← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

خلاف ما في قلوبهم، وقد أخبر الله في كتابه أنهم ليسوا بمكذبين بما علموه، أي: مكذبين بقلوبهم وإن لم يكونوا مؤمنين مقرين مصدقين إذ (١) العبد يخلو في الشيء الواحد عن التصديق والتكذيب، والكفر أعم من التكذيب، فكل من كذب الرسول كافر وليس كل كافر مكذبًا، بل من يعلم (٢) صدقه ويقر به، وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه كافر (٣)، ومن (٤) أعرض فليس (٥) يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر، وليس بمكذب، وكذلك العالم بالشيء قد يخلو عن التكذيب به (٦) عن التصديق به الَّذي هو مستلزم لعمل القلب، وإن لم يخل (٧) عن التصديق الَّذي هو مجرد علم القلب. فأما أن يقوم بالقلب تصديق قولي غير العلم فهذا الَّذي ادعاه هؤلاء الشذاذ عن الجماعة، وهو مورد النزاع. ولهذا قال الجنيد بن محمد (٨): "التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب" (٩).

стр. 667

وقال الحسن البصري (١): "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقه العمل" (٢). وقال الحسن -أيضًا-: "ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر (٣)، ويناطقون القلوب حتَّى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار فنطقت بالحكمة، وأورثت العلم" (٤). الوجه الثالث والعشرون: أن يقال: لاريب أن النفس الَّذي هو القلب يوصف بالنطق والقول، كما يوصف بذلك اللسان، وإن كان القول والنطق عند الإطلاق يتناول مجموع الأمرين، ولهذا كان من جعل النطق والقول هولما في اللسان فقط بمنزلة من جعله (٥) لما في القلب فقط، ومن جعل اللفظ مشتركا بينهما فقد جمع البعيدين، بل أثبت النقيضين، فإنه يجعل اللفظ الشامل لهما مانعًا من كل منهما، فإنه إذا قال: أريد به هذا وحده، أو هذا وحده، مع أن اللفظ أريد به كلاهما كان نافيًا لكل منهما في حال

стр. 668

إثبات اللفظ له، وإنما اللفظ المطلق من القول والنطق والكلام ونحو ذلك يتناولهما جميعًا، كما أن لفظ الإنسان يتناول الروح والبدن جميعًا، وإن كان أحدهما قد يسمى بالاسم مفردًا، ومن لم يسلك هذا المسلك انهالت (١) عليه الحجج لما نفاه من الحق، فإن دلالة الأدلة الشرعية واللغوية والعرفية على شمول الاسم لهما، وعلى تسمية أحدهما به أكثر من أن تحصر. لكن هذا النطق والكلام الَّذي هو معنى الخبر القائم بالنفس هل هو شيء مخالف للعلم (٢) ممكن أن يكون ضدًّا له؟ أو هو هو؟ أو هو مستلزم (٣) له؟ فدعوى إمكان مضادته للعلم (٤) مما يحس الإنسان بنفسه (٥) خلافه، ودعوى مغايرته للعلم -أيضًا- فإن الإنسان لا يحس من نفسه بنسبتين جازمتين كل منهما يتناول المفردين أحدهما علم والأخرى غير العلم (٦). ولهذا لم يتنازع في ذلك لا المسلمون (٧) ولا من قبلهم من الأمم، حتَّى أهل المنطق الذين يثبتون نطق النفس ويسمونها النفس الناطقة هم عند التحقيق يردون ذلك إلى العلم والتمييز (٨). ولهذا لما أراد حاذق الأشعرية المستأخرين أبو الحسن الآمدي (٩)

стр. 669

أن يحد العلم بعد أن تعقب حدود الناس بالإبطال (١)، ورد قول من زعم أنَّه غني عن الحد (٢)، وأنه (٣) يعرف بالتقسيم والتمثيل. قال (٤): هو صفة جازمة قائمة بالنفس يوجب لمن قام به

стр. 670

تمييزًا (١). ومعلوم أنَّه إذا (٢) كان في النفس معنى للخبر غير العلم فهذا الحد منطبق عليه، ولهذا لما قسم الأولون والآخرون العلم إلى تصور وتصديق (٣) وجعلوا التصور هو العلم بالمفردات الَّذي هو مجرد تصورها، والتصديق العلم بالمركبات الخبرية من النفي والإثبات، فسموا العلم بذلك تصديقًا (٤) وجعلوا نفس العلم هو نفس التصديق، ولو كان في النفس تصديق لتلك القضايا الخبرية ليس هو العلم، لوجب الفرق بين العلم بها وتصديقها ولا ريب أن هذا العلم والتصديق قد يعتقده الإنسان، فيعقله ويضبطه ويلتزم موجبه، وقد لا يعتقده ولا يعقله

стр. 671

و [لا] (١) يضبطه و [لا] (١) يلتزم موجبه، فالأول هو المؤمن، والثاني هو الكافر - إذا كان ذلك فيما جاءت به الرسل عن الله ليس كل من علم شيئًا عقله واعتقده، أي: ضبطه وأمسكه والتزم موجبه، كما أنَّه ليس كل من اعتقد شيئًا كان عالمًا به، فلفظ العقد والاعتقاد شبيه بلفظ العقل والاعتقال، ومعنى كل منهما يجامع (٢) العلم تارة، ويفارقه أخرى، فمن هنا قد يتوهم أن في النفس خبرًا غير العلم، ولفظ العقد والعقل لما كان جاريًا على من يمسك العلم فيعيه (٣)، ويحفظه تارة ويعمل بموجبه كان مشعرًا بأنه يوصف بذلك تارة، وبضده تارة، وهو الخروج عن العلم وعن موجبه، وقد يستعمل اللفظ فيمن يمسك بما ليس بعلم (٤)، ومن هذين الوجهين امتنع أن يوصف الله بالاعتقاد، فإنه - سبحانه - عالم لا يجوز أن يفارقه علمه، ولا يعتقد ما ليس بعلم، فوصفه به يدل على جواز وصفه بضد العلم، ولفظ الفقه ولفظ الفهم كلاهما يستلزم علمًا مسبوقًا بعدمه، وهذا في حق الله ممتنع. الوجه الرابع والعشرون: أن ما ذكروه في إثبات أن معنى الأمر والخبر ليس هو العلم ولا الإرادة، وما يتبع ذلك من ضرب المثل بأمر الامتحان وخبر الكاذب. يقال في ذلك: لا ريب أن الكاذب المخبر يقدر في نفسه الشيء على خلاف ما هو به، ويخبر به بلسانه، لكن ذلك المقدر هو تقدير العلم، فإن الخبر الصدق الَّذي يعلم صاحبه أنَّه صدق لما كان معناه العلم

стр. 672

المطابق للخارج، فالمخبر الكاذب الَّذي يعلم أنَّه كاذب قدر في نفسه تقديرًا مضاهيًا للعلم، فإن تقدير الموجود معدومًا، والمعدوم موجودًا في الأذهان واللسان أكثر من أن تحصر (١)، فمعنى خبره هو علم مقدر لا علم محقق أن (٢) مخبر الخبر في الخارج وجود مقدر لا وجود محقق، والمقدر ليس بمحقق لا في الذهن ولا في الخارج، لكن لما قدر هو أنَّه عالم قدر -أيضًا- وجود المخبر في الخارج، والمستمع لما اعتقد صدقه وحسب أنَّه صادق (٣) وأن لما قاله حقيقة، لم يظنه مقدرًا بل حسبه محققًا، وكل اعتقاد فاسد تقديرات (٤) ذهنية لا حقيقة لها في الخارج، وهي أخبار واعتقادات وإن لم تكن علومًا (٥)، لكن هي في الصورة من جنس المحقق، كما أن لفظ الكاذب من جنس لفظ الصادق، وخطه من جنس خطه، فهما متشابهان في الدلالة خطًا ولفظًا وعقدًا. فكذلك أمر الممتحن، هو في الحقيقة ليس بطالب ولا مريدٍ أصلًا، بل هو مقدر لكونه طالبًا مريدًا، لأنه يظهر بتقدير ذلك من طاعة المأمور وامتثاله ما يظهر بتحقيقه، ثم إظهار ذلك هو من باب المعاريض قد يجوز ذلك، وقد لا يجوز، مثل أن يفهم المتكلم للمستمع معنى لم يرده المتكلم، واللفظ قد يدل عليه بوجه ولا يدل عليه بوجه، فمعناه في نفسه هو الَّذي لا يفهمه المستمع، ومفهوم المستمع شيء آخر، وكذلك الممتحن مدلول الصيغة في نفسه طلب مقدر (٦) وإرادة مقدرة، وبالنسبة

стр. 673

إلى المستمع طلب محقق وإرادة محققة، إذا لم يعلم باطن (١) الأمر، وكذلك مدلول الصيغة عند الكذاب هو ما اختلقه، والاختلاق: هو التقدير، وهو ما قدره في ذهنه مما ليس له حقيقة، وعند المستمع هو ما يجب أن يعنى باللفظ من المعاني المحققة. الوجه الخامس والعشرون: أن يقال لهم: أنتم قررتم في أصول الفقه (٢) أن اللفظ المشهور الَّذي تتداوله الخاصة والعامة، لا يجوز أن يكون موضوعًا لمعنى دقيق لا يدركه إلّا خواص الناس، وهذا حق، وذلك لأن تكلم الناس باللفظ الَّذي له معنى يدل على اشتراكهم في فهم ذلك المعنى خطابًا وسماعًا، فإذا كان ذلك المعنى لا يفهمه إلّا بعض الناس بدقيق الفكرة، امتنع أن يكون ذلك المعنى هو المراد بذلك اللفظ، لأن معنى ذلك اللفظ يعرفه العامة والخاصة بدون فكرة دقيقة، وقد مثلوا ذلك بلفظ الحركة، هل هو (٣) اسم لكون الجسم متحركًا؟ أو لمعنى يوجب كونه متحركًا؟ وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن أظهر الأسماء ومسمياتها هو اسم (٤) القول والكلام والنطق، وما يتفرع من ذلك كالأمر والنهي والخبر والاستخبار، إذ أظهر صفات الإنسان هو النطق، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ

стр. 674

مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (١)، والألفاظ الدالة على هذه المعاني من أشهر الألفاظ، ومعانيها من أظهر المعاني في قلوب العامة والخاصة. والمعنى الَّذي يقولون: إنه هو الكلام (٢)، إما أن يكون باطلًا لا حقيقة له وراء العلم والإرادة واللفظ الدال عليهما، أو يكون له حقيقة، فإن لم تكن له حقيقة بطل قولكم بالكلية، وإن كانت له حقيقة فلا ريب أنها حقيقة مشتبهة متنازع فيها نزاعًا عظيمًا (٣)، وأكثر طوائف أهل القبلة وغيرهم لا يعرفونها، ولا يقرون (٤) بها، وإذا أثبتموها إنما تثبتونها بأدلة خفية (٥) بل قد يعترفون أن معرفة هذه الحقيقة في الشاهد غير ممكن، ولكن يدعون ثبوتها في الغائب، وإذا كان كذلك فمن الممتنع

стр. 675

أن يكون ذلك هو المراد من لفظ الكلام والقول والأمر والنهي، الَّذي لفظه ومعناه من أشهر المعارف عند العامة والخاصة، فعلم أن الَّذي قلتموه باطل بلا ريب. الوجه السادس والعشرون: أن ثبوت الكلام لله بالأمر والنهي والخبر أثبتموه (١) بالإجماع، والنقل المتواتر (٢) عن الأنبياء ﵈ ومن المعلوم أن هذا المعنى الَّذي (٣) ادعيتم أنَّه معنى كلام الله، لم يظهر في الأمة إلّا من حين حدوث ابن كلاب ثم الأشعري بعده، إذ قبل (٤) [قول] (٥) ابن كلاب لا (٦) يعرف في الأمة أحد فسر كلام الله بهذا. ولهذا لما ذكر الأشعري اختلاف الناس في القرآن، وذكر أقوالًا كثيرة (٧) فلم يذكر هذا القول إلّا عن ابن كلاب، وجعل له ترجمة فقال (٨): هذا قول عبد الله بن كلاب. قال عبد الله بن كلاب: إن الله لم يزل متكلمًا، وإن كلام الله صفة

стр. 676

له قائمة به، وإنه قديم بكلامه، وإن كلامه قائم به، كما أن العلم قائم به، والقدرة قائمة به، وهو قديم بعلمه وقدرته، وإن الكلام ليس بحرف (١) ولا صوت، ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وإنه معنى واحد (٢) بالله تعالى، وإن الرسم هو الحروف المتغايرة، وهو قراءة القارئ (٣)، وإنه خطأ (٤) أن يقال: إن كلام الله هو هو أو بعضه أو غيره، وإن العبارات عن كلام الله تختلف وتتغاير [وكلام الله ليس بمختلف ولا متغاير، كما أن ذكرنا لله مختلف ومتغاير] (٥) والمذكور لا يختلف ولا يتغاير وإنما سمي كلام الله عربيًّا، لأن الرسم الَّذي هو العبارة عنه -وهو قراءته- عربي فسمي عربيًّا لعلة، وكذلك سمي عبرانيًّا لعلة (٦)، وكذلك سمي أمرًا لعلة، وسمي نهيًا لعلة، وخبرًا لعلة، ولم يزل الله متكلمًا قبل أن يسمي كلامه أمرًا، وقبل وجود العلة التي بها (٧) سمى الله (٨) كلامه أمرًا، وكذلك القول في تسميته نهيًا (٩) وخبرًا، وأنكر أن يكون البارئ لم يزل مخبرًا ولم يزل ناهيًا". ثم يقال: ولو قدر أنَّه لم يحدثه، فلا ريب أنَّه (١٠) معنى خفي مشكل متنازع في وجوده، وإنما يتصور وجوده بالأدلة الخفية، وإذا كان

стр. 677

كذلك فالذين نقلوا عن الأنبياء ﵈ أن الله يتكلم ويأمر وينهى، والذين أجمعوا على ذلك، إذا لم يذكر أحد منهم أنَّه أراد هذا المعنى الخفي المشكل الَّذي ليس يتصور بحال، أو لا يتصور إلا بشدة عظيمة، لم يجز أن يقال: إنهم كانوا متفقين على نقل هذا المعنى والإجماع عليه، ولم يجز أن يقال: إنهم أجمعوا على ثبوت معنى لا يفهمونه، ونقلوا عن الأنبياء ﵈ أن الله تعالى يتكلم ويقول، وهم لا يفهمون معنى لفظ الكلام والقول، فإن هذا -أيضًا- معلوم الفساد بالضرورة. وإذا بطل القسمان (١)، علم أن الَّذي انعقد عليه الإجماع، ونقله أهل التواتر عن المرسلين، هو الكلام الَّذي تسميه الخاصة والعامة كلامًا، دون هذا المعنى ، والله - سبحانه - أعلم. وهذا بين واضح يدل على فساد مذهب المخالف، وعلى صحة مذهب أهل السنة، وبمثل هذا الوجه - يبطل -أيضًا- مذهب الجهمية من المعتزلة (٢) ونحوهم، فإن كون الكلام يكون منفصلًا عن المتكلم قائمًا بغيره، مما لا تعرف العامة والخاصة أنَّه يكون كلامًا للمتكلم، وإن أثبت ذلك فإنما يثبت بأدلة خفية (٣) مشكلة. وإذا كان أهل التواتر نقلوا أن الله تكلم بالقرآن، وأجمع المسلمون

стр. 678

على ذلك، ولم يجز إرادة هذا المعنى، علم أن التواتر (١) والإجماع إنما هو على المعنى المعروف، وهو: أنَّه - سبحانه - تكلم بالقرآن كله حروفه ومعانيه، وإن المتكلم لا بد أن يقوم به كلامه وإن كان يتكلم (٢) إذا شاء. الوجه السابع والعشرون: أن يقال: لا ريب أنَّه قد اشتهر عند العامة والخاصة اتفاق السلف على أن القرآن كلام الله، وأنهم أنكروا على من جعله مخلوقًا خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات من السماء والأرض، كما يقوله الجهمية، حتَّى قال علي بن عاصم (٣) لرجل: أتدري ما يريدون بقولهم القرآن مخلوق؟ يريدون أن الله لا يتكلم، وما الذين قالوا: إن لله ولدًا بأكفر من الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، لأن الذين قالوا لله [ولد] (٤) شبهوه بالأحياء، والذين قالوا: لا يتكلم شبهوه بالجمادات. وأنتم فلا ريب كلما (٥) يقول هؤلاء: إنه مخلوق، تقولون (٦): إنه مخلوق لا تنازعونهم (٧) في أن الكلام الَّذي يقولون هو مخلوق تقولون (٨) أنتم -أيضًا- إنه مخلوق، فالذي قال هؤلاء إنه مخلوق إما أن يكون مخلوقًا أو لا يكون فإن لم يكن مخلوقًا كنتم أنتم وهم ضالين، حيث

стр. 679

حكمتم (١) بخلقه، وإن كان مخلوقًا لم يجز ذم من قال: إنه مخلوق ولا عيبه (٢) بذلك، ولا يقال: إنه جعل كلام الله الَّذي ليس بمخلوق مخلوقًا، ولا إنه جعل كلام الله في المخلوق، ولا إنه جعل الشجرة هي القائلة: إنني أنا الله، ونحو ذلك من الأقوال التي وصف بها السلف مذهب الجهمية، كما قال عبد الله بن المبارك (٣): "من قال: إنني (٤) أنا الله لا إله إلَّا أنا مخلوق فهو كافر، ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك". وقال سليمان بن داود الهاشمي (٥): "من قال إن (٦) القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقًا كما زعموا، فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٧). وزعموا (٨) أن هذا مخلوق، و [الَّذي] (٩) قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (١٠) [هذا أيضًا] (١١) قد (١٢) ادعى ما

стр. 680

ادعى (١) فرعون، فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار من هذا؟ وكلاهما (٢) عنده مخلوق، ووافقه أبو عبيد (٣) على مثل هذا (٤) واستحسنه [وأعجبه] (٥). وغاية ما يعاب به عندكم أنَّه نفي عن الله معنى آخر يثبتونه (٦) له، وذاك (٧) المعنى أكثر الناس لا يتصورونه، لا المعتزلة (٨) ولا غيرهم، فضلًا عن أن يحكموا عليه بأنه مخلوق، وذلك المعنى لا يتصور أن يقوم بالشجرة ولا غيرها، حتَّى تكون الشجرة هي القائلة له، والسلف لم يعيبوهم (٩) بهذا، ولا قالوا لهم ما ذكرتم أنَّه مخلوق، فهو مخلوق لكن ثم (١٠) معنى آخر ليس بمخلوق، ولا قالوا هذا الَّذي قلتم إنه مخلوق،

стр. 681

هو مخلوق لكنه ليس هو بكلام الله، ولا نحو ذلك، فإن كان هذا الَّذي قالوا هو مخلوق، هو مخلوق كما قالوا، ليس هو كلام الله وإنما كلام (١) الله معنى آخر، فلا ريب أن السلف مخطئون ضالون في هذه المسألة، فأحد الأمرين لازم، إما تضليلكم والمعتزلة، أو تضليل السلف، والثاني ممتنع فتعين (٢) الأول يؤيد هذا. الوجه الثامن والعشرون: وهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين: لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث (٣)، فإذا لم يكن في صدر الأمة إلّا قول السلف وقول المعتزلة، تعين أن (٤) يكون الحق في أحد القولين، ومن المعلوم بالشرع والعقل أن قول المعتزلة باطل للوجوه (٥) الكثيرة منها: أن من تأمل كلام أهل الإجماع، وما نقل عن الأنبياء بالتواتر، علم بالاضطرار أنهم [إذا] (٦) وصفوا الله بالكلام وصفوه بأنه هو يتكلم، لا أن الكلام يكون مخلوقًا له كالسماء والأرض وما فيهما، كما يقولون: كلام الله مثل أسماء الله، ويعلم باضطرار أن إضافة القول والكلام إلى الله

стр. 682

ليس كإضافة الخلق إليه، وأن باب "قال" عند الأنبياء والمؤمنين غير باب "خلق"، وبطلان قول المعتزلة له موضع غير هذا، وإذا كان باطلًا، وقولهم -أيضًا- باطل (١)، تعين صحة مذهب السلف يؤكد (٢) هذا. الوجه التاسع والعشرون: وهو أن السلف والمعتزلة جميعًا اتفقوا على أن كلام الله ليس هو مجرد هذا المعنى الَّذي تثبتونه أنتم، بل الَّذي سمته المعتزلة كلام الله وقالوا: إنه مخلوق، وافقهم السلف على أنَّه كلام الله، لكن قالوا: إنه غير مخلوق، وأنتم تقولون: إنه ليس بكلام الله، فكان قولك خرقًا لإجماع السلف والمعتزلة، وذلك خرق (٣) لإجماع الأمة جميعها، إذ (٤) لم يكن في عصر السلف إلّا هذان القائلان، ولم يكن في ذلك الزمان من يقول: إن القرآن الَّذي قالت المعتزلة: إنه مخلوق ليس هو كلام الله (٥).

стр. 683

الوجه الثلاثون: إنه لا يحل لكم أن تحكوا (١) عن المعتزلة أنهم قالوا بخلق القرآن، وبخلق كلام الله، كما يحكيه عنهم السلف وأئمة الحديث والسنة، وكما يقولون هم ذلك، وإن حكيتم ذلك عنهم فلا يحل لكم أن تذموهم بذلك كما ذموهم (٢) السلف به، بل تمدحونهم بذلك كما يمدحون بذلك أنفسهم، فلا بد لكم من مخالفة السلف والمعتزلة جميعًا، أو مخالفة السلف وموافقة المعتزلة، وذلك لأن الَّذي قالت المعتزلة: إنه مخلوق، وأنتم تقولون: إنه مخلوق -أيضًا-، وذلك واجب عندكم، ومن قال عن ذلك إنه ليس بمخلوق فهو ضال عندكم أو كافر، ثم المعتزلة تسميه كلام الله وتقول كلام الله مخلوق، والسلف تسميه كلام الله وتقول (٣) هو غير مخلوق، وأما أنتم فمع قولكم إنه مخلوق هل يطلق عليه كلام (٤) الله

стр. 684

مجازًا وتنفي (١) الحقيقة، كمأ قاله جمهوركم؟ أو يقال: بل سمي كلام الله على الاشتراك بينه وبين غيره كما قاله بعضكم؟ على قولين (٢): فإن قلتم بالأول: لزمكم أن لا تكون المعتزلة تعتقد في الحقيقة أن كلام الله مخلوق بحال، وإن تلفظوا بذلك بألسنتهم فهم مخطئون في هذا اللفظ، وهم بمنزلة من قال: إني زنيت بأمي، أو قتلت نبيًّا، ولم يكن المزني بها أمه، ولا المقتول نبيًّا، فهو مخطئ في هذا الظن فيما يحكيه عن نفسه، لكن هذا القول يظن القائل أنَّه به مذموم، والمعتزلة لا تذم أنفسها (٣)، وإن كانت الجماعة تذمهم بذلك، فنظير ذلك أن يعتقد بعض الكفار أنَّه قد قتل إمام المسلمين، أو أخذ كتابًا فمزقه يظن أنَّه المصحف، أو قتل أقوامًا يظنهم (٤) علماء المسلمين، وهو عند نفسه متدين بذلك، ولم يكن الأمر كذلك، وهكذا هم المعتزلة عندكم، فإنهم قالوا في الَّذي اعتقدوا أنَّه كلام الله: إنه مخلوق، فقلتم أنتم لا ريب أنَّه مخلوق كما لا ريب في قتل أولئك النفر وتمزيق ذلك

стр. 685

الكتاب، لكن هذا ليس كلام الله وإن اعتقدتم أنَّه كلام الله، وأن القول بخلقه تعظيم لله، كما اعتقد أولئك أن هؤلاء أئمة المسلمين وأن قتلهم عبادة لله، وأن هذا المصحف هو القرآن وتمزيقه عبادة لله، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقال: إن هؤلاء قتلوا أئمة المسلمين، ولا مزقوا المصحف، وإن كانوا قصدوا ذلك واعتقدوه، فكذلك لا يجوز على أصلكم أن يقال: إن المعتزلة قالت: إن كلام الله مخلوق، وإن كانوا هم قصدوا ذلك واعتقدوه، فإن الَّذي قالوا (١): إنه مخلوق إن كان مجازًا فلم يحكموا على ما هو كلام الله في الحقيقة بأنه مخلوق. [وإن كان مشتركًا فهم إنما قالوا: إنه مخلوق] (٢) بأحد المعنيين دون [الآخر، واللفظ المشترك لا يجوز إطلاقه بـ[إرادة] (٣) أحد المعنيين] (٤) بل هو عند الإطلاق مجمل، فلا يقال على هذا القول بأنهم قالوا: كلام الله مخلوق، ولا قالوا: إنه غير مخلوق، وهذا كله خلاف إجماع السلف والمعتزلة، ولم يكن قديمًا عندهم، فهو خلاف الإجماع مطلقًا. الوجه الحادي والثلاثون: إن هذا النقل عنهم إذا قيل: إنه صحيح إما باعتبار [المجاز] (٥) وإحدى الحقيقتين، أو باعتبار قصدهم فإنهم لا يذمون على القول بخلق ذلك عندهم، بل يحمدون على ذلك، إذ أنتم وهم متفقون على ذلك،

стр. 686

ومن المعلوم بالاضطرار أن السلف الذين أجمع المسلمون على إمامتهم في الدين ذموهم على ذلك، فإذا أنتم ذامون للسلف الذين أجمع المسلمون على إمامتهم في الدين وأنتم عند السلف وأئمة الدين مذمومون (١) وأنتم بذلك من جنس الرافضة والخوارج ونحوهم ممن يقدح في سلف الأمة وأئمتها، وهذا حق فإن قول هؤلاء من فروع قول الجهمية، وقول الجهمية فيه من التنقص والسب والطعن علي السلف والأئمة، وعلى السنة ما ليس في قول الخوارج والروافض، فإن الخوارج يعظمون القرآن ويوجبون اتباعه، وإن لم يتبعوا السنن المخالفة لظاهر القرآن، وهم يقدحون في علي وعثمان ومن تولاهما، وإن لم يقدحوا في أبي بكر وعمر. وأما الجهمية فإنها لا توجب، بل لا تجوز اتباع القرآن في باب صفات الله، كما يصرحون به كالرازي (٢) ونحوهم من المعتزلة وغيرهم فضلًا عن أن يتبعوا السنن أو إجماع السلف، ف الجهمية أعظم قدحًا في القرآن وفي السنن وفي إجماع الصحابة والتابعين من سائر أهل الأهواء ، ولهذا تنازع العلماء من أصحابنا وغيرهم (٣)، هل هم داخلون في الثنتين

стр. 687

والسبعين فرقة (١) لكن كثير من الناس يأخذ [دون ببعض قول] (٢) الجهم،

стр. 688

وأيضًا ففيهم من لا يكفر الأمة بخلافه ولا يستحل (١) السيف، وفيهم من قد بعدت عليهم الحجة وجهلوا أصل القول، وقول (٢) الدعاة إلى الكتاب والسنة، وظهور ذلك فمن هنا كان حال فروع الجهمية قد يكون أخف من حال الخوارج، وإلا فقولهم في نفسه أخبث (٣) من قول الخوارج بكثير، وإذا كان يونس بن عبيد (٤) قد قال عن المعتزلة: إن فتنتهم أضر على الأمة من فتنة الأزارقة (٥)، والمعتزلة جهمية، علم أن السلف كانوا يعلمون أن الجهمية شر من الخوارج". قال الطبراني (٦) في كتابه السنة: "حدثنا الحسن بن علي

стр. 689

المعمري، حدثنا محمد بن بكار العبسي، ثنا عبد العزيز الرقاشي، سمعت يونس بن عبيد يقول: فتنة المعتزلة على هذه الأمة أشد من فتنة الأزارقة، لأنهم يزعمون أن أصحاب رسول الله ﷺ ضلوا، وأنهم لا تجوز شهادتهم بما أحدثوا (١)، ويكذبون بالشفاعة (٢) والحوض (٣)،

стр. 690

وينكرون عذاب القبرر (١)،، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم". وفروع الجهمية لا يقبلون شهادة أصحاب رسول الله ﷺ فيما رووه عن رسول الله ﷺ ولا يأتمون بكتاب الله، وفيهم من هو في بعض المواضع شر من المعتزلة، ولكن المعتزلة هم أصلهم في الجملة، وفي هؤلاء من لا يرى التكفير والسيف كما تراه المعتزلة والرافضة، وهو قول الخوارج، ولهذا كثيرًا (٢) ما يكون أهل البدع، مع القدرة (٣) يشبهون الكفار في استحلال قتل المؤمنين وتكفيرهم، كما يفعله الخوارج والرافضة والمعتزلة والجهمية وفروعهم، لكن فيهم من يقاتل بطائفة ممتنعة كالخوراج والزيدية، ومنهم من يسعى في قتل المقدور عليه من مخالفيه، إما بسلطانه،

стр. 691

وإما بحيلته، ومع العجز يشبهون المنافقين، يستعملون التقية (١) والنفاق كحال المنافقين، وذلك لأن البدع مشتقة من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب، هم مع القدرة يحاربون المؤمنين، ومع العجز ينافقونهم. والمؤمن مشروع له، مع القدرة، أن يقيم دين الله -بحسب الإمكان- بالمحاربة وغيرها، ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الانتصار، ويصبر على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة، بل يشرع له من المداراة ومن التكلم بما يكره عليه ما جعل الله له فرجًا ومخرجًا. ولهذا كان أهل السنة مع أهل البدعة بالعكس، إذا قدروا عليهم لا يعتدون عليهم بالتكفير والقتل وغير ذلك، بل يستعملون معهم العدل الَّذي أمر الله به ورسوله، كما فعل عمر بن عبد العزيز (٢)

стр. 692

بالحرورية (١) والقدرية (٢)، وإذا جاهدوهم، فكما جاهد علي - رضي عنه - الحرورية (٣) بعد الإعذار وإقامة الحجة (٤)، وعامة

стр. 693

ما كانوا يستعملونه معهم الهجران والمنع من الأمور التي تظهر بسببها (١) بدعتهم، مثل ترك مخاطبتهم ومجالستهم؛ لأن هذا هو الطريق إلى خمود بدعتهم، وإذا عجزوا عنهم لم ينافقوهم، بل يصبرون على الحق الذي بعث الله به نبيه، كما كان سلف المؤمنين يفعلون، وكما أمرهم الله في كتابه، حيث أمرهم بالصبر على الحق، وأمرهم أن لا يحملهم شنآن قوم على أن لا يعدلوا (٢). الوجه الثاني والثلاثون (٣): أن هذا المعنى القائم بالذات الذي زعموا أنه كلام، وخالفوا في إثباته جميع فرق الإِسلام، كما يقرون هم على أنفسهم بذلك، كما ذكره

стр. 694

الرازي وغيره (١) من أن إثباتهم لهذا يخالفهم فيه سائر فرق الأمة، قد قال أكثرهم: هو معنى واحد (٢)، وقال بعضهم: هو خمسة معان: أمر،

стр. 695

ونهي، وخبر، واستخبار، ونداء (١). فالأولون يقولون: ذلك المعنى هو معنى كل أمر أمرَ الله به، سواء كان أمر تكوين كقوله للمخلوق (٢): كن فيكون، أو كان أمر تشريع، كأمره في التوراة والإنجيل والقرآن، وغير ذلك مما جاءت به الرسل، وهو معنى كل نهي نهى الله عنه وكل خبر أخبر الله به. والآخرون يقولون: الأمر الواحد هو الأمر بالصلاة والزكاة والحج والصوم والسبت (٣) الذي لليهود هو الأمر المنسوخ وبالناسخ وبالأقوال

стр. 696

والأفعال والأصول والفروع وبالعربية وبالعبرانية وغير ذلك، وكذلك قولهم في النهي وكذلك قولهم في الخبر هو معنى واحد، هو معنى ما أخبر الله به من صفاته كآية الكرسي وسورة الإخلاص، وما أخبر به من قصص الأنبياء والمؤمنين والكفار، وصفة الجنة والنار. ومن المعلوم أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده كما اتفق على ذلك سائر العقلاء، فإن أظهر المعارف للمخلوق أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسبت ليس هو الأمر بالحج، وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم، فمن جعل هذه الأمور كلها حقيقة واحدة، وجعل الأمر والنهي إنما هي صفات عارضة لتلك الحقيقة العينية، لم يجعل ذلك أقسامًا للكلام الكلي الذي لا يوجد في الخارج كليًّا، إذ ليس في الخارج كلام هو أمر بالحج هو بعينه خبر عن جهنم، كما ليس في الخارج إنسان هو بعينه فصيل (١)، وإن شملها اسم الحيوان، كما شمل ذينك اسم الكلام، فمن جعل الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فهو يشبه من جعل المكانين (٢) مكانًا واحدًا حتى يجعل الجسم الواحد (٣) يكون في مكانين ويقول: إنما هما مكان واحد، أو لا يجعل الواحد نصف الاثنين، أو يقول: الاثنان هما واحد، فإن هذا كله من هذا النمط، وهو رفع التعدد في الأشياء المتعددة وجعلها شيئًا واحدًا في

стр. 697

الوجود الخارجي بالعين لا بالنوع، وهؤلاء ينكرون على من يقول: إن الكلام الذي تكلم الله به والذي يقرؤه العباد، والقرآن الذي يقرؤه زيد هو القرآن الذي يقرؤه عمرو، ويقولون: بل هما حقيقتان متباينتان (١). ومن المعلوم أن هناك قدرًا مشتركًا متحدًا (٢) بالعين في الوجود الخارجي (٣) وبينهما من الاتحاد الشرعي واتباع أحدهما للآخر [ما] (٤) ليس بين هذه الحقائق البعيدة من الاشتراك إلا في الجنس العام الذي لا وجود له في الخارج عامًّا فضلًا عن أن يكون واحدًا بالعين، وما هناك من التعدد فأحدهما تابع للآخر فهما متحدان من وجه متغايران من وجه، ولا ينكرون على أنفسهم اتحاد الحقائق المتنوعة، وهذا (٥) قول يعلم فساده بالضرورة كل عاقل، ولم يوافق على إطلاق القول بذلك أحد، وهناك اتفق الخلائق على أن يشيروا إلى ما يسمعونه من المبلغين، ويقولون: هذا كلام المبلغ عنه، فهذا المتفق عليه بين العباد الذي تطمئن إليه القلوب وجاءت بإطلاقه النصوص أنكروه، وذاك الذي ابتدعوه فلم يطلقه نص ولا قاله إمام ولا تصوره أحد إلا علم فساده بالبديهة قالوه، وجعلوه أصل (٦) الدين. الوجه الثالث والثلاثون: أن يقال لهم: إذا جاز أن تجعلوا هذه الحقائق المختلفة حقيقة واحدة سواء قلتم بثبوت الحال أو نفيه، وأن كونها أمرًا ونهيًا وخبرًا، أو أمرًا بكذا ونهيًا عن كذا إنما هي أمور نسبية لها كتسمية المعنى الذي في

стр. 698

النفس عربيًّا وعجميًّا، ولهذا تنازع ابن كلاب والأشعري (١) في هذه التسمية بالأمر والنهي والخطاب هل هي حادثة عند حدوث المخاطب كما يقوله ابن كلاب أو قديمة كما يقوله الأشعري؟. فيقال لكم: هذا بعينه يقال لهم في الصفات من العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر فهلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه الخصائص عوارض نسبه لها؟ بل جعل السمع والبصر بمعنى علم خاص أقرب إلى المعقول من جعل حقيقة معنى كل خبر حقيقة معنى كل أمر وحقائق معاني الأخبار شيء واحد، وهم قد ذكروا هذه المسألة فقال الرازي (٢): الفصل الثالث (٣) في أنه لا يجوز أن يكون الله موصوفًا بصفة واحدة

стр. 699

تفيد فائدة الصفات المختلفة السبعة قال (١): اعلم أن فساد ذلك على القول ينفي الحال (٢) معلوم بالضرورة على ما قررناه [يعني على ما قرره في مسألة الكلام أنه يمتنع أن يكون الطلب هو الخبر] (٣). قال: قال (٤): وأما على القول بالحال، فالقاضي أبو بكر (٥) عول في إبطال هذا الاجتماع (٦) على الإجماع، وهو أن القائل قائلان: منهم من أثبتها، ومنهم من نفاها، وكل من أثبتها قال إنها صفات متعددة، فالقول بأنها صفة واحدة يكون خرقًا (٧) للإجماع. قلت: وهذه الحجة وإن كانت صحيحة فلا يمكن طردها في الكلام، فإنه لا إجماع على أنه معنى واحد. الوجه الرابع والثلاثون: أن هؤلاء يجعلون حقيقة معنى ما أخبر الله به عن نفسه هو حقيقة معنى ما أخبر به (٨) عن الجن والجحيم، ومن المعلوم أن معاني الكلام تتبع الحقائق الخارجة وتطابقها، فمعنى الخبر عن الملائكة والجن (٩)

стр. 700

يطابق ذلك، ومعنى الخبر عن الجنة (١) والنار يطابق ذلك فإذا كان معنى هذا الخبر هو حقيقة معنى هذا الخبر وكلاهما مطابق لمخبره لزم أن يكون هذا المخبر هو هذا المخبر، فيلزم أن تكون الحقائق الموجودة كلها شيئًا واحدًا، فتكون الجنة هي النار والملائكة هم الشياطين، والموجود هو المعدوم، والثبوت هو الانتفاء، وفي ذلك من اجتماع النقيضين ما لا يحصى. وهذا لازم لقولهم لا محيد عنه، فإن الخبر الصادق الحكم الذهني، والحكم الذهني يطابق الحقيقة الموجودة، وكل أخبار الله صادقة، فإذا كانت جميعها حقيقة واحدة ليس فيها تغاير -أصلًا- وذلك هو الحكم الذهني -لزم أن يكون هذه الحقيقة مطابقة للوجود الخارجي، بخلاف الخبر الكذب، فإنه لا يجب مطابقته (٢) للوجود الخارجي، والحكم الواحد الذهني الذي لا تغاير فيه بوجه من الوجوه إذا طابق المحكوم به لزم أن يكون المحكوم به كذلك، وإلا لم يكن مطابقًا، وكذلك فإن الله أمر بالإيمان والصلاة والزكاة، ونهى عن الكفر والكذب والظلم، فإذا كانت (٣) حقيقة الأمر هي حقيقة النهي وإنما لها نسبة إلى الأفعال فقط لم يكن فرق بين المأمور به والمنهي عنه [بل إذا قيل: إن المنهي عنه مأمور به والمأمور به منهي عنه] (٤) لم يمتنع ذلك، إذا (٥) كانت الحقيقة واحدة وإنما اختلف التعليق، والتعلق ليس له حقيقة يمنع الاختلاف، بل يمكن فرض تعلقه أمرًا كتعلقه نهيًا مع أن الحقيقة باقية،

стр. 701

فيمكن على هذا تقدير المأمور به منهيًا عنه وبالعكس، ولم يتغير شيء من الحقائق. الوجه الخامس والثلاثون (١): أنهم قد ذكروا حجتهم على ذلك، وإذا تدبرها الإنسان علم فسادها وبناءها على أصل فاسد وتناقضهم فيها. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك (٢): "أمره سبحانه للمؤمنين (٣) بالإيمان، هو نهيه عن الكفر، وأمره بالصلاة إلى بيت المقدس في وقت بعينه، هو نهيه عن الصلاة إليه في وقت غيره. قال (٤): وكذلك نقول (٥): إن مدحه للمؤمنين على إيمانه (٦) بكلامه الذي هو ذم للكافرين، ولا نجيز (٧) القول بتغاير كلامه واختلاف أنواعه، بل نقول فيه كما نقول في علمه وقدرته وسمعه وبصره، فنقول: إن علمه بوجود الموجود هو علمه بعدمه إذا عدم، وقدرته عليه قبل أن يوجده هي مقدرته عليه في حال إيجاده، ولا يقال: إنها قدرة عليه في حال بقائه، ورؤيته لآدم وهو في الجنة هي رؤيته له وهو في الدنيا،

стр. 702

وسمعه لكلام زيد هو سمعه لكلام عمرو من غير تغير واختلاف في شيء من أوصافه ونعوته لذاته". وقال (١): "فإن قيل: كيف يعقل كلام واحد يجمع أوصافًا (٢) مختلفة حتى يكون أمرًا نهيًا خبرًا استخبارًا، ووعدًا ووعيدًا؟. قيل: يعقل ذلك بالدليل الموجب لقدمه، المانع من كونه متغايرًا مختلفًا على خلاف كلام المحدثين، كما يعقل متكلم هو شيء واحد ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا آلات، والذي أوجب كونه كذلك قدمه، ووجب (٣) مخالفته للمتكلمين المحدثين، وإن كان لا يعقل (٤) متكلم هو (٥) شيء واحد لا ينقسم ولا يتجزأ في المحدثات". فيقال له: ليس هذا (٦) جوابًا عن السؤال، فإن السائل قال: كيف يعقل أن يكون الواحد الذي لا اختلاف فيه مختلفًا؛ فإن هذا مثل قول النصارى هو جوهر واحد هو ثلاثة جواهر، وما ذكره إنما هو إقامة الدليل على ثبوت ما ادعاه ليس جوابًا عن المعارضة، وهذه عادة ابن فورك وأصحابه، فإنه لما نوظر (٧) قدام محمود بن

стр. 703

سبكتكين (١) أمير المشرق فقيل له: لو وصف المعدوم لم يوصف إلا بما وصفت به الرب من كونه لا داخل العالم ولا خارجه، كتب إلى أبي إسحاق الإسفرائيني في ذلك، ولم يكن جوابهما إلَّا أنه لو كان خارج العالم (٢) للزم أن يكون جسمًا. فأجابوا لمن عارضهم بضرورة العقل بدعوى الحجة. [قلت] (٣) فنظره (٤) كذلك في هذا المقام، فإن كون الواحد الذي لا اختلاف فيه ولا تعدد ولا تغاير أصلًا يكون أشياء مختلفة هو جمع بين النقيضين، وذلك معلوم الفساد ببديهة العقل [فإذا قيل للشخص: هذا الكلام معلوم الفساد ببديهة العقل] (٥) هل يكون جوابه أن يقيم دليلًا على صحته؟ بل يبين أنه لا يخالف بديهة العقل وضرورته، وهو لم يفعل ذلك

стр. 704

ولا يمكن أحد (١) أن يفعل ذلك بحق، فإن البديهيات (٢) لا تكون باطلة، بل القدح فيها سفسطة، وهم دائمًا ينكرون على غيرهم من (٣) يخالف (٤) ما هو دون هذا، كما سننبه على بعضه. الوجه السادس والثلاثون: أن يقال: إما أن يكون (٥) أقمت دليلًا على كونه قديمًا واحدًا ليس بمتغاير ولا مختلف أولم تقم، فإن لم تقم بطل ذلك ذلك، وإن أقمت دليلًا فلا ريب أنه نظري إذ ليس من الأمور البديهية (٦) الضرورية، والعلم بأن الواحد الذي ليس فيه تغاير ولا اختلاف لا يكون حقائق مختلفة ولا موصوفًا بأوصاف مختلفة أو متضادة هو من العلوم (٧) البديهية (٨) الضرورية، والضروري لا يعارض النظري؛ لأن الضروري أصله فالقدح فيه قدح في أصله [وبطلان أصله] (٩) يوجب بطلانه في نفسه. فعلم أن معارضة الضروري بالنظري يوجب بطلان النظري، وإذا بطل النظري المعارض لهذا الضروري لم يكن البتة دليلًا صحيحًا وهو المطلوب.

стр. 705

الوجه السابع والثلاثون: أن يقال: المانع من ذلك إما قدمه أو شيء آخر، وأنت لم تذكر شيئًا آخر، والقدم لا (١) دليل لك عليه، كما سبق بيانه من أنهم لم يقيموا حجة على كونه قديمًا، كالعلم من كل وجه. الوجه الثامن والثلاثون: هب (٢) أنه قديم، فكونه قديمًا لا يوجب أن يكون صفة واحدة، فإنك تقول: إن صفات الرب من العلم والقدرة والسمع والبصر والحياة وغير ذلك قديمة، ولم يكن قدمها موجبًا لأن تكون هذه الصفة هي هذه الصفة، فمن أين أوجب قدم الأمر أن يكون هو عين النهي (٣) وأن يكون النهي عين الخبر؟ وهلا قلت في أنواع الكلام ما قلته في الصفات كما قاله بعض أصحابك؟ الوجه التاسع والثلاثون: أن المحققين من أصحابك يعلمون أنه (٤) لا دليل على نفي سوى ما علموه من الصفات، فإنه لم يقم على النفي دليل شرعي ولا عقلي، فالنفي بلا دليل قول (٥) بلا علم، وعدم العلم ليس علمًا بالعلم، وعدم الدليل عندنا لا يوجب انتفاء المطلوب الذي يطلب العلم به والدليل
следующие страницы →