← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

إنه صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه، فإن قال قائل (١): فحينئذ يلزم تجدد التعلقات. قلنا: وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور (٢) وجودية في الأعيان، فهذا هو تقرير المذهب، ثم لئن سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز [أن يكون (٣) محدثًا (٤) في ذاته على ما هو مذهب الكرامية؟ قوله (٥): يلزم أن يكون محلًا للحوادث. قلنا: إن عنيتم (٦) حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها (٧)، فهذا هو المذهب، فلم قلتم إنه محال؟ وإن عنيتم شيئًا (٨) آخر فبينوه لنتكلم عليه، وهذا هو الجواب عن قوله: يلزم وجود التغيير في ذات الله (٩) ". قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول، وذلك قول القائل: صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه، وضده نفي السمع والبصر هو الإدراك (١٠)، فما الفرق بين الصفة وبين هذا المدرك؟ ثم عند وجود

стр. 772

هذا الدرك هل يكون سامعًا مبصرًا لما لم يكن قبل ذلك سامعا [له] (١) مبصرًا أم لا يكون؟ فإن لم يكن [كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر، وإن كان سمع ورأى ما لم يكن] (٢) سمعه ورآه. فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي قائم بذات السامع الرائي وأنه ليس أمرًا عدميًّا، ولا واسطة بين الوجود والعدم، ولو كان عدميًّا لكان سلبه وجوديًّا إذا قيل: لم يسمع ولم يبصر، وإن كان سلبه وجوديًّا لا متنع (٣) وصف المعدوم به، فإن المعدوم لا يوصف بوجود، ومذهب هؤلاء إنما تشكل على الناس لاشتراك اللفظ، فإن السمع والبصر يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر، وليس الله عندهم سميعًا بصيرًا بهذا الاعتبار، وإن كان أهل الإثبات يقولون بذلك، وإنما هو عندهم مجرد الإدراك فقط فكيف يقال: كان ثابتًا في العدم غير متعلق، وأنه لا يتعلق إلا بالموجود وأن تعلقه بالموجود عدم محض؟ هذه أقوال معلومة (٤) الفساد بالضرورة، وقد بسطنا الكلام في مسألة الأفعال الاختيارية بسطًا عظيمًا في غير هذا الموضع (٥).

стр. 773

وكان المقصود هنا أولًا الكلام في اسم الله الواحد وأن له ثلاثة معان (١): أحدها: أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب وربما قال بعضهم: هذا تفسير الاسم الأحد، وهذه الوحدانية هي التي ذكروها هنا، إذ ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوًا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون، وهو حق لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ويرى (٢) منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، ولا يعلم منه شيء دون شيء، ولا يمكن أن يشار إلى شيء منه (٣) دون شيء، بحيث أنه ليس [له] (٤) في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يَرَى عباده منها شيئًا دون شيء، بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم رؤيته (٥)، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب (٦) أصلًا، ولا أن يكون

стр. 774

بحيث يراه (١) العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب (٢) إليه في الحقيقة، فهذا (٣) ونحوه هو المراد عندهم بكونه (٤) لا ينقسم (٥)، ويسمون ذلك نفي التجسيم إذ كل ما (٦) ثبت له ذلك كان جسمًا منقسمًا مركبًا، والباري فإنه (٧) منزه عندهم من (٨) هذه المعاني. و المعنى الثاني: من معاني الواحد عندهم هو الذي لا شبيه له، وهذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلًا في نفي التشبيه، واضطربوا في ذلك على درجات لا تنضبط، والمعتزلة تزعم أن نفي العلم والقدرة وغير ذلك من التوحيد ونفي (٩) التشبيه والتجسيم (١٠)، والصفاتية تقول: ليس ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه، ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن أولئك على أن ما نفوه من [التشبيه وما نفوه من] (١١) المعنى الذي سموه تجسيمًا هو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم.

стр. 775

وكل من سمع (١) ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه، الأمور، ولا كان أصحاب رسول الله ﷺ عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله ﷺ والصحابة والتابعون؟ بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدًا. ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك، كما روى الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، في ذم الكلام (٢) قال: "سمعت عبد الرحمن بن جابر السلمي قال: سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول: جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام، فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، ولقد (٣) سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام في التوحيد. قال (٤)

стр. 776

مالك: محال أن يظن بالنبي ﷺ أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، فالتوحيد (١) ما قاله النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (٢) [فما] (٣) عصم به الدم والمال فهو حقيقة (٤) التوحيد. وقد روى (٥) ذلك (٦) [شيخ الإسلام] (٧) أبو إسماعيل الأنصاري

стр. 777

في كتاب ذم الكلام (١)، والشيخ أبو الحسن الكرجي (٢) في كتاب الفصول في الأصول.

стр. 778

وروى -أيضًا- أبو عبد الرحمن السلمي (١)، ومن طريق شيخ الإسلام: حدثنا محمد بن محمود الفقيه بموو (٢)، ثنا محمد بن عمير، ثنا أبو يحيى زكريا بن العلاف التجيبي بمصر، ثنا (٣) يونس بن عبد الأعلى، ثنا أشهب بن عبد العزيز سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. ورويا (٤) -أيضًا- ما ذكره -أيضًا- الشيخ أبو عبد الرحمن: "ثنا محمد بن جعفر، ثنا (٥) بن مطر، سمعت شكرًا، سمعت أبا سعيد البصري، سمعت أبا عبد الرحمن بن مهدي (٦) يقول: دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عَمْرًا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام

стр. 779

علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل". وهذا صريح في رد الكلام والتوحيد الذي كان تقوله المعتزلة والجهمية، وليس له أصل عن الصحابة والتابعين، بخلاف ما روي من (١) الآثار الصحيحة في الصفات والتوحيد عن الصحابة والتابعين، فإن ذلك لم ينكروه، إنما (٢) أنكر (٣) الكلام والتوحيد المبتدع في أسماء الله وصفاته وكلامه. وقال (٤) أبو عبد الرحمن: "ثنا أبو القاسم بن مستوية، ثنا حامد بن رستم ثنا الحسين بن مطيع، ثنا إبراهيم بن رستم، عن نوح الجامع، قال: قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها (٥) بدعة. وقال (٦): "حدثنا عبد الله بن أحمد بن سعيد البخاري، سمعت سعيد بن الأحنف، سمعت الفتح بن علوان، سمعت أحمد بن

стр. 780

الحجاج، سمعت محمد بن الحسن (١)، صاحب أبي حنيفة يقول: قال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم (٢) من الكلام، وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام". قال (٣) شيخ الإسلام [أنبأ] (٤) أبو الفضل (٥) الجارودي: "أنبأ إبراهيم بن محمد ثنا زكريا بن يحيى سمعت محمد بن إسماعيل يقول (٦): سمعت الحسين بن علي الكرابيسي (٧) يقول: شهدت الشافعي ودخل عليه بشر المريسي فقال (٨) لبشر: أخبرني عما تدعو (٩) إليه: أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمة، ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال؟ فقال بشر: لا إلا أنه لا يسعنا خلافه، فقال الشافعي: أقررت على نفسك (١٠) بالخطأ فأين أنت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 781

عن (١) الكلام في الفقه والأخبار، يواليك الناس عليه وتترك هذا؟ قال: لنا تهمة فيه، فلما خرج بشر قال الشافعي: لا يفلح". وروى شيخ الإسلام (٢) عن المزني وعن ربيع: "قال المزني: سمعت الشافعي يقول للربيع: يا ربيع اقبل مني ثلاثة أشياء: لا تخوضن (٣) في أصحاب رسول الله ﷺ فإن خصمك النبي ﷺ يوم القيامة، ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على التعطيل، وزاد المزني: ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل". وهذا التوحيد الذي يذكره هؤلاء مأخوذ من قول بشر المريسي وذويه وهذا التوحيد الذي ذكروه هو التعطيل بعينه، فإنه لا يصلح إلا أن يكون (٤) صفة للمعدوم. وقال (٥) أبو عبد الرحمن السلمي -أيضًا-: "رأيت بخط أبي عمرو بن مطر يقول: سئل ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات، فقال: بدعة ابتدعوها، ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب وأئمة الدين، مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي (٦) حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، يتكلمون في ذلك، بل كانوا ينهون عن الخوض

стр. 782

فيه، ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة، فإياك والخوض فيه، والنظر في كتبهم بحال". قلت: وقول ابن خزيمة، الملقب بإمام الأئمة: الكلام في الأسماء والصفات [هو نظير ما نهى عنه مالك من الكلام في الأسماء والصفات] (١)، وهو هذا التوحيد الذي ابتدعته (٢) الجهمية وأتباعها، فإن ابن خزيمة له كتاب مشهور في التوحيد (٣) يذكر فيه صفات الله التي نطق بها كتابه وسنة رسوله. قال (٤) أبو عبد الرحمن: "سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج (٥): ما التوحيد؟ قال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتوحيد أهل الباطل: الخوض في الأعراض والأجسام، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك". هذا موافق لما تقدم، فبين أن الخوض في الجسم والعرض ونفي

стр. 783

ذلك وجعل ذلك من التوحيد، هو من قول أهل الباطل، فكيف بمن جعله أصل الدين، كما قال شيخ الإسلام (١): "سمعت أحمد بن الحسن، أنبأ الأشعث، يقول: قال رجل لبشر بن أحمد أبي سهل الإسفرائيني: إنما أتعلم الكلام لأعرف به الدين. فغضب، وسمعته قال: أو كان السلف من علمائنا كفارًا؟ ". وقال أبو عمر بن عبد البر (٢): "الذي أقول: إنه إذا نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وعبد الرحمن، وسائر (٣) المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، علم أن الله لم يعرفه واحد منهم إلّا بتصديق النبيين وبأعلام (٤) النبوة ودلائل الرسالة، لا من قبل حركة ولا سكون (٥)، ولا من باب البعض والكل (٦)، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه والتشبيه (٧) ونفيه لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب لما (٨) نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من علمهم (٩) مشهورًا، ومن أخلاقهم معروفًا، لاستفاض عنهم واشتهروا به

стр. 784

كما اشتهروا بالقرآن (١) والروايات". فذكر أبو عمر أن ما يدخله (٢) هؤلاء في أصول الدين والتوحيد، من الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه، والاستدلال بالحركة والسكون، لو كان من الدين لما أضاعه (٣) خيار هذه الأمة، فعلم أنه ليس من الدين، وكلام علماء الملة في هذا الباب يطول، وإنما الغرض التنبيه على أن ما سماه هؤلاء توحيدًا، وجعلوه هو نفي التجسيم والتشبيه، إنما هو شيء ابتدعوه لم يبعث الله به رسله ولا أنزل به كتبه، وقد اعترف بذلك حذاقهم، كما ذكره أبو حامد الغزالي، في كتابه إحياء علوم الدين (٤)، ووافقه فيه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب منهاج القاصدين (٥)، لما ذكر الأسماء التي

стр. 785

عرف مسمياتها، فذكر العلم والفقه والتوحيد، قال: [اللفظ الثالث التوحيد: وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى، رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فيثمر ذلك التوكل والرضى، وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام في الأصول، وذلك من المنكرات عند السلف] (١). ولهذا لما كان أبو محمد عبد الله بن سعيد [بن كلاب] (٢) وأبو

стр. 786

الحسن الأشعري، وأبو العباس القلانسي، ممن أخذ أصل الكلام في التوحيد عن المعتزلة، وخالفوهم في بعض دون بعض، يقع في كلامهم من هذا التوحيد المبتدع المخالف للتوحيد المنزل من عند الله ما يقع، كان الناس ينبهون على ذلك، حتى ذكر شيخ الإسلام (١) قال: "سمعت عدنان (٢) بن عبدة النميري، سمعت أبا عمر (٣) البسطامي يقول: كان أبو الحسن الأشعري أولًا ينتحل الاعتزال، ثم رجع فتكلم عليهم (٤)، وإنما مذهبه (٥) التعطيل إلّا أنه رجع من التصريح إلى التمويه". وقال (٦) الشيخ أبو نصر السجْزي (٧) في رسالته إلى أهل

стр. 787

اليمن (١): "ولقد حكى لي محمد بن عبد الله المالكي المغربي، وكان فقيهًا صالحًا، عن الشيخ أبي سعيد البرقي، وهو من شيوخ فقهاء المالكيين [ببرقة (٢)، عن أستاذه خلف المعلم (٣)، وكان من فقهاء المالكيين] (٤) أنه قال: الأشعري أقام (٥) أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت على (٦) الأصول". قال أبو نصر (٧):. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 788

"هذا (١) كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره (٢) ". ولهذا قال محمد بن خويز منداد (٣): إمام المالكية في وقته في العراق، في الكلام الذي ذكره عنه أبو عمر بن عبد البر (٤)، قال: أهل البدع والأهواء عند مالك وأصحابه الذين (٥) ترد شهادتهم، هم: أهل الكلام". قال: "فكل متكلم فهو من أهل (٦) الأهواء والبدع عند مالك

стр. 789

وأصحابه [وكل (١) متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء] (٢) أشعريًّا كان أو غير أشعري". و المعنى الثالث (٣) من معاني التوحيد -عند هؤلاء الأشعرية، كالقاضي أبي بكر (٤) وغيره- هو أنه سبحانه لا شريك له في الملك، بل هو رب كل شيء، وهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربه (٥)، ومدبره، والمعتزلة وغيرهم يخالفون في ذلك، حيث يجعلون بعض المخلوقات لم يخلقها الله ولم يحدثها، لكن مع هذا قد ردوا قولهم ببدع غلوا فيها، وأنكروا ما خلقه الله من الأسباب، وأنكروا ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله يخلق الأشياء بعضها ببعض، وغير ذلك مما ليس هذا موضعه. فهذه المعاني الثلاثة هي التي يقولون: إنها معنى اسم الله الواحد،

стр. 790

وهي التوحيد، وفيها من البدع التي خولف فيها (١) الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ما قد نبهنا على بعضه. وأما التوحيد الذي ذكر الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة، فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) فأخبر أن الإله إله واحد لا يجوز أن يتخذ إلهًا غيره، فلا يعبد إلا إياه، كما قال في السورة الأخرى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٣) وكما قال: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ إلى: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ (٤) وكما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٥) وكما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٦). والشرك الذي ذكره الله في كتابه، إنما هو عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم أو قبورهم، أو غيرهم من الآدميين، ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محقق (٧) في التوحيد، وهو من أعظم الناس إشراكًا، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ

стр. 791

اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١) وقال: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (٤) وقال تعالى ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إلا اخْتِلَاقٌ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٧). قال ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد: يسألهم من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع هذا (٨) يعبدون غيره،

стр. 792

ويشركون به، ويقولون: له ولد، وثالث (١) ثلاثة. فكان الكفار يقرون بتوحيد الربوبية، وهو نهاية ما يثبته هؤلاء المتكلمون -إذا سلموا من البدع فيه- وكانوا مع هذا مشركين، لأنهم كانوا يعبدون غير الله، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ (٤). فبين سبحانه أنه بهذا التوحيد بعث جميع الرسل، وأنه بعث إلى كل أمة رسولًا به، وهذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله لا من الأولين ولا من

стр. 793

الآخرين دينًا غيره، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). فدين الله أن يدينه العباد (٢) ويدينون له، فيعبدونه وحده ويطيعونه، وذلك هو الإسلام له، فمن ابتغى غير هذا دينًا فلن يقبل منه، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣). فذكر أن الدين عند الله الإسلام، بعد إخباره بشهادته وشهادة الملائكة وأولي (٤) العلم أنه لا إله إلا هو، والإله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه، وهو مع هذا يعبد غيره، فإنه مشرك بربه متخذ من دونه إلهًا آخر، فليست الإلهية هي (٥) الخلق أو القدرة على الخلق أو القدم، كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام، إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم، لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربه، فلو

стр. 794

كان هذا هو إلهية لكانوا قائلين: إنه لا إله إلا هو. فهذا (١) موضع عظيم جدًّا ينبغي معرفته، لما قد لبس على طوائف من الناس أصل الإسلام، حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا، وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك، دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك، بل التوحيد الذي لا بد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد، وهو توحيد العبادة (٢)، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أن يقصد [الله] (٣) بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه، وهذا هو الإسلام، فإن الإسلام يتضمن أصلين:

стр. 795

أحدهما: الاستسلام لله، والثاني: أن يكون ذلك له سالمًا فلا يشركه أحد في الإسلام له، وهذا هو الاستسلام لله دون ما سواه، وسورة قل يا أيها الكافرون تفسر ذلك. ولا ريب أن العمل والقصد مسبوق بالعلم، فلا بد أن يعلم ويشهد أن لا إله إلا الله. وأما التوحيد القولي الذي هو الخبر عن الله، ففي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن (١) وفيها اسمه (الأحد) (الصمد) وكل من هذين الاسمين يدل على نقيض مذهب هؤلاء الجهمية كما قد بيناه في موضعه (٢)، وعبادة الله وحده يدخل فيها كمال المحبة لله وحده، وكمال الخوف منه وحده، والرجاء له وحده (٣)، والتوكل عليه وحده، كما يبين القرآن ذلك في غير موضع، فكل ذلك من أصول التوحيد الذي أوجب الله على عباده، وبذلك يكون الدين كله لله، كما أمر الله رسله والمؤمنين بالقتال إلى هذه الغاية، حيث يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٤).

стр. 796

الوجه الحادي والستون (١): أن القرآن قد نطق بأن لله كلمات في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٣) وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤) وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧)، وقال: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ (٨). وكذلك تواتر عن النبي ﷺ الاستعاذة بكلمات الله التامات (٩)، وهذا وأمثاله صريح في تعدد كلماته، فكيف يقال: ليس كلامه إلّا معنى واحد لا عدد فيه أصلًا؟ وهذا قد أوردوه، وذكروا جوابهم عنه.

стр. 797

فقال القرطبي (١) فيما ذكره من كلام ابن فورك: "فإن قيل: هذا (٢) الذي قلتم يوجب أن تكون التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وسائر كتب الله شيئًا واحدًا، والرب تعالى قد أثبت لنفسه كلمات فقال (٣): ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٤) وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (٥) وقال: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ (٦). قلنا: إن الرب سبحانه أثبت لنفسه كلمات، وأنزل الكتب كذلك، وسمى (٧) نفسه بأسماء كثيرة، وأثبتها في التنزيل فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٨)، قال رسول الله ﷺ : "لله تسعة وتسعون (٩) اسمًا" (١٠)، أفتقولون بتعدد المسمى لتعديد الأسامي؟ أو تقولون:

стр. 798

الأسماء تدل على مسمى واحد بنعوت الجلال (١)؟

стр. 799

فإن قلتم (١): التسميات تتعدد والمسمى واحد، فكذلك نقول في الكلام (٢): إنه واحد لا يشبه كلام المخلوقات ولا هو بلغة من اللغات، ولا يوسف بأنه عربي أو فارسي أو عبراني، لكن العبارات عنه تكثر وتختلف، فإذا قرئ كلام الله بلغة العرب سمي قرآنًا، وإذا قرئ بلغة العبرانية أو الفارسية (٣) سمي توراة وإنجيلًا (٤)، كذلك الرب -سبحانه- يوصف (٥) بالعربية الله الرحمن الرحيم، وبالفارسية "خداي بزرك" (٦) وبالتركية "سركوي" (٧) ونحو ذلك (٨)، وهو -سبحانه- واحد، والتسمية الدالة عليه تكثر، وكذلك هو -سبحانه- معبود في السماء (٩)، ومعبود في الأرض بعبادات وقصور (١٠) متباينة، وكذلك هو -سبحانه- مذكور الذاكرين بأذكار مختلفة، وكذلك الكلام يقرأ ويكتب (١١) ويفسر، بقراءات مختلفة، وأذكار متفاوتة، وكتابة (١٢) متباينة.

стр. 800

وقوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (١) قد قيل: إنما (٢) سمى كلامه (٣) كلمات لما فيه من فوائد الكلمات، ولأنه ينوب منابها، فجازت العبارة عنه بصيغة الجمع تعظيمًا (٤)، وفي قريب من هذا المعنى قوله (٥) الحق (٦): ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٧)، وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ (٨) وكذلك قوله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ (٩) لأنه مناب أمة، وكذلك قوله: ﴿ونَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١٠) والمراد ميزان واحد. وقيل (١١): ما نفذت (١٢) العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه". قلت: فهذا ما ذكروه، ومن تدبر ذلك علم أنه من أبطل القول وأفسد القياس، فإنهم أوردوا سؤالين:

стр. 801

أحدهما: [أن هذا] (١) يوجب أن تكون التوراة والإنجيل وسائر كتب الله شيئًا واحدًا. والثاني: أن الرب أثبت لنفسه كلمات، ثم جعل الجواب عن الأول أن هذا مثل أسماء الله الحسنى، هي متعددة ومتنوعة باللغات والمسمى واحد، فكذلك هذه الكتب مع تعددها وتنوعها هي عبارة عن معنى واحد. ومن المعلوم أن هذا باطل في الأصل المقيس عليه، وفي الفرع أما في الأصل، فلأن أسماء الله الحسنى ليست مترادفة بحيث يكون معنى كل اسم هو معنى الاسم الآخر، ولا هي -أيضًا- متباينة التباين في المسمى وفي صفته، بل هي من جهة دلالتها على المسمى كالمترادفة، ومن جهة دلالتها على صفته (٢) كالمتابينة، وهذا القسم كثير، ومنه أسماء النبي ﷺ (٣) وأسماء القرآن (٤) وغير ذلك، وبعض الناس يجعلون (٥) هذا قسمًا

стр. 802

من المترادف وبعضهم يجعله من المتباين قسمًا ثالثًا قد يسميه المتكافئ. والمقصود فهم المعنى، فإذا قيل: "الرحمن الرحيم"، وقيل: "العليم" "القدير"، وقيل: "السميع" "البصير" فالأول يدل على المسمى بصفة الرحمة، والثاني يدل عليه بصفة العلم، والثالث بصفة القدرة، والرابع بصفة السمع، والخامس بصفة البصر، وهذه الصفات ليس أحدها هو الآخر، وهذا مما [لا] (١) ينازع فيه هؤلاء و [لا] (١) غيرهم، فصفات كل اسم يدل من صفات الرب على ما لم يدل عليه الآخر مع اتفاقها في الدلالة على المسمى. نعم، وقد يدل الاسم على معنى الآخر بطريق اللزوم، فإنه يدل على الذات، والذات تستلزم جميع الصفات، لكن دلالة اللزوم ليست هي دلالة الاسم اللغوية، واللزوم -أيضًا- يحتاج إلى أن (٢) يعرف (٣) تلك الصفات من غير الاسم، فلا يكون الاسم هو الدال عليها، وإذا كان كذلك فتعدد أسماء الله تعالى لم تقتض (٤) تعدد (٥) المسمى، ولكن اقتضى تعدد صفاته التي دلت عليها تلك الأسماء، وهؤلاء لا (٦) ينازعون في تعدد الصفات في الجملة، ومحققوهم (٧) لا يقولون إنها محصورة بعدد، بل يقولون: هذا الذي علمناه، وقد يكون له من الصفات ما لا نعلمه، وإذا كانت معاني الأسماء متعددة -وإن كان المسمى واحدًا-

стр. 803

لم يكن هذا نظيرًا لما ادعاه (١) من تكثر العبارات مع اتحاد المعنى المعبر عنه. وأما اختلاف الأسماء بالعربية وغيرها من الألسن، فهذا على وجهين: تارة تكون تلك (٢) الأسماء العجمية تدل على صفات ليست هي الصفة التي تدل عليها الاسم العربي، فيكون بمنزلة الأسماء الحسنى بالعربية، وتارة يكون معناها معنى الاسم العربي فيكون هذا كالأسماء المترادفة، ولولا (٣) تنوع معاني الأسماء لم يكن لبعضها (٤) على بعض مزية، ولا كان في اختصاص بعض الناس بعلم بعضها فضيلة، ولا كان الدعاء ببعضها أوكد من الدعاء ببعض، وقد قال النبي ﷺ في الحديث المشهور الذي رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبدًا قط همّ ولا غمّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل (٥) اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلّا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجًا"، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن؟ قال: "بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن" (٦).

стр. 804

وكذلك قوله في حديث [أنس بن مالك] (١): "لقد دعا الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (٢). وقوله: [] (٣) "أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر" (٤)

стр. 805

[] (١) وقوله في حديث [أسماء بنت يزيد] (٢) "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين" (٣). الوجه الثاني والستون: أن أسماء الله الحسنى مع أنها تدل على ذاته الموصوفة بصفات متعددة، فليست دلالة الكتب المنزلة من السماء على كلامه كدلالة أسمائه على نفسه المقدسة، فإن الاسمين يشتركان في المسمى، وينفرد كل منهما بالصفة التي اختص بالدلالة عليها، وأما الكلام المنزل فكل من الكلامين له معنى يختص [به] (٤) لا يشاركه الآخر في شيء من معناه كما

стр. 806

يشارك (١) [الاسم] (٢) الاسم في مسماه، فإن آية الكرسي مثلًا، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ونحوهما دالة على المعنى القائم بالنفس المتعلق بصفات الله تعالى، وآية (٣) الدين، وسورة تبت يدا أبي لهب وغيرهما، لهما معان أخر من ذم بعض المخلوقين، والأمر ببعض الأفعال (٤)، وليس ذم هذا المخلوق والخبر عنه هو مدح الله والثناء عليه ولا معنى هذا هو معنى هذا، ولا بينهما قدر يشترك (٥) في الخارج أصلًا كما بين الاسمين إذ مسماهما واحد موجود، وأما معنى هاتين الآيتين فليس هو واحدًا (٦) أصلًا، بل هذا المعنى ليس هو هذا المعنى بوجه من الوجوه، نعم يشتركان (٧) في كون كل منهما كلامًا للمتكلم [ومعناه، فلفظ معنى ولفظ يقوم به] (٨) وهذا كاشتراك الحياتين في أن هذه حياة وهذه حياة، واشتراك الموجودين في أن هذا وجود وهذا وجود، وهذا الاشتراك لا يقتضي أن أحدهما هو الآخر في الخارج أصلًا، فكذلك معاني هذه العبارات لا تقتضي أن أحدهما هو الآخر (٩) في الخارج أصلًا، وهذا معلوم بالفطرة البديهية (١٠)، وفهمه سهل على من تدبره، ومن جحد هذا كان من أظهر الجاحدين للمعارف الفطرية الضرورية، وإن سقطت

стр. 807

مكالمة أحد (١) لسفسطته فهذا من أحق هؤلاء (٢) بهذا، ويتضح ذلك بالذي بعده، وهو: الوجه الثالث والستون: وهو قولهم: "كذلك نقول (٣) في الكلام؛ إنه واحد لا يشبه كلام المخلوقات، ولا هو بلغة من اللغات، ولا يوصف بأنه عربي أو فارسي أو عبراني، لكن العبارات عنه تكثر وتختلف، فإذا قرئ كلام الله بلغة العرب سمي قرآنًا، وإذا قرئ بلغة العبرانية أو السريانية سمي توراة (٤) وإنجيلًا". فإن هذا الكلام من أفسد ما يعلم ببديهة العقل فساده، وهو كفر إذا فهمه الإنسان وأصر عليه، فقد أصر على الكفر، وذلك أن القرآن يقرأ بالعربية، وقد يترجم بحسب الإمكان بالعبرانية أو الفارسية أو غيرهما من الألسن، ومع هذا إذا ترجم بالعبرية (٥) لم يكن هو التوراة ولا مثل التوراة، ولا معانيه مثل معاني التوراة، وكذلك يقرأ بالعبرية ويترجم (٦) بالعربية والسريانية، ومع هذا فليست مثل القرآن، ولا معانيها مثل معاني القرآن، وكذلك الإنجيل من المعلوم أنه يقرأ بعدة ألسن وهو في ذلك معانيه ليس معاني التوراة والقرآن، فهل يقول من له عقل أو دين: إن كلام الله مطلقًا إذا قرئ بالعربية كان هو القرآن؟ وليس يلزم صاحب هذا أن تكون التوراة والإنجيل إذا فسرا (٧) بالعربية كانا هذا القرآن الذي أنزل

стр. 808

على محمد؟ بل هذه الأحاديث الإلهية التي يرويها الرسول [ ﷺ ] (١) عن ربه تعالى مثل قوله: "يقول الله تعالى: مَن عادى لي وليًّا، فقد بارزني بالمحاربة" (٢). وقوله: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" (٣) ونحو ذلك.

стр. 809

فهذا كلام عربي مأثور عن الله، ومع هذا فليس قرآنًا ولا مثل القرآن لا لفظًا ولا معنى، فكيف يقال في التوراة والإنجيل إذا قرئا بالعربية كان قرآنًا؟ وكذلك القرآن إذا ترجم بالعبرية أو السريانية هل يقول من له عقل أو له دين: إن ذلك [هو] (١) التوراة والإنجيل المنزل على موسى وعيسى ﵉؟ وهل يقول عاقل: إن كلام الله المنزل بالألسنة المختلفة معناه شيء واحد كالكلام الذي يترجم بألسنة متعددة؟ العلم بفساد هذا من أوضح العلوم البديهية العقلية، وقائل هذا لو تدبر ما قال لعلم أن المجانين لا يقولون هذا، ومن المعلوم لكل أحد أن الكلام إذا ترجم كما ترجمت العرب كلام الأوائل من الفرس واليونان والهند وغيرهم، فتلك المعاني هي المعاني وهي باقية لم تختلف بكونها عربية أو فارسية أو رومية أو هندية [و] (٢) كذلك لما ترجموا (٣) ما ترجموه من كلام الأنبياء قبلنا وأممهم، فتلك المعاني هي هي سواء كانت بالعربية أو الفارسية، وقد أخبر الله في كتابه عما قالته الأمم قبلنا من الأنبياء وأممهم، وهم إنما قالوه بألسنتهم، وقصه الله علينا باللسان العربي، وتلك المعاني هي هي لم يكن كونها حقًّا أو باطلًا أو إيمانًا أو كفرًا أو رشدًا أو غيًّا من جهة اختلاف الألسنة، بل لأن تلك المعاني هي في نفسها حقائق متنوعة مختلفة أعظم من اختلاف الألسنة واللغات بكثير كثير، وأين اختلاف المعاني من اختلاف الألفاظ؟ وإنما ذلك بمنزلة اختلاف

стр. 810

صور بني آدم وألسنتهم بالنسبة إلى اختلاف قلوبهم وعلومهم وقصودهم، ومن المعلوم أن اختلاف قلوبهم وعلمها وإرادتها أعظم بكثير من اختلاف صورهم وألوانهم ولغاتهم، حتى [قد] (١) ثبت في الحديث المتفق عليه في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لأبي ذر عن رجلين: "يا أبا ذر هذا خير من ملءِ (٢) الأرض مثل هذا" (٣) فجعل أحدهما. . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →