← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ثم أورد على نفسه (١) أسئلة، منها ممانعات (٢) تارة في إثبات هذه المعاني لله، وتارة في قدمها، وقال (٣): "ومنها لم (٤) لا يجوز أن يكون المرجع بالحكم الذي هو معنى الخبر إلى كونه عالمًا بذلك؟ ولئن (٥) سلمنا كونه -تعالى- موصوفًا بالأمر والنهي والخبر على الوجه الذي ذكرتموه، لكن لم قلتم: إن تلك المعاني قديمة بقولكم (٦): كل من أثبت هذه المعاني أثبتها قديمة؟ قلنا (٧): القول في إثباتها مسألة، والقول في قدمها مسألة أخرى، فلو لزم من ثبوت إحدى المسألتين ثبوت (٨) المسألة الأخرى، لزم من إثبات كونه تعالى عالمًا بعلم قديم إثبات كونه -تعالى- متكلمًا بكلام قديم، وإذا كان ذلك باطلًا، فكذا ما ذكرتموه، ثم لئن سلمنا أن هذا النوع [من الإجماع يقتضي (٩) عدم كلام الله، لكنَّه معارض بنوع آخر] (١٠) من الإجماع، وهو أن أحدًا من الأمة لم يثبت قدم كلام الله بالطريق الذي ذكرتموه فيكون التمسك بما ذكرتموه خرقًا للإجماع".

стр. 597

ثم ذكر معارضات المخالف بوجوه عقلية ونقلية تسعة (١). وقال (٢) في الجواب: "قوله: سلمنا أن خبر الله دليل (٣) على أن الله حكم بنسبة (٤) أمر إلى أمر، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الحكم هو العلم؟ قلنا: هذا باطل لوجهين: أما أولًا: فلأن القائل في المسألة (٥) قائلان: قائل يقول نثبت لله -تعالى- خبرًا قديمًا، ونثبت كونه مغايرًا للعلم، وقائل: لا نثبت له خبرًا قديمًا أصلًا، فلو قلنا: إن الله له خبر قديم (٦)، ثم قلنا: إنه هو العلم، كان ذلك خرقًا للإجماع. وأمَّا ثانيًا: فلأنّا بيّنا في أول الاستدلال أن فائدة الخبر في الشاهد [ليست هي الظن والعلم (٧) والاعتقاد، وإذا بطل ذلك في الشاهد] (٨) وجب أن يكون في الغائب (٩) كذلك، لانعقاد الإجماع على أن فائدة الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب.

стр. 598

قوله: سلمنا بثبوت معاني (١) هذه الألفاظ لله، فلم قلتم: إنَّها قديمة؟ قلنا: للإجماع المذكور. قوله: لو لزم من القول بإثبات هذه الصفة لله إثبات قدمها، لأنَّ كل من قال بالأول قال بالثاني، لزم من القول بإثبات العلم القديم إثبات الكلام القديم، لأنَّ [كل] (٢) من قال بالأول قال بالثاني. قلنا: الفرق بين الموضوعين مذكور في "المحصول في علم الأصول" (٣)، فإن المعتزلة يساعدوننا (٤) على الفرق بين الموضعين فلا يكون. قوله: إثبات قدم كلام الله بهذه الطريقة (٥) على خلاف الإجماع. قلنا: قد بينا في كتاب المحصول (٦) أن إحداث دليل لم يذكره أهل الإجماع لا يكون خرقًا للإجماع. وقال (٧): في الجواب عن المعارضة: "وأمَّا المعارضة الخامسة (٨) وما بعدها من الوجوه السمعية، فالجواب عنها حرف واحد، وهو أنا لا ننازع في إطلاق لفظ القرآن وكلام الله على هذه الحروف والأصوات، وما ذكروه من الأدلة فهو إنَّما يفيد حدوث القرآن بهذا

стр. 599

التفسير، وذلك متَّفقٌ عليه، وأمَّا نحن (١) بعد ذلك ندعي صفة قائمة بذات الله -تعالى- وندعي قدمها، وقد بينا أن تلك الصفة يستحيل وصفها بكونها عربية وعجمية ومحكمة ومتشابهة، لأنَّ كل ذلك من صفات الكلام الذي حاولوا (٢) إثبات حدوثه، فنحن لا ننازعهم في حدوثه، والكلام الذي ندعي قدمه لا يجري فيه ما ذكروه من الأدلة". ثم قال (٣): في الأصل العاشر الذي هو في الكلام على بقية الصفات في القسم الثالث منه. الفصل الثَّاني (٤): في بيان (٥) [أن] (٦) كلام الله واحد. المشهور اتفاق الأصحاب على ذلك، وقد نقل أبو القاسم الإسفرائيني (٧) منا عن بعض قدماء أصحابنا أنهم أثبتوا لله خمس كلمات، الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء. قال (٨): وأعلم أن هذه المسألة إما أن يتكلم فيها مع القول بنفي الحال (٩)، أو مع القول بإثباته، فإن كان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 600

الأول (١) صعبت (٢) المسألة جدًّا لأنَّ (٣) وجود كل شيء عين حقيقته، فإذا كانت حقيقة الطّلب مخالفة لحقيقة الخبر، كان وجود الطّلب مخالفًا لوجود الخبر -أيضًا- إذ لو اتحدا في الوجود مع اختلافهما في الحقيقة كان الوجود غير الحقيقة، وذلك يقتضي إثبات الأحوال، لا يقال: لا نسلم أن يكون (٤) الكلام خبرًا وطلبًا حقائق مختلفة، بل حقيقة الكلام هو الخبر، ألا ترى أن من طلب من غيره فعلًا أو تركًا، فقد أخبر ذلك الغير بأنه لو لم يفعله لعاقبه، أو بأنه يجب على العاقل الإحلال، ومن استفهم فقد أخبر أنَّه يطلب منه الإفهام، وإذا صار الكلام كله خبرًا زال الإشكال (٥)، لأنا نقول: ليس هذا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 601

شيء (١)، لأنَّ حقيقة الطّلب مغايرة لحقيقة حكم الذهن بنسبة أمر إلى أمر، وتلك المغايرة معلومة بالضرورة، ولهذا يتطرق التصديق والتكذيب إلى أحدهما دون الآخر". قال (٢): "وإن تكلمنا على القول بالحال، فيجب أن ينظر في (٣) أن الحقائق الكثيرة هل يجوز أن تتصف بوجود واحد أم لا؟. فإن قلت: جاز (٤) ذلك، فحينئذ يجوز أن تكون الصفة الواحدة حقائق مختلفة، وإلّا بطل القول بذلك، وأنا إلى الآن لم يتضح لي فيه دليل، لا نفيًا ولا إثباتًا. والذي يقال في امتناعه: أنا لو قدرنا شيئًا واحدًا يكون (٥) له حقيقتان، فإذا طرأ عليهما ما يضاد إحدى الحقيقتين [دون الأخرى] (٦) لزم أن تعدم (٧) تلك الصفة من أحد (٨) الوجهين، ولا تعدم (٩) من الوجه الآخر. قال (١٠): وهذا ليس بشيء، لأنا حكينا عن المعتزلة (١١) استدلالهم

