أطلق (الظاهر) (٥) على المعنى الذي يليق

стр. 561

بالخلق، أن الألفاظ نوعان: أحدهما: ما معناه مفرد كلفظ الأسد والحمار والبحر والكلب، فهذا إذا قيل: أسد الله وأسد رسوله أو قيل للبليد: حمار (١)، أو قيل: للعالم أو السخي أو الجواد من الخيل: بحر، أو قيل للأسد: كلب، فإذا مجاز، ثم إن قرنت (٢) به قرينة تبين المراد، يقول النبي ﷺ لفرس أبي طلحة (وإن (٣) وجدناه لبحرًا) (٤) وقوله: (إن خالدًا سيف من سيوف

стр. 562

الله على المشركين) (١)، وقوله لعثمان (إن الله قمصك قميصًا) (٢)، وقول ابن عباس: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه

стр. 563

وصافحه فكأنما بايع ربه) (١)، أو كما قال، ونحو ذلك. فهنا اللفظ (٢) فيه تجوز، وإن كان قد ظهر من اللفظ مراد صاحبه، وهو محمول على هذا الظاهر في استعمال هذا المتكلم، لا على الظاهر في الوضع الأول، وكل من سمع هذا القول عدم المراد به وسبق ذلك إلى ذهنه، بل أحال إرادة المعنى الأول، وهذا يوجب أن يكون نصًّا لا محتملًا، وليس حمل اللفظ على هذا المعنى من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح في شيء، وهذا أحد مثارات غلط الغالطين في هذا الباب، حيث يتوهم أن المعنى المفهوم من هذا اللفظ مخالف للظاهر، وأن اللفظ يؤول. النوع الثاني: -من الألفاظ- ما في معناه إضافة، إما بأن يكون المعنى إضافة محضة، كالعلو والسفول وفوق وتحت، ونحو ذلك، أو [أن] (٣) يكون معنى ثبوتيًّا فيه إضافة، كالعلم والحب والقدرة والعجز والسمع والبصر، فإذا النوع من الألفاظ لا يمكن أن يوجد له معنى مفرد بحسب بعض موارده لوجهين: أحدهما: [أنه] (٤) لم يستعمل مفردًا قط. والثاني: أن ذلك يلزم منه الاشتراك أو المجاز، بل يجعل حقيقته (٥) في القدر المشترك بين موارده.

стр. 564

وما نحن فيه من هذا الباب فإن لفظ (استوى) لم تستعمله العرب في خصوص جلوس الآدمي [-مثلًا- على سريره حقيقة، حتى يصير في غيره مجازًا، كما أن لفظ (العلم) لم تستعمله العرب في خصوص] (١) العرض القائم بقلب البشر المنقسم إلى ضروري ونظري حقيقة، واستعملته (٢) في غيره مجازًا، بل هذا المعنى تارة يستعمل بلا تعدية، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (٣)، وتارة يعلى بحرف الغاية، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٤) وتارة يعلى بحرف الاستعلاء. ثم هذا تارة يكون صفة لله، وتارة يكون صفة لخلقه، فلا يجب أن يجعل في أحد الموضعين حقيقة، وفي الآخر مجازًا. ولا يجوز أن يفهم من استواء الله -تعالى- الخاصية التي تثبت للمخلوق دون الخالق، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (٨)، ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ (٩). فهل يستحل مسلم أن يثبت لربه خاصية الآدمي الباني الصانع العامل الكاتب؟ أم يستحل أن ينفي (١٠) عنه حقيقة العمل والبناء كما يختص به

стр. 565

ويليق بجلاله؟ أم يستحل (١) أن يقول: هذه الألفاظ مصروفة عن ظاهرها أم الذي يجب أن يقول: عمل كل أحد بحسبه، فكما أن ذاته ليست مثل ذوات خلقه فعمله وصنعه وبناؤه ليس مثل عملهم وصنعهم وبنائهم. ونحن لم نفهم من قولنا: بني فلان وكتب فلان ما في عمله من المعالجة والتأثرة إلّا من جهة علمنا بحال الباني، لا من جهة مجرد اللفظ، ففرق -أصلحك الله- بين ما دل عليه مجرد اللفظ الذي هو لفظ الفعل، وما يدل عليه بخصوص إضافة إلى الفاعل المعين (٢). وبهذا ينكشف لك كثير مما يشكل على كثير من الناس، ونرى مواقع اللبس (٣) في كثير من هذا الباب، والله يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويجمع قلوبنا على دينه الذي ارتضاه لنفسه وبعث به رسوله ﷺ (٤). (٥) ...
следующие страницы →