← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

يشارك (١) [الاسم] (٢) الاسم في مسماه، فإن آية الكرسي مثلًا، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ونحوهما دالة على المعنى القائم بالنفس المتعلق بصفات الله تعالى، وآية (٣) الدين، وسورة تبت يدا أبي لهب وغيرهما، لهما معان أخر من ذم بعض المخلوقين، والأمر ببعض الأفعال (٤)، وليس ذم هذا المخلوق والخبر عنه هو مدح الله والثناء عليه ولا معنى هذا هو معنى هذا، ولا بينهما قدر يشترك (٥) في الخارج أصلًا كما بين الاسمين إذ مسماهما واحد موجود، وأما معنى هاتين الآيتين فليس هو واحدًا (٦) أصلًا، بل هذا المعنى ليس هو هذا المعنى بوجه من الوجوه، نعم يشتركان (٧) في كون كل منهما كلامًا للمتكلم [ومعناه، فلفظ معنى ولفظ يقوم به] (٨) وهذا كاشتراك الحياتين في أن هذه حياة وهذه حياة، واشتراك الموجودين في أن هذا وجود وهذا وجود، وهذا الاشتراك لا يقتضي أن أحدهما هو الآخر في الخارج أصلًا، فكذلك معاني هذه العبارات لا تقتضي أن أحدهما هو الآخر (٩) في الخارج أصلًا، وهذا معلوم بالفطرة البديهية (١٠)، وفهمه سهل على من تدبره، ومن جحد هذا كان من أظهر الجاحدين للمعارف الفطرية الضرورية، وإن سقطت

стр. 807

مكالمة أحد (١) لسفسطته فهذا من أحق هؤلاء (٢) بهذا، ويتضح ذلك بالذي بعده، وهو: الوجه الثالث والستون: وهو قولهم: "كذلك نقول (٣) في الكلام؛ إنه واحد لا يشبه كلام المخلوقات، ولا هو بلغة من اللغات، ولا يوصف بأنه عربي أو فارسي أو عبراني، لكن العبارات عنه تكثر وتختلف، فإذا قرئ كلام الله بلغة العرب سمي قرآنًا، وإذا قرئ بلغة العبرانية أو السريانية سمي توراة (٤) وإنجيلًا". فإن هذا الكلام من أفسد ما يعلم ببديهة العقل فساده، وهو كفر إذا فهمه الإنسان وأصر عليه، فقد أصر على الكفر، وذلك أن القرآن يقرأ بالعربية، وقد يترجم بحسب الإمكان بالعبرانية أو الفارسية أو غيرهما من الألسن، ومع هذا إذا ترجم بالعبرية (٥) لم يكن هو التوراة ولا مثل التوراة، ولا معانيه مثل معاني التوراة، وكذلك يقرأ بالعبرية ويترجم (٦) بالعربية والسريانية، ومع هذا فليست مثل القرآن، ولا معانيها مثل معاني القرآن، وكذلك الإنجيل من المعلوم أنه يقرأ بعدة ألسن وهو في ذلك معانيه ليس معاني التوراة والقرآن، فهل يقول من له عقل أو دين: إن كلام الله مطلقًا إذا قرئ بالعربية كان هو القرآن؟ وليس يلزم صاحب هذا أن تكون التوراة والإنجيل إذا فسرا (٧) بالعربية كانا هذا القرآن الذي أنزل

стр. 808

على محمد؟ بل هذه الأحاديث الإلهية التي يرويها الرسول [ ﷺ ] (١) عن ربه تعالى مثل قوله: "يقول الله تعالى: مَن عادى لي وليًّا، فقد بارزني بالمحاربة" (٢). وقوله: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" (٣) ونحو ذلك.

стр. 809

فهذا كلام عربي مأثور عن الله، ومع هذا فليس قرآنًا ولا مثل القرآن لا لفظًا ولا معنى، فكيف يقال في التوراة والإنجيل إذا قرئا بالعربية كان قرآنًا؟ وكذلك القرآن إذا ترجم بالعبرية أو السريانية هل يقول من له عقل أو له دين: إن ذلك [هو] (١) التوراة والإنجيل المنزل على موسى وعيسى ﵉؟ وهل يقول عاقل: إن كلام الله المنزل بالألسنة المختلفة معناه شيء واحد كالكلام الذي يترجم بألسنة متعددة؟ العلم بفساد هذا من أوضح العلوم البديهية العقلية، وقائل هذا لو تدبر ما قال لعلم أن المجانين لا يقولون هذا، ومن المعلوم لكل أحد أن الكلام إذا ترجم كما ترجمت العرب كلام الأوائل من الفرس واليونان والهند وغيرهم، فتلك المعاني هي المعاني وهي باقية لم تختلف بكونها عربية أو فارسية أو رومية أو هندية [و] (٢) كذلك لما ترجموا (٣) ما ترجموه من كلام الأنبياء قبلنا وأممهم، فتلك المعاني هي هي سواء كانت بالعربية أو الفارسية، وقد أخبر الله في كتابه عما قالته الأمم قبلنا من الأنبياء وأممهم، وهم إنما قالوه بألسنتهم، وقصه الله علينا باللسان العربي، وتلك المعاني هي هي لم يكن كونها حقًّا أو باطلًا أو إيمانًا أو كفرًا أو رشدًا أو غيًّا من جهة اختلاف الألسنة، بل لأن تلك المعاني هي في نفسها حقائق متنوعة مختلفة أعظم من اختلاف الألسنة واللغات بكثير كثير، وأين اختلاف المعاني من اختلاف الألفاظ؟ وإنما ذلك بمنزلة اختلاف

стр. 810

صور بني آدم وألسنتهم بالنسبة إلى اختلاف قلوبهم وعلومهم وقصودهم، ومن المعلوم أن اختلاف قلوبهم وعلمها وإرادتها أعظم بكثير من اختلاف صورهم وألوانهم ولغاتهم، حتى [قد] (١) ثبت في الحديث المتفق عليه في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لأبي ذر عن رجلين: "يا أبا ذر هذا خير من ملءِ (٢) الأرض مثل هذا" (٣) فجعل أحدهما. . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 811

خيرًا (١) من ملء (٢) الأرض من جنس الآخر، وذلك لاختلاف قلوبهم، وإلا فاختلاف الصور لا يبلغ قريبًا من ذلك، وهكذا كلام الله الذي أنزله على موسى وهو التوراة [والذي أنزله على عيسى وهو الإنجيل، والذي أنزله على داود وهو الزبور] (٣) والذي أنزله على محمد ﷺ وهو القرآن، لم يكن (٤) مغايرة بعضه بعضًا لمجرد (٥) اختلاف الألسنة، بحيث إذا ترجم كل واحد بلغة الآخر صار مثله أو صار هو إياه، كما قاله هؤلاء الملحدون في أسماء الله وآياته، بل مع الترجمة يكون لكل منهما (٦) معان (٧) ليست معاني (٨) الآخر ولا مثلها، بل التفاوت الذي بين معاني هذه الكتب أعظم من التفاوت الذي بين ألفاظها، واللسان العبري قريب من اللسان العربي، ومع هذا فمعاني القرآن فوق معاني التوراة بأمر عظيم، ثم المسيح إنما كان لسانه عبريًّا، وإنما بعده ترجم الإنجيل بالسريانية، أفترى الإنجيل الذي أنزله الله عليه بالعبرية (٩) هو التوراة التي (١٠) أنزلت على موسى؟!! بل يجب أن يعلم أصلان عظيمان: أحدهما: أن القرآن له بهذا اللفظ والنظم العربي اختصاص

стр. 812

لا يمكن أن يماثله في ذلك شيء (١) أصلًا، أعني خاصة في اللفظ، وخاصة فيما دل عليه من المعنى، ولهذا لو فسر القرآن ولو ترجم، فالتفسير والترجمة قد يأتي بأصل المعنى أو يقربه، وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن، فهذا غير ممكن أصلًا، ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا يجوز أن يقرأ بغير العربية، لا مع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها، لأن ذلك يخرجه عن أن يكون هو القرآن المنزل، ولكن يجوز ترجمته كما يجوز تفسيره، وإن لم تجز قراءته بألفاظ التفسير، وهي إليه أقرب من ألفاظ الترجمة بلغة أخرى. الأصل الثاني: إنه إذا ترجم أو قرئ بالترجمة، فله معنى يختص به لا يماثله فيه كلام أصلًا، ومعناه أشد مباينة لسائر معاني الكلام من مباينة لفظه ونظمه لسائر اللفظ والنظم، والإعجاز في معناه أعظم بكثير من الإعجاز في لفظه، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢)، يتناول ذلك كله، فكيف يقال: الكلام المقروء بالعبرية (٣) والسريانية من التوراة والإنجيل والمترجم بالفارسية والتركية من ذلك الكلام (٤) المقروء بالعربية الذي هو القرآن؟ مع أنا بالبديهة نعلم أنه ليس مثله لا في لفظ ولا معنى، فضلًا عن أن يكون هو إياه. وهل يقول من له أدنى (٥) عقل أو دين يفهم ما يقول: إن هذه الكتب والكلام المنزل هي في (٦) الدلالة على معناها كدلالة أسماء الله عليه؟ أم يعلم كل أحد أن أسماء الله مع تنوع

стр. 813

ما دلت عليه من الصفات والمسمى واحد؟ وأما الكلام فيكون معنى هذا الكلام ليس هو معنى الآخر، وينبغي أن يعلم أنه ليس مقصودنا عموم النفي، بل مقصودنا نفي العموم، فإنا (١) لا ننكر أن الكلامين قد يتفقان في المعنى، وقد ينزل الله -سبحانه- على نبي بلغته (٢) المعنى الذي أنزله على الآخر، فيكون المعنى واحدًا واللفظ مختلفًا، هذا (٣) كثير جدًّا، فإنا نحن لم ننكر أن معاني الألفاظ تتفق، لكن المنكر أن يقال: جميع معاني ألفاظ الكتب متفقة، وهي معنى واحد، وإن معنى ما أنزل على هذا النبي هو بعينه ذلك المعنى، وأن جميع ألفاظ القرآن معناها واحد، ومعنى آية (٤) الدين، ومعنى آية الكرسي، وإذ معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ومعنى المعوذتين، وهذا لو عرض على من له أدنى تمييز من الصبيان لعلم ببديهة عقله أنه من أعظم الباطل، فتدبر كيف ضلوا في زعمهم أن معاني (٥) أسماء الله معنى واحد (٦)، لاتحاد المسمى، ثم ضلوا أعظم ضلالة (٧) في أن كلام الله الذي أنزله معناه (٨). واحد (٩)، وإنما اختلف (١٠) أسماؤه لاختلاف الألسنة، وشبهوه بالأسماء، فلو كان الكلام معنى واحدًا وله صفات متعددة، لكانوا قد

стр. 814

ضلوا من وجه، ولكن معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ليس [هو] (١) معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ بوجه من الوجوه، فلا يصح أن يقال: ذلك مثل "الرحمن الرحيم" "السميع العليم" إذ المدلول هنا واحد في نفسه وله صفات، والمدلول هناك (٢) في إحدى السورتين ليس هو المدلول في السورة الأخرى بوجه من الوجوه. وأما تشبيههم ذلك بكون الله معبودًا بعبادات متنوعة، فهو أوضح من أن يحتاج إلى الفرق، فلهذا لم تحتج إلى الكلام عليه، إذ تشبيه ذلك بأسماء الله تعالى أقوى اشتباهًا، فقد (٣) ظهر (٤) ما فيه، فكيف بتشبيه كتب الله المنزلة بالنسبة إلى ما ادعوه من المعنى الواحد، بعبادات (٥) العابدين بالنسبة إلى الله تعالى. وبهذا يتبين لك [أن] (٦) من قال منهم: إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة، مقروء بالألسنة حقيقة، مكتوب في المصاحف حقيقة، كما أن الله معلوم بالقلوب، مذكور بالألسنة، مكتوب في المصاحف حقيقة، فهو يقصد هذا التلبيس من جعل الكتب المنزلة وسائر كلام الله بالنسبة إلى ما ادعوه من ذلك المعنى النفساني، كسائر أسماء الله بالنسبة إلى نفسه، وقد تبين لك أن هذا من أفسد القياس، فالحمد لله الذي عافانا (٧) مما ابتلى به كثيرًا (٨) من عباده، وفضلنا على كثير ممن خلق

стр. 815

تفضيلًا. وبهذا وأمثاله تعرف (١) أن القائلين بخلق القرآن، وإن كانوا أخبث قولًا من هؤلاء من جهات مثل: نفيهم أن يقوم بالله كلام، فهؤلاء أخبث منهم من جهات أخر، مثل: منعهم أن يكون كلام الله ما هو كلامه، وجعلهم كلام الله شيئًا لا حقيقة له، وغير ذلك. الوجه الرابع والستون: إنها لم يذكروا في الجواب -عما أخبر الله به عن نفسه من أن له كلمات- ما له حقيقة، فإنهم يقولون: ليس لله كلام إلّا معنى واحدًا لا يجوز عليه التعدد، والله -سبحانه- قد أخبر بأن (٢) له كلمات، وإن البحار لو كانت مدادها، والأشجار أقلامها لما نفذت تلك الكلمات، وهذا صريح بأن لها من التعداد ما لا يأتي عليه إحصاء العباد، فكيف يقال: ليس له كلمات فصاعدًا؟ وأما قولهم: التكثير للتفخيم، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (٣). فيقال لهم: هذا إنما يستعمل في المواضع التي تصرح بأن المعنى بذلك اللفظ هو واحد، والله -سبحانه- قد بين في غير موضع أنه واحد، فإذا قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (٤)، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ (٥) وقد علم المخاطبون أنه واحد، علم أن ذلك لم يقتض أن ثم آلهة متعددة، لكن قال بعض الناس: صيغة الجمع في [مثل] (٦) هذا دلت على كثرة معاني أسمائه وهذا مناسب وأما الكلام فلم يذكر الله قط، ولا قال أحد من المسلمين

стр. 816

قبل ابن كلاب: إن كلام الله ليس إلا معنى واحدًا (١)، ولا خطر هذا بقلب أحد، فكيف يقال: إنه أراد بصغية الجمع [الواحد] (٢) ولهذا لا يكاد يوجد [هذا] (٣) في صيغة المتكلم في حق الله، أو صيغة المخاطبة له، كما قد قيل في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (٤). وأما تمثيلهم ذلك بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ كان أُمَّةً﴾ (٥) أي: مثل أمة، فليس كذلك، بل الأمة (٦) كما فسره عبد الله بن مسعود وغيره (٧)، هو معلم الخير، وهو القدوة الذي يؤتم به أي: يقتدى به، فأمة من الائتمام كقدوة من الاقتداء، وليس هو مستعارًا من الأمة الذين هم جيل. وكذلك قولهم (٨): ﴿وَنَضَعُ المَوازَيِنَ اَلْقِسْط﴾ (٩) وإنما هو ميزان واحد، ليس كذلك بل الجمع مراد من هذا اللفظ، إما لتعدد الآلات التي

стр. 817

توزن بها، أو لتعدد الأوزان، وأما ما ذكروه من كثرته لكثرة المعاني التي دلت عليها العبارات عنه فهذا حق، لكن إذا كانت العبارات دلت على معان كثيرة، علم أن معاني العبارات لكلام (١) الله كثيرة، ليس هو معنى واحدًا (٢) وهو المطلوب. الوجه الخامس والستون: إن القرآن صرح بإرادة العدد من لفظ الكلمات، وبإرادة (٣) الواحد من لفظ كلمة، كما في قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (٤)، وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٦). فبين أنها إذا كتبت بمياه البحار، وأقلام الأشجار ما تنفذ، والنفاذ: الفراغ، فعلم أنه يكتب بعضها ويبقى منها ما لم يكتب، وهذا صريح في أنها من الكثرة إلى أن يكتب منها ما يكتب ويبقى ما يبقى، فكيف يكون إنما أراد بلفظ الكلمات كلمة واحدة؟ لا سيما ولفظ الشجر

стр. 818

يعم كل ما قام على ساق صلب أو غير صلب، كما قال النبي ﷺ [في الضالة] (١): "ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها" (٢). الوجه السادس والستون: إنه قد ثبت [في صحيح مسلم] (٣) من حديث ابن أبي عروبة، وأبان العطار، عن قتادة، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله جزأ القرأن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جزءًا من أجزاء القرآن" (٤).

стр. 819

فهذه التجزئة إما أن تعود إلى لفظ القرآن، وإما أن تعود إلى معناه، والأول باطل، لأن حروف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ليس بقدر حروف ثلث القرآن، بل هي أقل من عشر العشر بكثير، فعلم أنه أراد بالتجزئة المعنى، وذلك (١) يقتضي أن معنى حروف القرآن متجزئة، وهم قد قالوا: إن كلام الله واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير ولا يختلف، ولو قيل: إن التجزئة للحروف لكن لا يشترط فيها تماثل قدر الحروف، بل يكون بالنظر إلى المعنى، لكان ذلك حجة -أيضًا- فإنه إذا كان التجزئة باعتبار المعنى، علم أن المعنى الذي دل عليه هذه الحروف ليس هو معاني بقية القرآن. وروى الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة أبي أيوب، عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ . "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فقد قرأ ثلث القرآن" (٢) قال الترمذي هذا [حديث حسن. فقد أخبرنا أنها ثلث القرآن. فإن قيل: الحديث] (٣) المتقدم قد رواه مسلم -أيضًا- بلفظ آخر

стр. 820

أنه قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة [ثلث] (١) القرآن؟ " قالوا: وكيف يقرأ (٢) ثلث القرآن؟ قال: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ تعدل ثلث القرآن" (٣)، فقوله: تعدل ثلث القرآن يبين أنها في نفسها ليست ثلثه، ولكنها تعدل ثلثه، أي في الثواب. قلنا: لا منافاة بين اللفظين (٤)، فإنها ثلثه باعتبار المعنى، وهي تعدل ثلثه باعتبار الحروف، أو هي بلفظها ومعناها ثلثه فتعدل ثلثه، لأن ذلك اللفظ صريح في معناه، وحيث قال: "جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جزءًا" (٥) من تلك الأجزاء، فأخبر أن القرآن تجزأ ثلاثة أجزاء وإنما هي جزء من تلك الأجزاء، وهذا لا يصلح أن يراد به مجرد الثواب دون السورة، ولهذا كان النبي ﷺ يجمع بين اللفظين، كما في الحديث الذي رواه أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله [صلى الله] (٦) عليه وسلم: "احشدوا (٧) فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن" فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله [صلى الله] (٨) عليه وسلم

стр. 821

فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : ([سأقرأ عليكم ثلث القرآن] (١)، وإني لأرى هذا خبرًا جاءه من السماء"، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: "إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن" (٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والذي يبين أن قوله: "تعدل" يدخل فيه حروفها، ما رواه البخاري في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، عن قتادة بن النعمان، أن رجلًا أقام في زمن النبي ﷺ يقرأ من السحر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فكأن الرجل يتقالها، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" (٣)، وهذا -أيضًا- من حديث أبي سعيد، رواه (٤) البخاري من حديث أبي سعيد نفسه، وكذلك رواه أبو داود (٥) والنسائي (٦).

стр. 822

الوجه السابع والستون: أنه قد احتج بعض متأخريهم (١) على إمكان أن يكون كلامه واحدًا بما ذكره -الملقب عندهم بالإمام- فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي فقال: "لما كان الباري -سبحانه- عالمًا بالعلم الواحد لجملة المعلومات الغير متناهية، فلم لا يجوز أن يكون مخبرًا بالخبر الواحد عن المخبرات الغير المتناهية، ولنضرب لذلك مثلًا (٢) لهذا الكلام، وهو أن رجلًا إذا قال لأحد غلمانه: إذا قلت: اضرب فاضرب فلانًا، ويقول للثاني (٣): إذا قلت: اضرب فلانًا (٤) فلا تتكلم مع فلان، ويقول للثالث: إذا قلت: اضرب فلانًا (٥) فاستخبر عن فلان، ويقول للرابع: إذا قلت: اضرب فأخبرني عن الأمر الفلاني، ثم إذا حضر الغلمان بين يديه ثم يقول لهم: اضرب، فهذا الكلام الواحد في حق أحدهم أمر، وفي حق الثاني نهي، وفي [حق] (٦) الثالث خبر، وفي حق الرابع استخبار، وإذا كان اللفظ الواحد بالنسبة إلى أربعة أشخاص أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا فأي استبعاد في أن يكون كلام الحق -سبحانه- كذلك؟ فثبت أنه سبحانه متكلم بكلام واحد". فيقال لهؤلاء: هذه الحجة بعينها التي اعتمدها إمام أتباعه أبو عبد الله الرازي، هو -أيضًا- قد رجع عن ذلك في أجل كتبه عنده، وبين

стр. 823

فسادها، فقال في نهاية العقول (١): من جهة أصحابه: "لا نسلم أن الشيء يستحيل (٢) أن يكون خبرًا وطلبًا، وبيانه (٣) أن إنسانًا لو قال لبعض عبيدة: متى قلت لك: افعل، فاعلم أني أطلب منك الفعل، وقال للآخر: متى قلت لك هذه الصغية، فاعلم أني أطلب منك الترك، وقال للآخر: متى قلت لك هذه الصيغة، فاعلم أني أخبر عن كون العالم حادثًا (٤)، فإذا حضروا بأسرهم وخاطبهم دفعة واحدة بهذه الصيغة، كانت (٥) تلك الصيغة الواحدة أمرًا ونهيًا خبرًا معًا (٦)، فإذا عقل ذلك في الشاهد، فليعقل (٧) مثله في الغائب. ثم قال (٨): "وهذا ضعيف (٩)، لأن قوله: "افعل" ليس في نفسه طلبًا ولا خبرًا، بل هو (١٠) صيغة موضوعة لإفادة معنى الطلب ومعنى الخبر، ولا استحالة في جعل الشيء الواحد دليلًا على حقائق مختلفة، إنما الاستحالة في أن يكون الشيء حقائق مختلفة، وكلامنا إنما هو في نفس حقيقة الخبر وحقيقة الطلب (١١)، واستقصاء القول في ذلك مذكور في باب الأمر من كتاب المحصول في علم الأصول".

стр. 824

فهذا كلام المستدل بهذه الحجة في بيان فسادها بطلانها، وذلك كاف. الوجه الثامن والستون: أن يقال: هذه الحجة من أفسد الحجج عند التأمل ، وذلك أن [هذا] (١) المثل المضروب أكثر ما فيه جواز أن يكون اللفظ الواحد مشتركًا بين معاني أمر ونهي وخبر، كما قد قيل في قول القائل: ويل لك إنه دعاء وخبر، ولا ريب أن الصيغة الواحدة يراد بها الأمر [تارة] (٢) والخبر أخرى، كقول القائل غفر الله لفلان ورحمه (٣)، وأحسن إليه، وأدخله الجنة، وأجاره من النار، وأنعم عليه نعمًا عظيمة، فإن هذا في الأصل خبر، وهو كثير مستعمل في الدعاء الذي هو طلب، وكذلك صيغة "افعل" هي أمر في الأصل، وقد تضمن معنى النهي والتهديد، كما قد قيل في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)، لكن هل يجوز أن يراد باللفظ الواحد المشترك بين معنيين إما الأمر والخبر، أو الأمر والنهي، أو غير ذلك كلا المعنيين على سبيل الجمع؟ هذا فيه نزاع مشهور بين أهل الفقه والأصول وغيرهم، والنزاع مشهور في مذهب أحمد والشافعي ومالك وغيرهم، وبين المعتزلة بعضهم مع (٥) بعض، وبين الأشعرية (٦) -أيضًا- والرازي يختار أن ذلك لا يجوز موافقة لأبي

стр. 825

الحسين البصري، ولم يجعل المانع من ذلك أمرًا يرجع إلى القصد [فإن

стр. 826

قصد] (١) المعنيين جائز، ولكن المانع (٢) أمر يرجع إلى الوضع، وهو أن أهل (٣) اللغة إنما وضعوه لهذا وحده، ولهذا وحده، فاستعماله فيهما (٤) جميعًا استعمال في غير ما وضع له، ولهذا كان المرجح قول المسوغين، لأن استعماله (٥) فيهما غايته أن يكون استعمالًا له في غير ما وضع له، وذلك يجوز (٦) بطريق المجاز، ولا مانع لأهل اللغة من أن يستعملوا اللفظ في غير موضعه بطريق المجاز، على أن إطلاق القول بأن هذا استعمال له في غير موضعه فيه نزاع، كإطلاق القول في اللفظ العام المخصوص أنه استعمال له في غير موضوعه، ومنه استعمال صيغة الأمر في الندب ونحو ذلك، فإن طوائف من الناس يقولون: بعض المعنى ليس هو غيره فلا يكون ذلك استعمالًا له في غير موضعه، ولا يجعلون اللفظ بذلك مجازًا، وهذا قول أئمة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الطيب وغيرهما، واستعمال اللفظ المشترك في معنييه ضد استعمال العام في بعض معناه، فإنه موضوع لهذا مفردًا، ولهذا مفردًا (٧) فجمع بين معنييه. [بخلاف استعمال العام في بعض معناه] (٨).

стр. 827

ومثل هذا لا يقر مثل هؤلاء بأنه عين معناه، إذ هو معناه مفردًا ومعه غيره، وكما أن بعض الشيء ليس بغير له عندهم، فلا يصير الشيء غيرًا لنفسه بالزيادة عليه، لا سيما إذا كان المزيد نظيره، وليس المقصود هنا تكميل القول في هذه المسألة، ولكن نبين حقيقة ما يحتج به هؤلاء، فإن هذا المثل الذي ضربوه مضمونه أن يجعل اللفظ موضوعًا لأمر ونهي وخبر، ويقصد بالخطاب به إفهام كل معنى لمخاطب غير المخاطب الأول، وهذا جائز في المعقول، لكن ليس هذا مما ادعوه في الكلام بشيء، وذلك أن النزاع ليس هو في أن اللفظ الواحد يدل على حقائق مختلفة، فإن هذا لا ينازع فيه أحد، ولا حاجة فيه إلى ضرب المثل، بل دلالة الألفاظ الموضوعة على حقائق مختلفة [كثير جدًّا وإن كان اللفظ خبرًا أو أمرًا، لكن يدل على حقائق مختلفة] (١)، وإنما النزاع في المعاني المختلفة التي هي مدلول جميع الألفاظ التي أنزلها الله، هل هي معنى واحد (٢)؟ فالنزاع في المعاني المعقولة من الألفاظ وهي أمر الله بكذا أو أمره (٣) بكذا ونهيه (٤) عن كذا، ونهيه عن كذا (٥)، وخبره (٦) بكذا، وخبره بكذا (٧)، هل هي شيء واحد؟ والمعاني لا تتبع وضع واضع، ومن العجب أن هؤلاء إذا احتجوا على أن الكلام هو معنى في النفس قالوا: إن مدلول العبارات والإشارات لا يختلف باختلاف اللغات

стр. 828

ولا يقصد (١) الواضعين المتكلمين، ثم يحتجون على أنه واحد يجوز أن يجعل الواضع اللفظ الواحد موضوعًا لمعان (٢) متعددة، وأين هذا من هذا؟! فإن دلالة [اللفظ على] (٣) المعنى يتبع قصد المتكلم والإرادة، فإنه بالقصد والإرادة كان هذا اللفظ يدل على هذا المعنى، وهذا اللفظ (٤) يدل على هذا المعنى، لا أن (٥) اللفظ صار كذلك بناته أو بطبعه، لكن تنازع الناس هل بين اللفظ والمعنى مناسبة لأجلها خصص الواضعون هذا اللفظ بهذا المعنى؟ على قولين: أصحهما أنه لا بد من المناسبة وليست موجبة بالطبع حتى يقال (٦)، فذلك يختلف باختلاف الأمم، بل هي مناسبة داعية، والمناسبة تتنوع بتنوع الأمم كتنوع الأفعال الإرادية، ولو قيل: إنه بالطبع، فطباع الأمم تختلف سواء في ذلك طبعهم الاختياري وغير الاختياري. فتبين أن هذا المثل الذي ضربوه في غاية البعد عما قصدوه، إذ ما ذكروه هو اللفظ الدال على معان (٧)، وهذا لا نزاع فيه، ومقصودهم أن المعاني التي هي نفسها لكل معنى حقيقة هل هي في نفسها شيء واحد؟ وذلك لا يكون بقصد (٨) واضع ولا إرادة (٩) ولا وضعه، والإمكان هنا ليس هو إمكان أن يجعل هذا هذا، بل المسؤول عنه الإمكان الذهني،

стр. 829

وهو أنه (١) هل يمكن في العقل أن يكون المعنى المعقول من صيغ الأمر هو المعنى المعقول من صيغ الخبر، وأن يكون نفس ما يقوم بالنفس من الأمر بهذا والخبر عنه هو بعينه ما يقوم بالنفس من الأمر بغيره والخبر عنه؟ الوجه التاسع والستون: أن يقال: هو قال إذا كان الباري عالمًا بالعلم الواحد لجملة المعلومات غير المتناهية، فلم لا يجوز أن يكون مخبرًا بالخبر الواحد عن المخبرات غير المتناهيات؟ فيقال له: هب أن (٢) هذا ثبت في كون الخبر واحدًا فلم قلت: إنه يجب أن يكون خبره عن المخبرات الغير المتناهية هو بعينه الأمر بالمأمورات والتكوين للمكونات الغير المتناهية؟ فهب أن الخبر يقاس بالعلم فهل يمكن أن يكون الخبر هو نفس الأمر؟ الوجه السبعون: أن الأصل الذي يقاس عليه وشبه [به] (٣) من الإمكان -هو العلم- أصل غير مدلول عليه فمن أين لهم أن الباري ليس له إلا علم واحد لا يتبعض ولا يتعدد؟ وهذا لم ينطق به كتاب ولا سنة ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، فضلًا عن أن يكون ثابتًا بإجماع، ولا قام به (٤) دليل عقلي، وقد قال الله في كتابه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ (٥) فأخبر أنه يحاط ببعض من (٦) علمه لا بكله، وقال في كتابه:

стр. 830

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (١). وقد احتج الإمام أحمد (٢) وغيره بهذه الآية وغيرها (٣) على أن القرآن من علم الله، فجعلوه بعض علم الله، فمن الذي يقول: إن علم الله ليس له بعض وجزء؟ واعلم أنه ليس في المسألة عمدة إلا ما اعتمد عليه إمام القوم القاضي أبو بكر بن الباقلاني، فإنه اعتمد فيها إجماعًا ادعاه (٤)، وهو في غير هذا الموضع (٥) يدعي إجماعات لا حقيقة لها، كدعواه إجماع

стр. 831

السلف (١) على صحة الصلاة في الدار المغصوبة (٢) بكونهم لم (٣) يأمروا الظلمة بالإعادة، ولعله لا يقدر أن ينقل عن أربعة من السلف أنهم استفتوا في إعادة الظلمة ما صلوه في مكان مغصوب فأفتوهم بإجزاء الصلاة، لكن أهل الكلام كثيروا الاحتجاج من المعقول والمنقول بالحجج الداحضة، ولهذا كثر ذم السلف لهم، قال أبو عبد الله الرازي، لما تكلم على وحدة علم الله وقدرته فقال (٤): "الفصل الأول: في وحدة علم الله وقدرته، نقل إمام الحرمين في الشامل (٥) عن أبي سهل الصعلوكي منا أنه تعالى عالم بعلوم غير متناهية،

стр. 832

وذهب جمهور الأصحاب إلى أنه تعالى عالم بعلم واحد، قادر بقدرة واحدة، مريد بإرادة واحدة". قال (١): واعلم أن القاضي أبا بكر عول في هذه المسألة على الإجماع، فقال: القائل قائلان: قائل يقول (٢): الله تعالى عالم بالعلم، قادر بالقدرة. وقائل يقول: ليس الله عالمًا بالعلم، ولا قادرًا بالقدرة، وكل من قال بالقول الأول قال: إنه عالم بعلم واحد، قادر بقدرة واحدة، فلو قلنا: إنه -سبحانه (٣) - عالم بعلمين أو أكثر، كان ذلك قولًا ثالثًا خارقًا للإجماع (٤)، وإنه باطل. قال (٥): وأما الصعلوكي فهو مسبوق بهذا الإجماع، فيكون حجة عليه". قلت: هذا الإجماع مركب من جنس الإجماع الذي احتج به الرازي (٦) على قدم المعنى الذي ادعوه، فإنه (٧) هو الكلام وليس في ذلك إجماع أصلًا، وإنما هو إجماع المعتزلة والأشعرية لو صح، فكيف وقد حكى أبو حاتم التوحيد (٨)، عن الأشعري نفسه أنه كان يثبت [علومًا] (٩)

стр. 833

لا نهاية لها، والسلف الذين أثبتوا (١) علم الله وقدرته ليس مقصودهم بذلك ما يقصده هؤلاء من أنه لا بعض له، بل قد صرحوا بأنه يعلم بعض علم الله ولا يعلم بعضه، وكل من لم يوافقهم على ما ادعوه من نفي التبعيض الذي اختصموا (٢) بنفيه، كالذين خالفوهم من المرجئة (٣) والشيعة والكرامية وغيرهم، فإنهم يخالفونهم في ذلك، وكذلك جماعة أهل الحديث والفقهاء والصوفية. وهذا الذي اعتمده إمام الطائفة ولسانها القاضي أبو بكر من أنه لا يمكن إثبات وحدة العلم إلا بالإجماع الذي ادعاه، يبين لك أنه ليس في العقل ما يمنع تعدد علمه وقدرته وكلامه وسائر صفاته، وكذلك أقر بذلك أبو المعالي والرازي وغيرهم من حذاق القوم، فإن كلام ابن فورك قد يشعر بأن العقل يوجب اتحاد ذلك، وقد بينا فساد ذلك. الوجه الحادي والسبعون: إن إمامهم المتأخر وهو أبو عبد الله الرازي اعترف في أجل كتبه (٤) أن القول بكون (٥) الطلب هو الخبر باطل على القول بنفي الحال (٦)، ونفي الحال هو مذهب الأشعري نفسه ومحققيهم (٧)،. . . . . . . . . . .

стр. 834

وإليه رجع أبو المعالي في آخر عمره (١). وأما على القول بثبوت الحال فتوقف في ذلك ولم يجزم بإمكانه ولا امتناعه (٢)، وقد تقدم حكاية لفظه في ذلك، وهذا اعتراف (٣) منه بأن هذا القول الذي قالوه ممتنع في العقل عند محققيهم وهم نفاة الحال وأما عند مثبتي الحال منهم (٤) فلا نعلم أنه ممكن أو ممتنع [وعلى التقديرين فلا نعلم أن ذلك ممكن. فتبين أن لا حجة لهم في إمكان صحة] (٥) ما ادعوه من أن كلام الله معنى واحد (٦)، فضلًا عن أن يكون ذلك هو الواقع، إذ ليس كل ما أمكن في الذهن كان هو الواقع، فإنه إذا جاز في العقل أن يكون الكلام صفة واحدة، وجاز أن يكون صفات متعددة، فلا بد من دليل يبين ثبوت أحدهما دون الآخر، فكيف إذا قال الناس لهم: إنه ممتنع؟ لم يذكروا دليلًا على إمكانه.

стр. 835

الوجه الثاني والسبعون: إنا نبين أن هذا القول ممتنع على القول بثبوت الحال، وعلى القول بنفيه. أما على القول بنفيه، فقد تقدم كلامه في ذلك. وأما على القول بثبوته، فإن الرازي إنما توقف لأنه قال (١): "وأما إن تكلمنا على القول بالحال، فيجب أن ينظر في الحقائق الكثيرة هل يجوز أن تتصف (٢) بوجود واحد أم لا؟ فإن قلنا: بجواز ذلك (٣) فحينئذ يجوز أن تكون الصفة الواحدة حقائق مختلفة، وإلّا بطل القول بذلك (٤). قال (٥): وأنا إلى الآن لم يتضح في فيه دليل لا نفيًا ولا إثباتًا. فيقال لهذا: هذه غلوطة (٦)، وذلك أنه هب أن وجود كل شيء زائد على حقيقته في الخارج، وهب أنا سلمنا له ما شك فيه وهو اتصاف الحقائق المختلفة بوجود واحد، فهذا لا يثبت محل النزاع، وذلك لأن هذا إنما يفيد أن تكون الحقائق المختلفة لها صفة واحدة، فتكون الحقائق المختلفة موصوفة بصفة واحدة هي الحال التي هي الموجود، وذلك لا يستلزم أن تكون الحقائق المختلفة شيئًا واحدًا، وأن تكون الصفة الواحدة في نفسها حقائق مختلفة، وبهذا يتبين لك ضعف قوله: فإن قلنا

стр. 836

بجواز (١) ذلك -أي بجواز اتصاف الحقائق المختلفة بوجود واحد- فحينئذ يجوز أن تكون الصفة الواحدة حقائق مختلفة، وإلا بطل القول بذلك. وإنما قلنا: إن هذا ضعيف، لأن اتصاف الحقائق المختلفة بوجود واحد غير كون الصفة الواحدة هي في نفسها حقائق مختلفة، فإن الفرق بين كونها صفة الحقائق مختلفة وبين كونها في نفسها حقائق مختلفة أمر واضح بين، وإنما يصح له ما قال، لو ثبت أن الحقائق المختلفة تتصف بوجود واحد، فإن ذلك الوجود الثابت في الخارج هو في نفسه حقائق مختلفة، وهذا لا يقوله عاقل، وهؤلاء يقولون: إن نفس الطلب هو نفس الخبر، فيجعلون الحقيقتين المختلفين شيئًا واحدًا وذلك ممتنع. وإن قيل: إن (٢) لها وجودًا واحدًا زائدًا على حقيقتها، فإن فساد كون الحقيقتين شيئًا واحدًا معلوم بالبديهة. ومما يوضح هذا: أن الحقائق المختلفة كالأعراض المختلفة، وإن قيل: إن وجودها زائد (٣) على حقيقتها، وإنه يجوز أن يكون وجودها واحدًا، فلا يقول عاقل بها في نفسها واحدة. الوجه الثالث والسبعون: أن يقال: ما شك فيه يقطع فيه بالامتناع (٤) فيقال: من الممتنع أن يكون الحقيقتان المختلفتان لهما وجود واحد قائم بهما، كما يمتنع أن يكون لهما عرض واحد يقوم بها، وذلك لأن الحال -الذي هو الوجود- الذي يقال: إنه قائم بالحقائق، وإنه زائد على حقائقها تابع لتلك

стр. 837

الحقائق، فوجود كل حقيقة تابع لها لا يجوز أن يوجد (١) بغيرها، كما لا يوجد بغيرها سائر ما يقوم به من الأعراض فكما لا يجوز أن يكون العرض القائم بهذه الحقيقة هو بعينه العرض القائم بالحقيقة الأخرى المخالفة لها، فالوجود (٢) الذي لهذه الحقيقة أولى أن لا يكون الوجود القائم بالحقيقة الأخرى بعينه، وهذا ظاهر. الوجه الرابع والسبعون: إن هذا الذي شك فيه لو صح وجزم به، لكان غايته أن يكون الكلام متعددًا متحدًا، فيكون حقيقتين وهو واحد، أما رفع التعدد عنه من كل وجه فلا يمكن، لأن الوجود واحد، إذا كان لحقيقتين -وقيل: إن الصفة تكون حقائق مختلفة- فلا ريب أن ذلك يوجب كونها حقائق مختلفة وكونها شيئًا واحدًا، وهؤلاء يمنعون أن يكون المعنى الواحد القائم بالنفس حقائق مختلفة، فعلم أن قولهم معلوم الفساد على كل تقدير، وهذا كله تنزل معهم على تقدير ثبوت الحال، وإن وجود الشيء في الخارج زائد على حقائقها الموجودة، وإلّا فهذا القول من أفسد الأقوال، وإنما ابتدعه بعض المعتزلة الذي يقولون: المعدوم شيء في الخارج، فالبناء عليه فاسد. الوجه الخامس والسبعون: إنه يقال: هب أنه أمكن أن يكون الكلام معنى واحدًا (٣)، كما قلتم: إنه يمكن أن يكون العلم واحدًا، فما الدليل (٤) على أنه ليس لله

стр. 838

كلام إلا معنى واحدًا؟ وما الدليل على أنه يمتنع أن يكون كلامه، إلا معنى واحدًا (١)؟ وقد اعترفوا بأنه لا دليل على ذلك، كما قال الرازي بعد أن بين أنه إما ممتنع أو متوقف في إمكانه، فقال (٢): "وأما الذي يدل على أن الأمر كذلك فلا يمكن أن يعول فيه على الإجماع للحكاية التي (٣) ذكرها أبو إسحاق الإسفرائيني، ولم نجد لهم نصًّا، ولا يمكن أن يقال (٤): فيه دلالة عقلية، فبقيت المسألة بلا دليل". الوجه السادس والسبعون: إن الجهمية كثيرًا ما يزعمون أن أهل الإثبات يضاهئون النصارى، وهذا يقولونه: تارة لإثباتهم الصفات (٥)، وتارة لقولهم: إن كلام الله أنزله، وهو في القلوب والمصاحف، والجهمية هم المضاهئون للنصارى (٦) فيما كفرهم الله به، لا أهل الإثبات الذين ثبتهم الله بالقول

стр. 839

الثابت، فأما، الوجه الأول: في إثبات الصفات فليس هذا موضعه وإنما الغرض الوجه الثاني: الذي يختص بالكلام، فإنهم تارة يقولون: إذا قلتم: إن كلام الله غير مخلوق، فهو نظير قول النصارى: إن المسيح كلمة الله، وهو غير مخلوق، وتارة يقولون: إذا قلتم: إن كلام الله في الصدور والمصاحف فقد قلتم يقول النصارى الذين يقولون: إن الكلمة حلت في المسيح وتدرعته، وهذا الوجه هو الذي يقوله من يزعم أن كلام الله ليس إلا معنى في النفس، ومن يزعم أن الله لم ينزل إلى الأرض كلامًا له في الحقيقة، والغرض هنا الكلام على هؤلاء. [فيقال لهم] (١): أما أنتم فضاهيتم النصارى في نفس ما هو ضلال مما خالفوا فيه صريح العقل وكفرهم الله بذلك، بخلاف أهل الإثبات، وذلك يتبين بما ذمه الله تعالى من مذهب النصارى، فإنه سبحانه قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢). وهذا المعنى -هو جعلهم ولدًا لله وتنزيه الله نفسه عن ذلك- مذكور في مواضع من القرآن، كما ذكر قصة مريم ثم قال في آخرها: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ

стр. 840

وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (١) وقال في موضع آخر: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). . . . الآيات. وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤). . . . الآية.

стр. 841

فقد ذكر كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة [في آية] (١) ونهى أهل الكتاب عن ذلك في آية أخرى، فهذان موضعان ذكر فيهما التثليث عنهم، وفي موضعين ذكر كفرهم بقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم، وأما ذكر الولد عنهم فكثير. واعلم أن من الناس من يزعم أن هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرها الله عن النصارى، هي قول الأصناف الثلاثة: اليعقوبية (٢)، وهم شرهم، وهم السودان من الحبشة والقبط، ثم الملكية (٣)، وهم أهل الشمال من

стр. 842

الشام والروم، ثم النسطورية (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 843

وهم نشؤوا في دولة المسلمين من زمن المأمون، وهم قليل. فإن اليعقوبية: تزعم أن اللاهوت والناسوت (١) اتحدا وامتزجا كامتزاج الماء واللبن والخمر، فهما جوهر واحد (٢)، وأقنوم واحد، وطبيعة واحدة، فصار عين الناسوت عين اللاهوت، وأن المصلوب (٣) هو عين اللاهوت. والملكية (٤) تزعم أنهما صارا جوهرًا (٥) واحدًا له أقنومان، وقيل: أقنوم واحد له جوهران. والنسطورية يقولون (٦): هما جوهران أقنومان، وإنما اتحدا في المشيئة، وهذان قول من يقول بالاتحاد (٧). وأما القول بالحلول: فمن المتكلمين كأبي المعالي (٨) من يذكر

стр. 844

الخلاف في فرقهم الثلاث، منهم من يقول بالاتحاد بالمسيح، ومنهم من يقول بالحلول فيه، فيقول هؤلاء: من الطوائف الثلاثة من يقول (١) بالحلول، وأن اللاهوت (٢) حل في الناسوت، وقالوا: هذا قول الأكثر منهم، فهما جوهران وطبيعتان وأقنومان، كالجسد والروح، وأما من فسر ذلك بظهور اللاهوت في الناسوت، فهذا ليس من هؤلاء. وذكر طوائف من المتكلمين كابن الزاغوني عنهم أنهم جميعًا يقولون بالاتحاد والحلول لكن الاتحاد في المسيح والحلول في مريم، فقالوا: اتفقت طوائف النصارى على أن الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم (٣)، وأن كل واحد من الأقانيم جوهر خاص يجمعها الجوهر العام، وذكروا اختلافًا بينهم (٤). ثم قالوا: وزعموا أن الجوهر هو الأب، والأقانيم الحياة وهي روح القدس، والعلم القدرة، وأن الله اتحد بأحد الأقانيم (الذي) (٥)

стр. 845

هو الابن بعيسى بن مريم، وكان مسيحًا عند الاتحاد لاهوتيًّا وناسوتيًّا، حمل وولد ونشأ وقتل وصلب ودفن. ثم ذكروا (١) اليعقوبية، والنسطورية، والملكية. قال الناقلون عنهم: واختلفوا في الكلمة الملقاة إلى مريم ﵍ فقال طائفة منهم: إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة، كما (٢) يحل الماء في اللبن فيمازجه ويخالطه، وقالت طائفة منهم: إنها حلت في مريم من غير ممازجة، [كما أن شخص الإنسان يحل في المرآة وفي الأجسام الصقيلة من غير ممازجة] (٣) وزعمت طائفة من النصارى أن اللاهوت مع الناسوت، كمثل الخاتم مع الشمع يؤثر فيه بالنقش ثم لا يبقى منه شيء إلا أثر فيه. ثم ذكر هؤلاء (٤) عنهم في الاتحاد نحو ما حكى الأولون فقالوا: قد اختلف قولهم في الاتحاد اختلافًا (٥) متباينًا، فزعم قوم منهم أن الاتحاد هو: أن الكلمة التي هي الابن حلت جسد المسيح، قيل (٦): وهذا قول الأكثرين منهم، وزعم قوم منهم أن الاتحاد هو: الاختلاط والامتزاج. وقال قوم من اليعقوبية: هو أن كلمة الله انقلبت لحمًا ودمًا بالاتحاد. وقال كثير من اليعقوبية النسطورية: الاتحاد هو أن الكلمة والناسوت
следующие страницы →