← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بالخلق، أن الألفاظ نوعان: أحدهما: ما معناه مفرد كلفظ الأسد والحمار والبحر والكلب، فهذا إذا قيل: أسد الله وأسد رسوله أو قيل للبليد: حمار (١)، أو قيل: للعالم أو السخي أو الجواد من الخيل: بحر، أو قيل للأسد: كلب، فإذا مجاز، ثم إن قرنت (٢) به قرينة تبين المراد، يقول النبي ﷺ لفرس أبي طلحة (وإن (٣) وجدناه لبحرًا) (٤) وقوله: (إن خالدًا سيف من سيوف

стр. 562

الله على المشركين) (١)، وقوله لعثمان (إن الله قمصك قميصًا) (٢)، وقول ابن عباس: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه

стр. 563

وصافحه فكأنما بايع ربه) (١)، أو كما قال، ونحو ذلك. فهنا اللفظ (٢) فيه تجوز، وإن كان قد ظهر من اللفظ مراد صاحبه، وهو محمول على هذا الظاهر في استعمال هذا المتكلم، لا على الظاهر في الوضع الأول، وكل من سمع هذا القول عدم المراد به وسبق ذلك إلى ذهنه، بل أحال إرادة المعنى الأول، وهذا يوجب أن يكون نصًّا لا محتملًا، وليس حمل اللفظ على هذا المعنى من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح في شيء، وهذا أحد مثارات غلط الغالطين في هذا الباب، حيث يتوهم أن المعنى المفهوم من هذا اللفظ مخالف للظاهر، وأن اللفظ يؤول. النوع الثاني: -من الألفاظ- ما في معناه إضافة، إما بأن يكون المعنى إضافة محضة، كالعلو والسفول وفوق وتحت، ونحو ذلك، أو [أن] (٣) يكون معنى ثبوتيًّا فيه إضافة، كالعلم والحب والقدرة والعجز والسمع والبصر، فإذا النوع من الألفاظ لا يمكن أن يوجد له معنى مفرد بحسب بعض موارده لوجهين: أحدهما: [أنه] (٤) لم يستعمل مفردًا قط. والثاني: أن ذلك يلزم منه الاشتراك أو المجاز، بل يجعل حقيقته (٥) في القدر المشترك بين موارده.

стр. 564

وما نحن فيه من هذا الباب فإن لفظ (استوى) لم تستعمله العرب في خصوص جلوس الآدمي [-مثلًا- على سريره حقيقة، حتى يصير في غيره مجازًا، كما أن لفظ (العلم) لم تستعمله العرب في خصوص] (١) العرض القائم بقلب البشر المنقسم إلى ضروري ونظري حقيقة، واستعملته (٢) في غيره مجازًا، بل هذا المعنى تارة يستعمل بلا تعدية، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (٣)، وتارة يعلى بحرف الغاية، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٤) وتارة يعلى بحرف الاستعلاء. ثم هذا تارة يكون صفة لله، وتارة يكون صفة لخلقه، فلا يجب أن يجعل في أحد الموضعين حقيقة، وفي الآخر مجازًا. ولا يجوز أن يفهم من استواء الله -تعالى- الخاصية التي تثبت للمخلوق دون الخالق، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (٨)، ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ (٩). فهل يستحل مسلم أن يثبت لربه خاصية الآدمي الباني الصانع العامل الكاتب؟ أم يستحل أن ينفي (١٠) عنه حقيقة العمل والبناء كما يختص به

стр. 565

ويليق بجلاله؟ أم يستحل (١) أن يقول: هذه الألفاظ مصروفة عن ظاهرها أم الذي يجب أن يقول: عمل كل أحد بحسبه، فكما أن ذاته ليست مثل ذوات خلقه فعمله وصنعه وبناؤه ليس مثل عملهم وصنعهم وبنائهم. ونحن لم نفهم من قولنا: بني فلان وكتب فلان ما في عمله من المعالجة والتأثرة إلّا من جهة علمنا بحال الباني، لا من جهة مجرد اللفظ، ففرق -أصلحك الله- بين ما دل عليه مجرد اللفظ الذي هو لفظ الفعل، وما يدل عليه بخصوص إضافة إلى الفاعل المعين (٢). وبهذا ينكشف لك كثير مما يشكل على كثير من الناس، ونرى مواقع اللبس (٣) في كثير من هذا الباب، والله يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويجمع قلوبنا على دينه الذي ارتضاه لنفسه وبعث به رسوله ﷺ (٤). (٥) ...

стр. 566

فصل وهذا والذي ذكرناه من أن القرآن كلام الله (١) حروفه ومعانيه، هو المنصوص عن الأئمة والسلف، وهو الموافق للكتاب والسنة. فأما نصوصهم التي فيها بيان أن كلامه (٢) ليس مجرد الحروف والأصوات بل المعنى -أيضًا- من كلامهم فكثير في كلام أحمد وغيره، مثل ما ذكر الخل الذي كتاب السنة (٣) عن الأثرم (٤)، وإبراهيم بن الحارث العبادي، أنه دخل على أبي عبد الله الأثرم، وعباس بن عبد العظيم العنبري، فابتدأ عباس فقال: (يا أبا عبد الله قوم قد حدثوا يقولون: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، هؤلاء أضر من الجهمية على الناس ويلكم فإن لم تقولوا: ليس (٥) بمخلوق. فقولوا: مخلوق، فقال أبو عبد الله: قوم سوء. فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال: الذي أعتقده وأذهب إليه ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق، ثم قال: سبحان الله من يشك في هذا؟ ثم تكلم أبو عبد الله مستعظمًا للشك في ذلك. فقال: سبحان الله في هذا شك؟ قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ

стр. 567

وَالْأَمْرُ﴾ (١) ففرق بين الخلق والأمر. قال أبو عبد الله: فالقرآن من علم الله، ألا تراه يقول: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) والقرآن فيه (٣) أسماء الله أي شيء يقولون؟ لا يقولون: أسماء (٤) الله غير مخلوقة، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر، لم يزل الله -تعالى- قديرًا عليمًا عزيزًا حكيمًا سميعًا بصيرًا، لسنا نشك أن أسماء الله ليست بمخلوقة، ولسنا نشك أن علم الله ليس بمخلوق وهو كلام الله ولم يزل الله متكلمًا. ثم قال أبو عبد الله: وأي أمر (٥) أبين من هذا، وأي كفر أكفر من هذا، إذا (٦) زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة [وأن علم الله مخلوق] (٧)، ولكن الناس يتهادنون بهذا ويقولون، إنما يقولون (٨): القرآن مخلوق [فيتهاونون به ويظنون أنه هين ولا يدرون ما فيه من الكفر] (٩). قال: وأنا أكره أن أبوح بهذا (١٠) لكل أحد، وهم يسألونني فأقول إني أكره الكلام في هذا، فيبلغني أنهم يدعون علي أني أمسك.

стр. 568

قَال الأثرم (١): فقلت لأبي عبد الله: فمن قال: إن القرآن مخلوق، وقال: لا أقول: إن (٢) أسماء الله مخلوقة ولا علمه لم يزد على هذا أقول: هو كافر؟ فقال: هكذا هو عندنا. قال أبو عبد الله: أنحن (٣) نحتاج أن نشك في هذا؟ القرآن عندنا فيه أسماء الله، وهو من علم الله، فمن (٤) قال مخلوق فهو عندنا كافر. ثم قال أبو عبد الله: بلغني أن أبا خالد (٥) وموسى بن منصور (٦) وغيرهما يجلسون في ذلك الجانب فيعيبون قولنا، ويدعون إلى (٧) هذا القول أن لا يقال: مخلوق ولا غير مخلوق، ويعيبون من يكفر،

стр. 569

ويقولون: إنا نقول يقول الخوارج، ثم تبسم أبو عبد الله كالمغتاظ ثم قال: هؤلاء قوم سوء. ثم قال أبو عبد الله لعباس: وذاك السجستاني الذي عندكم بالبصرة ذاك الخبيث، بلغني أنه قد وضع في هذا -أيضًا- يقول: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، ذاك خبيث، ذاك الأحول. فقال العباس: كان يقول مرة بقول جهم، ثم صار إلى أن يقول بهذا القول، فقال أبو عبد الله: ما بلغني أنه كان يقول يقول جهم إلّا الساعة). فقول الإِمام أحمد: إذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله مخلوق يبين (١) أن العلم الذي تضمنه القرآن داخل في مسمى القرآن، وقد نبهنا -فيما تقدم- على أن كل كلام حق فإن العلم أصل معناه. فإن كان قد ينضم إلى العلم معنى الحب والبغض، وذلك أن الكلام خبر (٢) وطلب، أما الخبر الحق فإن معناه علم بلا ريب، وأما الإنشاء كالأمر والنهي فإنه مسبوق بتصور المأمور والمأمور به وغير ذلك، فالعلم -أيضًا- أصله، واسم القرآن والكلام يتضمن هذا كله، فقول القائل: القرآن مخلوق يتضمن أن علم الله مخلوق، وكذلك أسماء الله هي في القرآن، فمن قال هو مخلوق، والمخلوق هو الصوت القائم (٣) ببعض الأجسام، يكون ذلك الجسم هو الذي سمى الله بتلك الأسماء، ولم يكن قبل ذلك الجسم وصوته لله اسم، بل يكون ذلك الاسم قد نحله إياه ذلك الجسم.

стр. 570

ولهذا روى البخاري في صحيحه (١) عن سعيد بنِ جبير عن ابن عباس (أنه سأله سائل عن قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٣) ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٤) فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥) سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك (٦). . .) هذا لفظ البخاري وهو رواه مختصرًا. ولفظ البوشنجي (٧) محمَّد بن إبراهيم الإِمام، عن شيخ البخاري (٨) الذي رواه من جهته البرقاني في صحيحه (٩): (فإن الله سمى نفسه ذلك ولم ينحله غيره، فذلك قوله: (وكان الله) أي: لم يزل كذلك) هكذا رواه البيهقي (١٠) عن البرقاني. وذكر الحميدي لفظه: (فإن الله جعل نفسه وسمى نفسه، وجعل نفسه ذلك ولم ينحله أحد (١١) غيره (وكان الله) أي: لم يزل كذلك). ولفظ يعقوب بن سفيان (١٢) عن يوسف بن عدي شيخ البخاري:

стр. 571

(فإن الله سمى نفسه ذلك، ولم يجعله غيره (وكان الله) أي: لم يزل كذلك). فقد أخبر ابن عباس أن معنى القرآن: أن الله سمى نفسه بهذه الأسماء لم ينحله ذلك غيره، وقوله: (وكان الله) يقول: إني لم أزل كذلك. ومن المعلوم أن الذي قاله ابن عباس هو مدلول الآيات، ففي هذا دلالة على فساد قول الجهمية من وجوه: أحدها: أنه إذا كان عزيزًا حكيمًا، ولم يزل عزيزا (١) حكيمًا، والحكمة تتضمن كلامه ومشيئته، كما أن (٢) الرحمة تتضمن مشيئته، دل على أنه لم يزل متكلمًا مريدًا، وقوله: ﴿غَفُورًا﴾ أبلغ، فإنه إذا كان لم يزل غفورًا فأولى أنه لم يزل متكلمًا، وعند الجهمية بل لم يكن متكلمًا ولا رحيمًا ولا غفورًا، إذ هذا لا يكون إلّا بخلق أمور منفصلة عنه، فحينئذ كان كذلك. والثاني: قول ابن عباس: فإن الله سمى نفسه ذلك، يقتضى أنه هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء، لا أن (٣) المخلوق هو الذي سماه بها، ومن قال: إنها مخلوقة في جسم، لزمه أن يكون ذلك الجسم هو الذي سماه بها. الثالث: قوله: ولم ينحله ذلك غيره (٤)، وفي (٥) اللفظ الآخر: ولم يجعله ذلك غيره، وهذا يتبين (٦) بجعله ذلك في

стр. 572

الرواية (١). أي: هو الذي حكم لنفسه بذلك لا غيره، ومن جعله مخلوقًا لزمه أن يكون الغير هو الذي جعله كذلك ونحله ذلك. الرابع: أن ابن عباس ذكر ذلك في بيان معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ , ليبين حكمة الإتيان بلفظ كان في مثل هذا، فأخبر في ذلك أنه هو الذي سمى نفسه ذلك ولم ينحله (٢) ذلك غيره. ووجه مناسبة هذا الجواب، أنه إذا نحل ذلك غيره كان ذلك مخلوقًا بخلق ذلك الغير، فلا يخبر عنه بأنه كان كذلك، وأما إذا كان هو الذي سمى به نفسه ناسب أن يقال: إنه كان كذلك وما زال كذلك؛ لأنه هو لم يزل وهذا التفريق إنما يصح إذا كان غير مخلوق، ليصح أن يقال: لما كان هو المسمي لنفسه بذلك، كان لم يزل كذلك. فذكر الإِمام أحمد أن قول القائل: القرآن مخلوق يتضمن القول بأن علم الله مخلوق وأن أسماءه مخلوقة؛ لأن ظهور عدم خلق هذين للناس أبين من ظهور عدم القول بفساد إطلاق القول بخلق هذين، ولو كان القرآن اسمًا لمجرد الحروف والأصوات لم يصح ما ذكره الإِمام أحمد من الحجة، فإن خلق الحروف وحدها لا يستلزم خلق العلم، وهكذا القائلون بخلق القرآن إنما يقولون بخلق الحروف والأصوات في بعض الأجسام لأن هذا هو عندهم القرآن، ليس العلم (٣) عندهم داخلًا (٤) في مسمى القرآن. ولهذا لما قال له الأثرم: (فمن قال القرآن مخلوق، وقال:

стр. 573

لا أقول أسماء الله مخلوقة، ولا علمه، لم يزد على هذا، أقول هو كافر؟ فقال: هكذا هو عندنا، ثم استفهم استفهام المنكر، فقال: نحن (١) نحتاج أن نشك في هذا؟ القرآن عندنا فيه أسماء الله، وهو من علم الله، فمن قال: مخلوق فهو عندنا كافر. فأجاب أحمد بأنهم وإن [لم] (٢) يقولوا بخلق أسمائه وعلمه، فقولهم يتضمن ذلك، ونحن لا نشك في ذلك حتى نقف فيه، فإن ذلك يتضمن خلق أسمائه وعلمه، ولم يقبل أحمد قولهم: القرآن مخلوق، وإن لم يدخلوا فيه أسماء الله وعلمه؛ لأن دخول ذلك فيه لا ريب فيه، كما أنهم لما قالوا: القرآن مخلوق خلقه الله في جسم، لكن هو المتكلم به لا (٣) ذلك الجسم، لم يقبل ذلك منهم؛ لأنه من المعلوم أنه إنما يكون كلام ذلك الجسم لا كلام الله، كإنطاق الله لجوارح (٤) العبد وغيرها (٥)، فإنه يفرق بين نطقه وبين إنطاقه لغيره من الأجسام. وقال أحمد: (فيه أسماء الله وهو من علم الله) ولم يقل فيه علم الله؛ لأن كون أسماء الله في القرآن يعلمه كل أحد، ولا يمكن أحد أن ينازع فيه، وأما اشتمال القرآن على العلم، فإذا ينازع فيه من يقول: إن القرآن هو مجرد الحروف والأصوات، فإن هؤلاء لا يجعلون (٦) القرآن فيه علم الله، بل والذين يقولون: الكلام معنى قائم بالذات، الخبر والطلب، وأن معنى الخبر ليس هو العلم، ومعنى الطلب لا يتضمن الإرادة ينازعون في أن مسمى القرآن يدخل فيه العلم.

стр. 574

فذكر الإِمام أحمد ما يستدل به على أن علم الله في القرآن، وهو قوله: (فإن القرآن من علم الله؛ لأن الله أخبر بذلك). فذكر أحمد لفظ القرآن الذي يدل على موارد النزاع، فإن قوله: (القرآن من علم الله) مطابق لقوله -تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، ولقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)، الآية، ولقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (٤). ومعلوم أن المراد بالذي جاءهم من العلم في هذه الآيات إنما هو ما جاءه من القرآن، كما يدل عليه سياق الآيات، فدل ذلك على أن مجيء القرآن إليه مجيء ما جاءه من علم الله إليه، وذلك دليل على أن مِنْ علم الله في القرآن. ثم قد يقال: هذا الكلام (٥) فيه علم عظيم، وقد يقال: هذا الكلام (٦) علم عظيم، فأطلق أحمد على القرآن أنه من علم الله؛ لأن الكلام الذي فيه علم هو نفسه يسمى علمًا، وذلك هو من علم الله، كما

стр. 575

قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (١)، ففيه من علم الله ما شاءه الله (٢) -سبحانه- لا جميع علمه. ومثل هذا كثير في كلام الإِمام أحمد كما رواه الخلال (٣) عن أبي الحارث (٤) قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر؛ لأنه يزعم أن علم الله مخلوق، وأنه لم يكن له علم حتى خلقه). وكما روي (٥) عن محمَّد بن إبراهيم الهاشمي (٦) قال: (دخلت على أحمد بن حنبل، أنا وأبي، فقال له أبي: يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن؟ قال: القرآن من علم الله، ومن قال: إن من علم الله شيئًا مخلوقا (٧) فقد كفر). وذكر ذلك لأن من الجهمية من يقول: علم الله بعضه مخلوق وبعضه غير مخلوق، وقد يقول: إن الله وإن جعل القرآن من علمه فبعض ذلك مخلوق.

стр. 576

كما روى الخلال (١) عن الميموني (٢) أنه سأل أبا عبد الله قال: قلت من قال كان الله ولا علم؟ فتغير وجهه تغيرًا شديدًا وأكبر غيظه، ثم قال لي: كافر، وقال في: في كل يوم أزداد في القوم بصيرة. قال: وقال (٣) أبو عبد الله [علمت] (٤) أن بشر (٥) المريسي كان يقول: العلم علمان، فعلم مخلوق، وعلم ليس بمخلوق فإذا أيش (٦) يكون هذا؟ قلت: يا أبا عبد الله كيف يكون ذا؟ قال: لا أدري أيكون علمه كله بعضه مخلوق وبعضه ليس بمخلوق؟ لا أدري كيف ذا؟ بشر كذا كان يقول، وتعجب أبو عبد الله تعجبًا شديدًا. وروى (٧) عن المروذي قال: قال أبو عبد الله: قلت لابن الحجام -يعني: يوم المحنة- ما تقول في علم الله؟ فقال: مخلوق، فنظر ابن رباح إلى ابن الحجام نظرًا منكرًا عليه لما أسرع. فقلت لابن رباح: إيش (٨) تقول أنت (٩)؟ فلم يرض ما قال ابن الحجام، فقلت له: كفرت. قال أبو عبد الله يقول: إن الله كان لا علم له، فهذا الكفر بالله.

стр. 577

[وقد كان المريسي يقول: إن علم الله وكلامه مخلوق وهذا الكفر بالله] (١). وعن عبد الله بن أحمد (٢) سمعت أبي يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله وفيه أسماء الله، قال الله -تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٣). وعن المروذي (٤) سمعت أبا عبد الله يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر بالله واليوم الآخر، والحجة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ (٥). . . الآية، وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٧) وقال:

стр. 578

﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (١). والذي جاء النبي (٢) ﷺ القرآن (٣) وهو العلم الذي جاءه. العلم (٤) غير مخلوق، والقرآن من العلم، وهو كلام الله، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (٥)، وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٦)، فأخبر أن الخلق خلق، والخلق غير الأمر (٧)، وأن الأمر غير الخلق وهو كلامه وأن الله لم ينحل من العلم، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٨) والذكر هو القرآن، وإن الله لم يخل منهما ولم يزل الله متكلمًا عالمًا. وقال في موضع آخر: إن الله لم يخل من العلم والكلام وليسا من الخلق لأنه لم يخل منهما، فالقرآن من علم الله. وعن (٩) الحسن بن ثواب (١٠) أنه قال لأبي عبد الله: من أين

стр. 579

أكفرتهم؟ قال: قرأت في كتاب الله غير موضع: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (١)، [فذكر الكلام] (٢). قال ابن ثواب: ذاكرت ابن الدورقي (٣) فذهب إلى أحمد ثم جاء فقال في: سألته فقال لي كما قال لك، إلّا أنه قال (٤): زادني: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٥) ثم قال لي أحمد: إنما أرادوا الإبطال. وقد فسر طائفة منهم: ابن حزم (٦)، كلام أحمد بأنه أراد بلفظ

