← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فقد ذكر كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة [في آية] (١) ونهى أهل الكتاب عن ذلك في آية أخرى، فهذان موضعان ذكر فيهما التثليث عنهم، وفي موضعين ذكر كفرهم بقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم، وأما ذكر الولد عنهم فكثير. واعلم أن من الناس من يزعم أن هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرها الله عن النصارى، هي قول الأصناف الثلاثة: اليعقوبية (٢)، وهم شرهم، وهم السودان من الحبشة والقبط، ثم الملكية (٣)، وهم أهل الشمال من

стр. 842

الشام والروم، ثم النسطورية (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 843

وهم نشؤوا في دولة المسلمين من زمن المأمون، وهم قليل. فإن اليعقوبية: تزعم أن اللاهوت والناسوت (١) اتحدا وامتزجا كامتزاج الماء واللبن والخمر، فهما جوهر واحد (٢)، وأقنوم واحد، وطبيعة واحدة، فصار عين الناسوت عين اللاهوت، وأن المصلوب (٣) هو عين اللاهوت. والملكية (٤) تزعم أنهما صارا جوهرًا (٥) واحدًا له أقنومان، وقيل: أقنوم واحد له جوهران. والنسطورية يقولون (٦): هما جوهران أقنومان، وإنما اتحدا في المشيئة، وهذان قول من يقول بالاتحاد (٧). وأما القول بالحلول: فمن المتكلمين كأبي المعالي (٨) من يذكر

стр. 844

الخلاف في فرقهم الثلاث، منهم من يقول بالاتحاد بالمسيح، ومنهم من يقول بالحلول فيه، فيقول هؤلاء: من الطوائف الثلاثة من يقول (١) بالحلول، وأن اللاهوت (٢) حل في الناسوت، وقالوا: هذا قول الأكثر منهم، فهما جوهران وطبيعتان وأقنومان، كالجسد والروح، وأما من فسر ذلك بظهور اللاهوت في الناسوت، فهذا ليس من هؤلاء. وذكر طوائف من المتكلمين كابن الزاغوني عنهم أنهم جميعًا يقولون بالاتحاد والحلول لكن الاتحاد في المسيح والحلول في مريم، فقالوا: اتفقت طوائف النصارى على أن الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم (٣)، وأن كل واحد من الأقانيم جوهر خاص يجمعها الجوهر العام، وذكروا اختلافًا بينهم (٤). ثم قالوا: وزعموا أن الجوهر هو الأب، والأقانيم الحياة وهي روح القدس، والعلم القدرة، وأن الله اتحد بأحد الأقانيم (الذي) (٥)

стр. 845

هو الابن بعيسى بن مريم، وكان مسيحًا عند الاتحاد لاهوتيًّا وناسوتيًّا، حمل وولد ونشأ وقتل وصلب ودفن. ثم ذكروا (١) اليعقوبية، والنسطورية، والملكية. قال الناقلون عنهم: واختلفوا في الكلمة الملقاة إلى مريم ﵍ فقال طائفة منهم: إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة، كما (٢) يحل الماء في اللبن فيمازجه ويخالطه، وقالت طائفة منهم: إنها حلت في مريم من غير ممازجة، [كما أن شخص الإنسان يحل في المرآة وفي الأجسام الصقيلة من غير ممازجة] (٣) وزعمت طائفة من النصارى أن اللاهوت مع الناسوت، كمثل الخاتم مع الشمع يؤثر فيه بالنقش ثم لا يبقى منه شيء إلا أثر فيه. ثم ذكر هؤلاء (٤) عنهم في الاتحاد نحو ما حكى الأولون فقالوا: قد اختلف قولهم في الاتحاد اختلافًا (٥) متباينًا، فزعم قوم منهم أن الاتحاد هو: أن الكلمة التي هي الابن حلت جسد المسيح، قيل (٦): وهذا قول الأكثرين منهم، وزعم قوم منهم أن الاتحاد هو: الاختلاط والامتزاج. وقال قوم من اليعقوبية: هو أن كلمة الله انقلبت لحمًا ودمًا بالاتحاد. وقال كثير من اليعقوبية النسطورية: الاتحاد هو أن الكلمة والناسوت

стр. 846

اختلطا فامتزجا، كاختلاط الماء بالخمر، والخمر باللبن. وقال قوم منهم: إن الاتحاد هو أن الكلمة والناسوت اتحدا فصارا هيكلًا ومحلًا. وقال قوم منهم: إن (١) الاتحاد مثل ظهور صورة الإنسان في المرآة، والطابع (٢) في المطبوع، مثل الخاتم في الشمع (٣). وقال قوم منهم: الكلمة اتحدت بجسد المسيح على معنى أنها حلته من غير مماسة ولا ممازجة، كما تقول: إن الله في السماء وعلى العرش من غير مماسة ولا ممازجة. وقال الملكية: الاتحاد هو: أن الاثنين صارا واحدًا، وصارت الكثرة قلة (٤). فزعم بعض الناس أن الذين قالوا: هو المسيح بن مريم [هم] (٥) الذين قالوا: اتحدا (٦) حتى صارا شيئًا واحدًا، والذين قالوا: هما جوهر واحد له طبيعتان، فيقولون: هو ولده بمنزلة الشعاع المتولد عن الشمس، والذين قالوا بجوهرين وطبيعتين وأقنومين مع الرب، قالوا: ثالث ثلاثة، وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بشيء، فإن الله أخبر أن النصارى يقولون: إنه ثالث ثلاثة [وإنهم يقولون: إنه الله] (٧) وإنهم يقولون: إنه ابن الله، وقال لهم: لا تقولوا (٨): ثلاثة، مع إخباره أن النصارى افترقوا وألقى بينهم العداوة والبغضاء بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ

стр. 847

وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، وقد ذكر [المفسرون أن] (٢) هذا إخبار بتفرقهم إلى هذه الأصناف الثلاثة وغير ذلك (٣). وقد أخبر سبحانه (٤) عقب قوله ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ بما يقتضي أن هؤلاء اتخذوه ولدًا بقوله (٥): ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٦). وقد (٧) ذكر -أيضًا- ما يقتضي أن قولهم: إن الله هو المسيح بن مريم من الشرك، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ

стр. 848

الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١). فهذا يقتضي أن هذا القول من الشرك، وذلك لأنهم مع قولهم: إن الله هو المسيح بن مريم فلا يخصونه بالمسيح، بل يثبتون أن له وجودًا وهو الأب، ليس هو الكلمة التي في المسيح، فإن عبادتهم إياه معه إشراك، وذلك مضموم إلى قولهم (٢): إنه هو، وقولهم: إنه ولده، وقد نزه الله نفسه عن هذا وهذا في غير موضع من القرآن، نزه نفسه عن الشريك والولد، كما في قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٥) وأيضًا -فهذه الأقوال لا تنطبق على ما ذكر، فإن الذين (٦) يقولون: إنهما اتحدا وصارا (٧) شيئًا واحدًا يقولون -أيضًا-: إنما اتحد به (٨) الكلمة التي هي الابن، والذين يقولون: هما جوهر واحد له

стр. 849

طبيعتان يقولون: إن المسيح إله، وإنه الله، والذين يقولون: إنه حل فيه يقولون: حلت فيه الكلمة التي هي الابن، وهي الله -أيضًا- بوجه آخر، كما سنذكره. وأيضًا -فقوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (١) ليس المراد به الله، واللاهوت الذي في المسيح، وجسد المسيح، فإن أحدًا من النصارى لا يجعل لاهوت المسيح وناسوته إلهين، ويفصل الناسوت عن اللاهوت، بل سواء قال بالاتحاد أو بالحلول فهو تابع للاهوت. وأيضًا -فقوله عن النصارى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ (٢) و ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣). وقد قيل (٤): إن المراد به قول النصارى باسم الأب والابن وروح

стр. 850

القدس إله واحد، وهو قولهم بالجوهر الواحد الذي له الأقانيم [الثلاثة التي يجعلونها ثلاثة جواهر وثلاثة أقانيم] (١)، أي: ثلاث صفات وخواص، وقولهم: إنه هو الله، وابن الله، هو الاتحاد والحلول، فيكون على هذا تلك الآية على قولهم تثليث الأقانيم، وهاتان في قولهم بالحلول والاتحاد، فالقرآن على هذا القول رد في كل آية بعض قولهم، كما أنه على القول الأول في كل آية على صنف منهم. والقول الثاني (٢): وهو الذي عليه [يدل القرآن] (٣) أن المراد

стр. 851

بذلك جعلهم المسيح إلهًا ولأمه إلهًا مع الله، كما ذكر ذلك في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (١). . . الآية، ويدل على ذلك قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (٢) فقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، عقيب (٣) قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٤)، يدل على أن التثليث الذي ذكره الله عنهم اتخاذ المسيح ابن مريم [وأمه] (٥) إلهين، وهذا واضح (٦) على قول (٧) من حكى عن النصارى أنهم يقولون بالحلول في مريم والاتحاد بالمسيح، وهو أقرب إلى تحقيق مذهبهم وعلى هذا فيكون (٨) كل آية مما ذكره الله من الأقوال تعم جميع طوائفهم، وتعم -أيضًا- قولهم بتثليث الأقانيم وبالاتحاد والحلول، فتعم أصنافهم وأصناف كفرهم، ليس يختص كل آية

стр. 852

بصنف، كما قال من يزعم ذلك، ولا تختص آية بتثليث الأقانيم، وآية بالحلول والاتحاد، بل هو -سبحانه- ذكر في كل آية كفرهم المشترك، ولكن وصف كفرهم بثلاث صفات، وكل صفة تستلزم الأخرى، إثهم يقولون: المسيح هو الله، ويقولون: هو ابن الله، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة، حيث اتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله، هذا بالاتحاد، وهذا بالحلول، ويبين (١) بذلك إثبات ثلاثة آلهة منفصلة (٢) غير الأقانيم، وهذا يتضمن جميع كفر النصارى، وذلك أنهم يقولون: الإله جوهر واحد له ثلاثة أقانيم، وهذه الأقانيم يجعلونها تارة جواهر وأشخاصًا، وتارة صفات وخواصًا (٣)، فيقولون: الوجود الذي هو الأب، والابن الذي هو العلم، وروح القدس التي هي الحياة عند متقدميهم، والقدرة عند متأخريهم، فيقولون: موجود هي عالم أو ناطق أو موجود عالم قادر، لكن يقولون -أيضًا-: إن الكلمة التي هي الابن جوهر، وروح القدس -أيضًا- جوهر، وإن المتحد بالمسيح هو جوهر الكلمة دون جوهر الأب وروح القدس، وهذا مما لا نزاع بينهم فيه. ومن هنا قالوا كلهم: المسيح هو الله، وقالوا كلهم: هو ابن الله، لأنه من حيث أن الأب والابن وروح القدس إله واحد [وجوهر واحد] (٤) وقد اتحد بالمسيح كان المسيح هو الله، ومن حيث أن الأب جوهر، والابن جوهر وروح القدس جوهر، والذي اتحد به هو جوهر الابن الذي

стр. 853

هو الكلمة، كان المسيح هو ابن الله عندهم، ولا ريب أن هذين القولين وإن كان كل منهما متضمنًا لكفرهم، كما ذكره الله، فإنهما متناقضان، إذ كونه هو، ينافي كونه ابنه، لكن النصارى يقولون هذا كلهم، ويقولون هذا كلهم، كما ذكر الله ذلك عنهم، ولهذا كان قولهم معلوم التناقض في بديهة العقول عند كل من تصوره، فإن هذه الأقانيم إذا كانت صفات أو خواصًا، وقدر (١) أن الموصوف له بكل صفة اسم، كما مثلوه بقولهم: زيد الطبيب (٢)، وزيد الحاسب، وزيد الكاتب، لكن لا (٣) يمكن أن بعض هذه الصفات يتحد بشيء دون الجوهر، ولا أن بعض هذه الصفات يفارق بعضًا، فلا يتصور مفارقة بعضها بعضًا، ولا مفارقة شيء منها للموصوف، حتى يقال: المتحد بالمسيح بعض هذه الصفات، وهم لا يقولون ذلك -أيضًا- بل هم متفقون على أنه المتحد به جوهر قائم بنفسه، فإن لم يكن جوهر إلا جوهر الأب، كان جوهر الأب هو المتحد، وإن كان جوهر الابن غيره، فهما جوهران منفصلان، وهم لا يقولون بذلك، والموصوف -أيضًا- لا يفارق صفاته، كما لا تفارقه، فلا يمكن أن يقال: اتحد الجوهر بالمسيح بأقنوم العلم دون الحياة، إذ العلم والحياة لا زمان للذات، لا يتصور أن تفارقهما الذات ولا يفارقهما واحد منهما. ومن هنا قيل: النصارى غلطوا في أول مسألة من الحساب الذي يعلمه كل أحد، وهو قولهم: الواحد ثلاثة، وأما قول بعضهم: أحديّ

стр. 854

الذات ثلاثي الصفات (١)، فهم لا يكتفون بذلك كما تقدم، بل يقولون: الثلاثة جواهر والمتحد بالمسيح واحد منها (٢) دون الآخر (٣)، وبهذا يتبين أن كل من أراد أن يذكر قولهم على وجه يعقل فقد قال الباطل، كقول المتكايسين (٤) منهم: هذا كما تقول: زيد الطبيب (٥)، وزيد الحاسب، وزيد الكاتب، فهم ثلاثة رجال باعتبار الصفات، وهم رجل واحد باعتبار الذات فإنه يقال: من يقول هذا لا يقول: بأن زيدًا الطبيب (٦) فعل

стр. 855

كذا، أو اتحد بكذا، أو حل به دون زيد الحاسب والكاتب، بل أي شيء فعله أو وصف به زيدًا الطبيب (١) في هذا المثال هو الموصوف به زيد الكاتب الحاسب (٢). والنصارى يثبتون هذا المثلث في الأقانيم مع قولهم: إن المتحد هو الواحد، فيجعلون المسيح هو الله، لأنهم يقولون: [الموصوف اتحد به، ويجعلونه (٣) هو ابن الله، لأنهم يقولون:] (٤) إنما اتحد به الجوهر الذي هو الكلمة، أو إنما اتحد به الكلمة دون الأب الذي هو الوجود، و (٥) دون روح القدس، وهما -أيضًا- جوهران، فقد تبين أن قول النصارى بهذا وبهذا جمع بين النقيضين، وهو من أفسد شيء في بدائه (٦) العقول، وكل منها كفر كما كفرهم الله، وأما قولهم: ثالث ثلاثة، فإنهم ذلك يعبدون الأم التي هي والدة الإله عندهم، وهذا كفر

стр. 856

آخر مستقل بنفسه غير تثليث الأقانيم والاتحاد (١) بالمسيح، فالقرآن يتناول جميع أصناف كفرهم في هذا الباب تناولًا تامًّا. والمقصود هنا التنبيه على مضاهاة (٢) الجهمية لهم دون تفصيل الكلام عليهم، والجهمية الغلاط يضاهئونهم (٣) مضاهاة عظيمة، لكن المقصود هنا ذكر مضاهاة هؤلاء الذين يقولون: الكلام معنى واحد قائم بذات الرب، فيقال: أنتم قلتم: الكلام معنى واحد لا ينقسم ولا يختلف، وهذا المعنى الواحد هو بعينه أمر ونهي وخبر، فجعلتهم الواحد ثلاثة، وجعلتم الواحد الذي لا اختلاف فيه ثلاث حقائق مختلفة، وهذا مضاهاة قوية لقول النصارى: الرب إله واحد جوهر واحد، وهو مع ذلك ثلاثة (٤) جواهر، فجعلوه واحدًا، وجعلوه (٥) ثلاثة، ثم قلتم هذا الكلام الذي هو واحد، وهو أمر ونهي وخبر، ينزل تارة فيكون أمرًا، وتارة فيكون خبرًا، وتارة فيكون نهيًا، وإذا نزل فكان أمرًا لم يكن خبرًا، وإذا نزل فكان خبرًا لم يكن أمرًا، فإنه إذا أنزله الله فكان آية الكرسي، وهي خبر، لم يكن آية الدين التي هي أمر، وهذا لعله من أعظم المضاهاة لقول (٦) النصارى: إن الجوهر الواحد الذي هو ثلاثة جواهر ثلاثة أقانيم، إذا اتحد فإنما يكون كلمة وابنًا، لا يكون أبًا ولا روح قدس، فإن هؤلاء كما جعلوا الشيء الذي هو واحد، يتحد ولا يتحد، يتحد من جهة كونه كلمة، ولا يتحد من كونه وجودًا،

стр. 857

جعل (١) أولئك الذي هو كلام واحد، ينزل لا ينزل، ينزل من جهة كونه أمرًا، لا ينزل من جهة كونه خبرًا. وأيضًا -فإنهم ضاهوا النصارى في تحريف مسمى الكلمة والكلام، فإن المسيح سمي كلمة الله، لأن الله خلقه بكلمته "كن فيكون" كما يسمى متعلق الصفات بأسمائها، فيسمى المقدور قدرة، والمعلوم علمًا، وما يرحم به رحمة، والمأمور به أمرًا، وهذا كثير قد بسطناه في غير هذا الموضع (٢)، لكن هذه الكلمة تارة يجعلونها صفة لله، ويقولون: هي العلم، وتارة يجعلونها جوهرًا قائمًا بنفسه، وهي المتحد بالمسيح، وهؤلاء حرفوا مسمى الكلام، فزعموا أنه ليس إلّا مجرد المعنى، وأن ذلك المعنى ليس هو العلم، ولا الإرادة، ولا ما هو من جنس ذلك، ولكن هو شيء واحد، وهو حقائق مختلفة، لكن ليس في المسلمين من يقول: الكلام جوهر قائم بنفسه، إلّا ما يذكر عن النظام (٣) أنه قال: الكلام الذي هو الصوت جسم من الأجسام. وأيضًا -فهم في لفظ القرآن الذي هو (٤) حروف (٥) واشتماله على المعنى، لهم مضاهاة قوية بالنصارى في جسد المسيح، الذي هو متدرع للاهوت، فإن هؤلاء متفقون على أن حروف القرآن ليست من كلام الله، بل هي مخلوقة، كما أن النصارى متفقون على أن جسد المسيح لم يكن

стр. 858

من اللاهوت، بل هو مخلوق، ثم يقولون: المعنى القديم لما أنزل (١) بهذه الحروف المخلوقة، فمنهم من يسمي الحروف كلام الله حقيقة، كما يسمي المعنى كلام الله حقيقة، ومنهم من يقول: بل هي كلام الله مجازًا، كما أن النصارى منهم من يجعل (٢) لاهوتًا حقيقة لاتحاده باللاهوت واختلاطه به، ومنهم من يقول: هو محل اللاهوت ودعاؤه، ثم النصارى تقول: هذا الجسد إنما عبد لكونه مظهر اللاهوت وإن لم يكن هو إياه، ولكن صار هو إياه بطريق الاتحاد، وهو محله بطريق الحلول، فعظم ذلك (٣)، وهؤلاء يقولون: هذه الحروف ليست من كلام الله ولا يجوز أن يتكلم الله بها، ولا يكلم بها، بل لا يدخل في قدرته أن يتكلم بها، ولكن خلقها فأظهر بها المعنى القديم ودل بها عليه، فاستحقت الإكرام والتحريم لذلك، حيث يدخل في حكمه، بحيث لا يفصل بينهما، أو يفصل بأن يقال: هذا مظهر هذا [و] (٤) دليله، وجعلوا ما ليس هو كلام الله، ولا تكلم الله به قط كلامًا لله، معظمًا تعظيم كلام الله كما جعلت النصارى الناسوت الذي ليس هو بإله قط، ولا هو الكلمة، إلها وكلمة، وعظموه تعظيم الإله الذي هو كلمة الإله (٥) عندهم، ومنها أن النصارى على ما حكى عنهم المتكلمون، كابن الباقلاني (٦) أو غيره (٧) ينفون الصفات، ويقولون: إن الأقانيم التي هي الوجود والحياة والعلم، هي خواص، هي صفات نفسية للجوهر،

стр. 859

ليست صفات زائدة على الذات، ويقولون: إن الكلمة هي العلم، ليس هي كلام الله، فإن كلامه صفة فعل، وهو مخلوق، فقولهم في هذا كقول نفاة الصفات من الجهمية المعتزلة وغيرهم، وهذا يكون قول بعضهم ممن خاطبه متكلموا الجهمية من النسطورية وغيرهم، وممن تفلسف منهم على مذهب نفات الصفات من المتفلسفة ونحو هؤلاء، وإلا فلا ريب أن النصارى مثبتة للصفات، بل غالية في ذلك، كما أن اليهود -أيضًا- فيهم المثبتة والنفاة. والمقصود هنا أن تسميتهم للعلم كلمة، ودون الكلام الذي هو الكلام، ثم ذلك العلم ليس هو أمرًا (١) معقولًا، كما تعقل الصفات القائمة بالموصوف، ضاهاهم في هؤلاء الذين يقولون: الكلام هو ذلك المعنى القائم بالنفس، دون الكلام الذي هو الكلام [ثم ذلك المعنى ليس هو المعقول من معاني الكلام، فحرفوا اسم الكلام] (٢) ومعناه، كما حرفت النصارى اسم الكلمة ومعناها، وهذا الذي ذكرته من مضاهاة هؤلاء النصارى من بعض الوجوه رأيت بعد ذلك الناس قد نبهوا على ذلك. قال أبو الحسن بن الزاغوني (٣) في مسألة وحدة الكلام: دليل آخر يقال لهم: ما الفرق بينكم في قولكم: إن الأمر والنهي اثنان وهما واحد، والقول بذلك قول صحيح غير مناف للصحة والإمكان، وبين من قال: إن الكلمة والناسوت واللاهوت ثلاثة واحد؟ فإن هذا مما اتفقنا على قبحه شرعًا وعقلًا، من جهة أن الكلمة (٤) غير الناسوت واللاهوت، وكذلك الآخران صفة ومعنى، كما أن الأمر يخالف النهي صفة ومعنى.

стр. 860

قال: وهذا مما لا محيد لهم عنه، ولا انفصال لهم منه، إلا بزخارف عاطلة عن صحة لا يصلح مثلها أن يكون شبهة يوقف (١) معها. وقد قال ابن الزاغوني قبل ذلك: لو جاز أن يقال: إن عين الأمر هو النهي، مع كون الأمر يخالف النهي في وضعه ومعناه، فإن الأمر استدعاء الفعل، والنهي استدعاء الترك، وموضوع الأمر إنما يراد منه [تحصيل ما يراد بطريق الوجوب أو الندب، وموضوع النهي براد منه] (٢) مجانبة ما يكره، إما بطريق التحريم أو الكراهة والتنزيه، وما يدخل تحت الأمر يقتضي الصحة، وما يدخل تحت النهي يقتضي الفساد، إما بنفسه، أو بدليل يتصل به [أو ينفصل عنه، وكذلك من المحال أن يقتضي النهي الصحة، إما بنفسه، أو بدليل يتصل به] (٣) ولو قال قائل: إن المنهي (٤) عنه نهي عنه لكونه محبوبًا عند الناهي عنه، والمأمور به أمر به لكونه مبغوضًا (٥) عند الآمر به، لكان هذا قولًا باطلًا يشهد العقل بفساده، ويعرف جري العادة على خلافه، وهذا يوجب أن يكون الأمر في نفسه وغيره (٦)، غير النهي بنفسه وعينه، ولو ادعى مدع أن ذلك مقطوع به غير مسوغ حصوله لكان ذلك جائزًا ممكنًا. قلت: ما ذكره من فساد هذا القول هو كما ذكره، لكن يقال له ولمن وافقه: وأنتم أيضًا-[قد] (٧) قلتم في مقابلة هؤلاء ما هو في الفساد ظاهر كذلك.

стр. 861

قال ابن الزاغوني (١) في مسألة الحرف (٢) والصوت قالوا: إذا قلتم: إن القرآن صوت ندركه بأسماعنا، والذي ندركه بأسماعنا عند تلاوة التالي، إنما هو صوته الذي يحدث عنه، وهو عرض وجد بعد عدمه (٣)، وعدم بعد وجوده، وهو مما (٤) يقوم به، ويتقدر بقدر حركاته، فإن قلتم: هذا هو القديم، فنقول لكم: هذا هو صوت الله، فإن قلتم: نعم، فهذا محال (٥)، لأنا نعلمه ونتحقق صوت القارئ، وإن قلتم: إنه صوت القارئ، فقد أقررتم بأنه محدث، وهو خلاف قولكم. قال: قلنا: قولكم إن الصوت الذي ندركه بأسماعنا عند تلاوة التالي للقرآن، إنما هو صوته الذي يحدث عنه على ما ذكرتم، هو دعوى مسألة الخلاف، بل نقول: إن هذا الذي ندركه بأسماعنا عند تلاوة التالي، هو الكلام القديم، فلا نسلم لكم ما قلتم، وما ذكرتموه من العدم، والوجود بعد العدم، والفناء بعد الوجود، ليس الأمر كذلك، بل نقول: إنه ظهر عند حركات التالي بآلاته (٦) في محل قدرته، فأما عدمه قبل وبعد فلا، وأما قولكم: إنه يتقدر بحركاته، فقد أسلفنا الجواب عنه، وأما سؤالكم لنا: هل هذا الذي نسمعه صوت الله تعالى أم

стр. 862

صوت الآدمي؟ فقد ذكر أصحابنا في هذا جوابين: أحدهما: لما قلنا: إن [ما] (١) يظهر عند حركات آلات الآدمي في محل قدرته من الأصوات، فإنما هو القرآن الذي هو كلام الله، وليس هو بالعبد، ولا منه، ولا مضاف (٢) إليه على طريق التولد والانفعال ونتائج العقل، وإنما يضاف إلى الله تعالى بقدر ما توجبه (٣) الإضافة، والذي توجبه الإضافة أن يكون قرآنًا وكلامًا لله، وقد اتفقنا أن القرآن الذي هو كلام الله قديم غير مخلوق، فوجب لذلك أن نقول (٤): إن ما يصل إلى السمع هو صوت الله تعالى، لأنه لا فعل للعبد فيه، وهو جواب حسن مبني على هذا الأصل الذي ثبت بالأدلة الجلية القاطعة. والجواب الثاني: أنهم قالوا: لما جرت العادة أن زيادة الأصوات تكثر عند كثرة الاعتمادات، وقد يختلف الناس في الأداء، فمنهم من يقول: القرآن على وجه لا زيادة فيه، بل هو كاف في إيصاله إلى السمع على وجه، فإن نقص لم يصل، وإن زاد أكثر منه وصل عما يحتاج إليه، إما في رفع الصوت، وإما في الأداء من المد والهمز والتشديد، إلى غير ذلك من حلية التلاوة، وتصفية الأداء بالقوة والتحسين، فما لا غنى عنه في تحصيل الاستماع وتكملة الفهم فذلك (٥) هو القديم، وما قارنه مما اقتضى الزيادة في ذلك مما لو أسقط لما أثر في شيء مما يحتاج إليه من الاستماع والفهم، فذلك مضاف إلى العبد، فهذا يبين أنه اقترن القديم

стр. 863

بالمحدث على وجه يعسر تمييزه إلا (١) بعد التلفظ والتأني (٢) في التدبر، ليصل بذلك إلى مقام الفهم والتبيين (٣) لما ذكرناه، وهو عند الوصول إليه مضى (٤) العقل بتحصيل مطلوبه. قلت: دعوى أن هذا الصوت المسموع من العبد أو بعضه، هو صوت الله، أو هو قديم، بدعة منكرة (٥)، مخالفة لضرورة العقل، لم يقلها أحد من أئمة الدين، بل أنكرها جمهور المسلمين، من أصحاب الإمام أحمد وغيره، وإنما قال ذلك شرذمة قليلة من الطوائف وهي (٦) أقبح وأنكر من قول الذين قالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، فإن أولئك لم يقولوا: صوتنا، ولا قالوا: قديم، ومع هذا فقد اشتد نكير الإمام

стр. 864

أحمد عليهم، وتبديعه لهم (١)، وقد صنف الإمام أبو بكر المروذي -صاحبه- في ذلك مصنفًا (٢)، جمع فيه مقالات علماء الوقت، من أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم على إنكار ذلك، وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال في كتاب السنة (٣)، وهذا الذي ذكره ابن الزاغوني

стр. 865

عن أصحابه، إنما هم أتباع القاضي أبي يعلى في ذلك، فإن هذا تصرف القاضي والله يغفر له، وقد كان ابن حامد يقول: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق على ما ذكره (١) عنه، والقاضي أنكر هذا، كما ثبت إنكاره عن أحمد وذهب في إنكار ذلك إلى ما ذهب إليه الأشعري (٢) وابن الباقلاني (٣) وغيرهم، أنهم كرهوا أن يقال: لفظت بالقرآن، وأن القرآن لا يلفظ، قالوا: لأن القديم لا يلفظ، إذ اللفظ هو الطرح والرمي، ولكن يتلى ويقرأ (٤)، فإن الأشعري لما ذكر في مقالة أهل السنة أنهم منعوا أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق (٥)، وكان هو وأئمة أصحابه منتسبين إلى الإمام أحمد خصوصًا، وإلى غيره من أهل الحديث عمومًا في السنة والإنكار على الطائفتين كما اشتهر عن الإمام أحمد، وطائفة من (٦) الأئمة في زمانه وافقوه (٧) على ذلك وفسروه بكراهة لفظ القرآن [و] (٨) وافقهم القاضي أبو يعلى في ذلك، ثم إن القاضي وأتباعه يقولون أبلغ من قول من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأولئك يقولون أبلغ من قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، مع دعوى

стр. 866

الطائفتين اتباع أحمد، وقد صنف الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر (١) المشهور وكان في عصر أبي الحسن بن الزاغوني الفقيه، وفي بلده -مصنفًا يتضمن إنكار قول من يقول: إن المسموع صوت الله، وأبطل ذلك بوجوه (٢) متعددة وكان ما قام به في ذلك المكان والزمان قيامًا بغرض رد هذه البدعة وإنكارها وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد وعلمائهم، ومن أعلم علماء وقته بالحديث والآثار. الوجه السابع والسبعون: أنه قد اشتهر بين علماء الأمة وعامتها أن حقيقة قول هؤلاء: إن القرآن ليس كلام الله، وهو كما اشتهر بين الأمة، وذلك أنهم يصرحون بأن حروف القرآن لم يتكلم الله بها بحال، فهذا إقرار منهم بأن نصف مسمى القرآن، وهو لفظه ونظمه وحروفه لم يتكلم الله بها، فلا يكون كلامه، وإن كان قد قال بعض متأخريهم: إنها تسمى كلامًا (٣) حقيقة، فهم بين أمرين، إن أقروا بأنها كلام الله حقيقة، مع كونها مخلوقة في غيره، بطل أصلهم الذي أفسدوا به قول المعتزلة: إن الكلام إذا قام

стр. 867

بمحل، كان كلامًا لذلك المحل، لا (١) لمن أحدثه وأما المعاني فإنهم يزعمون أن ليس كلام الله إلّا معنى واحدًا (٢)، هو الأمر بكل شيء، والنهي عن كل شيء، والخبر عن كل شيء، وهذا معلوم الفساد بالضرورة بعد تصوره، وهو مستلزم بأن يكون (٣) معاني القرآن ليست كلام الله -أيضًا- إذا (٤) كان هذا الذي ادعوه لا يجوز أن يكون له حقيقة، فضلًا عن أن يكون صفة لموصوف، أو يكون كلامًا. فتبين أن الله لم يتكلم عندهم بالقرآن لا بحروفه ولا بمعانيه، وهذا أمر قاطع لا مندوحة لهم عنه. وينضم إليه -أيضًا- أن القرآن المنزل حروفه ومعانيه هم يصرحون -أيضًا- بأنها ليست كلام الله، فظهر أنهم يقولون: إن القرآن ليس كلام الله. وأما الجهمية المحضة كالمعتزلة، فهم وإن كانوا يقولون: إن القرآن مخلوق، فأكثرهم يطلقون القول: بأن القرآن كلام الله، لكن حقيقة قولهم يعود إلى أنه ليس بكلام الله، كما يعترف بذلك حذاقهم عند التحقيق، من أن الله لم يتكلم ولا يتكلم، أو يقولون: الإخبار عنه بأنه متكلم مجازًا لا حقيقة (٥)، فهؤلاء المعطلة لتكلم الله في الحقيقة أعظم من أولئك (٦)، لكن تظاهر هؤلاء بأن القرآن كلام الله أعظم من تظاهر أولئك. وبذلك يتبين أن نفي الكلام عن الله على قول هؤلاء المعتزلة أوكد

стр. 868

وأقوى، ونفي كون القرآن كلام الله على قول أولئك هو أظهر وأبين، لكن (١) عند التحقيق فأولئك -أيضًا- يقولون ذلك -أيضًا- فهم أعظم إلحادًا في الحقيقة في أسماء الله وآياته، وأولئك أسخف (٢) قولًا. الوجه الثامن والسبعون: إنه ما زال أئمة الطوائف، طوائف الفقهاء وأهل الحديث، وأهل الكلام يقولون: إن هذا القول الذي قاله ابن كلاب والأشعري في القرآن والكلام، من أنه معنى قائم بالذات، وأن الحروف ليست من الكلام، قول مبتدع، مخالف لأقوال سلف الأمة وأئمتها، مسبوق بالإجماع على خلافه، حتى الذين يحبون الأشعري ويمدحونه بما كان منه من الرد على أهل البدع والكبار، من المعتزلة والرافضة ونحوهم، ويذبون عنه عند من يذمه ويلعنه، ويناصحون عنه من أئمة الطوائف، يعترفون بذلك، ويقولون: إنا نخالفه في ذلك، ويجعلون ذلك من أقواله المتروكة، إذ لكل عالم خطأ من قوله يترك، أو يمسكون عن نصر هذا القول والدعاء إليه، لعلمهم بما فيه من التناقض والاضطراب واعتبر ذلك بما ذكره أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد أبي المعالي (٣) في آخر كتاب صنفه (٤) سماه (عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي وكافة أهل السنة

стр. 869

والجماعة) (١) وقد نقل هذا منه الحافظ أبو القاسم بن عساكر (٢) في مناقبه الذي سماه (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) (٣) وجمع فيه ما أمكنه من مناقبه، وأدخل في ذلك أمورًا أخرى يقوي بها ذلك. قال أبو محمد الجويني: "ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد، ويجب التعيين [في الأصول، فأما في الفروع فربما يتأتى التعيين] (٤) وربما لا يتأتى، ومذهب الشيخ أبي (٥) الحسن ﵀ تصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي ﵁ وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي ﵁ (٦) فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه [فيه] (٧) ومن هذا القبيل قوله: أن لا صيغة للألفاظ، ويقل ويعز (٨) مخالفته أصول الشافعي - رضي الله

стр. 870

عنه، ونصوصه وربما نصب المبتدعون إليه [ما هو بريء منه (١) كما نسبوا إليه] (٢) أنه يقول: ليس في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان، ونفي القدرة على الخلق (٣) في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليل عليهم. [قال] (٤): وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه، فوجدتها (٥) كلها خلاف ما نسب إليه ولا عجب أن اعترضوا عليه وافترضوا (٦) فإنه ﵀ فاضح القدرية وعامة المبتدعة، وكاشف عوراتهم، ولا خير في من لا يعرف حاسده" (٧). وقال الشيخ أبو حامد الإسفرائيني في كتابه في أصول (٨) الفقه الذي شرح فيه رسالة الشافعي وسماه: "مسألة في أن الأمر أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به: اختلف الناس في الأمر هل له صيغة تدل على كونه أمرًا

стр. 871

[أم] (١) ليس له ذلك؟ على ثلاثة مذاهب: فذهب أئمة الفقهاء إلى أن ذلك (٢) الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا إذا تعرت (٣) عن القرائن، وذلك مثل قول القائل: افعل كذا وكذا (٤)، وإذا وجد ذلك عاريًا عن القرائن كان أمرًا، ولا يحتاج في كونه أمرًا إلى قرينة، هذا مذهب [مالك و] (٥) الشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي، وجماعة أهل العلم، وهو قول البلخي (٦) من المعتزلة. وذهبت المعتزلة بأسرها -غير البلخي- إلى أن الأمر لا صيغة له، ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمرًا، وإنما يكون أمرًا بقرينة تقترن به وهي الإرادة". إلى أن قال (٧): "وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر، ولا يفارق الذات ولا يزايلها، وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك، كل هذه معان (٨) قائمة بالذات لا يزايلها (٩)، كالقدرة والعلم وغير ذلك، وسواء هذا في (١٠) أمر الله وأمر الآدميين، إلّا أن أمر الله تعالى مختص بكونه قديمًا، وأمر الآدمي

стр. 872

محدث، وهذه الألفاظ والأصوات ليست عندهم أمرًا ولا نهيًا، وإنما هي عبارة عنه". قال: وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول: هي حكاية عن الأمر، وخالفه أبو الحسن الأشعري ﵀ في ذلك، فقال: لا يجوز أن يقال: إنها حكاية، لأن الحكاية تحتاج أن تكون (١) مثل المحكي ولكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس، وتقرر مذهبهم على هذا، فإذا كان [هذا] (٢) حقيقة مذهبهم، فليس يتصور بيننا وبينهم خلاف في أن الأمر هل له صيغة أم لا؟ فإنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس، فذلك المعنى لا يقال: إن له صيغة، أو ليست له صيغة، وإنما يقال ذلك في الألفاظ" إلى آخر كلامه (٣). [و] (٤) قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي (٥) الشافعي في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول): (وذكر اثني عشر (٦) إمامًا وهم (٧): الشافعي ومالك والثوري وأحمد والبخاري وابن عيينة (٨) وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهوية وأبو زرعة (٩) وأبو حاتم.

стр. 873

قال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار: أن [القرآن] (١) كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبرئيل ﵇ مسموعًا من الله تعالى، والنبي ﷺ سمعه من جبرئيل، والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه [نحن] (٢) بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا، مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا، وكل حرف منه -كالباء والتاء- كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر، عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين). قال الشيخ أبو الحسن: (وكان الشيخ أبو حامد (٣) شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام). قال أبو الحسن: (ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون (٤) أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه، على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة -منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي- يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات، قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرائيني إمام الأئمة، الذي طبق الأرض علمًا وأصحابًا، إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة (٥) الكرخ إلى جامع

стр. 874

المنصور، يدخل الرباط المعروف بالروزي (١) المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر، ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله أحمد بن حنبل (٢)، لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر ذلك منه في جمعات، فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر (٣) في الناس وفي أهل الصلاح، ويشيع الخبر في البلاد (٤) أني بريء ممّا هم عليه -يعني الأشعرية- وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني (٥)، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء، يدخلون على الباقلاني خفية، فيقرؤون (٦) عليه فيفتنون (٧) بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته (٨)، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته). قال الشيخ أبو الحسن (٩): (وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفرائيني، وكان ينهى أصحابه عن

стр. 875

الكلام، وعن الدخول على الباقلاني، فبلغه أن نفرًا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام، فظن أني معهم ومنهم، وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني بلغني أنك تدخل على هذا الرجل -يعني الباقلاني- فإياك وإياه، فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة، وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل، وتائب إليه، واشهدوا علي أني لا أدخل عليه (١)). قال (٢): وسمعت الفقيه [الإمام] (٣) أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد -أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم- قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعًا، خوفًا من الشيخ أبي حامد (٤) الإسفرائيني). قال (٥): وأخبرني جماعة من الثقات كتابة، منهم القاضي أبو منصور اليعقوبي عن الإمام عبد الله بن محمد بن علي، هو شيخ الإسلام الأنصاري قال: سمعت أبا عبد الرحمن محمد (٦) بن الحسين -وهو السلمي- يقول: وجدت أبا حامد الإسفرائيني، وأبا الطيب الصعلوكي، وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله".

стр. 876

قال (١): "وسمعت (٢) أحمد بن أبي رافع وخلقًا يذكرون شدة أبي حامد الإسفرائيني (٣) على الباقلاني (٤) ". قال الشيخ أبو الحسن الكرجي (٥): (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه (٦) الإمام (٧) أبو بكر (٨) الزاذقاني، وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة، حتى لو وافق قول الأشعري وجهًا لأصحابنا ميزه، وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن (٩) مذهبهم في أصول الفقه، فضلًا عن أصول الدين). قلت: أبو محمد الجويني، وشيخه أبو بكر القفال المروزي (١٠)،

стр. 877

وشيخه أبو زيد المروزي (١)، هم أهل الطريقة المروزية الخراسانية (٢)، وأئمتها من أصحاب الشافعي، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني وأتباعه، كالقاضي أبي الطيب (٣) وصاحبه أبي إسحاق الشيرازي (٤) وغيره، هم

стр. 878

أئمة الطريقة العراقية (١) من أصحاب الشافعي. وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر (٢) في ترجمة أبي محمد الجويني ما ذكره عبد الغافر الفارسي (٣) في تاريخ نيسابور في ترجمة الشيخ أبي محمد الجويني في مناقبه وقال: "سمعت خالي الإمام أبا سعيد (٤) -يعني عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري- يقول: كان أئمتنا في عصره، والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة، أنه لو جاز أن يبعث الله نبيًّا في عصره لما كان إلا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله). وذكر عبد الغافر (٥) أنه كان أوحد زمانه، قال: (وله في الفقه تصانيف كثيرة الفوائد، مثل التبصرة، والتذكرة، ومختصر المختصر (٦)،

стр. 879

وله التفسير الكبير المشتمل على عشرة أنواع في كل آية). وأما الشيخ أبو حامد فهو الشافعي الثالث، فإنه ليس بعد الشافعي مثل أبي العباس بن سريج (١)، ولا بعد أبي العباس مثل الشيخ أبي حامد، حتى ذكر أبو إسحاق في طبقات الفقهاء (٢)، عن أبي الحسين القدوري، أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد: إنه أنظر من الشافعي. وهذا الكلام -وإن كان قد ردت زيادته، لكن لولا براعة أبي حامد ما قال فيه مثل الشيخ أبي الحسين هذا القول. قال الشيخ أبو الحسن الكرجي (٣): "ولا شك أنه كان أعرف الأصحاب بمناصيص الشافعي، وأعظمهم بركة في مذهبه، وهو أول من كثر شرح المزني (٤) وشحنه بالمختلف والمؤتلف، ونصر فيه مذاهب الأئمة (٥)، وجعله مساغًا لاجتهاد الفقهاء". وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر (٦) فيما ذكره من أصحاب الأشعري

стр. 880

جماعة كثيرة ليسوا منهم، بل منهم من هو مشهور بالمناقضة والمعارضة لهم، وذكر منهم (١) الشيخ أبا إسحاق الشيرازي. قال: (وكان يظن به من لا يفهم (٢) أنه مخالف للأشعري، لقوله في كتابه (٣) في أصول الفقه: وقالت الأشعرية: إن الأمر لا صيغة له، وليس ذلك لأنه لا يعتقد اعتقاده، وإنما قال ذلك لأنه خالفه في هذه المسألة مما انفرد بها (٤) أبو الحسن. قال (٥): وقد ذكرنا في كتابنا هذا (٦) عنه (٧) فتواه فيمن خالف الأشعرية واعتقد بتبديعهم (٨)، وذلك أوفى (٩) دليل على أنه منهم). وقد ذكر هذه الفتوى (١٠) ونسختها: "ما قول السادة الجلة (١١)، الأئمة الفقهاء، أحسن الله توفيقهم، ورضي عنهم، في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعرية (١٢) وتكفيرهم، ما الذي يجب عليهم في هذا
следующие страницы →