← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فيمكن على هذا تقدير المأمور به منهيًا عنه وبالعكس، ولم يتغير شيء من الحقائق. الوجه الخامس والثلاثون (١): أنهم قد ذكروا حجتهم على ذلك، وإذا تدبرها الإنسان علم فسادها وبناءها على أصل فاسد وتناقضهم فيها. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك (٢): "أمره سبحانه للمؤمنين (٣) بالإيمان، هو نهيه عن الكفر، وأمره بالصلاة إلى بيت المقدس في وقت بعينه، هو نهيه عن الصلاة إليه في وقت غيره. قال (٤): وكذلك نقول (٥): إن مدحه للمؤمنين على إيمانه (٦) بكلامه الذي هو ذم للكافرين، ولا نجيز (٧) القول بتغاير كلامه واختلاف أنواعه، بل نقول فيه كما نقول في علمه وقدرته وسمعه وبصره، فنقول: إن علمه بوجود الموجود هو علمه بعدمه إذا عدم، وقدرته عليه قبل أن يوجده هي مقدرته عليه في حال إيجاده، ولا يقال: إنها قدرة عليه في حال بقائه، ورؤيته لآدم وهو في الجنة هي رؤيته له وهو في الدنيا،

стр. 702

وسمعه لكلام زيد هو سمعه لكلام عمرو من غير تغير واختلاف في شيء من أوصافه ونعوته لذاته". وقال (١): "فإن قيل: كيف يعقل كلام واحد يجمع أوصافًا (٢) مختلفة حتى يكون أمرًا نهيًا خبرًا استخبارًا، ووعدًا ووعيدًا؟. قيل: يعقل ذلك بالدليل الموجب لقدمه، المانع من كونه متغايرًا مختلفًا على خلاف كلام المحدثين، كما يعقل متكلم هو شيء واحد ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا آلات، والذي أوجب كونه كذلك قدمه، ووجب (٣) مخالفته للمتكلمين المحدثين، وإن كان لا يعقل (٤) متكلم هو (٥) شيء واحد لا ينقسم ولا يتجزأ في المحدثات". فيقال له: ليس هذا (٦) جوابًا عن السؤال، فإن السائل قال: كيف يعقل أن يكون الواحد الذي لا اختلاف فيه مختلفًا؛ فإن هذا مثل قول النصارى هو جوهر واحد هو ثلاثة جواهر، وما ذكره إنما هو إقامة الدليل على ثبوت ما ادعاه ليس جوابًا عن المعارضة، وهذه عادة ابن فورك وأصحابه، فإنه لما نوظر (٧) قدام محمود بن

стр. 703

سبكتكين (١) أمير المشرق فقيل له: لو وصف المعدوم لم يوصف إلا بما وصفت به الرب من كونه لا داخل العالم ولا خارجه، كتب إلى أبي إسحاق الإسفرائيني في ذلك، ولم يكن جوابهما إلَّا أنه لو كان خارج العالم (٢) للزم أن يكون جسمًا. فأجابوا لمن عارضهم بضرورة العقل بدعوى الحجة. [قلت] (٣) فنظره (٤) كذلك في هذا المقام، فإن كون الواحد الذي لا اختلاف فيه ولا تعدد ولا تغاير أصلًا يكون أشياء مختلفة هو جمع بين النقيضين، وذلك معلوم الفساد ببديهة العقل [فإذا قيل للشخص: هذا الكلام معلوم الفساد ببديهة العقل] (٥) هل يكون جوابه أن يقيم دليلًا على صحته؟ بل يبين أنه لا يخالف بديهة العقل وضرورته، وهو لم يفعل ذلك

стр. 704

ولا يمكن أحد (١) أن يفعل ذلك بحق، فإن البديهيات (٢) لا تكون باطلة، بل القدح فيها سفسطة، وهم دائمًا ينكرون على غيرهم من (٣) يخالف (٤) ما هو دون هذا، كما سننبه على بعضه. الوجه السادس والثلاثون: أن يقال: إما أن يكون (٥) أقمت دليلًا على كونه قديمًا واحدًا ليس بمتغاير ولا مختلف أولم تقم، فإن لم تقم بطل ذلك ذلك، وإن أقمت دليلًا فلا ريب أنه نظري إذ ليس من الأمور البديهية (٦) الضرورية، والعلم بأن الواحد الذي ليس فيه تغاير ولا اختلاف لا يكون حقائق مختلفة ولا موصوفًا بأوصاف مختلفة أو متضادة هو من العلوم (٧) البديهية (٨) الضرورية، والضروري لا يعارض النظري؛ لأن الضروري أصله فالقدح فيه قدح في أصله [وبطلان أصله] (٩) يوجب بطلانه في نفسه. فعلم أن معارضة الضروري بالنظري يوجب بطلان النظري، وإذا بطل النظري المعارض لهذا الضروري لم يكن البتة دليلًا صحيحًا وهو المطلوب.

стр. 705

الوجه السابع والثلاثون: أن يقال: المانع من ذلك إما قدمه أو شيء آخر، وأنت لم تذكر شيئًا آخر، والقدم لا (١) دليل لك عليه، كما سبق بيانه من أنهم لم يقيموا حجة على كونه قديمًا، كالعلم من كل وجه. الوجه الثامن والثلاثون: هب (٢) أنه قديم، فكونه قديمًا لا يوجب أن يكون صفة واحدة، فإنك تقول: إن صفات الرب من العلم والقدرة والسمع والبصر والحياة وغير ذلك قديمة، ولم يكن قدمها موجبًا لأن تكون هذه الصفة هي هذه الصفة، فمن أين أوجب قدم الأمر أن يكون هو عين النهي (٣) وأن يكون النهي عين الخبر؟ وهلا قلت في أنواع الكلام ما قلته في الصفات كما قاله بعض أصحابك؟ الوجه التاسع والثلاثون: أن المحققين من أصحابك يعلمون أنه (٤) لا دليل على نفي سوى ما علموه من الصفات، فإنه لم يقم على النفي دليل شرعي ولا عقلي، فالنفي بلا دليل قول (٥) بلا علم، وعدم العلم ليس علمًا بالعلم، وعدم الدليل عندنا لا يوجب انتفاء المطلوب الذي يطلب العلم به والدليل