стр. 580

القرآن المعنى فقط، وأن معنى القرآن يعود إلى العلم، فهو من علم الله، ولم يرد بالقرآن الحروف والمعاني، فمن جعل القرآن كله ليس له معنى إلّا العلم فقد كذب. وأما من قال عن هذه الآيات التي احتج بها أحمد أن معناها العلم، لأنها [كلها] (١) من باب الخبر، ومعنى الخبر [العلم فإذا أقرب من الأول، وهذا إذا صح يقتضي أنه قد يراد بالكلام المعنى] (٢) تارة كما يراد به الحروف أخرى، فأما أن يكون أحمد يقول: إن الله لا يتكلم بالحروف، فإذا خلاف نصوصه الصريحة عنه، لكن قد يقال: القرآن الذي هو قديم لا يتعلق بمشيئته هو المعنى الذي سماه الله علمًا، وذلك هو الذي يكفر من قال بحدوثه. قال الخلال في كتاب السنة (٣): الرد على الجهمية الضلال أن الله

стр. 581

لا يتكلم بصوت: "وروي عن يعقوب بن بختان أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لا يتكلم بصوت، قال: بلى تكلم بصوت، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها, لكل حديث وجه، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يكلم موسى، فهو كافر. حدثنا عبد الرحمن بن المحاربي، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله (١)، قال (٢): إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجودًا حتى إذا فزع عن قلوبهم - قال: سكن (٣) عن قلوبهم، نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا". وكذلك ذكر عبد الله في كتاب السنة، وذكره عنه الخلال (٤) "قال: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بل تكلم الله ﵎ بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وقال أبي: حديث ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر سلسلة على الصفوان (٥)، قال أبي: والجهمية تنكره، قال (٦) أبي: وهؤلاء (٧) كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر، إنما نروي هذه الأحاديث كما جاءت. يروي (٨) المروذي عن أحمد حديث ابن مسعود، قال المروذي:

стр. 582

سمعت أبا عبد الله - وقيل له: إن عبد الوهاب (١) قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإِسلام، [أي حقًّا جهمي عدو الله. من موسى بن عقبة (٢) يا ضالًا مضلًا من ذب عن موسى بن عقبة؟ من كان من الناس يجانب أشد (٣) المجانبة؟ وأبو عبد الله سأل حتى انتهى إلى آخر كلام عبد الوهاب] (٤) فتبسم أبو عبد الله

стр. 583

وقال: ما أحسن ما تكلم! عافاه الله! ولم ينكر منه شيئًا. وقال الإِمام أبو عبد الله البخاري: صاحب الصحيح في "كتاب خلق الأفعال" (١): "ويذكر عن النبي ﷺ "أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" (٢) فليس هذا لغير الله . قال البخاري (٣): وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق؛ لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال: لا تجعلوا لله ندًّا (٤)، فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين. حدثنا به داود بن شيبة (٥)، حدثنا همام، أنبأنا (٦) القاسم بن عبد الواحد، حدثني عبد الله بن محمَّد بن عقيل أن جابر بن عبد الله حدثهم

стр. 584

أنه سمع عبد الله بن أنيس يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة واحد من أهل النار يطلبه بمظلمة" (١)، وهذا قد استشهد به في صحيحه (٢). وقال (٣): حدثنا عمرو بن حفص بن غياث، حدثنا أبي (٤)، ثنا الأعمش، ثنا أبو (٥) صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله يوم القيامة يا آدم، فيقول: لبيك ربنا (٦) وسعديك، فينادي بصوت أن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب ما بعث النار؟ قال: من كل ألف -أراه قال- تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٧). وهذا الحديث رواه في صحيحه (٨)، وقال (٩): حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: من كان يحدثنا بهذه الآية لولا ابن

стр. 585

مسعود سألناه ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (١)، قال يسمع أهل السماوات صلصلة مثل صلصة السلسلة على الصفوان فيخرون حتى إذا فزغ عن قلوبهم سكن الصوت عرفوا أنه الوحي، ونادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (٢). وقال (٣): ثنا عمر (٤) بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا مسلم، عن مسروق، عن عبد الله بهذا. وقال (٣): ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو (٤) [قال سمعت عكرمة يقول] (٥) سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله (٦) ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان (٧) فإذا ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٨).

стр. 586

قال (١): وقال الحكم بن أبان: حدثني عكرمة، عن ابن عباس، إذا قضى الله أمرًا تكلم رجفت السماوات والأرض والجبال (٢)، وخرت الملائكة كلهم سجدًا. حدثنا عمرو بن زرارة، ثنا زياد، عن محمَّد بن إسحاق (٣)، ثنا (٤) محمد بن مسلم بن شهاب (٥) الزهريّ، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن عبد الله بن عباس، عن نفر من الأنصار، أن رسول الله ﷺ قال [لهم] (٦): "ما كنتم (٧) تقولون في هذا النجم الذي يرمى به؟ " قالوا (٨): كنا يا رسول الله نقول حين رأيناها (٩) يرمى بها: مات ملك أو ولد مولود، فقال (١٠) رسول الله ﷺ : "ليس ذلك كذلك، ولكن الله إذا قضى في خلقه (١١) أمرًا يسمعه أهل العرش. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 587

فيسبحون (١) فيسبح [من تحتهم] (٢) بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا حتى (٣) يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم فيقولون: أفلا تسألون من فوقكم مم سبحوا (٤)؟ فيسألونهم، فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان، فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به فتسترقه (٥) الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف، ثم يأتون به إلى الكهان (٦)

стр. 588

من أهل الأرض فيحدثونهم، فيخطئون ويصيبون، فتحدث به الكهان، ثم إن الله حجب الشياطين عن السماء بهذه النجوم وانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة" (١). قال أبو عبد الله محمَّد بن عمر الرازي في كتاب "نهاية العقول في دراية الأصول" (٢) الذي زعم أنه أورد فيه من الدقائق ما لا يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين والسابقين واللاحقين والمخالفين (٣) والموافقين:

стр. 589

الأصل التاسع (١) في كونه تعالى متكلمًا. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في البحث عن محل النزاع: أجمع المسلمون على أن الله تعالى متكلم، لكن المعتزلة زعموا أن المعنى بكونه متكلمًا أنه خلق هذه الحروف والأصوات في جسم، ونحن نزعم (٢) أن كلام الله تعالى صفة حقيقة مغايرة (٣) لهذه (٤) الحروف والأصوات، وأن (٥) ذاته تعالي موصوفة بتلك الصفة (٦). واعلم (٧) أن التحقيق أنه لا نزاع بيننا وبينهم [في كونه متكلمًا بالمعنى * الذي ذكروه، لأن النزاع بيننا (٨) وبينهم] (٩) إما في المعنى * (١٠) وإما في اللفظ (١١). أما في المعنى فإما أن يقع في الصحة أو في الوقوع، أما النزاع في الصحة (١٢) فذلك غير ممكن؛ لأنا توافقنا جميعَّا عَلى

стр. 590

أنه (١) تعالى يصح منه إيجاد الحروف والأصوات، أما في الوقوع فذلك عندنا (٢) غير ممكن؛ لأنه تعالى موجد لجميع أفعال العباد، ومنها هذه الحروف والأصوات، فكيف يمكننا إنكار كونه موجدًا لها على مذهبهم وهم يثبتون (٣) ذلك بالسمع. ومعلوم أن الجزم بوقوع الجائزات التي لا تكون محسوسة لا يستفاد إلا من السمع، فإذا كان المعنى بكونه متكلمًا عندهم أنه (٤) خلق هذه الحروف والأصوات، ولم يثبتوا له من كونه تعالى خالقًا صفة (٥) أو حالة أو حكمًا (٦) أزيد من كونه خالقًا لها، فقد (٧) تعين أنه لا يمكن منازعتهم في ذلك ثبت أنه لا نزاع بيننا وبينهم من جهة (٨) المعنى في كونه متكلمًا بالتفسير الذي قالوه. وأما النزاع من جهة اللفظ فهو أن يقال: لا نسلم أن لفظة (٩) المتكلم في اللغة موضوعة لموجد الكلام، والناس قد أطنبوا من الجانبين في هذا المقام، وليس ذلك (١٠) مما يستحق الإطناب، لأنه بحث لغوي

стр. 591

وينبغي أن يرجع فيه إلى (١) الأدباء، وليس هذا من المباحث العقلية في شيء، وأقوى ما تمسك به أصحابنا في هذه المسألة اللفظية أمور أربعة: أولها: أن أهل اللغة متى سمعوا من إنسان (٢) كلامًا سموه متكلمًا، مع أنهم لا يعلمون كونه فاعلًا لذلك الكلام [اللهم إلا] (٣) بالدلالة (٤)، ولو كان المتكلم هو الفاعل للكلام لما أطلقوا اسم المتكلم عليه إلا بعد العلم بكونه فاعلًا [له] (٥). ثانيها: أن الاستقراء (٦) لما دل على (٧) أن الأسود هو الموصوف بالسواد وكذلك الأبيض والعالم والقادر، وجب أن يكون المتكلم في اللغة هو (٨) من قام به الكلام. وثالثها: أن الله تعالى خلق الكلام في السماء والأرض، حين قال ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٩) ثم إنه أضاف ذلك القول إليهما،

стр. 592

وأيضًا فلو كان ذلك كلام الله (١) تعالى لزم أن يكون الله تعالى متكلمًا بقوله ﴿ائْتِيَا طَوْعًا﴾ وذلك باطل وخطأ (٢). ورابعها: أنه تعالى خلق الكلام في الذراع التي أكلها النبي ﷺ قالت: لا تأكل مني فإني مسمومة (٣)، وذلك باطل، وأقوى ما تمسك به المعتزلة أن العرب يقولون: تكلم الجني على لسان المصروع، فأضافوا الكلام القائم بالمصروع إلى الجني، لاعتقادهم كون الجني فاعلًا له، فلولا اعتقادهم أن المتكلم هو الفاعل للكلام وإلا لما صح ذلك. والجواب عنه يحتمل أن يكون ذلك مجازًا، وإن (٤) كان حقيقة فربما كان مرادهم أن ذلك الكلام هو كلام الجني حال كونه قريبًا من لسان المصروع، فإذا القدر كاف من (٥) البحث اللغوي الخالي عن الفوائد العقلية فإذا هو البحث عن كونه متكلمًا على مذهب المعتزلة. فأما (٦) على مذهبنا، فنحن نثبت لله تعالى كلامًا مغايرًا لهذه الحروف والأصوات، وندعي قدم ذلك الكلام، وللمعتزلة فيه (٧) ثلاث مقامات: الأول: مطالبتهم إيانا بإفادة تصور ماهية هذا الكلام. الثاني: المطالبة بإقامة الدلالة على اتصافه تعالى بها. الثالث: المطالبة بإقامة الدلالة على كونه قديمًا، فثبت أن الخلاف

стр. 593

بيننا وبينهم (١) ليس في كيفية الصفة فقط، بل في وجه تصور ماهيتها أولًا (٢) ثم في إثباتها ثانيًا (٣)، ثم في إثبات قدمها [ثالثًا] (٤)، وهذا القدر لا بد من معرفته لكل من أراد (٥) أن يكون كلامه في هذه المسألة ملخصًا، ونحن بعون الله تعالى نذكر دلالة وافية بالأمور الثلاثة. الفصل (٦) الثَّاني: في كونه متكلمًا وإثبات قدم كلامه: الدليل (٧) عليه (٨) حصول الاتفاق على أنَّه آمر ناه مخبر، لا يخلو (٩) إما أن يكون أمره ونهيه عبارة عن مجرد الألفاظ، أو لا يكون كذلك (١٠)، والأول باطل، لأنَّ اللفظة الموضوعة للأمر قد كان من (١١) الجائز (١٢) أن يضع اللفظة الموضوعة للأمر (١٣) لإفادة معنى الخبر وبالعكس، فإذن كون اللفظة المعنية أمرًا ونهيًا أو خبرًا إنَّما كان لدلالته (١٤) على ماهيته (١٥): الطّلب والزجر والحكم، وهذه الماهيات

стр. 594

ليست أمورًا وضعية (١)، لأنا نعلم بالضرورة أن [ماهية] (٢) السواد لا ينقلب بياضًا أو غيره وبالعكس، وكذلك ماهية (٣) الطّلب لا تنقلب ماهية الزجر، ولا الواحدة منها (٤) ماهية الحكم. وإذا أثبت ذلك فنقول: لما كان الله تعالى آمرًا ناهيًا مخبرًا، وثبت أن ذلك لا يتحقق إلّا إذا (٥) كان الله موصوفًا بطلب وزجر وحكم، فهذه الأمور الثلاثة ظاهر (٦) أنها ليست عبارة عن العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والبقاء، بل الذي يشتبه الحال (٧) فيه إما في الطّلب والزجر (٨) فهي (٩) الإرادة والكراهة (١٠)، وإما في الحكم فهو (١١) العلم. والأول: باطل لما ثبت في خلق الأعمال (١٢) وإرادة الكائنات، أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وينهى (١٣) عما يريد،

стр. 595

فوجب (١) أن يكون معنى (افعل) و (لا تفعل) (٢) في حق الله شيئًا سوى الإرادة، وذلك هو المعني بالكلام (٣). والثاني (٤): باطل، لأنَّه (٥) في الشاهد قد يحكم الإنسان بما لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه، فإذن الحكم الذهني في الشاهد مغاير (٦) لهذه الأمور، وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب، لانعقاد الإجماع على أن ماهية الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب. قال (٧): فثبت أن أمر الله ونهيه وخبره صفات حقيقة (٨) قائمة بذاته مغايرة (٩) لإرادته (١٠) وعلمه، وأن الألفاظ الواردة في الكتب المنزلة دليل عليها، وإذا ثبت ذلك وجب القطع بقدمها، لأنَّ الأمة على قولين (١١) في هذه المسألة، منهم من نفى كون الله موصوفًا بالأمر والنهي والخبر بهذا المعنى، ومنهم من أثبت ذلك، وكل من أثبته موصوفًا بهذه الصفات زعم أن هذه الصفات قديمة، فلو أثبتنا (١٢) كونه -تعالى- موصوفًا بهذه الصفات، ثم حكمنا بحدوث هذه الصفات، كان ذلك قولًا ثالثًا خارقًا للإجماع وهو باطل.

стр. 596

ثم أورد على نفسه (١) أسئلة، منها ممانعات (٢) تارة في إثبات هذه المعاني لله، وتارة في قدمها، وقال (٣): "ومنها لم (٤) لا يجوز أن يكون المرجع بالحكم الذي هو معنى الخبر إلى كونه عالمًا بذلك؟ ولئن (٥) سلمنا كونه -تعالى- موصوفًا بالأمر والنهي والخبر على الوجه الذي ذكرتموه، لكن لم قلتم: إن تلك المعاني قديمة بقولكم (٦): كل من أثبت هذه المعاني أثبتها قديمة؟ قلنا (٧): القول في إثباتها مسألة، والقول في قدمها مسألة أخرى، فلو لزم من ثبوت إحدى المسألتين ثبوت (٨) المسألة الأخرى، لزم من إثبات كونه تعالى عالمًا بعلم قديم إثبات كونه -تعالى- متكلمًا بكلام قديم، وإذا كان ذلك باطلًا، فكذا ما ذكرتموه، ثم لئن سلمنا أن هذا النوع [من الإجماع يقتضي (٩) عدم كلام الله، لكنَّه معارض بنوع آخر] (١٠) من الإجماع، وهو أن أحدًا من الأمة لم يثبت قدم كلام الله بالطريق الذي ذكرتموه فيكون التمسك بما ذكرتموه خرقًا للإجماع".

стр. 597

ثم ذكر معارضات المخالف بوجوه عقلية ونقلية تسعة (١). وقال (٢) في الجواب: "قوله: سلمنا أن خبر الله دليل (٣) على أن الله حكم بنسبة (٤) أمر إلى أمر، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الحكم هو العلم؟ قلنا: هذا باطل لوجهين: أما أولًا: فلأن القائل في المسألة (٥) قائلان: قائل يقول نثبت لله -تعالى- خبرًا قديمًا، ونثبت كونه مغايرًا للعلم، وقائل: لا نثبت له خبرًا قديمًا أصلًا، فلو قلنا: إن الله له خبر قديم (٦)، ثم قلنا: إنه هو العلم، كان ذلك خرقًا للإجماع. وأمَّا ثانيًا: فلأنّا بيّنا في أول الاستدلال أن فائدة الخبر في الشاهد [ليست هي الظن والعلم (٧) والاعتقاد، وإذا بطل ذلك في الشاهد] (٨) وجب أن يكون في الغائب (٩) كذلك، لانعقاد الإجماع على أن فائدة الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب.

стр. 598

قوله: سلمنا بثبوت معاني (١) هذه الألفاظ لله، فلم قلتم: إنَّها قديمة؟ قلنا: للإجماع المذكور. قوله: لو لزم من القول بإثبات هذه الصفة لله إثبات قدمها، لأنَّ كل من قال بالأول قال بالثاني، لزم من القول بإثبات العلم القديم إثبات الكلام القديم، لأنَّ [كل] (٢) من قال بالأول قال بالثاني. قلنا: الفرق بين الموضوعين مذكور في "المحصول في علم الأصول" (٣)، فإن المعتزلة يساعدوننا (٤) على الفرق بين الموضعين فلا يكون. قوله: إثبات قدم كلام الله بهذه الطريقة (٥) على خلاف الإجماع. قلنا: قد بينا في كتاب المحصول (٦) أن إحداث دليل لم يذكره أهل الإجماع لا يكون خرقًا للإجماع. وقال (٧): في الجواب عن المعارضة: "وأمَّا المعارضة الخامسة (٨) وما بعدها من الوجوه السمعية، فالجواب عنها حرف واحد، وهو أنا لا ننازع في إطلاق لفظ القرآن وكلام الله على هذه الحروف والأصوات، وما ذكروه من الأدلة فهو إنَّما يفيد حدوث القرآن بهذا

стр. 599

التفسير، وذلك متَّفقٌ عليه، وأمَّا نحن (١) بعد ذلك ندعي صفة قائمة بذات الله -تعالى- وندعي قدمها، وقد بينا أن تلك الصفة يستحيل وصفها بكونها عربية وعجمية ومحكمة ومتشابهة، لأنَّ كل ذلك من صفات الكلام الذي حاولوا (٢) إثبات حدوثه، فنحن لا ننازعهم في حدوثه، والكلام الذي ندعي قدمه لا يجري فيه ما ذكروه من الأدلة". ثم قال (٣): في الأصل العاشر الذي هو في الكلام على بقية الصفات في القسم الثالث منه. الفصل الثَّاني (٤): في بيان (٥) [أن] (٦) كلام الله واحد. المشهور اتفاق الأصحاب على ذلك، وقد نقل أبو القاسم الإسفرائيني (٧) منا عن بعض قدماء أصحابنا أنهم أثبتوا لله خمس كلمات، الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء. قال (٨): وأعلم أن هذه المسألة إما أن يتكلم فيها مع القول بنفي الحال (٩)، أو مع القول بإثباته، فإن كان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 600

الأول (١) صعبت (٢) المسألة جدًّا لأنَّ (٣) وجود كل شيء عين حقيقته، فإذا كانت حقيقة الطّلب مخالفة لحقيقة الخبر، كان وجود الطّلب مخالفًا لوجود الخبر -أيضًا- إذ لو اتحدا في الوجود مع اختلافهما في الحقيقة كان الوجود غير الحقيقة، وذلك يقتضي إثبات الأحوال، لا يقال: لا نسلم أن يكون (٤) الكلام خبرًا وطلبًا حقائق مختلفة، بل حقيقة الكلام هو الخبر، ألا ترى أن من طلب من غيره فعلًا أو تركًا، فقد أخبر ذلك الغير بأنه لو لم يفعله لعاقبه، أو بأنه يجب على العاقل الإحلال، ومن استفهم فقد أخبر أنَّه يطلب منه الإفهام، وإذا صار الكلام كله خبرًا زال الإشكال (٥)، لأنا نقول: ليس هذا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →