← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

إنها ليست من جنس هذه الأعراض القائمة بالمخلوقين، فلا يجب أن يحكم فيها بحكمها. الوجه الثامن والخمسون: أن قوله (١): الرب واحد ومتصف بالواحدانية متقدس عن التجزيء والتبعيض والتعدد والتركيب والتأليف، يستحيل قيام أصوات متضادة بذات موصوفة بحقيقة الواحدانية. يقال له: هذا يلزمك في سائر الصفات فإن الذات التي لا يتميز في العلم منها شيء من شيء يمتنع أن يقوم بها صفات كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، إذ ذلك يوجب من التعدد والتركيب والتأليف والتجزيء والتبعيض نظير ما نفاه، وهو من حجة نفاة الصفات عليه. ولما قال له مخالفه: لا نعقل الحياة والعلم والقدرة يقوم إلا بجسم، ولا نعقل (٢) اليد والوجه إلا بعضًا من جسم. قال: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا، إلا جسمًا أن يكون الغائب كذلك، فألزم مخالفه إثباته لحي عالم قادر في متصف بهذه الوحدة التي وافق خصمه عليها. ومعلوم أن هذا كله في مخالفة صريح العقل سواء، فكونه لا يتميز منه شيء من شيء يأبى أن يكون حيًّا عالمًا قادرًا، إذ هذه الأشياء مستلزمة لمعاني يتميز بعضها عن بعض، بل يأبى ثبوت موجود مطلقًا سواء كان قديمًا أو حادثًا، إذ لا بد للوجود من أمور متميزة فيه، وذلك مستلزم لثبوت ما نفاه، فهذا التوحيد الذي ابتدعوه هو التعطيل المحض وهو تشبيه الباري بالمعدومات.

стр. 737

الوجه التاسع والخمسون: قولك: لأنه مقدس عن التجزيء والتبعيض والتعدد والتركيب والتأليف: يقال: هذه الألفاظ (١) مجملة. فإن أردت المعنى المعروف في اللغة لهذه الألفاظ، مثل أن يريد (٢) أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، ولا يتجزأ فيفارق جزء منه جزءًا كما هو المعقول من التجزيء، ولا يتعدد فيكون إلهين أو ربين أو خالقين، ولم يركب فيؤلف فيجمع بين أبعاضه، كما في قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٣) أو ما يشبه هذه الأمور، فهذا كله ينافي صمدانيته ولكن لا ينافي قيام ما يثبته من الأصوات، كما لا ينافي قيام سائر الصفات. وإن أردت بهذه الألفاظ أنه لا يتميز منه شيء، فهذا باطل بالضرورة وباطل باتفاق العقلاء وهو لازم لمن نفاه لزومًا لا محيد عنه وقد بسطنا هذا بسطًا مستوفى في كتاب بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعتهم الكلامية (٤). وأما قوله: فإن تعسف من المقلدين متعسف وأثبت الرب تعالى جسمًا مركبًا من أبعاض متألفًا من جوارح، نقلنا (٥) الكلام معه إلى إبطال الجسم، وإيضاح تقدس الرب عن التبعيض والتأليف والتركيب.

стр. 738

فيقال له: الكلام في وصف الله بالجسم نفيًا وإثباتًا بدعة لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس بجسم (١). كما لم يقولوا: إن الله جسم (٢)، بل من أطلق أحد اللفظين استفصل (٣) عما أراد بذلك فإن في لفظ الجسم بين الناطقين به نزاعًا كثيرًا (٤). فإن أراد تنزيهه عن معنى يجب تنزيهه عنه، مثل أن ينزهه عن مماثلة المخلوقات فهذا حق، ولاريب أن من جعل الرب جسمًا من جنس المخلوقات فهو من أعظم المبتدعة ضلالًا، دع من يقول منهم: إنه لحم ودم ونحو ذلك من الضلالات المنقولة عنهم. وإن أراد نفي ما ثبت بالنصوص وحقيقة العقل -أيضًا- مما وصف الله ورسوله منه وله، فهذا حق، وإن سمى ذلك تجسميًا (٥)، أو قيل: إن

стр. 739

هذه الصفات لا تكون إلّا لجسم (١)، فما ثبت بالكتاب والسنة أو أجمع عليه سلف الأمة هو (٢) حق، وإذا لزم من ذلك أن يكون هو الذي يعنيه (٣) بعض المتكلمين بلفظ الجسم فلازم الحق حق كيف والمثبتة يقولون (٤) إن ثبوت هذا معلوم بضرورة العقل ونظره وهكذا مثبت لفظ الجسم إن أراد بإثباته ما جاءت به النصوص صوبنا معناه ومنعناه من (٥) الألفاظ [المبتدعة] (٦) المجملة، وإن أراد بلفظ الجسم ما يجب تنزيه الرب عنه من مماثلة المخلوقات رددنا ذلك عليه وبينا ضلاله وإفكه. وأما قوله: نقلنا الكلام معه إلى إبطال التجسيم، فقد ذكرنا أدلة النافين (٧) والمثبتين مستوفاة في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية وتبين لكل من له أدنى فهم أن ما ذكره هؤلاء من أدلة النفي كلها حجج داحضة وأن جانب المثبتة أقوى، وقد (٨) بسطنا الكلام في ذلك (٩) في غير هذا الموضع (١٠). قال أبو عمر (١١) بن عبد البر: "الذي أقول: إنه إذا نظر (١٢) إلى

стр. 740

إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، وسائر (١) المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، علم أن الله لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين وأعلام (٢) النبوة ودلائل الرسالة، لا من قبل حركة ولا سكون (٣)، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه [والتشبيه ونفيه] (٤) لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما (٥) نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان [ذلك] (٦) من علمهبم (٧) مشهورًا، ومن (٨) أخلاقهم معروفًا، لاستفاض عنهم وشهروا (٩) به كما شهروا بالقرآن والروايات (١٠) ". الوجه الستون: أن (١١) قوله: والرب واحد ومتصف بالوحدانية ومتقدس عن التجزيء والتبعيض، وقول ابن فورك: لأن الرب متكلم واحد ونحو ذلك من أقوالهم التي يصفون فيها الرب بأنه واحد ويشعرون الناس أنهم

стр. 741

بذلك موحدون، وأن من خالفهم في ذلك فقد خالفهم في التوحيد، هي من (١) أعظم أصول أهل الشرك والإلحاد والتي أفسدوا بها التوحيد الذي (٢) بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، وإن كان هذا الأصل المحدث (٣) قد زين لهؤلاء ولغيرهم من أهل القبلة المسلمين وظنوا أنهم بذلك موحدون (٤) ومحسنون حتى سموا أنفسهم بذلك موحدين دون غيرهم ممن هو أحق بتوحيد الله منهم، وحتى كفروا وعادوا المسلمين أهل التوحيد حقًّا، وكانوا على الأمة أضر من الخوارج المارقين الذين يقتلون أهل الإِسلام ويدعون أهل الأوثان، وهؤلاء الكلابية والأشعرية إنما أخذوه عن المعتزلة والجهمية ولم يوافقوهم عليه كله، بل وافقوهم في بعض دون بعض، وهذا هو أصل جهم الذي أسس عليه ضلالته (٥). وهؤلاء يفسرون التوحيد واسم الله الواحد في أصول دينهم بثلاثة معان (٦)، وليس في شيء (٧) منها التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ثم يختلفون في تحقيق تلك المعاني اختلافًا عظيمًا، فيقولون (٨) في اسم الله الواحد، الواحد له ثلاثة (٩) معان:

стр. 742

أحدها (١) الذي لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب، وربما قال بعضهم: هذا تفسير الاسم الأحد، وهذه الوحدانية هي (٢) [التي] (٣) ذكروها هنا. قال أبو المعالي في إرشاده (٤): القول في وحدانية الباري: فصل: في حقيقة الواحد قال أصحابنا: الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم، أو لا يصح انقسامه. قال القاضي أبو بكر: ولو قلت الواحد هو الشيء [كان كافيًا،

стр. 743

ولم يكن فيه تركيب، وفي قول القائل: الشيء، (١) الذي لا ينقسم نوع تركيب. قال أبو المعالي: يقال للقاضي: التركيب المحدود هو أن يأتي الحادُّ بوصف زائد يستغنى عنه، وقد لا يفهم من الشيء المطلق ما يفهم من المقيد، فليس يفهم من الشيء ما يفهم من الواحد الذي لا ينقسم، فإن الوحدة تشعر بانتفاء القسمة عن الشيء [و] (٢) المقصود من التحديد الإيضاح. أجاب القاضي بأن قال: كلامنا في الحقائق، والشيء المطلق هو الواحد الذي لا ينقسم. يقال: قد ذكرنا أن الوحدة تشعر بانتفاء القسمة عن الشيء، فهما أمر أن متلازمان لا بد من التعرض لهما، كما قلنا في الغيرين كل موجودين يجوز مفارقة أحدهما الآخر بوجه (٣). ثم قال أصحابنا (٤): إذا سئلنا عن الواحد، فنقول: هذه اللفظة تردد بين معان، فقد يراد بها الشيء [الذي] (٥) لا يقبل وجوده القسمة وقد يطلق والمراد به نفي الإشكال والنظائر عنه، وقد يطلب والمراد به أنه لا ملجأ ولا ملاذ سواه، وهذه المعاني متحققة في وصف القديم سبحانه.

стр. 744

وقال أبو بكر بن فورك: إنه -سبحانه- واحد في ذاته لا قسيم (١) له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. قال شارح الإرشاد أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني: "وحكي عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال: الواحد هو الذي لا يقبل الرفع والوضع: يعني الفصل والوصل. أشار (٢) إلى وحدة الإله فإن الجوهر واحد لا ينقسم ولكن يقبل النهاية، والإله -سبحانه- واحد على الحقيقة فلا يقبل فصلًا ولا وصلًا، ونحن قد أقمنا الدلالة في مسألة نفي التجسم على نفي الأقسام، وأقمنا الدلالة على نفي المثل، وبقي علينا الدلالة على نفي الشريك. قلت: أما نفي المثل عن الله ونفي الشريك فثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، لكن قد يدخل طوائف من المتكلمين في ذلك ما لم يدل عليه الكتاب والسنة، بل ينفيانه (٣)، وأما المعنى الذي ذكروه بنفي الانقسام، فيلزم على قولهم أن لا يكون شيء قط من المخلوقات يقال: إنه واحد إلا الجوهر الفرد، وعند بعضهم: لا (٤) يقال ذلك للجوهر الفرد، مع أن أبا المعالي هو من الشاكين في ثبوت الجوهر الفرد، فإذًا (٥) لا يصح أن يقال لشيء من الموجودات إنه واحد، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وإجماع أهل اللغة والعقل، وإذا

стр. 745

قيل: الواحد هو الشيء، كما قاله القاضي أبو بكر فلا يكون قد خلق شيئًا، لأنه لم يخلق واحدًا على التفسير الذي فسروه، ولا يستحق على قوله أن يسمى أحد من الملائكة والإنس والجن شيئًا، ثم إنهم يسمون أهل الكلام الموحدين، ويسمون ما كان السلف يسمونه الكلام علم التوحيد، حتى قال أبو المعالي في أول إرشاده (١) بعد أن زعم أن أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن (٢) البلوغ أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بمحدث (٣) العالم. قال (٤): والنظر في اصطلاح الموحدين هو الفكر الذي يطلب (٥) [به] (٦) من قام به علمًا وغلبة ظن. وأيضًا فإن اسم الواحد أو الأحد قد جعلوا لله فيه شريكًا أحقر (٧) الموجودات، وهو الجوهر الفرد، وجعلت المتفلسفة له في ذلك شركاء، العقول والنفوس كالنفس الإنسانية، وهذا الذي ذكرنا من أن عمدة أصحابه في مسألة القرآن ونحوها من المسائل، أنه لا يجوز أن يكون محلًا للحوادث، هو مما لا ريب فيه عند من يعرف أصول الكلام، واعتبر ذلك بما ذكره أفضل متأخريهم أبو المعالي الجويني في إرشاده الذي التزم أن يذكر فيه قواطع الأدلة، فإنه قال (٨):

стр. 746

فصل: الباري متكلم آمر ناهٍ مخبر واعد متوعد (١)، وقد قدمنا في خلال (٢) إثبات أحكام الصفات المعنوية، الطريق (٣) إلى إثبات العلم بكون الرب تعالى متكلمًا (٤) عند إسنادنا (٥) نفي النقائض إلى السمع، وتوجيهنا (٦) على أنفسنا السؤال عما ثبت بالسمع (٧). قال (٨): فإذا صح (٩) كون الباري متكلمًا، فقد آن أن نتكلم في صفة كلامه: فاعلموا -وقيتم (١٠) البدع- أن (١١) من (١٢) مذهب أهل الحق: أن الباري تعالى متكلم بكلام أزلي، لا مفتتح لوجوده. وأطبق المنتمون إلى الإسلام على إثبات الكلام، ولم يَصِر منهم صائر إلى نفيه، ولم ينتحل أحد منهم (١٣) في كونه متكلمًا نحلة نفاة الصفات في كونه عالمًا قادرًا حيًّا. ثم ذهبت المعتزلة، والخوارج، والزيدية، والإمامية، ومن

стр. 747

عداهم من أهل الأهواء إلى أن كلام الباري -تعالى- عن قول الزائغين- حادث مستفتح الوجود. وصار صائرون من هؤلاء إلى الامتناع من تسميته مخلوقًا مع القطع بحدثه (١)، لما في لفظ المخلوق من إيهام (٢) الخلق، إذ الكلام المختلق (٣) هو الذي يبديه المتكلم تخرصًا من غير أصل. وأطلق معظم المعتزلة لفظ المخلوق على كلام الله. وذهبت الكرامية إلى أن الكلام قديم، والقول حادث غير محدث والقرآن قول الله، وليس بكلام الله، وكلام الله -تعالى- القدرة (٤) على التكلم، وقوله حادث قائم بذاته -تعالى عن قول المبطلين- وهو غير قائل بالقول الذي قام به (٥)، بل هو (٦) قائل بالقائلية (٧)، وكل مفتتح وجوده قائم بالرب (٨)، فهو حادث بالقدرة غير محدث، وكل محدث (٩) مباين للذات فهو محدث بقوله "كن" لا بالقدرة، من هذيان طويل لا يسع هذا المعتقد استقصاؤه.

стр. 748

وغرضنا من إيضاح الحق والرد على منكريه (١) لا يتبين إلا بعد عقد فصول في ماهية (٢) الكلام وحقيقته شاهدًا، حتى إذا وضحت الأغراض منها انعطفنا بعدها إلى مقصدنا، وقد التزمنا التمسك بالقواطع في هذا المعتقد على صغر حجمه، وآثرنا إجراءه (٣) على خلاف ما صادفنا (٤) من معتقدات الأئمة (٥)، و [هذا الشرط] (٦) يلزمنا طرفًا (٧) من البسط في مسألة الكلام، وها نحن خائضون فيه. ثم تكلم في حد الكلام (٨)، ثم تكلم في أن المتكلم من قام به الكلام لا من فعله (٩)، ثم بنى على ذلك أنه لا بد أن يكون الكلام قائمًا به، ثم قال (١٠): وإذا تقرر ذلك ترتب عليه استحالة كونه حادثًا لقيام (١١) الدليل على استحالة قبوله للحوادث، ولا يبقى بعد هذه (١٢) الأقسام إلا مذهب أهل الحق في وصف الباري تعالى بكونه متكلمًا بكلام قديم أزلي: فقد بين أن ذلك مبني على أنه يستحيل قيام الحوادث به، وكان قد

стр. 749

ذكر هذه المسألة قبل ذلك فقال (١): فصل: مما يخالف الجوهر فيه (٢) حكم الإله: قبول الأعراض، وصحة الاتصاف بالحوادث، والرب متقدس (٣) عن قبول الحوادث: قال (٤): وذهبت الكراميّة إلى أن الحوادث تقوم بذات الإله (٥) -تعالى عن قولهم- ثم زعموا أنه لا يتصف بما يقوم به من الحوادث. قال (٦): وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا إليها، فقالوا: القول الحادث يقوم بذات الرب وهو غير قائل به، وإنما هو قائل بالقائلية (٧). وحقيقة أصولهم (٨) أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد (٩)، وكذلك (١٠) وصفوه بكونه تعالى خالقًا في الأزل، فلم (١١) يتحاشوا من قيام الحوادث به، وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكرًا وقولًا.

стр. 750

قال (١): والدليل على بطلان ما قالوه، أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر، حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض، وما لم يخل من الحوادث لم يسبقها (٢)، وينساق ذلك إلى الحكم بحدث (٣) الصانع. قال (٤): ولا يستقيم هذا الدليل على أصول المعتزلة مع مصيرهم إلى تجويز خلو الجواهر عن الأعراض، على تفصيل لهم أشرنا إليه، وإثباتهم أحكامًا متجددة لذات الرب -تعالى- من الإرادات الحادثة القائمة، لا بمحال (٥) -على زعمهم-، ويصدهم (٦) -أيضًا- عن طرد الدليل في هذه المسألة أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام الذات (٧) من غير أن يدل (٨) على الحدث (٩)، لم يبعد مثل ذلك في اعتوار أنفس الأعراض على الذات. قال (١٠): وتقول الكرامية: مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الرب (١١) به تناقض، إذ لو جاز قيام معنى بمحل غائب (١٢)

стр. 751

من غير أن يتصف المحل (١) بحكمة، لجاز شاهدًا قيام أقوال وعلوم وإرادات بمحال من غير أن تتصف (٢) المحال بأحكام مركبة على (٣) المعاني، وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى الجهالات. ثم نقول لهم: إذا جوزتم [قيام ضروب من الحوادث بذاته فما المانع من تجويز] (٤) قيام أكوان (٥) حادثة بذاته على التعاقب؟ وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث، ومما يلزمهم [تجويز] (٦) قيام قدرة حادثة وعلم حادث [بذاته على حسب أصلهم في القول والإرادة الحادثتين، ولا يجدون بين ما] (٧) جوزوه (٨) وامتنعوا منه فصلًا.

стр. 752

ونقول أيضًا: إذا وصفتم الباري (١) -تعالى- بكونه متحيزًا، وكل متحيز جسم وجرم (٢)، فلا يتقرر في المعقول خلو الأجرام عن الأكوان فما (٣) المانع من تجويز قيام الأكوان بذات الرب ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه؟ قلت: هذه جملة كلامه في هذه المسألة بألفاظه، ومداره على ثلاثة أشياء: أحدها: أنه لو قبلها لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. والثاني: أنه لو قبلها لاتصف بها. والثالث: أنه إذا قبل بعضها فيجب أن يقبل بعضه (٤) غيره، وهم لا يقولون به، وهاتان الحجتان الثانيتان جدليتان، فإن كونه متصفًا بالأفعال التي تقوم به أو غير متصف إلا بالصفات اللازمة له نزاع لفظي، وكذلك كون المنازع جوز قيام البعض دون البعض، فإنه إما أن يبين فرقًا بين الممنوع (٥) والمجوز أو لا يبين فرقًا، فإن بين فرقًا ثبت الفرق، وإن لم يبين فرقًا فقد يكون عجزًا منه، وإن قدر على (٦) أنه لا فرق في نفس الأمر فيلزم أحد الأمرين لا (٧) بعينه، إما جواز الجميع، وإما المنع من

стр. 753

الجميع وذلك لا يقتضي ثبوت أحدهما وهو الامتناع إلا بدليل، وهو لم يذكر دليلًا على ذلك، فلم يذكر في المسألة حجة إلا ما ذكره من قوله: لو قبلها لم يخل منها، وهذه الحجة (١) أحال فيها على ما ذكره قبل ذلك، فإنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما [سبق] (٢) تقريره في الجواهر (٣)، حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض، وهذا الذي أحال عليه هو ما ذكره في مسألة حدوث الأجسام، فإنه ذكر الطريقة المشهورة الكلامية المبنية على أربعة أصول (٤) قال (٥): "فأما (٦) الأصل الثالث، فهو يبين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض، فالذي صار إليه أهل الحق أن الجوهر (٧) لا يخلو عن كل

стр. 754

جنس من الأعراض وعن (١) جميع أضداده إن كانت له أضداد، فإن (٢) كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين، فإن قدر عرض لا ضد له لم يخل الجوهر عن قبول واحد من جنسه. قال (٣): وجوزت الملحدة خلو الجواهر عن جميع الأعراض، والجواهر في اصطلاحهم تسمى الهيولى (٤) والمادة، والأعراض تسمى الصور، وجوز الصالحي (٥) -الخلو عن جملة الأعراض ابتداء،

стр. 755

ومنع (١) البصريون من المعتزلة (٢) العُرُوّ عن الأكوان، وجوزوا العرو (٣) عما عداها، وقال الكعبي ومتبعوه (٤): يجوز الخلو عن

стр. 756

الأكوان، ويمتنع الخلو عن الألوان (١). قال (٢): وكل مخالف لنا وافقنا (٣) على امتناع العرو عن (٤) الأعراض بعد قبول الجواهر فيفرض الكلام على الملحدة في الأكوان، فإن القول فيها يستند إلى الضرورة، فإنا ببديهة العقول (٥) نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع (٦) والافتراق لا تعقل (٧) غير متماسة (٨) ولا متباينة. ومما يوضح ذلك، أنها إذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرر في العقل اجتماعها (٩) إلا عن افتراق سابق، إذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع وكذلك إذا طرأ الافتراق عليها، اضطررنا إلى العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع.

стр. 757

وغرضنا في رَوْم (١) إثبات حدوث (٢) العالم يتضح بالأكوان (٣). وإن حاولنا ردًّا على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكنا بنكتتين: إحداهما: الاستشهاد بالإجماع (٤) على امتناع العرو عن الأعراض بعد الاتصاف بها، فنقول: كل عرض باق فإنه ينتفي (٥) عن محله بطريان ضده، والضد إنما يطرأ (٦) في حال عدم المنتفي به -على زعمهم- فإذا انتفى البياض فهلا جاز ألا يحدث (٧) بعد انتفائه لون، إن كان يجوز (٨) تقدير الخلو عن الألوان ابتداء؟ وتَطّرد (٩) هذه الطريقة (١٠) في أجناس الأعراض. ونقول -أيضًا (١١): الدال على استحالة قيام الحوادث بذات الرب أنها (١٢) لو قامت به لم يخل عنها، وذلك يقضي

стр. 758

بحدثه (١) فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن حوادث (٢)، مع قبوله لها صحة وجوازًا، فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري تعالى للحوادث. قلت: فهذا جملة كلامه في هذا الأصل، ولم يذكر فيه حجة أصلًا على المطلوب، بل فيه إحالة، فإنه ذكر خمسة أقوال: أحدها: القول الذي عليه أصحابه أن الجوهر لا يجوز أن يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن أضدادها، بل لا بد أن يقوم به من كل جنس عرض (٣) واحد، سواء كان له ضد أولم يكن له، وإن كان كثير من الناس يقول إن هذا مخالف للحس، كدعوى الطعم والريح للهواء والماء والنار. والقول الثاني: في مقابلة هذا، وهو جواز خلوه عن كل عرض. والثالث: الخلو عن جميعها في الابتداء دون الدوام. الرابع (٤): أنه يمتنع خلوه عن الأكوان، ويجوز خلوه عما سواها، وهو قول بصري (٥) المعتزلة. والخامس: امتناع خلوها عن الأكوان دون ما سواها، وهو قول البغداديين (٦) الكعبي وأتباعه، وهم أغلظ بدعة من البصريين. ثم إنه لم يقم دليلًا إلا على الأكوان، فإنه ذكر أنه يعلم بالضرورة أن ما قبل الاجتماع والافتراق لم يعقل إلّا مجتمعًا أو متفرقًا، وذكر أن

стр. 759

مقصوده في حدوث العالم يتم بالأكوان (١)، وهذا إنما هو رد على من يجوز خلوها عن الأكوان، وقد ذكر عن البصريين أنهم لا يخالفونه في ذلك، فاحتج عليهم بحجتين إلزاميتين ليس فيهما حجة علمية: إحداهما (٢): ما سلموه من امتناع الخلو بعد قيام العرض، وسوى بين الحالين، وقال: إذا جاز أن يخلو قبل قيام العرض عن الضدين جاز بعد ذلك. فيقال له: إن كانت هذه التسوية باطلة ثبت الفرق وبطل قولك، وإن كانت التسوية صحيحة لزم أحد الأمرين: إما جواز الخلو قبل وبعد أو امتناع الخلو قبل وبعد، لا يلزم أحدهما بعينه، وموافقة المنازع لك على امتناع الخلو [بعد] (٣) لا يفيدك أنت علمًا إذا لم يكن لك ولا له

стр. 760

حجة على ذلك، فلا بد من حجة يعلم بها امتناع الخلو فيما بعد حتى يلحق به ما قبل، وليس معك في ذلك إجماع معصوم من الخطأ إذ ذاك إجماع المؤمنين، وطائفة من المتكلمين لا يمتنع أن يتفقوا على خطأ إذ أكثر الأمة يخطئهم كلهم في كثير [من] (١) كلامهم، على أن الخلاف في هذه المسألة لا يمكن دعوى عدمه، على أنه ليس غرضنا الكلام معه في ذلك. وإنما الغرض قوله في النكتة الثانية (٢): "الدال على استحالة قيام الحوادث بذات الرب أنها لو قامت به لم يخل عنها وذلك يقضي بحدثه (٣)، فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن الحوادث، مع قبوله لها صحة وجوازًا، فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري للحوادث". فيقال لك: أنت قد ذكرت -أيضًا- فيما تقدم - (٤) أن المعتزلة لا يستقيم على أصولهم الاجتماع على أن الحوادث لا تقوم بذات الباري، مع تجويزهم خلو الجواهر عن الأعراض، ومع قضائهم بتجدد أحكام الرب ﵎ وأما أنت وأصحابك فلم تذكروا حجة على أنه يمتنع خلو الجواهر عن كل جنس من أجناس الأعراض، ولا أقمتم حجة على [أن] (٥) القابل (٦) للشيء لا يخلو منه ومن ضده، ولا أقمتم حجة على استحالة قيام الحوادث به، بل أنت في مسألة الحوادث جعلت

стр. 761

الدليل القاطع الذي تحتج به (١) في أصول الدين الذي ذكرت أنه ليس في بابه مثله هو قولك (٢): "إنه لو قبل (٣) الحوادث لم يخل منها لما (٤) سبق تقريره في الجواهر، حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض، وما لم يخل من الحوادث لم يسبقها، وينساق ذلك إلى الحكم بحديث (٥) الصانع". فيقال له: قولك: لما سبق تقريره إحالة على ما مضى وأنت لم تقرر فيما مضى أن ما قبل الشيء لم يخل منه، ولا قررت أن كل جوهر قبل عرضًا يستحيل خلوه عنه (٦)، ولا قررت -أيضًا- استحالة تعري الجواهر (٧) عن جميع الأعراض، إذ هذا يحتاج إلى مقدمتين: إحداهما: إمكان قيام كل جنس من الأعراض بكل جوهر. والثانية: أن القابل للشيء (٨) لا يخلو منه ومن ضده، وأنت لم تذكر حجة على شيء من ذلك، غاية ما ذكرت أنك أثبت الأكوان التي هي الاجتماع والافتراق فقط، وأنك ادعيت تناقض المعتزلة حيث فرقوا بين ما قبل الاتصاف وبعده، وحيث إنهم إذا جوزوا خلو الجوهر عن بعض الحوادث مع قبوله لها (٩)، بطل الاستدلال على امتناع قيام الحوادث بذات الله، وأنه لا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري للحوادث، فكان هذا الكلام مع ما فيه من ذكر تناقض المعتزلة، وأنه لا حجة لهم

стр. 762

على امتناع قيام الحوادث بالرب، فيه -أيضًا- أنه لا حجة على امتناع ذلك إلا هذه الحجة، وهو أنه لو قبل (١) الجوهر العرض لم يخل منه، ثم هذه الدعوى لم تذكر أنت -أيضًا- عليها حجة أصلًا، فقد أقررت بأن قول أصحابك، وقول المعتزلة بأنه تعالى منزه عن قبول الحوادث قول بلا حجة أصلًا فأين الدليل الذي ذكرتموه في ذلك، فضلًا عن أن يكون قاطعًا؟ وهذا إذا تدبره العاقل تبين له أن القوم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويقولون على الله غير الحق، كما يقوله المشركون وأهل الكتاب. فإن قلت: فقد (٢) قررنا ذلك في الأكوان، كالاجتماع والافتراق. فيقال: هذا حق، فإن ما كان قابلًا (٣) أن يكون مجتمعًا وأن يكون مفترقًا، لم يكن إلا مجتمعًا أو مفترقًا، لكن هذا لا عموم فيه في جميع الصفات والأعراض، وغايته أن يثبت نظيره في الرب، فيقول: إذا كانت ذاته قابلة (٤) للاجتماع أو الافتراق، لم يكن إلّا مجتمعًا أو مفترقًا، فالمنازع لك إن لم يسلم قبوله لهذين، لم يلزم أن لا يسلم قبوله لغيرهما من الصفات والأفعال، كما تقوله أنت، وإن سلم ذلك وقال: إنه أحد صمد والصمد أصله: المجتمع الذي لا جوف له، فإنه يقول (٥): اجتماعه كعلمه وقدرته، هو من الصفات اللازمة له التي لا يجوز عدمها، وليس من الحوادث، فصفات الجوهر المخلوق تقبل الزوال إذ

стр. 763

يمتنع [عليها البقاء، بخلاف صفات الله الواجبة له، كما أن ذات (١) الجواهر المخلوقة تقبل العدم، والرب -سبحانه- واجب الوجود بنفسه يمتنع] (٢) عليه العدم. وبهذا يظهر أنه لم يذكر دليلًا على حدوث الجواهر -أيضًا- كما لم يذكر دليلًا على امتناع قيام الحوادث بالرب، فإن دليله مبني على أربع مقدمات: ثبوت الأعراض [وثبوت أنها جميعًا حادثة، وأن الجوهر لا يخلو منها، وأنه يمتنع حوادث لا أول لها (٣)، وهو لم يثبت من الأعراض] (٤) اللازمة للجواهر إلّا الأكوان، الاجتماع والافتراق، ولم (٥) يثبت حدوثها إلّا بقبولها العدم، فما لم (٦) يثبت عدمه لم يعلم حدوثه، ولم يثبت جواز تفرق كل الأجسام، مع أن الحجة المذكورة في أن ما ثبت عدمه امتنع قدمه، فيها كلام ليس هذا موضعه. والمقصود هنا: الكلام في مسألة حلول الحوادث التي جعلتها الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم، أصلًا عظيمًا في تعطيل ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٨)، وغير ذلك، ثم أنه -سبحانه- يقبل أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا، والقول بأن فاعلًا يفعل وحاله قبل الفعل

стр. 764

وبعده سواء ولم يقم به فعل نفسه، هو (١) في المعقول أبعد من كون الساكن الذي سكونه قديم (٢) [يمتنع أن يتحرك، لأن السكون القديم يمتنع عدمه ولو عرض] (٣) على العقل الصحيح جواز أن يبدع أشياء من غير أن يكون له في نفسه فعل أصلًا، وجواز أن يفعل ويكون فعله في نفسه بعد أن كان تاركًا، لكان الثاني أقرب إلى عقل كل أحد من الأول، فإن هذا الثاني معقول، والأول غير معقول. وبهذا استطالت عليهم الدهرية من الفلاسفة (٤) ونحوهم، فإنهم ادعوا حدوث الجواهر والأجسام، ومضمون عموم كلامهم يقتضي أنهم ادعوا حدوث كل موجود، لكن لم يقصدوا ذلك، وإنما هو لازم لهم، ومعلوم أن هذا باطل، والدهرية ادعوا قدم السماوات، ولا شك أن هذا كفر باطل -أيضًا- لكن صار كل من الفريقين يعارض الآخر بحجج

стр. 765

تبطل (١) حجج نفسه، لأن كلًّا (٢) من القولين باطل، فتكون حجتهم باطلة فيمكن إبطالها، ولهذا كان غالب أئمتهم يقولون بتكافؤ الأدلة في هذه المسألة ونحوها (٣)، ويصيرون فيها إلى الوقف والحيرة، ثم هم مع ذلك قد يعتقدون أن الإسلام لا يتم إلّا بما ادعوه من القول بهذا الحدوث، فيكون ذلك سببًا لنفاقهم وزندقتهم، وذلك باطل، ليس هذا من أصل الإسلام في شيء، واعتبر ذلك بابن الراوندي (٤) الذي يقال: إنه أحد شيوخ الأشعري وقد فرح أصحاب الأشعري بموافقته، وموافقة أبي عيسى الوراق (٥) لهم على إثبات كلام النفس، ومع هذا فله كتاب مشهور سماه كتاب "التاج" (٦) في قدم (٧) العالم، وذكر الأشعري أنه في كتابه

стр. 766

الكبير وهو "الفصول" (١) ذكر علل الملحدين والدهريين مما احتجوا به في قدم العالم، وتكلم عليها، وأنه استوفى ما ذكره ابن الراوندي في كتابه المعروف بكتاب (٢) التاج، وهو الذي نصر فيه القول بقدم العالم. وقد قيل: إن الأشعري في آخر عمره أقرَّ بتكافؤ الأدلة (٣)، واعتبر ذلك بالرازي فإنه في هذه [وهي] (٤) مسألة حدوث (٥) الأجسام -يذكر أدلة الطائفتين، ويصرح في آخر كتبه وآخر عمره، وهو كتاب "المطالب العالية" (٦) بتكافؤ الأدلة وأن المسألة من محارات. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 767

العقول (١). ولهذا كان الغالب على أتباعهم الشك والارتياب في الإسلام، كما حدثني من حدثه ابن باده أنه دخل على الخسرو شاهي (٢) -وهو أحد تلامذة ابن الخطيب (٣) - الذي قدم إلى الشام ومصر، وأخذه الملك

стр. 768

الناصر (١) صاحب الكرك (٢) إلى عنده، وكان يقرأ عليه، حتى قيل: إنه حصل له اضطراب في الإيمان من جهته وجهة أمثاله. قال: دخلت عليه بدمشق، فقال لي: يا فلان ما تعتقد؟ قلت: أعتقد ما يعتقده المسلمون، قال: وأنت جازم بذاك (٣) وصدرك منشرح له قلت: نعم، قال: فبكى بكاء شديدًا (٤) عظيمًا، أظنه وقال: لكني والله ما أدري ما أعتقد؟ لكني والله ما أدري ما أعتقد؟ لكني والله ما أدري ما أعتقد (٥)؟

стр. 769

وحدثني الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد القوي (١) عن مؤذن الكرك، قال: صعدت ليلة بوقت فسبحت في المنارة، ثم نزلت والخسرو شاهي ساهر مع السلطان يتحدثان، فقال: إلى الساعة وأنت تسبح في المنارة؟ فقلت: نعم. فقال: بت تناجي الرحمن، وبت أناجي الشيطان. وأيضًا (٢)، فما ذكره (٣) أن المعتزلة تصدهم عن طرد الدليل في هذه المسألة أنه إذا لم يتمنع تجدد أحكام الذات (٤) من غير أن يدل على الحدث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار (٥) الأعراض على الذات، يلزمه مثله في تجدد حكم السمع والبصر، فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم، وإما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات، كحاله قبل وجودها في السمع والبصر، أو (٦) لا يكون، فإن كان حاله قبل كحاله بعد، وهو قبل لم يكن يسمع شيئًا ولا يراه، فكذلك بعد لاستواء الحالين، فإن قيل: إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل، فهذا قول بتجدد الأحوال (٧) والحوادث ولا حيلة في ذلك، ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في

стр. 770

العلم، وأن (١) العلم يتعلق بالمعدوم، فأمكن المفرق أن يقول: حاله قبل وجود المعلوم (٢) وبعده سواء. وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبد الله الرازي (٣)، والتزم قول الكرامية بعد أن أجاب بجواب ليس بذاك (٤)، فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديمًا، لأن الإدراك لا بد له من متعلق، وهو لا يتعلق بالمعدوم، فيمتنع ثبوت (٥) السمع والبصر للعالم قبل وجوده، إذ هم لا يثبتون أمرًا في ذوات الله، به يسمع ويبصر، بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم، ويمتنع أن يكون حادثًا، لأنه يلزم أن يكون محلًا للحوادث، ويلزم أن يتغير، وكلاهما محال. وقال (٦) في الجواب: "لم لا يجوز أن يكون الله سميعًا بصيرًا بسمع قديم وبصر قديم، ويكون ذلك (٧) السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما (٨). قال (٩): وهذا هو (١٠) المعنى بقول أصحابنا في السمع والبصر:

стр. 771

إنه صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه، فإن قال قائل (١): فحينئذ يلزم تجدد التعلقات. قلنا: وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور (٢) وجودية في الأعيان، فهذا هو تقرير المذهب، ثم لئن سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز [أن يكون (٣) محدثًا (٤) في ذاته على ما هو مذهب الكرامية؟ قوله (٥): يلزم أن يكون محلًا للحوادث. قلنا: إن عنيتم (٦) حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها (٧)، فهذا هو المذهب، فلم قلتم إنه محال؟ وإن عنيتم شيئًا (٨) آخر فبينوه لنتكلم عليه، وهذا هو الجواب عن قوله: يلزم وجود التغيير في ذات الله (٩) ". قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول، وذلك قول القائل: صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه، وضده نفي السمع والبصر هو الإدراك (١٠)، فما الفرق بين الصفة وبين هذا المدرك؟ ثم عند وجود

стр. 772

هذا الدرك هل يكون سامعًا مبصرًا لما لم يكن قبل ذلك سامعا [له] (١) مبصرًا أم لا يكون؟ فإن لم يكن [كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر، وإن كان سمع ورأى ما لم يكن] (٢) سمعه ورآه. فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي قائم بذات السامع الرائي وأنه ليس أمرًا عدميًّا، ولا واسطة بين الوجود والعدم، ولو كان عدميًّا لكان سلبه وجوديًّا إذا قيل: لم يسمع ولم يبصر، وإن كان سلبه وجوديًّا لا متنع (٣) وصف المعدوم به، فإن المعدوم لا يوصف بوجود، ومذهب هؤلاء إنما تشكل على الناس لاشتراك اللفظ، فإن السمع والبصر يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر، وليس الله عندهم سميعًا بصيرًا بهذا الاعتبار، وإن كان أهل الإثبات يقولون بذلك، وإنما هو عندهم مجرد الإدراك فقط فكيف يقال: كان ثابتًا في العدم غير متعلق، وأنه لا يتعلق إلا بالموجود وأن تعلقه بالموجود عدم محض؟ هذه أقوال معلومة (٤) الفساد بالضرورة، وقد بسطنا الكلام في مسألة الأفعال الاختيارية بسطًا عظيمًا في غير هذا الموضع (٥).

стр. 773

وكان المقصود هنا أولًا الكلام في اسم الله الواحد وأن له ثلاثة معان (١): أحدها: أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب وربما قال بعضهم: هذا تفسير الاسم الأحد، وهذه الوحدانية هي التي ذكروها هنا، إذ ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوًا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون، وهو حق لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ويرى (٢) منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، ولا يعلم منه شيء دون شيء، ولا يمكن أن يشار إلى شيء منه (٣) دون شيء، بحيث أنه ليس [له] (٤) في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يَرَى عباده منها شيئًا دون شيء، بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم رؤيته (٥)، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب (٦) أصلًا، ولا أن يكون

стр. 774

بحيث يراه (١) العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب (٢) إليه في الحقيقة، فهذا (٣) ونحوه هو المراد عندهم بكونه (٤) لا ينقسم (٥)، ويسمون ذلك نفي التجسيم إذ كل ما (٦) ثبت له ذلك كان جسمًا منقسمًا مركبًا، والباري فإنه (٧) منزه عندهم من (٨) هذه المعاني. و المعنى الثاني: من معاني الواحد عندهم هو الذي لا شبيه له، وهذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلًا في نفي التشبيه، واضطربوا في ذلك على درجات لا تنضبط، والمعتزلة تزعم أن نفي العلم والقدرة وغير ذلك من التوحيد ونفي (٩) التشبيه والتجسيم (١٠)، والصفاتية تقول: ليس ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه، ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن أولئك على أن ما نفوه من [التشبيه وما نفوه من] (١١) المعنى الذي سموه تجسيمًا هو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم.

стр. 775

وكل من سمع (١) ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه، الأمور، ولا كان أصحاب رسول الله ﷺ عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله ﷺ والصحابة والتابعون؟ بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدًا. ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك، كما روى الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، في ذم الكلام (٢) قال: "سمعت عبد الرحمن بن جابر السلمي قال: سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول: جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام، فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، ولقد (٣) سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام في التوحيد. قال (٤)
следующие страницы →