← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يَفْقَهُونَ﴾ (١)، وهذا القول أورده (٢) الرازي سؤالًا في مسألة وحدة الكلام، كما تقدم لفظه في ذلك (٣). وأجاب عنه بما ذكره من قوله: ليس هذا بشيء، لأنَّ حقيقة الطّلب كحقيقة حكم الذهن بنسبة أمر إلى أمر، وتلك المغايرة معلومة بالضرورة، ولهذا يتطرق (٤) التصديق والتكذيب إلى أحدهما دون الآخر. وهذا الذي ذكره من الفرق صحيح كما ذكرناه، ونحن إنَّما ذكرناه لتوكيد الوجه الأول وهو المقصود هنا، وهو أن يقال: إن معنى الخبر هو العلم، وبابه (٥) من الاعتقاد ونحو ذلك، فإن هذا قاله طوائف، بل أكثر النَّاس، بل عامة النَّاس يقولون ذلك، ولا تجد النَّاس في نفوسهم شيئًا (٦) غير ذلك يكون (٧) معنى الخبر، وكون معنى الخبر هو العلم أو نوع منه أظهر من كون الطّلب هو الإرادة أو نوعها منها (٨)، لأنَّه هناك أمكنهم دعوى الفرق بأنَّ الله قد أمر بمأمورات، وهو لم يرد وجودها، كما أمر به من لم يطعه (٩)، وهذا متَّفقٌ عليه بين أهل الإثبات، وإنَّما تنازع فيه القدرية (١٠)، ثم كون الأمر مستلزمًا لإرادة ليست هي إرادة الوقوع كلام

стр. 632

آخر، وأمَّا هنا فلم يمكنهم أن يقولوا: إن الله أخبر بما لا يعلمه أو بما يعلم ضده، بل علمه من لوازم خبره، سواء كان هو معنى الخبر أو لازمًا لمعنى الخبر، ولهذا أخبر الله بأنَّ القرآن لما جاءه (١) العلم، فقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٣). وهذا ممَّا احتج به الأئمة (٤) في تكفير من قال بخلق القرآن، وقالوا قولهم يستلزم أن يكون علم الله مخلوقًا، لأنَّ الله أخبر أن هذا الذي جاءه من العلم، ولم يعن علم غيره، فلا بد أن يكون عني أنَّه من علمه ومن جعل علم الله مخلوقًا قائمًا بغيره فهو كافر، ولا ريب أن كل واحد من أمر الله وخبره يتضمن علمه -سبحانه- كما تقدم، لكن أمره فيه الطّلب الذي وقع النزاع (٥) فيه، هل هو حقيقة غير الإرادة، أو هو مستلزم لنوع من الإرادة، أو هو نوع منها، أو هو الإرادة؟ وهذا ليس هو العلم. وأمَّا الخبر فلا ريب أنَّه متضمن لعلم الله، ولا يمكن أن يتنازع في كون معنى خبر الله يوجد بدون علمه، فظهر الأمر في هذا الباب.

стр. 633

ولهذا لم يكن لهم حجة على ذلك إلَّا ما ادعوه (١) من إمكان وجود معنى خبر بدون العلم والاعتقاد والظن في حق المخلوق، وهو الخبر الكاذب، فقدروا أن الإنسان يخبر بخبر هو فيه كاذب، وذلك يكون مع علمه بخلاف المخبر، كما قدروا أن يأمر أمر امتحان (٢) بما لا يريده، ثم ادعوا أن هذا الخبر له حكم ذهني في النَّفس غير الإرادة، وهذه الحجة قد نوزعوا في صحتها نزاعًا عظيمًا ليست هي مثل ما أمكن إثباته في حق الله من وجود آمر لم يرد وقوع مأموره. الوجه السادس عشر: أن هذه الحجة التي ذكروها في معنى الخبر وأنه غير العلم، قد أقروا هم بفسادها (٣)، فإنَّه قد تقدم لفظ الرازي في هذه الحجة بقوله (٤): وأمَّا شبيه معنى الأمر والنهي بالإرادة والكراهة، ومعنى الخبر بالعلم، والأول: باطل لما ثبت في خلق الأفعال وإرادة الكائنات أن الله قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد، فوجب أن يكون معنى "افعل" و "لا تفعل" في حق الله شيئًا سوى الإرادة، وذلك هو معنى الكلام. والثاني: باطل لأنَّه في الشاهد قد يحكم الإنسان بما لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه، فإذن الحكم الذهني في الشاهد مغاير لهذه الأمور، وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب لانعقاد الإجماع على أن ماهية الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب. وهذا هو الأصل الذي اعتمد عليه في محصوله -أيضًا- حيث جعل

стр. 634

معنى الخبر هو الحكم الذهني، الذي انفردوا بإثباته دون سائر العقلاء (١). وأمَّا أبو المعالي ونحوه، فلم يذكروا دليلًا على إثبات كلام النَّفس سوى ما دل على ثبوت الطّلب الذي ادعوا أنَّه مغاير (٢) للإرادة، وذلك إن دل فإنَّما يدل على أن معنى الأمر غير الإرادة لا يدل (٣) على أن معنى الخبر غير العلم، لكن استدل على ثبوت التصديق النفساني بأنه مدلول المعجزة، ولم يبين أنَّه غير العلم. فيقال لهم: أنتم مصرحون بنقيض هذا، وهو أنَّه -يمتنع بثبوت الحكم الذهني على خلاف العلم وأنه إن جاز وجوده فليس هو كلامًا على التحقيق، وإذا نفيتم (٤) وجود هذا الحكم الذهني المخالف للعلم أو كونه

стр. 635

كلامًا على التحقيق امتنع منكم حينئذ إثبات وجوده ودعوى أنَّه هو الكلام على التحقيق، وذلك أنهم يحتجون على وجوب الصدق لله بأنَّ الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب (١) العلم لله وامتناع الجهل، وهذا الدليل قد ذكره جميع أئمتهم حتَّى الرازي ذكره، لكن قال: إنَّما يدل على صدق الكلام النفساني لا على صدق الحروف الدالة عليه، وإن (٢) جاز أن يتصف الحي بحكم نفساني لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه بل يعلم خلافه امتنع حينئذ أن يقال: الحكم النفساني مستلزم للعلم أو أنَّه -يمتنع أن يكون بخلاف العلم فيكون كذبًا، وهذا الذي قالوه تناقض في عين الشيء ليس تناقضًا من جهة اللزوم، فإنهم لما أثبتوا أن معنى الخبر ليس هو العلم أثبتوا حكمًا نفسانيًّا ينافي العلم فيكون كذبًا ويكون مع عدم العلم، ولما أثبتوا الصدق قالوا: إن معنى الخبر الذي هو الحكم النفساني يمتنع أن يحقق (٣) بدون العلم أو خلافه فيمتنع أن يكون كذبًا. قال أبو القاسم الأنصاري (٤): شيخ الشهرستاني، وتلميذ أبي المعالي في شرح الإرشاد: فصل: كلام الله صدق، والدليل عليه إجماع المسلمين والكذب

стр. 636

نقص: قال (١): ومما تمسك به الأستاذ أبو إسحاق والقاضي أبو بكر (٢) وغيرهما: أن قالوا: الكلام القديم هو القول الذي لو كان كذبًا لنافى العلم به من حيث أن العالم بالشيء من حقه أن يقوم (٣) به إخبار عن المعلوم على الوجه الذي هو معلوم له، وهكذا القول في الكلام القائم بالنفس شاهدًا و (٤) هو الذي يسمى التدبير أو حديث النَّفس، وهو ما يلازم العلم. قال (٥): فإن قيل: لو كان العلم ينافي (٦) الكذب، لم يصح من الواحد منا كذب على طريق الجحد، وليس كذلك فإن ذلك متصور (٧) موهوم. قلنا: الجحد إنما يتصور من العالم بالشيء في العبارة (٨) باللسان دون القلب، وصاحب الجحد وإن جحده باللسان هو معترف بالقلب، فلا يصح منه الجحد بالقلب. فإن قالوا: لا يمتنع تصور الجحد بالقلب، وتصور (٩) العلم في النَّفس جميعًا. قلنا: إن قدر ذلك على ما تصورونه فلم يكن ذلك كلامًا على

стр. 637

التحقيق وإنَّما هو تقدير كلام، كما أن العالم بوحدانيته قد يقدر في نفسه مذهب الثنوية (١)، ثم لا يكون ذلك منافيًا لعلمه بالوحدانية، ولو كان ذلك اعتقادًا حقيقيًّا لنافاه، فإذا ثبت أن العلم يدل على الخبر الصدق، فإذا تعلق الخبر بالمخبر على وجه الصدق فتقدير خبر خلف مستحيل مع الخبر القديم، إذ لا يتجدد الكلام. قال (٢): فإن قيل: فإذا جاز أن يكون الكلام أمرًا من وجه نهيًا من وجه، فكذلك يجوز أن يكون صدقًا من وجه كذبًا من وجه. قلنا: الأمر في حقيقته (٣) هو النَّهي، لأنَّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والآمر بالشيء ناه عن ضده ولا تناقض فيه، ولا يجوز أن يكون الصدق كذبًا بوجه، وتعلق الخبر بالمخبر بمثابة تعلق العلم بالمعلوم وإذا تعلق العلم بوجود الشيء فلا يكون علمًا بعدمه في حال وجوده. وقال أبو المعالي في إرشاده (٤) المشهور الذي هو زبور المستأخرين من أتباعه، كما أن الغرر، وتصفح الأدلة لأبي الحسين (٥) زبور

стр. 638

المستأخرين من المعتزلة، وكما أن الإشارات لابن سينا (١) زبور المستأخرين من الفلاسفة، تقطعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون، وإن كانت طائفة أبي المعالي أمثل وأولى بالإسلام، قال: فصل: في الأسماء والأحكام: اعلموا أن غرضنا من هذا الفصل يستدعي ذكر (٢) حقيقة الإيمان، وهذا ممَّا تباينت فيه مذاهب الإسلاميين.

стр. 639

فذهب الخوارج (١) إلى أن الإيمان هو الطاعة، ومال إلى ذلك كثير من المعتزلة (٢)، واختلفت مذاهبهم في تسمية النوافل إيمانًا، وصار أصحاب الحديث (٣) إلى أن الإيمان معرفة بالجنان وإقرار باللسان وعلم بالأركان، وذهب بعض القدماء (٤) إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار بها، وذهبت الكرامية (٥) إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان

стр. 640

فحسب، ومضمر الكفر إذا أظهر الإيمان مؤمن حقًّا عندهم، غير أنَّه يستوجب الخلود في النَّار، ولو أضمر الإيمان ولم يتيقن (١) منه إظهاره فهو ليس بمؤمن، وله الخلود في الجنة. قال (٢): والمرضي عندنا (٣) أن حقيقة الإيمان التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على الحقيقة (٤) كلام النَّفس، ولا يثبت كلام النَّفس كذلك إلّا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النَّفس يثبت على حسب الاعتقاد، والدليل على أن الإيمان هو التصديق صريح اللغة، وأصل (٥) العربية، وهو (٦) لا ينكر فيحتاج إلى إثباته ومن (٧) التنزيل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (٨) معناه: ما أنت (٩) بمصدق لنا. ثم الغرض من هذا الفصل (١٠) أن من خالف أهل الحق لم يصف

стр. 641

الفاسق بكونه مؤمنًا. فقد صرح بأنَّ كلام النَّفس لا يثبت إلّا مع العلم، وأنه إنَّما يثبت على حسب الاعتقاد، وهذا تصريح بأنه لا يكون مع [عدم] (١) العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوا به كلام النَّفس وادعوا أنَّه مغاير للعلم. وقال (٢) صاحبه أبو القاسم الأنصاري -شيخ الشهرستاني- في شرح الإرشاد- بعد أن ذكر شرح قول الخوراج والمعتزلة والكرامية: قال: "وأمَّا مذهب (٣) أصحابنا، فصار أهل التحقيق من أصحاب الحديث والنظار منهم إلى أن الإيمان هو التصديق، وبه قال شيخنا أبو الحسن، واختلف جوابه في معنى التصديق، فقال مرَّة: هو المعرفة بوجوده وقدمه وإلاهيته (٤)، وقال مرَّة: التصديق قوله في النَّفس غير أنَّه يتضمن المعرفة ولا يوجد دونها، وهذا ممَّا ارتضاه القاضي، فإن الصدق والكذب والتصديق والتكذيب وبالأقوال أجدر، فالتصديق إذا قول في النَّفس، ويعبر عنه باللسان فتوصف العبارة بأنها تصديق، لأنها عبارة عن التصديق هذا ما حكاه شيخنا الإمام. قلت: فقد ذكر عن أبي الحسن الأشعري قولين:

стр. 642

أحدهما: إن التصديق هو المعرفة (١)، وهذا قول جهم.

стр. 643

والثاني: أن التصديق قول في النفس يتضمن المعرفة، هو اختيار ابن الباقلاني وابن الجويني، وهؤلاء قد صرحوا بأنه يتضمن المعرفة، ولا يتصور أن يقوم في النفس تصديق مخالف لمعرفة كما (١) ذكروه، ولو جاز أن يصدق بنفسه بخلاف علمه واعتقاده لانتقض (٢) أصلهم في الإيمان إذا (٣) كان التصديق لا ينافي اعتقاد خلاف ما صدق به، فلا يجب أن يكون مؤمنًا بمجرد تصديق النفس على هذا التقدير، وكل من القولين ينقض ما استدل به على أن التصديق غير العلم. قال النيسابوري (٤): "وحكى الإمام أبو القاسم الإسفرائيني اختلافًا عن أصحاب أبي الحسن (٥) في التصديق"، ثم قال (٦) والصحيح

стр. 644

من الأقاويل في معنى التصديق ما يوافق اللغة، لأن التكليف بالإيمان ورد بما يوافق اللغة، والإيمان بالله ورسوله على موافقة اللغة هو العلم بأن الله ورسوله صادقان في جميع ما أخبرا به، والإيمان في اللغة مطلقًا هو اعتقاد صدق المخبر في خبره، إلّا أن الشرع جعل هذا التصديق علمًا، ولا يكفي أن يكون اعتقادًا من غير أن يكون علمًا، لأن من صدق الكاذب واعتقد صدقه فقد آمن به، ولهذا قال في صفة اليهود: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (١) يعني: يعتقدون صدقهما". قلت: ليس الغرض هنا ذكر تناقضهم في مسمى الإيمان، وفي التصديق هل هو التصديق بوجود الله وقدمه وإلاهيته، كما قاله الأشعري؟ أو [هو] (٢) تصديق (٣) فيما أخبر به كما ذكره غيره؟ أو التناقض كما في كلام صاحب الإرشاد؟ حيث قال: الإيمان هو التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه، فجعل التصديق بوجوده هو تصديقه في خبره مع تباين الحقيقتين (٤) فإنه فرق بين التصديق بوجود الشيء وتصديقه، ولهذا يفرق القرآن بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإيمان للرسول، إذ الأول هو الإقرار بذلك والثاني هو الإقرار له، كما في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤمِنٍ لَنَا﴾ (٥) وفي قوله ﴿يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤمِنُ لِلْمُؤمِنِيْنَ﴾ (٦)، وفي قوله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ (٧)، وقد قال:

стр. 645

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (١)، فميز الإيمان به من الإيمان بكلماته وكذلك قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٣) فليس الغرض أنهم (لم) (٤) يهتدوا لمثل هذا في مثل هذا الأصل (٥) الَّذي لم يعرفوا فيه لا الإيمان ولا القرآن، وهما نور الله الَّذي بعث به رسوله كما قال: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٦). وإنما الغرض أن التصديق قد صرح هؤلاء بأنه هو العلم، أو هو الاعتقاد إذا لم يكن علمًا، وأنهم مضطرون إلى أن يقولوا ذلك، وهو أبلغ من قول بعضهم: إنه مستلزم للعلم في تمام ما ذكره عن أبي القاسم الإسفراييني. وقال (٧): "حكى الإمام أبو بكر بن فورك عن أبي الحسن أنَّه قال: الإيمان هو اعتقاد صدق المخبر فيما يخبر به، ثم من الاعتقاد ما هو علم، ومنه ما هو ليس بعلم، فالإيمان بالله هو اعتقاد صدقه، إنما يصح إذا كان عالمًا بصدقه في إخباره، وإنما يكون كذلك إذا كان عالمًا بأنه

стр. 646

متكلم، والعلم بأنه متكلم بعد العلم [بأنه] (١) حي، والعلم بأنه حي بعد العلم بأنه فاعل بعد (٢) العلم بالفعل وكون العالم فعلًا له، وذلك يتضمن العلم بكونه قادرًا [وله قدرة (٣)، وعالمًا وله علم، ومريدًا وله (٤) إرادة، وسائر ما لا يصح العلم بالله تعالى إلا بعد العلم به من شرائط الإيمان (٥) ". قال (٦): "ثم السمع قد ورد بضم شرائط أخر إليه، وهو أن لا يقترن به ما يدل على كفر من يأتيه فعلًا وتركًا، وهو أن الشرع أمره (٧) بترك السجود والعبادة للصنم، فلو أتى به دل على كفره، وكذلك لو قتل نبيًّا أو استخف به دل على كفره، وكذلك لو ترك تعظيم المصحف والكعبة دل على كفره، وكذلك لو خالف إجماع الخاص والعام في شيء أجمعوا عليه دل خلافه إياهم على كفره، فأي واحد مما استدللنا به على كفره مما منع الشرع أن يقرنه بالإيمان إذا وجب ضمه إلى الإيمان -لو وجد- دلنا ذلك على [أن] (٨) التصديق الَّذي هو الإيمان مفقود من قلبه،

стр. 647

فكذلك كلما كفرنا به المخالف من طريق التأويل، فإنما كفرناه به لدلالته على فقد ما هو إيمان من قلبه، لاستحالة أن يقضي (١) السمع بكفر من معه الإيمان والتصديق بقلبه". قال (٢): "ومن أصحابنا من قال بالموافاة (٣)، فيشترط في الإيمان الحقيقي أن يوافي ربه به، ويختم عليه، ومنهم من لم يجعل ذلك شرطًا فيه في الحال، وهل يشترط في الإيمان الإقرار؟ اختلفوا فيه بعد (٤) أن لم

стр. 648

يختلفوا في ترك العناد شرطًا (١)، وهو أن يعتقد أنَّه متى طولب بالإقرار أتى به، فأما قبل أن يطالب به، مثهم من قال: لا بد من الإتيان به حتَّى يكون مؤمنًا، وهذا القائل يقول: التصديق هو المعرفة والإقرار جميعًا، وهذا قول الحسين بن الفضل البجلي (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة

стр. 649

وأصحابه، وبقريب (١) من هذا كان يقول (٢) الإمام أبو محمد عبد الله بن سعيد القطان (٣) من متقدمي أصحابنا. ونحن نقول: من أتى بالتصديق بالقلب واللسان فهو المؤمن باطنًا وظاهرًا، ومن صدق بقلبه وامتنع من الإقرار فهو معاند كافر، يكفر كفر عناد، ومن أقر بلسانه وجحد بقلبه فهو كافر عند الله وعند نفسه، ويجري عليه أحكام الإيمان لما أظهر (٤) من علامات الإيمان. ومن أصحابنا من جعل الممعارف مجموعة تصديقًا واحدًا، أو هو المعرفة بالله وصفاته ورسوله وبأن دين الإسلام حق. قال (٥): "وهذه الجملة تصديق واحد"، ثم قال: "هذا ما ذكره أبو القاسم الإسفرائيني". قلت: ليس المقصود هنا بيان ما ذكروه من قول الجهمية والمرجئة في الإيمان، وما في ذلك من التناقض، حيث جَعْله التصديق الَّذي في القلب، ثم سلبه عمن ترك النطق عنادًا، وأن عنده كلما سمي كفرًا فلأنه مستلزم لعدم هذا التصديق، ولكن دلالته على العدم تعلم تارة بالعقل وتارة بالشرع، لأن ما يقوم بالقلب من الاستكبار على الله والبغض له ولرسوله (٦) ونحو ذلك يكون هو في نفسه كفرًا وما ذكروه من التصديق

стр. 650

الخاص الَّذي وصفوه وهو تصديق بأصول الكلام الَّذي وضعوه. وإنما الغرض أنهم يجعلون التصديق هو نفس المعرفة كما في كلام هذا وغيره، وكما ذكروه عن أبي الحسن. وغايتهم إذا لم يجعلوه مستلزمًا للمعرفة أن يجعلوه مستلزمًا لها. قال النيسابوري: "وقال الأستاذ أبو إسحاق في المختصر (١): "الإيمان في اللغة والشريعة، التصديق ولا يتحقق ذلك إلّا بالمعرفة والإقرار، وتقوم الإشارة والانقياد مقام العبارة (٢) ". قال: "وتحقيق المعرفة تحصيل ما قدمناه من المسائل في هذا الكتاب وتحقيقه". قال النيسابوري: "أراد بالكتاب هو المختصر وأشار بما قدمه فيه [إلى] (٣) جملة ما قدمه من قواعد العقائد. قال: وقال في هذا الكتاب: "الإيمان هو المعرفة واعتقاد (٤) الإقرار عند الحاجة أو ما يقوم مقام الإقرار". [وقال] (٥) في كتاب الأسماء والصفات (٦): "واتفقوا على أن

стр. 651

ما يستحق به المكلف اسم الإيمان في الشريعة أوصاف كثيرة، وعقائد مختلفة، وإن اختلفوا فيها على تفصيل ذكرناه، واختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها ترك قتل الرسول، وترك إيذائه (١)، وترك تعظيم الأصنام، فهذا من المتروك، ومن الأفعال نصرة الرسول والذب عنه، فقالوا: إن جميعه مضاف (٢) إلى التصديق شرعًا، وقال آخرون إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان. قال النيسابوري (٣): "هذه جملة كلام مشايخنا في ذلك، قال (٤): وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضًا ونفلًا، والانتهاء عما نهى (٥) عنه تحريمًا وإذنًا (٦)، وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي (٧)،

стр. 652

ومن (١) متقدمي أصحابنا أبو العباس القلانسي (٢). وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد الله بن مجاهد (٣)، وهو قول مالك بن أنس (٤)، ومعظم أئمة السلف، وكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. قلت: وذكر الكلام إلى آخره مما ليس هذا موضعه (٥)، فإنه ليس الغرض هنا ذكر أقوال السلف والأئمة، واعتراف هؤلاء بما اجترؤوا عليه

стр. 653

من مخالفة السلف والأئمة وأهل الحديث في الإيمان، مع علمهم بذلك لِما عَنَتَ (١) لهم من شبهة الجهمية المرجئة. وإنما الغرض بيان ما ذكره الإسفراييني، من أن التصديق لا يتحقق إلّا بالمعرفة والإقرار، وإن كان أراد المعرفة كما قرره هو من قواعده، ولم يُحل ذلك على ما جاء به الرسول من أصول الإيمان، فإذا كان التصديق لا يتحقق [إلا] (٢) بالمعرفة وبالإقرار -أيضًا- باللسان، كان هذا من كلامهم دليلًا على امتناع وجود التصديق بالقلب وتحققه إلا مع الإقرار باللسان وهذا يناقض قولهم: إن الكلام مجرد ما يقوم بالنفس، فهذه مناقضة ثابتة، فإن التصديق الَّذي في القلب إن تحقق بدون لفظ بطل هذا، وإن لم يتحقق إلَّا بلفظ أو ما يقوم مقامه بطل ذاك، فهذا كلامهم، وهو يقتضي أنهم لم يكتفوا بأن جعلوا العلم ينافي الكذب النفساني، حتَّى جعلوه يوجب الصدق النفساني، فيمتنع وجود العلم بدون الصدق، فصار هذا مبطلًا لما أثبتوا به الخبر النفساني، من أنَّه يمكن ثبوته بدون العلم وعلى خلاف العلم وهو الكذب، وهم كما احتجوا بالعلم على انتفاء الكذب النفساني وثبوت الصدق النفساني، فقد احتجوا به -أيضًا- على أصل ثبوت الكلام النفساني. قال أبو القاسم النيسابوري: "ومما ذكره الأستاذ أبو إسحاق -يعني في إثبات كلام الله النفساني الَّذي أثبتوه- أن قال: الأحكام لا ترجع إلى صفات الأفعال، ولا إلى أنفسها، وإنما ترجع إلى قول الله، وهذا من أدل الدليل على ثبوت الأمر والنهي والوعد والوعيد، فورود التكليف على العباد دليل على كلام الله، وجواز إرسال الرسل

стр. 654

وورود التكليف دال على علمه، وعلمه دال على ثبوت الكلام الصدق أولًا، إذ العالم بالشيء لا يخلو عن نطق النفس بما يعلمه، وذلك هو التدبير والخبر، وربما يعبر عن هذا بأنه لو لم يكن القديم - سبحانه - متكلمًا لاستحال منه التعريف والتنبيه على التكليف، لأن طرق التعريف معلومة، وذلك كالكتابة والعبارة والإشارة، وشيء من هذا لا يقع به التعريف دون أن يكون ترجمة عن الكلام القائم بالنفس، ومن لا كلام له استحال أن ينبه غيره على المعنى الَّذي يستند إلى الكلام. قال: ومما يدل على ثبوت الكلام لله آيات الرسل ﵈ فإنها كانت أدلة، ولا تدل على الصدق لأنفسها، وإنما كانت دالة من حيث كانت نازلة منزلة، قوله لمدعي الرسالة: صدقت، والتصديق من قبل الأقوال، ولا يكون المصدق مصدقًا لغيره بفعله التصديق، وإنما يكون مصدقًا له لقيام التصديق بذاته بأمر الله وبنهيه (١) ". قلت: أما استدلالهم على ثبوت كلام الله بالتكليف والأحكام، فهذا من باب الاستدلال على الشيء بنفسه، بل من باب الاستدلال على الشيء بما هو أخفى منه مع الاستغناء عنه، فإنه إذا كان التكليف والأحكام إنما ثبت (٢) بالرسل، فالرسل كلهم مطبقون على تبليغ كلام الله ورسالته، وأن الله يقول وقال ويتكلم، ومن المعلوم أن نطق الرسل بإثبات كلام الله وقوله أكثر وأشهر وأظهر من نطقهم بلفظ تكليف وأحكام، فإذا كان هذا الدليل لا يثبت إلَّا بعد الإيمان بالرسل، وبما أخبروا (٣) به، فإخبارهم بكلام الله وقوله لا يُحتاج فيه إلى دليل، ولهذا عدل غير هؤلاء عن هذا الدليل الغث، واحتجوا على ثبوت كلام الله

стр. 655

بمجرد قول المرسلين. وقوله: الأحكام من أول الدليل على ثبوت الأمر والنهي. يقال له: فهل الأحكام عندك شيء غير الأمر والنهي حتَّى (١) يستدل بأحدهما على الآخر؟ أم اسم الأحكام هل هو أظهر في كلام الرسل والمؤمنين بهم من اسم الأمر والنهي؟. وأعجب من ذلك قوله: فورود التكليف على العباد دليل على كلام الله وجواز إرسال الرسل، فإن التكليف إذا كان عنده لم يثبت إلَّا بالرسل كان العلم بجواز إرسأل الرسل سابقًا للعلم (٢) بالتكليف، فكيف يستدل بما يتأخر علمه على ما يتقدم علمه، ومن حق الدليل أن يكون العلم به قبل العلم بالمدلول حيث جعل دليلًا على العلم به، ولو قدر أنَّه ممن يسوغ التكليف العقلي فذاك عند القائلين به يرجع إلى صفات تقوم بالأفعال، فلا يفتقر إلى ثبوت الكلام. وليس المقصود بيان هذا، وإنما المقصود قولهم: ورود التكليف دال على علمه، وعلمه دال على ثبوت الصدق (٣) إذ العالم بالشيء لا يخلو عن نطق النفس بما يعلمه، وذلك هو التدبير والخبر، فقد جعلوا العلم مستلزمًا للكلام بنوعية الخبر الصدق (٤) والتدبير الَّذي هو الطلب، وهذا إلى التحقيق أقرب من غيره، فإذا كان الأمر كذلك كيف يتصور اجتماع العلم والكذب النفساني؟. فإن قيل: لا ريب أن هذا تناقض منهم في الشيء الواحد المعين، بإثباته تارة وجعله كلامًا محققًا، ونفيه أخرى ونفي تسميته كلامًا محققًا -إذا قدر وجوده- لكن التناقض يدل على بطلان أحد القولين المتناقضين

стр. 656

غير معين، فقد يكون الباطل ما ادعوه من استلزام العلم للصدق النفساني ومنافاته للكذب، دون ما ذكروه من إمكان اجتماعهما وعدم استلزامه للصدق. قيل: نقول في الجواب عن هذا وهو: الوجه السابع عشر: إن هذا يهدم عليهم إثبات العلم بصدق الكلام النفساني القائم بذات الله ، وإذا فسد ذلك لم ينفعهم إثبات كلام له يجوز أن يكون صدقًا أو كذبًا، بل لم ينفعهم إثبات كلام لم يعلموا وجوده إلّا وهو كذب، فإنهم لم يثبتوا الخبر النفساني إلا بتقدير الخبر الكذب، فهم لم يعلموا وجود خبر نفساني إلا ما كان كذبًا، فإن أثبتوا لله ذلك كان كفرًا باطلًا خلاف مقصودهم، وخلاف إجماع الخلائق، إذ أحد لم (١) يثبت لله كلامًا لازمًا لذاته هو كذب، وإن لم يثبتوا ذلك لم يكن لهم طريق إلى إثبات الخبر النفساني بحال، لأنا حينئذ لم نعلم وجود معنى نفساني صدق (٢) غير العلم ونحوه لا شاهدًا ولا غائبًا، فإن خبر الله لا ينفك عن العلم، وإذا امتنع إثبات ما ادعوه (٣) من الخبر امتنع حينئذ وصفه بكونه صدقًا، فإن ثبوت الصفة بدون الموصوف محال، فعلم أن الطريقة التي سلكوها في إثبات صدق الخبر تبطل (٤) عليهم إثبات أصل الخبر النفساني، فلا يثبت حينئذ لا خبر نفساني ولا صدقه، والطريقة التي سلكوها في إثبات الكلام النفساني، إنما يثبت بها -لو قدر صحتها- خبر هو كذب، وذلك ممتنع

стр. 657

في حقه (١)، فعلم أنهم مع التناقض لم يثبتوا لا (٢) الكلام النفساني ولا صدقه، فلم يثبتوا واحدًا من المتناقضين. فإن قيل: كيف يخلو الأمر عن النقيضين ويمكن رفعهما جميعًا؟ قيل: هذا لا يمكن في الحقائق الثابتة (٣)، ولكن يمكن في المقدرات الممتنعة، فإن من فرض تقديرًا ممتنعًا لزمه اجتماع النقيضين وانتفاؤهما (٤)، وذلك محال، لأنه لازم للمحال الَّذي قدره، وهذا دليل آخر وهو: الوجه الثامن عشر: وهو أنهم أثبتوا للخبر معنى ليس هو العلم وبابه، فهذا إثبات أمر ممتنع، وإذا كان ممتنعًا من صفة بأنه صدق أو كذب ممتنع - أيضًا إذ (٥) لا حقيقة له، فقولهم بعد هذا: العلم يستلزم الصدق منه وينافي الكذب، وإن كان يناقض قولهم: العلم لا يستلزم الصدق ولا ينافي الكذب، فهذان النقيضان كلاهما منتف، لأن كليهما (٦) إنما يلزم على تقدير ثبوت معنى للخبر ليس هو العلم وبابه، فإذا كان ذلك تقديرًا باطلًا ممتنعًا كان ما يلزمه من نفي أو إثبات قد يكون باطلًا، إذ حاصله لزوم [اجتماع] (٧) النقيضين، ولزوم (٨) الخلو عن النقيضين على هذا التقدير وهذه اللوازم تدل على فساد الملزوم الَّذي هو معنى للخبر ليس هو العلم ونحوه،

стр. 658

ولهذا يجعل فساد اللوازم دليلًا على فساد الملزوم، وإذا أريد تحرير الدليل بهذا الوجه قيل: لو كان للخبر معنى ليس هو العلم ونحوه، فإما أن يكون العلم مستلزمًا لصدقه أو لا يكون، فإن كان مستلزمًا لصدقه لم يعلم حينئذ أنَّه غير العلم، إذ لا دليل على ذلك إلا إمكان تقدير الكذب مع العلم، إذا كان العلم مستلزمًا للصدق النفساني منافيًا للكذب النفساني كان هذا التقدير ممتنعًا، فلا يعلم حينئذ بثبوت معنى للخبر (١) غير العلم، لا في حق الخالق ولا في حق العباد، فيكون قائل ذلك قائلًا بلا علم ولا دليل أصلًا في باب كلام الله وخبره، وهذا محرم بالاتفاق، وهذا بعينه يبطل ببطلان قولهم - أي: أنهم قالوا بلا حجة أصلًا. وإن لم يكن العلم مستلزمًا للصدق النفساني ولا منافيًا للكذب النفساني لم يكن لهم طريق إلى إثبات كلام نفساني هو الصدق (٢)، لأن العلم لا يستلزمه ولا ينافي ضده، فلا يستدل عليه بالعلم وسائر ما يذكر غير العلم فيدل على أن الله صادق في الجملة وأن الكذب ممتنع عليه، وهذا مما لا نزاع بين الناس فيه، لكنهم (٣) لا يمكنهم إثبات كلام نفساني هو صدق، وقيام دليل على أن الله صادق كقيام دليل على أن الله متكلم، وهذا لا ينفعهم في إثبات (٤) الكلام النفساني الَّذي ادعوه منفردين به، فكذلك هذا لا ينفعهم في إثبات معنى الخبر النفساني الصادق، الَّذي انفردوا بإثباته من بين فرق الأمة وابتدعوه، وفارقوا به جماعة المسلمين كما أقروا هم بهذا الشذوذ والانفراد، كما ذكره في المحصول (٥).

стр. 659

الوجه التاسع عشر: هو متضمن للجواب عما ذكرناه من السؤال عن أن المتناقضين لا يعين (١) الصادق، وهو أن نقول (٢): لا ريب أن قولهم: إن العلم ينافي الكذب النفساني هو الصواب، دون قولهم: إنه قد يجامع الكذب النفساني، وإن لم يكن العلم مستلزمًا لخبر نفساني صدق، وهذا أمر يجده المرء من نفسه ويعلمه بالضرورة أن ما (٣) علمه لم (٤) يمكن أن يقوم بنفسه خبر ينافي ذلك، بل لو كلف ذلك كلف الجمع بين النقيضين، ولهذا لم يتنازع الناس في أنَّه يمتنع تكليف الإنسان أن يعتقد خلاف ما يعلمه، ولو كان في الإمكان خبر نفساني ينافي العلم لأمكن أن يطلب ذلك من الإنسان، فإنه يمكن أن يطلب منه كل ما يقدر عليه (٥) سواء قيل إن ذلك جائز في الشريعة أو لم يمكن، كما أن طلب الكذب ممكن والتكليف به ممكن (٦)، وأما طلب كذب نفساني يخالف العلم، فهذا مما

стр. 660

لا يمكن طلبه والتكليف به، إذ (١) هو أمر لا حقيقة له. فتبين أن قولهم: إن الجحد إنما يتصور من العالم (٢) بالشيء في العبارة باللسان دون [القلب. وصاحب] (٣) الجحد وإن جحده باللسان هو معترف بالقلب، فلا يصح الجحد بالقلب، هو أصدق من قولهم: العالم بالشيء قد يقوم بقلبه كذب نفساني ينافي علمه، وإذا كان كذلك بطل ما احتجوا به على إثبات الخبر النفساني الَّذي ادعوه وراء العلم، وهو المقصود. الوجه العشرون: أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يخبر بما لا يعلمه ولا يظنه، وبما يعلم أو يظن خلافه، ولا ريب أن هذا الخبر له معنى يقوم بنفسه وراء العلم، ولهذا يمكن تقدير هذا المعنى قبل تقدير العبارة عنه، فضلًا عن وجود التعبير عنه، فإن من يريد أن يخبر بخلاف علمه ويعتقد ذلك، يقدره ويصوره في نفسه قبل التعبير عنه، ويدل على ذلك أن الكذب لفظ

стр. 661

له معنى، كما أن الصدق لفظ له معنى، ولو (١) كان لفظًا لا معنى له في النفس لكان بمنزلة الأصوات والألفاظ المهملة، وليس الأمر كذلك، لكن يقال: هذا لا يخرجه عن أن يكون من جنس الاعتقاد الَّذي يكون من جنس العلم والجهل المركب، فإن المعتقد بالشيء (٢) بخلاف ما هو به، لا ريب أن هذا (٣) ليس بعالم به وإن اعتقد أنَّه عالم به، فالكذب من هذا الجنس، لكن الكذب يعلم صاحبه أنَّه باطل، والجهل المركب لا يعلم صاحبه أنَّه باطل، ومعلوم أن الاعتقادات في كونها (٤) حقًّا أو باطلًا أو معلومة أو مجهولة، لا يخرج عن الاشتراك في مسمى الاعتقاد والخبر النفساني، كما لا تخرج العبارة عنها بكونها حقًّا أو باطلًا أو معلومة أو مجهولة، من أن تكون (٥) لفظًا وعبارة وكلامًا، فإذا كانت العبارات على اختلاف أنواعها يجمعها النطق اللساني، فالمعنى الَّذي هو الاعتقاد على اختلاف أنواعه يجمعه النطق النفساني، والخبر النفساني، وهذا كما أن الإرادة أو الطلب سواء كانت إرادة خير أو إرادة (٦) شر، أو كان صاحبها عالمًا بحقيقة مراده وعاقبته (٧)، أو كان جاهلًا بعاقبته (٦)، فإن ذلك لا يخرجها عن الاشتراك في مسمى الإرادة أو الطلب.

стр. 662

الوجه الحادي والعشرون: أنَّه تعالى قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١)، فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيًا عنهم، فعلم أنَّه نفى عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد لِمَا عَلِمَه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما نفى عنهم تكذيب القلوب، علم أن الجحود الَّذي هو ضرب من الكذب والتكذيب بالحق المعلوم، ليس هو كذبًا في النفس ولا تكذيبًا فيها وذلك يوجب أن العالم بالشيء لا يكذب به، ولا يخبر في نفسه بخلاف علمه. فإن قيل: العالم بالشيء العارف به قد يؤمن بذلك وقد يكفر، كما (٢) قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٣) وذلك مثل المعاندين من المشركين وأهل الكتاب، وليس كفرهم لمجرد لفظهم، فإنهم

стр. 663

-أيضًا- قد يقولون بألسنتهم ما يعلمونه، ولا يكونون مؤمنين، مثل ما كان يقوله أبو طالب (١) من الإخبار بأن محمدًا رسول الله، ومثله إخبار كثير من اليهود والنصارى بعضهم لبعض برسالته (٢)، ومع هذا فليسوا

стр. 664

مؤمنين ولا مصدقين، ومنهم اليهود الَّذي جاوروه، وقالوا: نشهد أنك رسول الله. قيل (١): الجواب عن هذا هو: الوجه الثاني والعشرون: وهو أن ما أخبرت به الرسل من الحق، ليس إيمان القلب مجرد العلم بذلك، فإنه لو علم بقلبه أن ذلك حق، وكان مبغضًا له وللرسول الَّذي جاء به ولمن أرسله، معاديًا لذلك، مستكبرًا عليهم، ممتنعًا عن الانقياد لذلك الحق، لم يكن هذا مؤمنًا مثابًا في الآخرة باتفاق المسلمين، مع تنازعهم الكثير في مسمى الإيمان ولهذا لم يختلفوا في كفر إبليس مع أنَّه كان عالمًا عارفًا، بل لا بد في الإيمان من علم في القلب، وعمل في القلب - أيضًا، ولهذا كان عامة أئمة المرجئة الذين يجعلون الإيمان مجرد ما في القلب، أو ما في القلب واللسان، يدخلون في ذلك محبة القلب وخضوعه للحق، لا يجعلون ذلك مجرد علم القلب، ولفظ التصديق يتناول العلم الَّذي في القلب، ويتناول -أيضًا- ذلك العمل في القلب الَّذي هو موجب العلم ومقتضاه، فإنه يقال: صدق

стр. 665

علمه بعمله، وذلك لأن وجود العلم مستلزم لوجود هذا العمل الَّذي في القلب، الَّذي هو إسلام القلب بمحبته وخشوعه، فإذا عدم مقتضى العلم فإنه قد يزول العلم (١) من القلب بالكلية، ويطبع على القلب حتَّى يصير منكرًا لما عرفه، جاهلًا بما كان يعلمه، وهذا العلم وهذا العمل (٢) كلاهما يكون من معاني الألفاظ. فلفظ الشهادة والإقرار والإيمان والتصديق ينتظم (٣) هذا (٤) كله، لكن لفظ الخبر والنبأ ونحو ذلك هو العلم، وإن استلزم هذا الأعمال فهو كما يستلزم العلم لذلك، فإذا قال أحد هؤلاء العالمين الجاحدين الذين ليسوا بمؤمنين: محمد (٥) رسول الله، كقول (٦) أولئك اليهود وغيرهم، فهذا خبر محض مطابق لعلمهم الَّذي قال الله فيه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧) لكن كما لا ينفعهم مجرد العلم لا ينفعهم مجرد الخبر، بل لا بد أن يقترن بالعلم في الباطن مقتضاه من العمل الَّذي هو المحبة والتعظيم والانقياد ونحو ذلك، كما أنَّه لا بد أن يقترن بالخبر الظاهر مقتضاه من الاستسلام والانقياد وأصل الطاعة (٨)، فهؤلاء الذين يعلمون الحق الَّذي بعث الله به رسوله - ولا يؤمنون به ويقرون به، يوصفون بأنهم كفار وبأنهم جاحدون، ويوصفون بأنهم مكذبون بألسنتهم، وأنهم يقولون بألسنتهم

стр. 666

خلاف ما في قلوبهم، وقد أخبر الله في كتابه أنهم ليسوا بمكذبين بما علموه، أي: مكذبين بقلوبهم وإن لم يكونوا مؤمنين مقرين مصدقين إذ (١) العبد يخلو في الشيء الواحد عن التصديق والتكذيب، والكفر أعم من التكذيب، فكل من كذب الرسول كافر وليس كل كافر مكذبًا، بل من يعلم (٢) صدقه ويقر به، وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه كافر (٣)، ومن (٤) أعرض فليس (٥) يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر، وليس بمكذب، وكذلك العالم بالشيء قد يخلو عن التكذيب به (٦) عن التصديق به الَّذي هو مستلزم لعمل القلب، وإن لم يخل (٧) عن التصديق الَّذي هو مجرد علم القلب. فأما أن يقوم بالقلب تصديق قولي غير العلم فهذا الَّذي ادعاه هؤلاء الشذاذ عن الجماعة، وهو مورد النزاع. ولهذا قال الجنيد بن محمد (٨): "التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب" (٩).

стр. 667

وقال الحسن البصري (١): "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقه العمل" (٢). وقال الحسن -أيضًا-: "ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر (٣)، ويناطقون القلوب حتَّى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار فنطقت بالحكمة، وأورثت العلم" (٤). الوجه الثالث والعشرون: أن يقال: لاريب أن النفس الَّذي هو القلب يوصف بالنطق والقول، كما يوصف بذلك اللسان، وإن كان القول والنطق عند الإطلاق يتناول مجموع الأمرين، ولهذا كان من جعل النطق والقول هولما في اللسان فقط بمنزلة من جعله (٥) لما في القلب فقط، ومن جعل اللفظ مشتركا بينهما فقد جمع البعيدين، بل أثبت النقيضين، فإنه يجعل اللفظ الشامل لهما مانعًا من كل منهما، فإنه إذا قال: أريد به هذا وحده، أو هذا وحده، مع أن اللفظ أريد به كلاهما كان نافيًا لكل منهما في حال

стр. 668

إثبات اللفظ له، وإنما اللفظ المطلق من القول والنطق والكلام ونحو ذلك يتناولهما جميعًا، كما أن لفظ الإنسان يتناول الروح والبدن جميعًا، وإن كان أحدهما قد يسمى بالاسم مفردًا، ومن لم يسلك هذا المسلك انهالت (١) عليه الحجج لما نفاه من الحق، فإن دلالة الأدلة الشرعية واللغوية والعرفية على شمول الاسم لهما، وعلى تسمية أحدهما به أكثر من أن تحصر. لكن هذا النطق والكلام الَّذي هو معنى الخبر القائم بالنفس هل هو شيء مخالف للعلم (٢) ممكن أن يكون ضدًّا له؟ أو هو هو؟ أو هو مستلزم (٣) له؟ فدعوى إمكان مضادته للعلم (٤) مما يحس الإنسان بنفسه (٥) خلافه، ودعوى مغايرته للعلم -أيضًا- فإن الإنسان لا يحس من نفسه بنسبتين جازمتين كل منهما يتناول المفردين أحدهما علم والأخرى غير العلم (٦). ولهذا لم يتنازع في ذلك لا المسلمون (٧) ولا من قبلهم من الأمم، حتَّى أهل المنطق الذين يثبتون نطق النفس ويسمونها النفس الناطقة هم عند التحقيق يردون ذلك إلى العلم والتمييز (٨). ولهذا لما أراد حاذق الأشعرية المستأخرين أبو الحسن الآمدي (٩)

стр. 669

أن يحد العلم بعد أن تعقب حدود الناس بالإبطال (١)، ورد قول من زعم أنَّه غني عن الحد (٢)، وأنه (٣) يعرف بالتقسيم والتمثيل. قال (٤): هو صفة جازمة قائمة بالنفس يوجب لمن قام به

стр. 670

تمييزًا (١). ومعلوم أنَّه إذا (٢) كان في النفس معنى للخبر غير العلم فهذا الحد منطبق عليه، ولهذا لما قسم الأولون والآخرون العلم إلى تصور وتصديق (٣) وجعلوا التصور هو العلم بالمفردات الَّذي هو مجرد تصورها، والتصديق العلم بالمركبات الخبرية من النفي والإثبات، فسموا العلم بذلك تصديقًا (٤) وجعلوا نفس العلم هو نفس التصديق، ولو كان في النفس تصديق لتلك القضايا الخبرية ليس هو العلم، لوجب الفرق بين العلم بها وتصديقها ولا ريب أن هذا العلم والتصديق قد يعتقده الإنسان، فيعقله ويضبطه ويلتزم موجبه، وقد لا يعتقده ولا يعقله
следующие страницы →