стр. 706

عليه، وهذا من أظهر البديهيات (١)، وإذا كان كذلك فمن أين لك أن الكلام لا يكون صفات كثيرة؟ ولم أوجبت أن يكون واحدًا أو معدودًا بعدد معين؟ فإن ما ذكرت من قدمه لا يمنع تعدده إذ (٢) الصفات عندك متعددة وقديمة، والمعلوم أن القديم هو إله واحد، أما أنه ليس له صفة قديمة فهذا باطل بالضرورة لامتناع وجود لا صفة له، كما هو مقرر في غير هذا الموضع، وهم يسلمون ذلك، وإن لم يسلموا بطل قولهم في مسألة الكلام بالكلية. الوجه الأربعون: أن قولك يعقل ذلك بالدليل الموجب لقدمه المانع من كونه متغايرًا مختلفًا. يقال لك: الدليل على قدمه لا يوجب كونه معنى واحدًا (٣)، كما تقدم وإذا لم يوجب كونه معنى واحدًا (٣) لم يوجب أن يكون الأمر هو النهي وهو الخبر وهو الاستخبار. وقولك (٤) بعد هذا: بالدليل المانع من كونه متغايرًا مختلفًا. يقال لك: إذا لم تقدم الدليل على [أن] (٥) هذا هو هذا، بل علم أن هذا ليس هو هذا، فيقال فيه ما يقال في السمع والبصر وإن اشتركا في مسمى الإدراك فليس أحدهما هو الآخر، ثم هل يقال: أحدهما غير الآخر، أو مخالف (٦) له؟ أو يقال: ليس بغير له ولا مخالف (٦) له، أو

стр. 707

لا يقال: لا هذا ولا هذا، أو يقال: هذا باعتبار، وهذا باعتبار (١). هذه منازعات لفظية بين الناس وكل قول يختاره فريق، والمنازعات في الألفاظ التي لم ترد بها الشريعة لا حاجة بنا إليها، بل المقصود المعنى، نعم إذا كان اللفظ شرعيًّا كنا مأمورين بحفظ حده، كما قال تعافي: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٢)، وإذا كان الأمر كذلك علم أن قولك بالدليل الموجب لقدمه المانع من كونه متغايرًا مختلفًا دعوى مجردة لا حقيقة لها. الوجه الحادي والأربعون: أن قولك: على خلاف [كلام] (٣) المحدثين. يقال لك: كونه على خلاف كلام المحدثين لا يسوغ ما يعلم بالعقل امتناعه كاجتماع النقيضين، وكون الواحد الذي لا تغاير فيه ولا اختلاف حقائق مختلفة معلوم الفساد ببديهة العقل، وكون (٤) صفة الله على خلاف صفة المخلوقين لا يسوغ هذا الممتنع. الوجه الثاني والأربعون: أن قولك: على خلاف كلام المحدثين: إن عنيت به أن حقيقة كلام الله ليست (٥) كحقيقة كلام المخلوقين كما أنه هو كذلك وسائر صفاته كذلك فهذا حق، لكن لا يفيدك، فإن كونه كذلك لا يوجب أن يثبت ما يعلم بالعقل انتفاؤه، فإن ما يعلم بالعقل انتفاؤه لا يثبت شاهدًا ولا غائبًا، وكون الواحد الذي لا تغاير فيه

стр. 708

ولا اختلاف [هو حقائق] (١) مختلفة معلوم الفساد بالعقل، فلا يثبت لله ولا لغيره. وإن عنيت بقولك على خلاف كلام المحدثين شيئًا غير ذلك، وهو أن كونه معنى قائمًا بالنفس، أو كونه ليس بحرف ولا صوت هو مخالف في ذلك لكلام المحدثين، فليس الأمر عندك كذلك، فإن القديم والمحدث يشتركان في هذا الوصف عندك. وإن عنيت أنه واحد وكلام المخلوقين ليس بواحد، فيقال: هذا هو محل النزاع فما الدليل على أنه مخالف لكلام المحدثين من هذا الوجه يقرر ذلك. الوجه الثالث والأربعون: وهو أن الكلام والعلم والقدرة وسائر الصفات يجمع (٢) هؤلاء وغيرهم (٣) بينها وبين الصفات المخلوقة من وجه ويفرقون بينها من وجه، كما يجمع بين الوجود القديم الواجب القائم بنفسه الخالق، وبين الوجود الممكن المخلوق من وجه، ويفرق بينهما من وجه، ولهذا يجمعون بين الشاهد والغائب بالحد والدليل والعلة والشرط، فيقولون: حد العالم من قام به العلم، والحقائق لا تختلف شاهدًا ولا غائبًا، والعلم والقدرة مشروطان (٤) بالحياة في الشاهد والغائب، والأحكام دليل على العلم في الشاهد والغائب ويقول (٥) من يثبت الأحوال منهم (٦): العلم موجب

стр. 709

لكون العالم عالمًا، وذلك لا يختلف في الشاهد والغائب، وإذا كان الأمر كذلك فمخالفة كلامه لكلام المخلوقين من وجه لا يقتضي أن يكون واحدًا إن لم تبين أن تلك المخالفة موجبة لوحدته، وأنت لم تذكر ذلك ولا سبيل إليه أكثر ما (١) ذكرت أنك قسته على المتكلم، فقلت: يجب أن يكون واحدًا لأن المتكلم واحد، وسنتكلم على ذلك. الوجه الرابع والأربعون: إنك اعتمدت في كون الكلام معنى واحدًا قديمًا على قياسه على المتكلم، فلما قيل لك كيف يعقل كلام [واحد] (٢) يجمع أوصافًا (٣) مختلفة حتى يكون أمرًا نهيًا خبرًا استخبارًا وعدًا ووعيدًا؟. قلت: يعقل ذلك بالدليل الموجب لقدمه المانع من كونه متغايرًا مختلفًا على خلاف كلام المحدثين، كما يعقل متكلم هو شيء واحد ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا آلات، وإن كان لا يعقل متكلم هو شيء واحد لا ينقسم ولا يتجزأ في المحدثات، فقولك: كما يعقل متكلم هو شيء واحد وإن كان لا يعقل متكلم هو شيء واحد في المحدثات، أي: كما يعقل هذا في الموصوف فليعقل في صفته ذلك. فيقال لك: لا يخلو إما أن يكون الدليل الحق قد دل على هذه الوحدة التي أثبتها للمتكلم أو لم يدل عليها، فإن لم يدل عليها كنت قائسًا لدعوى على دعوى بلا حجة، وكانت المطالبة لك واحدة فصارت اثنتين، وإن دل عليها، فيقال لك: وحدة الموصوف علمت بذلك الدليل الدال عليها فمن أين يجب إذا علم أن الموصوف واحد أن يكون

стр. 710

كلامه معنى واحدًا؟ مع أن هذا الموصوف الواحد موصوف عندك وعند عامة المثبتة بصفات متعددة، فلم يلزم من وجدته في نفسه وحدة صفته، فلم لزم من وجدته وحدة كلامه بلا حجة؟ الوجه الخامس والأربعون: أن ما ذكرته في هذا الجواب إما أن تذكره (١) لإثبات كون الكلام معنى واحدًا أو لإمكان أن المعنى الواحد يكون حقائق مختلفة قياسًا على الموصوف [فإن كان لإثبات الأول فليس ذلك بحجة أصلًا إذ مجرد كون الموصوف] (٢) واحدًا (٣) لا يقوم أن يكون (٤) صفته معنى واحدًا، وهذا معلوم بالضرورة والاتفاق، وهو يسلم ذلك، وأيضًا فإن هذه الحقيقة لا تفيد إمكان ذلك -كما سنبينه- فإنه لا (٥) يفيد ثبوت ذلك، ووجوده أولى وأحرى، وإن كان ذكره (٦) لبيان إمكان ذلك، فيقال لك: ليس كل ما أمكن في الموصوف أمكن في الصفة، ولا كل ما يمتنع في الصفة - يمتنع في الموصوف وهذا معلوم، فإن لم يبين أنه يلزم من كون الموصوف واحدًا بهذه الوحدة التي أثبتها أن تكون صفته يمكن فيها ما أثبته لم يكن ما ذكرته كلامًا مفيدًا ولا قولًا سديدًا. الوجه السادس والأربعون: أن يقال لك: قياسك الوحدة التي أثبتها للكلام على الوحدة التي أثبتها للمتكلم قياس للشيء على ضده لا على نظيره، وذلك أنك جعلت

стр. 711

الكلام معنى واحدًا، وهذا المعنى الواحد هو حقائق مختلفة هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، لم تقل: إن الأمر والنهي والخبر والاستخبار صفات قائمة بالكلام كالصفات القائمة بالمتكلم، ولا يمكنك أن تقول ذلك؛ لأن الصفة لا تقوم بالصفة بل هما جميعًا يقومان بالموصوف، فلو قلت ذلك لكان الأمر والنهي والخبر صفات مختلفة قائمة بالله وذلك الذي فررت (١) منه، ولكن هذا يناسب قول من قال: الكلام صفات، والرب الواحد لم تقل (٢): إنه في نفسه شيئان، بل قلت: إنه ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، فكان نظير هذا أن تقول الكلام ليس بذي أبعاض ولا أجزاء وليس هو مع ذلك حقائق مختلفة، فليس هو في نفسه أمرًا ولا خبرًا ولا استخبارًا كما تقول مثل ذلك في (٣) الموصوف، ولعل هذا هو الذي لحظه ابن كلاب إذ كان أقدم وأحذق من الأشعري، حيث لم يصف الكلام في الأزل بأنه أمر ونهي وخبر واستخبار، وجعل ذلك أمورًا نسبية تعرض (٤) له، وهذا أقرب إلى المعقول وطرد أصولهم في قول الأشعري وأن هذا باطل، فأما أن يكون الموصوف عندك واحدًا بمعنى أنه ليس بذي أبعاض، وليس هو عندك حقائق مختلفة بل موصوفًا بصفات، ثم تقول (٥): الكلام هو معنى واحد ليس بذي أبعاض وهو حقائق مختلفة أمر

стр. 712

ونهي، وتقول: هو في ذلك مثل الموصوف فهذا من فساد القياس والتلبيس على الناس. الوجه السابع والأربعون: أن يقال كون الشيء الواحد ليس بذي أبعاض إما أن يكون معقولًا أو لا يكون ، فإن لم يكن معقولًا بطل كلامك، وإن كان معقولًا لزم أن يعقل صفة ليست بذات أبعاض فإن ما لا يتبعض يقوم به (١) ما لا يتبعض، أما أن يعقل شيء واحد هو بعينه حقائق مختلفة؛ لأنه عقل شيء واحد لا يتبعض فهذا لا يلزم، وغاية ما يقوله أن يقول: الأمر والنهي والخبر إما أن يكون (٢) أقسام الكلام وأبعاضه أو لا يكون (٣)، فإذا لم يكن (٣) أقسامه وأبعاضه صح مذهبنا (٤)، ونحن غرضنا أن نثبت أنها ليست أقسامه وأبعاضه؛ لأن الموصوف ليس بمتبعض ولا منقسم، فيكون صفته (٥) ليست متبعضة ولا منقسمة. فيقال له: لم تقم حجة على أنها ليست أبعاضه وأقسامه [و] (٦) غاية ما ذكرت إنما يفيد أنه إذا كان الموصوف غير متبعض عقل في صفته أنها غير متبعضة، ولم تبين أن هذا يفيد مطلوبك، وهو لا يفيده؛ لأنه لم يثبت أنه واحد، وليس تبعض الكلام كتبعض الموصوف -كما سنبينه إن شاء الله- ثم إن تبعض الصفة إنما يواد به تعددها وهذا ممكن عندك،

стр. 713

[فهذه ثلاثة أوجه (١) نبهنا عليها وهي مبسوطة في سائر الوجوه] (٢). الوجه الثامن والأربعون: أن كون القديم عندهم ليس بمنقسم ولا متبعض معناه أنه شيء واحد في الخارج ليس بذي أبعاض ولا (٣) بمنقسم قسمة الكل إلى أجزائه كانقسام الإنسان إلى أبعاضه وأعضائه، وإن كان هو -سبحانه -أيضًا- ليس بجنس كلي ينقسم إلى أنواعه، و معنى كون الكلام ليس بمنقسم يراد به شيئان: أحدهما: أنه ليس بذي أجزاء وأبعاض. والثاني: أنه ليس من الكليات التي تنقسم إلى أنواعها وأشخاصها، كانقسام جنس الإنسان إلى أنواعه، وانقسام جنس الموجود [إلى القديم والمحدث، وكذلك جنس العلم والكلام وغيرهما] (٤) إلى القديم والمحدث. وهذه القسمة والتبعيض ليست هذه بوجه من الوجوه في العالم، فإن هذا نفي للقسمة عن شيء واحد موجود في الخارج، وذاك نفي للقسمة عن كلي لا يوجد في الخارج كليا بحال، فإنه ليس في الخارج إنسان كلي ينقسم [ولا وجود كلي (٥) ينقسم، ولا علم أو كلام كلي ينقسم، ومن المعلوم أنه لم يقصد نفي هذا، وإن قصد، (٦) نفيه فهذا مما لا ينازعه فيه عاقل لا في كلام المخلوق ولا في كلام الخالق، فليس في

стр. 714

الوجود الخارجي كلام كلي هو بعينه ينقسم إلى أمر ونهي، بل إن كان أمرًا لم يكن نهيًا وإن كان نهيًا لم يكن أمرًا، ولهذا يجب في الكلي المقسوم أن يقال اسمه على أنواعه وأقسامه، فيسمى كل واحد من أفراد الإنسان إنسانًا، وكل واحد من آحاد الكلام كلامًا، وكل واحد من آحاد العلوم أنه علم، وهذا الفرق هو الفرق الذي يذكره الناس لمتعلم العربية في أول التعليم، فيقولون: من قال: الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف فإنه يريد قسمة الكل إلى أجزائه وأبعاضه، وأما من أراد تقسيم الجنس فإنه يقول: الكلمة تنقسم إلى اسم أو (١) فعل أو (٢) حرف، فإن الجنس إذا قسم إلى أنواعه أو أشخاص (٣) أنواعه، أو النوع إذا قسم إلى أشخاصه كان اسم المقسوم صادقًا على الأنواع والأشخاص وإلا فليست بأقسام له، وسواء أراد (٤) ذلك أو لم يرده، فأي نوعي القسمة أراد فإن في كل واحد من نوعيها لا يكون هذا القسم هو هذا القسم [ولم يقل أحد من العقلاء أنه يمكن أن يكون هذا القسم هو هذا القسم] (٥) فلا يقول أحد: إن الكلام الكلي المنقسم إلى أمر ونهي، الأمر فيه هو النهي، ولا أن الكلام الموجود المعين المنقسم إلى أبعاض كالأمر والنهي أو الاسم والفعل والحرف يكون الأمر فيه هو النهي أو (٦) الاسم فيه هو الحرف، فأيهم اختاروه من القسمين كان قولهم مخالفًا للبديهة المتفق عليها بين العقلاء.

стр. 715

الوجه التاسع والأربعون: أن حقيقة قولهم: نفي القسمين جميعًا عن كلام الله، فإن المعقول في الكلام سواء قدر كليًّا، أو موجودًا معينًا أن منه ما هو أمر ومنه ما هو خبر، فإذا أريد قسمة الكل قيل (١): الكلام والقول ينقسم إلى الأمر والنهي، فيكون الأمر موجودًا والنهي موجودًا، وكلاهما يقال له: كلام ويقال له: قول، وأما كلام هو بعينه موجود (٢) في الخارج، وهو بعينه أمر ونهي فهذا لا يكون، وإذا أريد قسمة الكلي قيل: هذا الكلام الموجود منه ما هو أمر ومنه ما هو نهي، وهم يقولون كلام الله ليس بعضه أمرًا وبعضه نهيًا ولا بعضه خبرًا، فإن ذلك يقتضي ثبوت الأبعاض له ولا بعض له، ولا هو -أيضًا- كليًّا ينقسم إلى الأمر والنهي فإن ذلك يقتضي أن يكون الأمر غير النهي، بل هو عندهم معنى واحد موجود في الموصوف هو الأمر والنهي [والخبر] (٣). وأما الموصوف فإن ظهور انتفاء القسمة الأولى عنه (٤) لا يحتاج إلى بيان، فإنه ليس وجودًا كليًّا ينقسم إلى القديم والمحدث والواجب والممكن والخالق والمخلوق، فإن هذا قول بعدمه -إذ الكلي لا وجود له في الخارج- وقول مع ذلك بأنه يكون خالقًا ويكون مخلوقًا وقديمًا ومحدثًا، أي بعض أنواعه هو الخالق وبعض أنواعه المخلوق، ومعلوم أن الذي هو كذلك ليس هو الخالق القديم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

стр. 716

نعم الزنادقة الاتحادية (١) يقولون: إن الرب هو الوجود وهم على قولين: أحدهما: أنه هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهذا قول القونوي (٢)، فعلى [هذا القول] (٣) ينقسم إلى حيوان ونبات وأرواح وأجسام، لكن لا ينقسم إلى واجب وممكن وخالق ومخلوق، بل الوجود الكلي المطلق هو الواجب الخالق، وهذا قول بتعطيل الصانع وجحوده سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ولا يقول: عاقل إنه (٤) الوجود المطلق الثابت للواجب المتميز بنفسه عن الممكن فإن هذا إنما قاله لكونه لا يثبت الواجب متميزًا عن الممكن بنفسه، فإذا لزمه ثبوت واجب متميز لزم تناقضه ومع هذا فهم من أكثر الخلق تناقضًا، وهم مخلطون تخليطًا عظيمًا مع اشتراكهم فيما هم فيه من أظلم الخلق من

стр. 717

الشرك بالله والتعطيل فلا يبعد على بعضهم أن يقول ذلك لا سيما إذا فرقوا بين تجليه الذاتي وتجليه الأسمائي (١)، فقد يقولون: التجلي الذاتي هو الواجب، والأسمائي هو الممكن، ويقولون، هو الوجود المطلق المقول على الواجب والممكن. والقول الثاني: يقولون (٢) هو نفس الوجود وإن الموجودات أبعاضه وأجزاؤه لا أنواعه، وهؤلاء جعلوه موجودًا لكن جعلوه هو المخلوقات بعينها والأولون لم يجعلوه موجودًا في الخارج لكن جعلوه المطلق الذي يوجد في الخارج معينًا لا مطلقًا، ثم مع هذا (٣) هل للممكنات (٤) أعيان ثابتة في العلم سوى وجوده أم هو عين الممكنات (٥)؟ على قولين: والأول قول صاحب المنصوص (٦) منهم، والثاني قول أتباعه كالقونوي والتلمساني (٧) وغيرهما، لكن قول هؤلاء وإن أضل طوائف من أذكياء

стр. 718

الناس وعبادهم، ووقع تعظيمهم في نفوس طوائف كثيرة من العلماء والعباد والملوك تقليدًا وتعظيمًا لقولهم من غير فهم لقولهم. فكل مسلم بل كل عاقل إذا فهم قولهم حقيقة، علم أن القوم جاحدون للصانع مكذبون بالرسل والشرائع مفسدون للعقل والدين [و] (١) ليس الغرض هنا (٢) الكلام فيهم فإن الأشعرية لا تقول بهذا -وحاشاها من هذا- بل هم من أعظم الناس تكفيرًا ومحاربة لمن هو أمثل من هؤلاء، وإنما هؤلاء من جنس القرامطة والباطنية. ومن قال من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن الفلاسفة: ليس بمنقسم فإن هذا المعنى هو أظهر فسادًا عندهم من أن يكون هو مرادهم، بل يريدون أنه موجود في الخارج متميز بنفسه، وأنه مع ذلك ليس له أجزاء وأبعاض، وقد يقول نفاة الصفات من الفلاسفة وغيرهم كابن سينا وغيره: إن واجب الوجود ليس له أجزاء، لا (٣) أجزاء حد ولا أجزاءَ كَمٍّ ومراده بذلك أنه ليس له صفة كالعلم والقدرة، ولا بعض كالجسم (٤)، وهو يقول: إنه موجود متميز عن الممكنات، ولكن يقول

стр. 719

هو وغيره -من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم من الأشعرية- فيه ما يوجب أن يلزمهم قول أولئك الاتحادية، فإنه يقول: هو الوجود المطلق، ويصفونه (١) بالصفات السلبية التي لا تنطبق إلّا على المعدوم كالوجود المطلق الكلي الذي لا جود له في الخارج، لكن لازم قول الناس ليس هو نفس قولهم الذي قصدوه. و تحقيق الأمر: أن هؤلاء يجمعون بين إثبات الباري ونفيه وبين الإقرار به وإنكاره ، ولا يقرون بأنه وجود المخلوقات، وأما أولئك الاتحادية فمع تناقضهم صرحوا بأنه وجود المخلوقات. والمقصود هنا: أن الباري تعالى وإن كانت هذه القسمة والتبعيض منتفية عنه، فقولهم: إنه واحد ليس بذي أبعاض معناه عندهم أنه واحد متميز عن غيره موجود لا بعض له، وإذا كان كذلك [كان كلامه معنىً واحدًا] (٢) ومن أصلهم أن كلام الله شيء موجود قائم بالمتكلم لا يتبعض ولا ينقسم، أي ليس منه ما هو أمر ومنه ما هو نهي، ومنه ما هو خبر بحيث يكون ليس هذا هو هذا، بل الذي هو الأمر هو (٣) النهي وهو الخبر، والباري عندهم شيء واحد، أي: ليس بجسم ذي أبعاض، واحد هذين النوعين ليس من جنس الآخر؛ لأنه إنما يصلح أن يستدل (٤) بنفي هذا التبعيض أن (٥) لو كان بعض الكلام يقوم ببعض، وبعضه يقوم ببعض آخر، فيقال: يلزم من نفي تبعض الموصوف نفي تبعض الصفة القائمة به، بل إذا قيل: إن الكلام حقائق فكل حقيقة تقوم بالموصوف

стр. 720

قيامًا مطلقًا، كما تقوم به الحياة والعلم والقدرة وغير ذلك قيامًا مطلقًا لكان هذا مقولًا (١) مقبولًا، فعلم أنه وإن عقل متكلم واحد ليس بذي أبعاض وأجزاء فإنه لا يلزم أن يعقل كلام هو معنى واحد هو الأمر والنهي، وأن هذا شيء غير هذا. الوجه الخمسون: أن ما ذكره من كون الموصوف شيئًا واحدًا ليس بذي أبعاض، يصلح أن يحتج به على إمكان أن تكون صفته واحدة ليست بذات أبعاض ولا أجزاء، فإذا قام به علم أو علوم أو قدرة أو قدر أو كلام أو كلمات أو غير ذلك، قيل في كل صفة تقوم به: إنها ليست ذات أجزاء وأبعاض، فإذا قام به أوامر وأخبار كان كل أمر وكل خبر غير متبعض ولا مجتزئ، أما أنه يصلح أن يحتج به أن هذا الصفة هي هذه الصفة، مثل أن يقال: إن الأمر هو الخبر والسمع هو البصر؛ فهذا باطل، ثم يقال: الوجه الحادي والخمسون: إن وجدته إما أن تصحح هذا بأن (٢) يقال: هذه الصفة هي هذه الصفة، أو لا تصحح ذلك، فإن صححته صح أن يقال: السمع هو البصر، وهما جميعًا العلم وهو القدرة وهي الحياة، وإن لم يصح ذلك لم يصح أن يقال: الأمر بالصلاة هو الأمر بالزكاة فضلًا عن أن يقال: الأمر بالصلاة هو الخبر عن سجود الملائكة لآدم. الوجه الثاني والخمسون: أن يقال: ما تعني (٣) بقولك كما يعقل متكلم هو شيء واحد ليس

стр. 721

بذي أبعاض ولا أجزاء ولا آلات؟ أتعني بذلك أنه لا يتفرق ولا ينفصل منه شيء عن شيء، بل هو صمد ؟ أم تعني به أنه لا يتميز منه في العلم شيء من شيء؟. فإن عنيت الأول فهو حق، لكن لا يفيدك ذلك، فإن هذا لا يستلزم أن لا يكون له كلام متعدد. وإن عنيت الثاني قيل لك: لا ريب أنك تسلم أنه يمكن العلم ببعض صفاته دون بعض، كما تعلم قدرته ولا تعلم (١) علمه، وتعلم وجوده ولا تعلم وجوبه، ولا ريب أن المعلوم ليس هو هذا الذي ليس بمعلوم، فهذا إقرار منك بثبوت التبعيض والتجزيء بهذا الاعتبار، ثم العلم إن لم يكن مطابقًا للمعلوم كان جهلًا، فلا بد أن تكون هذه الحقائق متميزة في ذواتها، وهذا صريح فيما أنكرته، ولا بد لكل موجود من مثل هذا، فإنه ما من موجود إلّا ويمكن أن يعلم منه شيء دون شيء وذلك يستلزم ثبوت حقائق ليست هذه هي هذه، وهذا لازم لكل أحد، حتى نفاة الصفات يقرون بثبوت المعاني التي هي هذه، وإن (٢) كان التبعيض (٣) بهذا الاعتبار ثابتًا لم يمكنك إنكار التبعيض مطلقًا، بل علم بالضرورة والاتفاق أن منه شيئًا ليس هو الشيء الآخر. أما الصفاتية فيقرون بذلك لفظًا ومعنى وهو الحق، والكلابية والأشعرية منهم، وأما نفاة الصفات فإنهم -أيضًا- مضطرون إلى الإقرار بذلك، فإن أخذوا يقولون بل هذا هو هذا، كما يقوله المتفلسفة في العاقل والمعقول والعقل (٤) وفي الوجود والوجوب، وكما يقول المعتزلة

стр. 722

كما يقوله أبو الهذيل (١): إن العلم والقدرة هو الله ونحو ذلك، فمن المعلوم أن فساد هذا من أظهر البديهيات (٢) في العقول، ثم إذا التزموا ذلك كان لكل من نازع أن يقول فيما أنكروه كما قالوه فيما أقروا به، فيقول المجسم: أنا أقول إن هذا الجانب هو هذا (٣) الجانب، كما يقوله من يقول مثل ذلك في الجوهر الفرد (٤)، ويقول الصفاتية

стр. 723

[كلهم] (١) نحن نقول: العلم هو القدرة، والقدرة هي السمع والبصر، ويقول الأشعري للمعتزلة: نحن نقول: الأمر هو النهي، ويقول القائلون بالحرف (٢) والصوت نحن نقول: الياء هي السين وأمثال ذلك كثير. وإن قالوا: بل لا نقول (٣) في هذين إن أحدهما هو الآخر ولا غيره، أو هما متغايران باعتبار دون اعتبار أو نحو ذلك، كان القول فيما نوزعوا فيه من التبعيض نظير القول فيما أقروا به، وهذا كلام متين لا انفصال عنه بحال، وقد بسطناه في الكلام على تأسيس الرازي (٤). الوجه الثالث والخمسون: قوله: كما يعقل متكلم هو شيء واحد ليس بذي أبعاض، والذي أوجب كونه كذلك (٥) قدمه.

стр. 724

يقال: لكن من أين في قدمه أن يكون كذلك وأنت لم تذكر ذلك؟ وقد تكلمنا في تلخيص التلبيس (١) على جميع ما احتجوا به في هذا الباب وبينا لكل من له أدنى فهم أن جميع حججهم داحضة، وتكلمنا على طريقهم المشهور الذي أثبتوا به حدوث الأجسام وبينا اتفاق السلف على فسادها، فإنها فاسدة في العقل أيضًا. الوجه الرابع والخمسون: إن حجتهم على إنكار تكلم الله بالحرف نقيض (٢) ما احتجوا به على هذا الكلام النفساني، فيلزمهم أحد الأمرين: إما إنكار ما أثبتوه من الكلام النفساني، أو الإقرار بما أنكروه من التكلم بالحروف. قال (٣) القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب "النقض" (٤) وهو في

стр. 725

أربعين سفرًا، وقد تكلم في مسألة القرآن في ثلاث مجلدات، وتكلم على القائلين بقدم الحروف، وقال (١): "من زعم أن السين (٢) من بسم بعد الباء، والميم بعد السين، والسين الواقعة بعد الباء لا أول (٣) له، فقد خرج عن المعقول إلى جحد الضرورة، فإن من اعترف بوقوع شيء بعد شيء فقد اعترف بأوليته، فإن ادعى أنه لا أول لما له أول (٤) سقطت مكالمته. وأما من زعم أن الرب -سبحانه- تكلم بالحروف دفعة واحدة من غير ترتيب ولا تعاقب فيها، فيقال لهم: الحروف أصوات (٥) مختلفة لا شك في اختلافها، وقد اعترف خصومنا (٦) باختلافها، وزعموا أن لله ضروبًا من الكلام متغايرة مختلفة

стр. 726

على اختلاف اللغات والمقاصد في العبارات، وكل (١) صوتين مختلفين من الأصوات متضادان (٢) يستحيل اجتماعها في المحل الواحد وقتًا واحدًا، كما يستحيل اجتماع كل مختلفين من الألوان. والذي يوضح ذلك ويكشفه: أنا كما نعلم استحالة قيام السواد والبياض بمحل واحد جميعًا [فكذلك نعلم استحالة صوت خفيض وصوت جهوري بمحل (٣) واحد في وقت واحد جميعًا] (٤) وهذا واضح لا خفاء به (٥) والمختلف من الأصوات تتضاد (٦) كما أن (٧) المختلف من الألوان تتضاد (٨)، والرب -سبحانه- واحد ومتصف بالوحدانية (٩) متقدس عن التجزئ والتبعيض (١٠) والتعدد والتركب (١١) والتألف، وإذا تقرر ما قلناه استحال قيام أصوات متضادة بذات موصوفة بحقيقة الوحدانية، وهذا ما لا مخلص لهم منه. فإن تعسف من المقلدين (١٢) متعسف، وأثبت الرب (١٣) -سبحانه- جسمًا مركبًا من أبعاض متألفًا من جوارح نقلنا (١٤) الكلام معه

стр. 727

إلى إبطال التجسيم (١)، وإيضاح تقدس الرب عن التبعيض والتأليف والتركيب (٢) ". فيقال له: هذا (٣) بعينه وارد عليك فيما أثبته من المعنى (٤) القائم بالذات، فإن الذي نعلمه (٥) بالضرورة في الحروف يعلم (٦) نظيره بالضرورة في المعاني، فالمتكلم منا إذا تكلم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) فهو بالضرورة ينطق بالاسم الأول لفظًا ومعنى قبل (٧) الثاني، فيقال في هذه المعاني نظير ما قاله في الحروف، فيقال من اعترف بأن معنى (٨) الرحمن الرحيم بعد معنى بسم الله وادعى (٩) أن هذا المعنى لا أول (١٠) له فقد خرج عن المعقول إلى جحد (١١) الضرورة. وإن زعم أن الرب تكلم بمعاني الحروف دفعة واحدة من غير تعاقب ولا ترتيب قيل له: معاني الحروف حقائق مختلفة لا شك في اختلافها فإن المعنى القائم بنفس المتكلم المفهوم من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٢) ليس هو المعنى

стр. 728

القائم بالنفس المفهوم من ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ " (١) ولا شك في أن المعنى في صيغ الأمر ليس هو المعنى (٢) في صيغ الإخبار، فإما أن يسلم هذا أو يمنع، فإن سلم كما سلم بعضهم أن الكلام خمس حقائق تكلم معه حينئذ وإن لم يسلم قيل له: العلم باختلاف هذه المعاني ضروري بديهي ليس هو بدون العلم بتعاقب الحروف والمعاني ولا بدون العلم باختلاف الأصوات، بل أصوات المصوت الواحد أقرب تشابهًا من المعاني القديمة بنفسه، وهذا أمر (٣) محسوس، ومن أنكره سقطت مكالمته أبلغ مما تسقط مكالمة ذاك وحينئذ فيقال له: هذه المعاني المختلفة متضادة في حقنا، فإنا نجد من نفوسنا أنها عند تصور معاني كلام لا يمكنها أن تتصور معاني كل كلام، كما نجد من أنفسنا (٤) أنا عند التكلم (٥) بصوت لا يمكننا أن نتكلم بصوت آخر، فإن كان هذا الامتناع لذات المعنيين والصوتين امتنع أن يقوم ذلك بمحل واحد، وإن كان لعجزنا عن ذلك كما نعجز عن استحضار علوم كثيرة لم يجب أن يكون ذلك ممتنعًا في حق الله، ولا ممتنعًا أن يخلق الله في ما شاء من المخلوقات معاني كثيرة مختلفة وأصواتًا كثيرة مختلفة. قوله: وكل صوتين مختلفين من الأصوات متضادان يستحيل اجتماعهما في المحل الواحد وقتًا واحدًا. فيقال له: أما الذي نجده فإنا لا يمكننا أن نجمع بين صوتين في محل واحد وقتًا واحدًا سواء كانا مختلفين أو متماثلين، فليس الامتناع في

стр. 729

ذلك لأجل اختلاف الأصوات، وكذلك لا يمكننا أن نستحضر في قلوبنا المعاني الكثيرة في الوقت الواحد في الزمن الواحد، سواء كانت مختلفة أو متماثلة، وإن قدرنا أن نجمع من المعاني في قلوبنا ما لا نقدر على أن نجمع لفظه من الأصوات، فلا ريب أن القلب أوسع من الجسد لكن لا بد أن يجد كل أحد نفسه يمتنع أن يجتمع فيها معاني كثيرة في وقت واحد، كما يمتنع أن يجمع (١) بين صوتين في محل واحد، وقياس الأصوات بالمعاني وهي مطابقة لها وقوالب (٢) لها أجود من قياسها بالألوان، وما ألزموه في -المعاني من أنها معنى واحد (٣) هو الأمر والنهي والخبر ليس في مخالفته لبديهة العقول بدون أن يقال (٤) يكون حرفًا واحد هو الباء والسين، وإذا لم يقل هذا وهو نظيره، فلا ريب أن القول بجواز اجتماعهما في المحل الواحد أقرب إلى المعقول من كون الأمر هو النهي وهما الخبر، فالقول باجتماع الصفتين المتضادتين في محل واحد أقرب من القول بأن إحداهما الأخرى، ومن قال الكلام هو الأمر والنهي والخبر وأنها كلها مجتمعة قائمة بمحل واحد، فكيف يمتنع أن يقول باجتماع حروفها (٥) في محل واحد. ومما يؤيد هذا أنه على أصل القاضي أبي بكر -وهو فحل الطائفة- أن النسخ رفع الحكم بعينه، وهذا اختيار الغزالي (٦)، وهو قول ابن عقيل

стр. 730

وغيره من المحققين (١)، فيكون -سبحانه- قد أمر بشيء ونهى عن نفس ما أمر به، كما في قصة الذبيح (٢)، والأمر (٣) بالشيء مضاد للنهي عنه في فطر العقول أعظم من مضادة السواد للبياض، فإذا كانوا يلتزمون مثل ذلك

стр. 731

حتى يجعلوا (١) الضدين شيئًا واحدًا، كيف يمنعون اجتماع حرفين أو صوتين (٢) وذلك أقرب إلى المعقول، وهذا الكلام لازم لجماعتهم، فإنهم حكوا عن القائلين بقدم الحروف والأصوات، هل هي متعاقبة أو يتكلم بها دفعة واحدة؟ قولين: كما قال أبو المعالي فيما ذكره أبو عبد الله القرطبي (٣) أن كلام الله منزه عن الأصوات (٤).

стр. 732

الوجه الخامس والخمسون: أن هؤلاء المثبتين للحروف القديمة قالوا ما هو أقرب إلى المعقول من قول أهل المعنى الواحد القديم الذي هو الأمر والخبر، فقالوا: الترتيب والتعاقب نوعان: ترتيب وجودي زماني كترتيب الابن علي الأب واليوم على أمس، ولا ريب أن هذا يمتنع في القديم الأزلي. والثاني: ترتيب ذاتي حقيقي ليس زمانيًّا، كترتيب الصفات على الذات والعلم على الحياة والمعلول على علته المقارنة له، إذا قدر ذلك، فإنا نعقل (١) هنا ترتيبًا وتقدمًا وتأخرًا بالذات دون الوجود والزمان، وهذا كما لو فرض مصحفًا (٢) كتب آخره قبل أوله، فإنه يعلم أن أول السورة متقدم على آخرها بالذات، وإن كان قد كتب بعده. قالوا: والكلام على حروفه ومعانيه مترتب في حق الله بهذا الاعتبار، لا بالترتيب الزماني كما يوجد في قراءة القارئين من ترتيب المعاني والألفاظ جميعًا في الزمان، وهذا الترتيب لا ينافي قدمه. ولا ريب أن ما في هذا من إثبات تعدد المعاني لتعدد الحروف، والحكم عليهما بحكم واحد، وإثبات القدم على هذا الوجه أقرب إلى المعقول من جعل الحقائق المختلفة معنى واحدًا، ثم التفريق بين المعنى والحرف بالتحكيم، فإن هذا فيه جمع بين المختلفين بجعلهما (٣) شيئًا واحدًا، وتفريق بين الشيئين فيما اشتركا فيه.

стр. 733

التسعينية تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٦٦١ هـ - ٧٢٨ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [المجلد الثالث]

стр. 734

الوجه السادس والخمسون: أن نقول: قولكم يستحيل اجتماع الصوتين في المحل الواحد، وأثبتم ذلك شاهدًا وغائبًا. ومن المعلوم أن وحدة الباري عندكم لا تناسب (١) وحدة غيره، وليس هذا (٢) عندكم كوحدة الأجسام، فليس (٣) عندكم في الشاهد ما هو واحد من كل وجه إلا الجوهر الفرد عند من يقول به، فقولكم بعد هذا يستحيل اجتماع الصوتين المختلفين في المحل الواحد وقتًا واحدًا، بهما يستحيل اجتماع اللونين مع أنه لا واحد يفرض (٤) ذلك فيه شاهدًا إلا الجسم، وذلك مستلزم لكون الجسم واحدًا، فيقال: هب أن الجسم لا يقبل اجتماع صوتين مختلفين، كما لا يقبل معنى واحدًا يكون أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا، فهلا قلتم: إن الواحد الذي ليس بجسم يمكن اجتماع أصوات فيه، كما قلتم: إنه يقوم به معنى واحد هو حقائق مختلفة؟ فلما قيل لكم: كيف يعقل هذا؟ قلتم: يعقل ذلك بالدليل الموجب (٥) لقدمه المانع من كونه متغايرًا مختلفًا، كما يعقل متكلم هو شيء واحد ليس بذي أبعاض. ومعلوم أن الأدلة الدالة على قدم الكلام عند التحقيق لا تفرق (٦) بين المعاني والحروف، وإنما فرقتم لمعارض إخراج الحروف عن ذلك،

стр. 735

وهو ما اعتقدتموه من وجوب حدوثها كما ذكرتم هنا، هذا الدليل يلزم أقوى منه في المعاني، فلو قلتم: نعقل حروفًا (١) مجتمعة أو أصواتًا (٢) مجتمعة في محل واحد بالدليل الدال على ذلك، إذ كان ذلك الواحد ليس بذي أبعاض حتى يكون القائم بهذا البعض مغايرًا للقائم بالبعض الآخر، وإذا لم تجب المغايرة فيما قام به، لم يمتنع أن يقوم به الصوت الذي هو بالنسبة إلى غيره أصوات، إذ الاختلاف فرع للتغاير، فما لا تغاير فيه يمتنع الاختلاف فيه، فإذا كان ما يقوم به لا يغاير فأن (٣) لا يختلف أولى وأحرى. ففرض (٤) قيام صوتين مختلفين به والحال هذه يمتنع على ما أصلتموه. الوجه السابع والخمسون: إن اجتماع العلم بالشيء والرؤية له في محل واحد في وقت واحد ممتنع في حقنا ، وكذلك العلم به وسمعه، ومع هذا فقد أثبتم الباري يعلم الموجودات ويراها، والعلم والرؤية قائمان بمحل واحد عندكم، وأيضًا فعند الأشعري، والقاضي وسائر أئمتهم أن الوجه واليدين والصفات قائمة بذات الله التي لا تنقسم، كقيام العلم والسمع والبصر والقدرة. ومن المعلوم أن قيام القدرة واليدين في محل واحد ممتنع عندنا، بل عندنا أن اليدين محل القدرة، فإذا أثبتم يدًا ووجهًا وصفتموهما بذلك، فما المانع من ثبوت حروف وأصوات؟ ويمكنكم أن تقولوا:

стр. 736

إنها ليست من جنس هذه الأعراض القائمة بالمخلوقين، فلا يجب أن يحكم فيها بحكمها. الوجه الثامن والخمسون: أن قوله (١): الرب واحد ومتصف بالواحدانية متقدس عن التجزيء والتبعيض والتعدد والتركيب والتأليف، يستحيل قيام أصوات متضادة بذات موصوفة بحقيقة الواحدانية. يقال له: هذا يلزمك في سائر الصفات فإن الذات التي لا يتميز في العلم منها شيء من شيء يمتنع أن يقوم بها صفات كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، إذ ذلك يوجب من التعدد والتركيب والتأليف والتجزيء والتبعيض نظير ما نفاه، وهو من حجة نفاة الصفات عليه. ولما قال له مخالفه: لا نعقل الحياة والعلم والقدرة يقوم إلا بجسم، ولا نعقل (٢) اليد والوجه إلا بعضًا من جسم. قال: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا، إلا جسمًا أن يكون الغائب كذلك، فألزم مخالفه إثباته لحي عالم قادر في متصف بهذه الوحدة التي وافق خصمه عليها. ومعلوم أن هذا كله في مخالفة صريح العقل سواء، فكونه لا يتميز منه شيء من شيء يأبى أن يكون حيًّا عالمًا قادرًا، إذ هذه الأشياء مستلزمة لمعاني يتميز بعضها عن بعض، بل يأبى ثبوت موجود مطلقًا سواء كان قديمًا أو حادثًا، إذ لا بد للوجود من أمور متميزة فيه، وذلك مستلزم لثبوت ما نفاه، فهذا التوحيد الذي ابتدعوه هو التعطيل المحض وهو تشبيه الباري بالمعدومات.

стр. 737

الوجه التاسع والخمسون: قولك: لأنه مقدس عن التجزيء والتبعيض والتعدد والتركيب والتأليف: يقال: هذه الألفاظ (١) مجملة. فإن أردت المعنى المعروف في اللغة لهذه الألفاظ، مثل أن يريد (٢) أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، ولا يتجزأ فيفارق جزء منه جزءًا كما هو المعقول من التجزيء، ولا يتعدد فيكون إلهين أو ربين أو خالقين، ولم يركب فيؤلف فيجمع بين أبعاضه، كما في قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٣) أو ما يشبه هذه الأمور، فهذا كله ينافي صمدانيته ولكن لا ينافي قيام ما يثبته من الأصوات، كما لا ينافي قيام سائر الصفات. وإن أردت بهذه الألفاظ أنه لا يتميز منه شيء، فهذا باطل بالضرورة وباطل باتفاق العقلاء وهو لازم لمن نفاه لزومًا لا محيد عنه وقد بسطنا هذا بسطًا مستوفى في كتاب بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعتهم الكلامية (٤). وأما قوله: فإن تعسف من المقلدين متعسف وأثبت الرب تعالى جسمًا مركبًا من أبعاض متألفًا من جوارح، نقلنا (٥) الكلام معه إلى إبطال الجسم، وإيضاح تقدس الرب عن التبعيض والتأليف والتركيب.

стр. 738

فيقال له: الكلام في وصف الله بالجسم نفيًا وإثباتًا بدعة لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس بجسم (١). كما لم يقولوا: إن الله جسم (٢)، بل من أطلق أحد اللفظين استفصل (٣) عما أراد بذلك فإن في لفظ الجسم بين الناطقين به نزاعًا كثيرًا (٤). فإن أراد تنزيهه عن معنى يجب تنزيهه عنه، مثل أن ينزهه عن مماثلة المخلوقات فهذا حق، ولاريب أن من جعل الرب جسمًا من جنس المخلوقات فهو من أعظم المبتدعة ضلالًا، دع من يقول منهم: إنه لحم ودم ونحو ذلك من الضلالات المنقولة عنهم. وإن أراد نفي ما ثبت بالنصوص وحقيقة العقل -أيضًا- مما وصف الله ورسوله منه وله، فهذا حق، وإن سمى ذلك تجسميًا (٥)، أو قيل: إن

стр. 739

هذه الصفات لا تكون إلّا لجسم (١)، فما ثبت بالكتاب والسنة أو أجمع عليه سلف الأمة هو (٢) حق، وإذا لزم من ذلك أن يكون هو الذي يعنيه (٣) بعض المتكلمين بلفظ الجسم فلازم الحق حق كيف والمثبتة يقولون (٤) إن ثبوت هذا معلوم بضرورة العقل ونظره وهكذا مثبت لفظ الجسم إن أراد بإثباته ما جاءت به النصوص صوبنا معناه ومنعناه من (٥) الألفاظ [المبتدعة] (٦) المجملة، وإن أراد بلفظ الجسم ما يجب تنزيه الرب عنه من مماثلة المخلوقات رددنا ذلك عليه وبينا ضلاله وإفكه. وأما قوله: نقلنا الكلام معه إلى إبطال التجسيم، فقد ذكرنا أدلة النافين (٧) والمثبتين مستوفاة في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية وتبين لكل من له أدنى فهم أن ما ذكره هؤلاء من أدلة النفي كلها حجج داحضة وأن جانب المثبتة أقوى، وقد (٨) بسطنا الكلام في ذلك (٩) في غير هذا الموضع (١٠). قال أبو عمر (١١) بن عبد البر: "الذي أقول: إنه إذا نظر (١٢) إلى

стр. 740

إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، وسائر (١) المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، علم أن الله لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين وأعلام (٢) النبوة ودلائل الرسالة، لا من قبل حركة ولا سكون (٣)، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه [والتشبيه ونفيه] (٤) لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما (٥) نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان [ذلك] (٦) من علمهبم (٧) مشهورًا، ومن (٨) أخلاقهم معروفًا، لاستفاض عنهم وشهروا (٩) به كما شهروا بالقرآن والروايات (١٠) ". الوجه الستون: أن (١١) قوله: والرب واحد ومتصف بالوحدانية ومتقدس عن التجزيء والتبعيض، وقول ابن فورك: لأن الرب متكلم واحد ونحو ذلك من أقوالهم التي يصفون فيها الرب بأنه واحد ويشعرون الناس أنهم
следующие страницы →