стр. 602

بمثل هذا الكلام، على أن صفات الأجناس لا تقع بالفاعل، ثم زيفنا ذلك من وجوه عديدة (١)، وتلك الوجوه بأسرها عائدة ها هنا، فهذا هو الكلام على من استدل على امتناع أن يكون الكلام الواحد أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا (٢) معًا. وأمَّا الذي يدل على أن الأمر كذلك فلا يمكن أن يعول (٣) فيه على الإجماع من الحكاية (٤) التي ذكرها أبو إسحاق الإسفرائيني، ولم نجد لهم نصًّا، ولا يمكن أن يقال (٥) فيه دلالة عقلية (٦)، فبقيت المسألة بلا دليل. وإنَّما قال: لا يمكن التعويل فيها على الإجماع، لأنَّ الذي اعتمد عليه في أن علم الله واحد (٧) ما نقله عن القاضي أبي بكر أنَّه عول فيها على الإجماع فقال (٨): "القائل قائلان: قائل يقول: الله عالم [بالعلم] (٩) قادر بالقدرة، وقائل يقول: [إن (١٠) الله ليس بعالم (١١) بالعلم، ولا قادرًا بالقدرة] (١٢)، وكل من قال بالقول الأول قال: إنه عالم بعلم واحد، قادر (١٣) بقدرة واحدة، فلو قلنا: إنه عالم بعلمين أو أكثر كان

стр. 603

ذلك قولًا ثالثًا خارقًا للإجماع وهو باطل" (١). وقد ذكر (٢) عن أبي سهل (٣) الصعلوكي أنَّه قال: إنه عالم بعلوم غير متناهية، لكن قال: هو مسبوق بهذا الإجماع. قلت: وهذا الكلام فيه أمور (٤) يتبين بها من الهدى لمن يهديه الله ما ينتفع به. أحدها: أنَّه لم يعتمد في كون كلام الله قديمًا على حجة عقلية، ولا على كتاب ولا سنة، ولا كلام أحد من السلف والأئمة، بل ادعى فيها الإجماع قال: لأنَّ الأمة في هذه المسألة على قولين: منهم من نفى كون الله موصوفًا بالأمر والنهي والخبر بهذا المعنى، ومنهم من أثبت ذلك، وكل من أثبته موصوفًا بهذه الصفات زعم أن هذه الصفات قديمة فلو أثبتنا كونه موصوفًا بهذه الصفات، ثم حكمنا بحدوث هذه الصفات كان ذلك

стр. 604

قولًا ثالثًا خارقًا للإجماع. يقال له: ليس كل من أثبت اتصافه وأنه يقوم به معنى الأمر والنهي والخبر يقول بقدمه، بل كثير من هؤلاء لا يقول بقدمه، فمن أهل الكلام كالشيعة والكرامية وغيرهم، وأمَّا من أهل الحديث والفقهاء فطوائف كثيرة، وهذا مشهور في الكتب الحديثية والكلامية، وليس له أن يقول هؤلاء يقولون: إنه يقوم به حروف ليست قديمة، ولكن لا يقولون: إنه يقوم به معان ليست قديمة، لأنَّ أقوالهم المنقولة تنطق بالأمرين جميعًا. الوجه الثَّاني: أن أحدًا من السلف والأئمة لم يقل: إن القرآن قديم، وإنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن اتفقوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، والمخلوق عندهم ما خلقه الله من الأعيان والصفات القائمة بها، والذين قالوا: هو مخلوق، قالوا: إنه خلقه في جسم كما نقله عنهم". فقال السلف: إن ذلك يستلزم أن لا يكون الله متكلمًا، وإن الكلام كلام ذلك الجسم المخلوق، فتكون الشجرة هي القائلة لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (١). ولهذا صرحوا [بخطأ] (٢) من يقول: إن ذلك مخلوق لأنَّ عندهم أنَّه من المعلوم بالفطرة شرعًا وعقلًا ولغة أن المتكلم بهذا الذي يقوم به وربما قد يقولون: إنه لم يكن متكلمًا حتَّى خلق الكلام، فصار متكلمًا بعد أن كان عاجزًا عن الكلام، فتوهم هؤلاء أن السلف عنوا بقولهم: القرآن كلام الله غير مخلوق أنَّه معنى واحد قديم، كتوهم من توهم من المعتزلة والرافضة أنهم عنوا به أنَّه غير مفترى مكذوب، كما ذكره هو في

стр. 605

هذه المسألة، فقال" (١): الحجة الرابعة لهم من السمعيات: "ما روى أبو الحسين البصري (٢) في الغرر (٣) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من آية الكرسي" (٤)، وروى عنه ﵇ أنَّه كان يقول في دعائه: "يا رب طه" ويس "ويا رب القرآن العظيم" (٥). قال (٦): ولا يقال هذا معارض بمبالغة السلف من الامتناع عن القول بخلق القرآن، لأنا نقول: يحمل ذلك على (٧) الامتناع من إطلاق هذا اللفظ (٨)، لأنَّ لفظ (٩) الخلق قد يستعمل في الافتراء ضرورة التوفيق بين الروايات". قلت: وجواب هذه الحجة سهل، فإنَّه لا خلاف بين أهل العلم بالحديث أن هذين الحديثين كذب على رسول الله ﷺ وأهل الحديث

стр. 606

يعلمون أن ذلك مفترى عليه بالضرورة، كما يعلمون ذلك في أشياء كثيرة من الموضوعات عليه، ويكفي أن نقل ذلك عن رسول الله ﷺ لا يوجد في شيء من كتب الحديث، ولا في شيء من كتب المسلمين أصلًا بإسناد معروف، بل الذي رووه في كتب أهل الحديث بالإسناد المعروف عن ابن عباس أنَّه أنكر على من قال ذلك. فروي من [غير] (١) وجه عن عمران بن حدير (٢) عن عكرمة قال: "صليت مع ابن عباس على رجل، فلما دفن قام رجل فقال: يا رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه إن القرآن منه". وفي رواية: "القرآن كلام الله ليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود" (٣). فهذا الأثر المأثور عن ابن عباس هو ضد ما رووه، وأمَّا ما رووه فلا يؤثر لا عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أحد من الصّحابة ولا التّابعين أصلًا. وكذلك الحديث الآخر: "ما خلق (٤) الله من سماء ولا أرض" فإن هذا لا يؤثر عن -النَّبيِّ ﷺ أصلًا، ولكن يؤثر عن ابن مسعود نفسه (٥).

стр. 607

وقد ثبت عن ابن مسعود بنقل العدول أنَّه قال: من حلف بالقرآن فعليه بكلِّ آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع" (١). وقد اتفق المسلمون على أن الكفارة لا تجب بما يخلقه في الأجسام، فعلم أن القرآن كان عند ابن مسعود صفة لله، لا مخلوقًا له، وأن معنى ذلك الأثر أنَّه ليس في الموجودات المخلوقة ما هو أفضل من آية الكرسي، لا أنها (٢) هي مخلوقة، كما يقال: الله أكبر من كل شيء، وإن كان ذلك الكبير مخلوقًا، والله تعالى ليس بمخلوق، وبذلك فسر الأئمة قول ابن مسعود. ذكر الخلال في كتاب السنة (٣)، عن سفيان ابن عيينة أنَّه ذكر هذا الحديث الذي يروى = ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا جبل أعظم من آية الكرسي، قال (٤): فقال ابن عيينة (٥) هو هكذا: "ما خلق الله من شيء إلَّا وآية الكرسي أعظم ممَّا خلق".

стр. 608

وروى الخلال عن أبي عبيد قال: وقد قال رجل (١): ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي، أفليس يدلك على أن هذا مخلوق. قال أبو عبيد: إنَّما قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي، فأخبر الله أن السماء والأرض أعظم من خلق، وأخبر أن آية الكرسي التي هي من صفاته أعظم من هذا العظيم المخلوق. وروى عن أحمد بن القاسم قال: قال أبو عبد الله: هذا الحديث ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا كذا أعظم فقلت لهم: إن الخلق ها هنا وقع على السماء والأرض، وهذه الأشياء لا على القرآن، لأنَّه قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض، فلم يذكر خلق القرآن ها هنا. وقال البُخاريّ في كتاب خلق الأفعال (٢): "وقال الحميدي، ثنا سفيان، ثنا حصين، عن مسلم بن صبيح، عن شتير بن شكل (٣)، عن عبد الله (٤)، قال: ما خلق الله من أرض ولا سماء ولا جنة ولا نار أعظم من ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٥).

стр. 609

قال سفيان [في] (١) تفسيره: إن كل شيء مخلوق، والقرآن ليس بمخلوق، وكلامه أعظم من خلقه، لأنَّه إنَّما يقول للشيء كن فيكون، فلا يكون شيء أعظم ممَّا يكون به الخلق، والقرآن كلام الله. وأمَّا تأويلهم أن السلف امتنعوا من لفظ الخلق لدلالته على الافتراء فألفاظ السلف منقولة عنهم بالتواتر عن نحو خمسمائة من السلف كلها تصرح بأنهم أنكروا الخلق الذي تعنيه الجهمية من كونه مصنوعًا في بعض الأجسام، كما أنهم (٢) سألوا جعفر بن محمد عن القرآن هل هو خالق أو مخلوق (٣)؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله. ومثل قول (٤) علي ﵁ لما قيل له: حكمت مخلوقًا، فقال: ما حكمت مخلوقًا وإنما حكمت القرآن، وأمثال ذلك ممَّا يطول ذكره. والمقصود هنا أن السلف اتفقوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي أجمع عليه السلف ليس معناه ما قالته المعتزلة، ولا ما قالته الكلابية، وهذا الرازي ادعى الإجماع، وإجماع السلف ينافي ما ادعاه من الإجماع، فإن أحدًا من السلف لم يقل هذا ولا هذا (٥)، فضلًا عن أن يكون إجماعًا، [ويكفي أن يكون اعتصامه في هذا الأصل العظيم بدعوى إجماع] (٦)، والإجماع المحقق على خلافه، فلو كان فيه

стр. 610

خلاف لم تصح الحجة، فكيف إذا كان الإجماع المحقق السلفي على خلافه. الوجه الثالث: أن الرجل (١) قد أقر أنَّه لا نزاع بينهم وبين المعتزلة من جهة المعنى في خلق الكلام بالمعنى الذي يقوله المعتزلة، وإنَّما النزاع لفظي حيث إن المعتزلة سمت ذلك المخلوق كلام الله، وهم لم يسموه كلام الله. ومن المعلوم بالاضطرار أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم لما ابتدعت القول بأنَّ القرآن مخلوق، أو بأنَّ كلام الله مخلوق أنكر ذلك عليهم سلف الأمة وأئمتها، وقالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، فلو كان ما وصفته المعتزلة بأنه مخلوق وهو مخلوق عندهم -أيضًا- وإنَّما خالفوهم في تسمية كلام الله أو في إطلاق اللفظ لم تحصل هذه المخالفة العظيمة والتكفير العظيم بمجرد نزاع لفظي، كما قال هو: إن الأمر في ذلك يسير، وليس هو ممَّا يستحق الإطناب، لأنَّه بحث لغوي وليس هو من الأمور المعقولة المعنوية، فإذا كانت المعتزلة فيما أطلقته لم تنازع إلَّا في بحث لغوي لم يجب تكفيرهم وتضليلهم وهجرانهم بذلك، كما أنَّه هو وأصحابه لا يضللونهم في تأويل ذلك وإن نازعوهم في لفظ، ومجرد النزاع اللفظي لا يكون كفرًا ولا ضلالًا في الدين. الوجه الرابع: أنَّه قد استخف بالبحث في مسمى المتكلم، وقال: إنه ليس ممَّا يستحق الإطناب، لأنَّه بحث لغوي، وهذا غاية الجهل بأصل هذه

стр. 611

المسألة، وذلك أن هذه المسألة هي سمعية (١) كما قد ذكر هو ذلك فإنَّه إنما أثبت ذلك بالنقل المتواتر عن الأنبياء ﵈ أن الله يتكلم. ولهذا لما قال له المنازع: إثبات كونه متكلمًا آمرًا ناهيًا مخبرًا بالإجماع لا يصح لتنازعهم في معنى الكلام. أجاب بأنا نثبتها بالنقل المتواتر عن الأنبياء ﵈ أنهم كانوا يقولون: إن الله أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا وقال كذا وتكلم بكذا، وإنا (٢) نثبتها -أيضًا- بالإجماع- كما قرره (٣). وإذا كان أصل هذه المسألة هو (٤) الاستدلال بالنقل المتواتر بالإجماع على أن الله متكلم آمر ناه، كان العلم بمعنى المتكلم الآمر الناهي هل هو الذي قام به الكلام؟ كالأمر والنهي والخبر، أو هو من فعله ولو (٥) في غيره؟ هو أحد مقدمتي دليل المسألة الذي لا تتم إلَّا به، فإنَّه إذا جاز أن يكون القائل الآمر الناهي المخبر لم يقم به كلام ولا أمر ولا نهي ولا خبر، بطلت حجة أهل الإثبات في المسألة من كل وجه، فالإطناب في هذا الأصل هو أهم ما في هذه المسألة، بل ليس في المسألة أصل أهم من هذا، وبهذا الأصل كفر الأئمة الجهمية، لأنهم علموا أن المتكلم هو الذي يقوم به الكلام، وأن ذلك معلوم بالضرورة من الشرع والعقل واللغة عند الخاصة والعامة (٦)، وليس هذا بحثًا لغويًّا كما زعمه بل هو بحث عقلي معنوي شرعي، مع كونه -أيضًا- لغويًّا كما نذكره في:

стр. 612

الوجه الخامس: وذلك أن كون المتكلم هو الذي يقوم به الكلام أو لا يقوم به الكلام، وكون الحي يكون متكلمًا بكلام يقوم بغيره، هو مثل كونه حيًّا عالمًا وقادرًا وسميعًا وبصيرًا ومريدًا بصفات تقوم بغيره، وكون الحي العليم القدير لا تقوم به حياة ولا علم ولا قدرة، وهذه كلها بحوث معقولة معنوية لا تختص بلغة دون لغة، بل تشترك فيها الأمم كلها (١)، وهي -أيضًا- داخلة فيما أخبرت به الرسل عن الله، فإن ثبوت حكم الصفة للمحل (٢) الذي تقوم به الصفة أو لغيره، أمر معقول يعلم بالعقل، فعلم أنَّه مقام عقلي، وهو مقام سمعي، ولهذا يبحث معهم في سائر الصفات كالعلم والقدرة بأنَّ الحي لا يكون عليمًا قديرًا إلَّا بما يقوم به من الحياة والعلم. الوجه السادس: أنَّه لولا ثبوت هذا المقام لما أمكنه أن يثبت (٣) قيام معنى الأمر والنهي والخبر، لأنَّه قرر بالإجماع أن الله آمر وناه ومخبر، وأن ذلك ليس هو اللفظ، بل هو معنى هو الطّلب والزجر والحكم، وهذه المعاني سواء كانت هي الإرادة والعلم أو غير ذلك. يقال له: لا نسلم أنها قائمة بذات الله إن لم يثبت أن الأمر الناهي المخبر هو من قام به معنى الأمر والنهي والخبر، بل يمكن أن يقال فيها ما يقوله المعتزلة في الإرادة والعلم، إما أن يقولوا: يقوم بغير محل، أو يقولوا: كونه آمرًا ومخبرًا مثل كونه عالمًا، وذلك حال أو صفة، فإنَّه إذا

стр. 613

جاز أن يكون الآمر والمخبر لم يقم به خبر ولا أمر، لم يمكنه ثبوت هذه المعاني قائمة بذات الله، بل يقال له: هب أن لها معاني وراء الألفاظ ووراء هذه، لكن لم قلت: إن الآمر الناهي هو من قام به تلك المعاني، دون أن يكون من فعل تلك المعاني؟ الوجه السابع: أنَّه عدل عن الطريقة المشهورة لأصحابه في هذا الأصل ، فإنهم يثبتون أن المتكلم من قام به الكلام، وأن معنى الكلام هو الطّلب والزجر والحكم -كما ذكره - (١) ثم يقولون: ولا يجوز أن يكون ذلك حادثًا في غيره لا في ذاته، لأنَّ ذاته لا تكون محلًا للحوادث [وبذلك أثبتوا قدم الكلام، فقالوا: لو كان محدثًا لكان إما أن يحدثه في نفسه فيكون محلًا للحوادث] (٢) وهو محال (٣) أو غيره فيكون كلامًا لذلك المحل، أو [لا (٤)] محل فيلزم قيام الصفة بنفسها وهو محال، وإنَّما عدل عنها لأنه قد بين أنَّه لم يقم دليل على أن قيام الحوادث به محال، بل ذلك لازم لجميع الطوائف، ومن المعلوم أنَّه إذا جوز قيام الحوادث به، بطل قول أصحابه في هذه المسألة، وامتنع أن يقال: هو قديم، لأنَّه إذا ثبت أن المتكلم هو من قام به الكلام، أو ثبت (٥) أن الله آمر ناه مخبر بمعنى يقوم به لا بغيره، فإذا جاز أن يكون حادثًا ويكون صفة لله، كما يقوله من يقول: إن الله يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما يقوله جماهير أهل

стр. 614

الحديث والفقهاء، وطوائف من أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم، لم يجزأ (١) أن يحكم بقدمه بلا دليل، إلَّا كما يقوله من يقول من أئمة السنة -إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء فيريدون أنَّه لم يزل متصفًا بأنه متكلم إذا شاء [وهو لا يقول بذلك] (٢) فتبين أن الأصل الذي قرره يبطل قول المعتزلة وقول أصحابه، ولا ينفع حينئذ احتجاجه باجتماع هاتين الطائفتين، إذ ليس ذلك إجماع الأمة. الوجه الثامن: أنَّه لما عارض الإجماع الذي ادعاه بنوع آخر من الإجماع، وهو أن أحدًا من الأمة لم يثبت قدم كلام الله بالطريق الذي ذكرتموه، فيكون التمسك بما ذكرتموه خرقًا للإجماع. أجاب: بأنا قد بينا في كتاب المحصول (٣) أن إحداث دليل لم يذكره أهل الإجماع لا يكون خرقًا للإجماع. فيقال له: هذا إن (٤) كان قد استدل بدليل آخر منضمًا إلى دليل أهل الإجماع، فإن ذلك لا يستلزم تخطئة أهل الإجماع، وأمَّا إذا بطل معتمد أهل الإجماع ودليلهم، وذكر دليلًا (٥) آخر كان هذا تخطئة منه لأهل الإجماع (٦)، والأمر هنا كذلك، لأنَّ الذين قالوا بقدمها إنَّما قالوا ذلك

стр. 615

لامتناع قيام الحوادث به [عندهم] (١) والذين قالوا بخلقها قالوا ذلك لامتناع قيام الصفات به، وعنده كلتا (٢) الحجتين باطلة، وهو احتج بإجماع الطائفتين، وقد أقر بأنَّ حجة كل منهما باطلة، فلزم إجماعهم على باطل. الوجه التاسع: أنَّه إذا لم يكن في المسألة دليل قطعي سوى ما ذكره، ولم يستدل به أحد قبله، لم يكن أحد قد علم الحق في هذه المسألة قبله، وذلك حكم على الأمة قبله بعدم علم الحق في هذه المسألة وذلك يستلزم أمرين: أحدهما: إجماع الأمة على ضلالة في هذا الأصل. وثانيهما: عدم صحة الاحتجاج بإجماعهم الذي احتج به، فإنهم إذا قالوا بلا علم ولا دليل لزم (٣) هذان المحذوران. الوجه العاشر: أن هذا إجماع مركب، كالاستدلال (٤) على قدم الكلام بقدم العلم، وتفريقه بينهما فرق صوري، وقوله للمعتزلة: نسلم ذلك، ليس كذلك، وذلك أن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لما بعدهم إحداث قول ثالث (٥)، والمعتزلة توافق على ذلك، وقد اعتقد هو

стр. 616

أن هذه المسألة من ذاك (١)، وإذا (٢) اختلفت في مسألتين على قولين فهل (٣) يجوز لمن بعدهم أن يقول بقول طائفة في مسألة، وبقول طائفة أخرى في مسألة أخرى بناء على المنع في الأولى؟ على قولين: وقيل بالتفصيل، وهو أنَّه إن (٤) اتحد مأخذهما (٥) لم يجز الفرق، وإلّا جاز، وقيل: إن صرح أهل الإجماع بالتسوية لم يجز الفرق، وإلّا جاز (٦)، وإذا كان كذلك فهذه المسألة من هذا (٧) القسم، فإن النزاع في مسألة الكلام في مسائل كل واحدة غير مستلزمة للأخرى . إحداهن: أن الكلام هل هو قائم به أم لا؟ والثانية: الكلام هل هو الحروف والأصوات، أو المعاني، أو مجموعهما؟ والثالثة: أن القائم به (٨) هل يجب أن يكون لازمًا له قديمًا، أو يتكلم إذا شاء؟ والرابعة: أن المعاني هل هي من جنس العلم والإرادة، أو جنس آخر؟

стр. 617

الخامسة: أن المعاني هل هي معنى واحد، أو خمس معان أو معان كثيرة؟ وهذا كله فيه نزاع، فكيف يعتقد (١) أن هذا هو اختلاف الأمة في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث. ومما يوضح ذلك أنَّه أثبت بالدليل أن معنى الكلام الطّلب والزجر والحكم، ثم احتج بقول الذين قالوا هذا على أن هذه المعاني قديمة لكونهم قالوا بهذا وبهذا، وهذا بعينه احتجاج بالإجماع المركب، وهو لزوم موافقتهم في مسألة قد قام عليها الدليل لموافقتهم في مسألة لم يقم عليها دليل (٢)، وأولئك قالوا: هو محدث وليس هو هذه المعاني، فلم لا يجوز أن يوافق هؤلاء في الحدوث (٣)، وهؤلاء في هذه المعاني وهو في بنائه خاصة مذهب الأشعري على هذا الأصل، بمنزلة الرافضة في بنائهم لإمامة علي التي هي خاصة مذهبهم على نظير (٤) هذا الأصل. ومعلوم أن خاصة مذهب الأشعري وابن كلاب التي تميز بها هو ما ادعاه من أن كلام الله معنى واحد قديم قائم بنفسه، إذ ما سوى ذلك من المقالات في الأصول هما مسبوقان إليه، إما من أهل الحديث وإما من أهل الكلام. كما أن خاصة مذهب الرافضة الإمامية من الاثني عشرية ونحوهم هو إثبات الإمام المعصوم، وادعاء ثبوت إمامة علي بالنص عليه، ثم على غيره واحدًا بعد واحد (٥)، وهم وإن كانوا يدعون في ذلك نقلًا متواترًا

стр. 618

بينهم، فقد علموا أن جميع الأمة تنكر ذلك، وتقول: إنَّها تعلم بالضرورة وبأدلة كثيرة بطلان ما ادعوه من النقل، وبطلان كونه صحيحًا من جهة الآحاد (١)، فضلًا عن التواتر، وقد علم متكلموا الإمامية أنَّه لا يقوم على أحد حجة بما يدعونه من التواتر أو الإجماع (٢)، فإن الشيء

стр. 619

إذا لم يتواتر عند غيرهم لم يلزمهم اتباعه، وإجماعهم الذي يسمونه إجماع الطائفة المحقة لا يصح حتَّى يثبت أنهم الطائفة المحقة، وذلك فرع ثبوت المعصوم، وهم يجعلون من أصول دينهم الذي لا يكون الرجل مؤمنًا إلّا به.، هو الإقرار بالإمام المعصوم المنتظر، ويضم إلى ذلك جمهور متأخريهم الموافقين للمعتزلة: التوحيد والعدل الذي ابتدعته المعتزلة (١). فهذه ثلاثة أصول مبتدعة، والأصل الرابع: هو الإقرار بنبوة محمد ﷺ وهذا هو الذي وافقوا فيه المسلمين. والغرض هنا بيان أن هذه الحجة نظير حجة الرافضة، فإنهم يقولون: يجب على الله أن ينصب في كل وقت إمامًا معصومًا، لأنَّه لطف في التكليف، واللطف على الله واجب، ويحتجون على ذلك بأقيسة يذكرونها (٢).

стр. 620

كما ثبّت هذا ونحوه أن الكلام معنى مباين للعلم والإرادة بأقيسة يذكرونها (١)، فإذا زعموا أنهم أثبتوا ذلك بالقياس العقلي، ويقولون: إن المعصوم يجب أن يكون معلومًا بالنص، إذ لا طريق إلى العلم بالعصمة إلّا النص، ثم يقولون: ولا منصوص عليه بعد النَّبيِّ ﷺ إلَّا علي لأنَّه ليس في الأمة من ادعى النص لغيره، فلو لم يكن هو منصوصًا عليه لزم إجماع الأمة على الباطل، إذ القائل قائلان: قائل بأنه منصوص [عليه] (٢)، وقائل بأنَّ لا نص عليه ولا على غيره، وهذا القول باطل فيما زعموا بما يذكرونه من وجوب النص عقلًا، فيتعين صحة القول الأول، وهو أنَّه هو المنصوص عليه، لأنَّ الأمة إذا أجمعت (٣) في مسألة على قولين كان أحدهما هو الحق، ولم يكن الحق في ثالث، فهذا نظير حجته. ولهذا لما تكلمنا على بطلان هذه الحجة لما خاطبت الرافضة وكتبت في ذلك ما يظهر به المقصود، وأبطلنا ما ذكروه من

стр. 621

الدلالات (١) على وجوب معصوم، وبينت (٢) تناقض هذا الأصل، وامتناع توقف التكليف عليه، وأنه يفضي إلى تكليف ما لا يطاق (٣)، وخاطبت بذلك أفضل من رأيته منهم واعترف بصحة ذلك بالإنصاف في مخاطبته، وليس هذا موضع ذلك (٤). لكن المقصود الاحتجاج (٥) بالإجماع، فإنا قلنا لهم: لا نسلم أن أحدًا من الأئمة (٦) لم يدع النص على غير علي، بل طوائف من أهل السنة يقولون: إن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص، ثم منهم من يقول: بنص جلي، ومنهم من يقول: بنص خفي. وأيضًا فالراوندية (٧) تدعي. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 622

[النص] (١) على العباس. وأيضًا فالمدعون للنص على علي مختلفون في أن يقال النص عنه في ولده اختلافًا كثيرًا، فلا يمكن أن يقال: إنه لم يدع أحد النص على واحد بعد واحد، إلَّا ما ادعوه في المنتظر، بل إخوانهم الشيعة يدعون دعاوى مثل دعاويهم لغير المنتظر، فبطل الأصل الذي بنوا عليه إمامة المعصوم، الذي يجب على أهل عصره طاعته. ولو فرض أن عليًّا كان هو الإمام فإنَّه لا يجب علينا طاعة من قد مات بعينه إلَّا الرسول (٢)، وإنَّما المتعلق بنا ما يدعونه من وجوب طاعتنا لهذا الحي المعصوم، ولو فرض أنَّه لم يدع النص غيرهم (٣)، فهذه الحيلة التي سلكوها في تقرير النص على علي، مبنية على كذب افتروه، وقياس وضعوه (٤)، لنفاق (٥) ذلك الكذب، فإنهم افتروا النص، ثم زعموا أن ما ابتدعوه وافتروه من القياس (٦)، مع ما ادعوه من الإجماع، يقتضي بثبوت هذا الذي افتروه، كما أن هؤلاء ابتدعوا مقالة افتروها في كلام الله لم يسبقوا إليها (٧)، ثم ادعوا أن ما ابتدعوه وافتروه

стр. 623

من (١) القياس مع ما ادعوه من الإجماع، يحقق هذه القرية (٢). وعامة أصول أهل البدع والأهواء الخارجين عن الكتاب والسنة تجدها مبنية على ذلك، على نوع (٣) من القياس الذي وضعوه، وهو مثل ضربوه يعارضون به ما جاءت به الرسل، ونوع من الإجماع الذي يدعونه، فيركبون من ذلك القياس العقلي، ومن هذا الإجماع السمعي، أصل دينهم. ولهذا تجد أبا المعالي -وهو أحذق (٤) المتأخرين- إنَّما يعتمد فيما يدعيه من القواطع على نحو ذلك. وهكذا أئمة أهل الكلام في الأهواء، كأبي الحسين البصري (٥) ومشايخه (٦) ونحوهم، لا يعتمدون لا على كتاب، ولا على سنة- ولا على إجماع مقبول في كثير من المواضع، بل يفارقون أهل الجماعة ذات الإجماع المعلوم، بما يدعونه هم من الإجماع المركب، كما يخالفون صرائح المعقول بما يدعونه من المعقول (٧)، وكما يخالفون الكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين، بما يضعونه من أصول الدين.

стр. 624

الوجه الحادي عشر: أن هذا الإجماع نظير الحجج الإلزامية، وقد قرر في أول كتابه أنَّه من الأدلة الباطلة التي لا تصلح لا بالنظر ولا بالمناظرة (١)، وذلك أن المنازع له يقول (٢): إن ما قلت بقدمها لا متناع قيام الحوادث به، فإما أن يصح هذا الأصل أو لا يصح، فإن صح كان هو الحجة في المسألة، ولكن قد ذكرت أنَّه لا يصح، وإن [لم (٣) يصح بطل مستند قول من يقول بالقدم، وصح منه القدم على هذا التقدير وهو أن يقول: لا نسلم -إذا جاز أن تحله الحوادث- وجوب قدم ما يقوم به، وهذا منع ظاهر، وذلك أنَّه لا فرق بين إقامة قوله بحجة إلزامية وبين إبطال قول منازعيه بحجة إلزامية. الوجه الثَّاني عشر: أنَّه لم يثبت أن معنى الأمر والنهي ليس هو الإرادة والكراهة، إلَّا بما ذكره في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات (٤) وذلك إنَّما يدل على الإرادة العامة الشاملة لكل موجود، المنتفية عن كل معدوم، فإنَّه ما شاء

стр. 625

الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وتلك الإرادة ليست (١) هي الإرادة التي هي مدلول الأمر والنهي فإن هذه الإرادة مستلزمة للمحبة والرضا. وقد فرق الله تعالى بين الإرادتين (٢) في كتابه، فقال في الأولى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣) وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (٥)، وقال في الثَّانية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦)، وقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ

стр. 626

عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢). الوجه الثالث عشر: أنَّه لما طولب بالفرق بين ماهية الطّلب والإرادة ذكر وجهين: أحدهما: أن القائل قد يقول لغيره: إنِّي أريد منك الأمر الفلاني وإن كنت لا آمرك به. والثاني: هب أنَّه لم يتخلص لنا في الشاهد الفرق بين طلب الفعل وإرادته لكنا دللنا على أن لفظ "افعل" إذا وردت في كتاب الله فإنَّه لا بد وأن تكون دالة على طلب الفعل، وبينا أن ذلك الطّلب لا يجوز أن يكون نفس تصور الحروف ولا إرادة (٣) الفعل، فلا بد أن يكون أمرًا مغايرًا لهما، فليس كل ما نجد له في الشاهد نظيرًا وجب نفيه غائبًا وإلا تعذر (٤) إثبات الإله، وهذان الجوابان ضعيفان. أما الأول فقد يقال: هو مستلزم للإرادة، وقد يقال: هو نوع خاص من الإرادة على وجه الاستعلاء، فإذا قيل: أريد منك فعل هذا ولا آمرك به؛ أي: لا أستعلي عليك، فإن المريد قد يكون سائلًا خاضعًا كإرادة العبد من ربه.

стр. 627

وأمَّا الثَّاني: فيقال له: إذا ثبت أن معنى الأمر في الشاهد إنما هو من جنس الإرادة كانت هذه حقيقته، والحقائق لا تختلف شاهدًا ولا غائبًا، وذلك أن كون هذه الصفة هي هذه، أو مستلزمة لهذه، أو غيرها (١)، إنَّما يعلمه (٢) بما نعلمه في الشاهد. الوجه الرابع عشر: أن النَّهي مستلزم لكراهة (٣) المنهي عنه، كما أن الأمر مستلزم لمحبة المأمور به، والمكروه لا يكون مرادًا، فلا بد أن تكون الإرادة المنتفية (٤) عن المكروه الواقع غير الإرادة اللازمة له، وهذا أورده عليه في مسألة إرادة الكائنات، ولم يجب عنه إلَّا بأنَّ قال: "لا نسلم أنها مكروهة، بل هي منهي عنها". ومعلوم أن هذا الجواب مخالف إجماع (٥) المسلمين، بل ما (٦) علم بالضرورة من الدين، ويخالف ما قرره هو في أصول الفقه (٧)، وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٨). الوجه الخامس عشر: أن طوائف يقولون لهم: معنى الخبر لم لا يجوز أن يكون هو العلم ، لا سيما أن كثيرًا من النَّاس يقولون: إن معنى الكلام يؤول إلى

стр. 628

الخبر، وإذا (١) كان معنى الكلام يؤول إلى الخبر ومعنى الخبر يؤول إلى العلم كان الكلام يؤول إلى العلم، لكن قول من يقول: إن الكلام يؤول كله إلى الخبر المحض كما يقوله طائفة منهم (٢)، هو قول ضعيف، فإنَّه وإن كان الطّلب الذي هو الأمر والنهي يستلزم علمًا وخبرًا، لكن ليس هو نفس ذلك، بل حقيقة الطّلب يجدها الإنسان من نفسه ويعلمها بالإحساس الباطن، ويجد الفرق بين ذلك (٣) وبين كونه مخبرًا محضًا، مع أن الخبر -أيضًا- وقد يستلزم طلبًا وإرادة في مواضع كثيرة لكن تلازم الخبر والطلب والعلم والإرادة لا تمنع أن يعلم أن أحدهما ليس هو الآخر، فالإنسان يخبر عن الأمور التي لا تتعلق بفعله بالإثبات والنفي خبرًا محضًا، وقد يتعلق بذلك غرض من حب وبغض وما يتبع ذلك، لكن معنى قوله: السماء فوقنا والأرض تحتنا خبر محض، وكذلك معنى قوله: محمد رسول الله خبر، لكن يتبعه محبة وتعظيم وطاعة، وأمَّا معنى قوله: اذهب وتعال وأطعمني واسقني ونحو ذلك، فهو طلب محض، ولكنه مسبوق مستلزم للعلم والشعور بذلك كالأفعال الإرادية كلها، فالأمر والنهي كالأفعال الإرادية، كل ذلك مستلزم لما يقوم بالنفس من حب وطلب وإرادة، وما يتبع ذلك من بغض وكراهة، والخبر مستلزم للعلم والعلم يستلزم الحب والبغض والعمل -أيضًا- في عامة الأمور، ولهذا يختلط باب الإنشاء بباب الأخبار لتلازم النوعين، حيث

стр. 629

تلازما، ولهذا يستعمل (١) صيغة الخبر في الطّلب كثيرًا، كما يستعمل (١) في الدعاء في باب غفر الله لفلان، ويغفر الله له، وفي الأمر مثل (٢): ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٣) وذلك أكثر من استعمال صيغة الطّلب في الخبر المحض، كما قد قيل -إن كان من هذا الباب- في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٤) و"إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (٥)، وذلك لأنَّ المعنيين متلازمان في الأمر العام، فإذا استعمل صيغة الخبر في الطّلب فإنَّما استعمله (٦) في لازمه، وجعل اللازم لقوة الطلب له والإرادة كأنه موجود محقق مخبر عنه، فكان هذا طلبًا مؤكدًا ولهذا يكثر ذلك في الدعاء الذي يجتهد فيه الداعي، وهذا أحسن الكلام (٧). أما إذا استعمل صيغة الخبر في الأمر المحض، فالأمر فيه الطّلب المستلزم للعلم الذي هو بمعنى الخبر، فإذا لم يفد إلَّا معنى الخبر فإنَّه يكون قد سلب معناه الذي هو الطّلب ونقض ذلك ولم يبق فيه شيء من معناه، وذلك لأنَّ العلم الذي يستلزم الطّلب والإرادة هو تصور

стр. 630

المطلوب، ليس هو العلم بوقوعه أو عدم وقوعه، فإذا استعمل اللفظ في الإخبار عن (١) وقوع المطلوب أو عدم وقوعه كان قد استعمل في شيء ليس من معنى اللفظ ولا من لوازمه، ولهذا قال من قال من أهل التحقيق: إن استعمال صيغة الأمر في الخبر لم يقع، لأنَّه ليس على ذلك شاهد، والقياس يأباه، لأنَّه استعمال (٢) للفظ في شيء ليس من لوازم معناه، ولا من ملزوماته فهو أجنبي عنه، وما ذكر (٣) من الآية والحديث فليس المراد به الخبر، بل الآية على ظاهرها، ومن كان في الضلالة فالله مسؤول مدعو بأنَّ يمد له من العذاب مدًّا، وإن كان -سبحانه- هو المتكلم بطلب نفسه ودعاء نفسه، كما في الدعاء الذي يدعو به وهو صلاته [ولعنته] (٤) كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٥)، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٦) فإن صلاته تتضمن ثناءه ودعاءه فإن طلب الطالب من نفسه أمر ممكن في حق الخالق والمخلوق كأمر الإنسان لنفسه، كما قال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٧)، وقد يقال من ذلك قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا

стр. 631

يَفْقَهُونَ﴾ (١)، وهذا القول أورده (٢) الرازي سؤالًا في مسألة وحدة الكلام، كما تقدم لفظه في ذلك (٣). وأجاب عنه بما ذكره من قوله: ليس هذا بشيء، لأنَّ حقيقة الطّلب كحقيقة حكم الذهن بنسبة أمر إلى أمر، وتلك المغايرة معلومة بالضرورة، ولهذا يتطرق (٤) التصديق والتكذيب إلى أحدهما دون الآخر. وهذا الذي ذكره من الفرق صحيح كما ذكرناه، ونحن إنَّما ذكرناه لتوكيد الوجه الأول وهو المقصود هنا، وهو أن يقال: إن معنى الخبر هو العلم، وبابه (٥) من الاعتقاد ونحو ذلك، فإن هذا قاله طوائف، بل أكثر النَّاس، بل عامة النَّاس يقولون ذلك، ولا تجد النَّاس في نفوسهم شيئًا (٦) غير ذلك يكون (٧) معنى الخبر، وكون معنى الخبر هو العلم أو نوع منه أظهر من كون الطّلب هو الإرادة أو نوعها منها (٨)، لأنَّه هناك أمكنهم دعوى الفرق بأنَّ الله قد أمر بمأمورات، وهو لم يرد وجودها، كما أمر به من لم يطعه (٩)، وهذا متَّفقٌ عليه بين أهل الإثبات، وإنَّما تنازع فيه القدرية (١٠)، ثم كون الأمر مستلزمًا لإرادة ليست هي إرادة الوقوع كلام

стр. 632

آخر، وأمَّا هنا فلم يمكنهم أن يقولوا: إن الله أخبر بما لا يعلمه أو بما يعلم ضده، بل علمه من لوازم خبره، سواء كان هو معنى الخبر أو لازمًا لمعنى الخبر، ولهذا أخبر الله بأنَّ القرآن لما جاءه (١) العلم، فقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٣). وهذا ممَّا احتج به الأئمة (٤) في تكفير من قال بخلق القرآن، وقالوا قولهم يستلزم أن يكون علم الله مخلوقًا، لأنَّ الله أخبر أن هذا الذي جاءه من العلم، ولم يعن علم غيره، فلا بد أن يكون عني أنَّه من علمه ومن جعل علم الله مخلوقًا قائمًا بغيره فهو كافر، ولا ريب أن كل واحد من أمر الله وخبره يتضمن علمه -سبحانه- كما تقدم، لكن أمره فيه الطّلب الذي وقع النزاع (٥) فيه، هل هو حقيقة غير الإرادة، أو هو مستلزم لنوع من الإرادة، أو هو نوع منها، أو هو الإرادة؟ وهذا ليس هو العلم. وأمَّا الخبر فلا ريب أنَّه متضمن لعلم الله، ولا يمكن أن يتنازع في كون معنى خبر الله يوجد بدون علمه، فظهر الأمر في هذا الباب.

стр. 633

ولهذا لم يكن لهم حجة على ذلك إلَّا ما ادعوه (١) من إمكان وجود معنى خبر بدون العلم والاعتقاد والظن في حق المخلوق، وهو الخبر الكاذب، فقدروا أن الإنسان يخبر بخبر هو فيه كاذب، وذلك يكون مع علمه بخلاف المخبر، كما قدروا أن يأمر أمر امتحان (٢) بما لا يريده، ثم ادعوا أن هذا الخبر له حكم ذهني في النَّفس غير الإرادة، وهذه الحجة قد نوزعوا في صحتها نزاعًا عظيمًا ليست هي مثل ما أمكن إثباته في حق الله من وجود آمر لم يرد وقوع مأموره. الوجه السادس عشر: أن هذه الحجة التي ذكروها في معنى الخبر وأنه غير العلم، قد أقروا هم بفسادها (٣)، فإنَّه قد تقدم لفظ الرازي في هذه الحجة بقوله (٤): وأمَّا شبيه معنى الأمر والنهي بالإرادة والكراهة، ومعنى الخبر بالعلم، والأول: باطل لما ثبت في خلق الأفعال وإرادة الكائنات أن الله قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد، فوجب أن يكون معنى "افعل" و "لا تفعل" في حق الله شيئًا سوى الإرادة، وذلك هو معنى الكلام. والثاني: باطل لأنَّه في الشاهد قد يحكم الإنسان بما لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه، فإذن الحكم الذهني في الشاهد مغاير لهذه الأمور، وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب لانعقاد الإجماع على أن ماهية الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب. وهذا هو الأصل الذي اعتمد عليه في محصوله -أيضًا- حيث جعل

стр. 634

معنى الخبر هو الحكم الذهني، الذي انفردوا بإثباته دون سائر العقلاء (١). وأمَّا أبو المعالي ونحوه، فلم يذكروا دليلًا على إثبات كلام النَّفس سوى ما دل على ثبوت الطّلب الذي ادعوا أنَّه مغاير (٢) للإرادة، وذلك إن دل فإنَّما يدل على أن معنى الأمر غير الإرادة لا يدل (٣) على أن معنى الخبر غير العلم، لكن استدل على ثبوت التصديق النفساني بأنه مدلول المعجزة، ولم يبين أنَّه غير العلم. فيقال لهم: أنتم مصرحون بنقيض هذا، وهو أنَّه -يمتنع بثبوت الحكم الذهني على خلاف العلم وأنه إن جاز وجوده فليس هو كلامًا على التحقيق، وإذا نفيتم (٤) وجود هذا الحكم الذهني المخالف للعلم أو كونه

стр. 635

كلامًا على التحقيق امتنع منكم حينئذ إثبات وجوده ودعوى أنَّه هو الكلام على التحقيق، وذلك أنهم يحتجون على وجوب الصدق لله بأنَّ الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب (١) العلم لله وامتناع الجهل، وهذا الدليل قد ذكره جميع أئمتهم حتَّى الرازي ذكره، لكن قال: إنَّما يدل على صدق الكلام النفساني لا على صدق الحروف الدالة عليه، وإن (٢) جاز أن يتصف الحي بحكم نفساني لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه بل يعلم خلافه امتنع حينئذ أن يقال: الحكم النفساني مستلزم للعلم أو أنَّه -يمتنع أن يكون بخلاف العلم فيكون كذبًا، وهذا الذي قالوه تناقض في عين الشيء ليس تناقضًا من جهة اللزوم، فإنهم لما أثبتوا أن معنى الخبر ليس هو العلم أثبتوا حكمًا نفسانيًّا ينافي العلم فيكون كذبًا ويكون مع عدم العلم، ولما أثبتوا الصدق قالوا: إن معنى الخبر الذي هو الحكم النفساني يمتنع أن يحقق (٣) بدون العلم أو خلافه فيمتنع أن يكون كذبًا. قال أبو القاسم الأنصاري (٤): شيخ الشهرستاني، وتلميذ أبي المعالي في شرح الإرشاد: فصل: كلام الله صدق، والدليل عليه إجماع المسلمين والكذب
следующие страницы →