← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قال (١): "وسمعت (٢) أحمد بن أبي رافع وخلقًا يذكرون شدة أبي حامد الإسفرائيني (٣) على الباقلاني (٤) ". قال الشيخ أبو الحسن الكرجي (٥): (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه (٦) الإمام (٧) أبو بكر (٨) الزاذقاني، وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة، حتى لو وافق قول الأشعري وجهًا لأصحابنا ميزه، وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن (٩) مذهبهم في أصول الفقه، فضلًا عن أصول الدين). قلت: أبو محمد الجويني، وشيخه أبو بكر القفال المروزي (١٠)،

стр. 877

وشيخه أبو زيد المروزي (١)، هم أهل الطريقة المروزية الخراسانية (٢)، وأئمتها من أصحاب الشافعي، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني وأتباعه، كالقاضي أبي الطيب (٣) وصاحبه أبي إسحاق الشيرازي (٤) وغيره، هم

стр. 878

أئمة الطريقة العراقية (١) من أصحاب الشافعي. وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر (٢) في ترجمة أبي محمد الجويني ما ذكره عبد الغافر الفارسي (٣) في تاريخ نيسابور في ترجمة الشيخ أبي محمد الجويني في مناقبه وقال: "سمعت خالي الإمام أبا سعيد (٤) -يعني عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري- يقول: كان أئمتنا في عصره، والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة، أنه لو جاز أن يبعث الله نبيًّا في عصره لما كان إلا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله). وذكر عبد الغافر (٥) أنه كان أوحد زمانه، قال: (وله في الفقه تصانيف كثيرة الفوائد، مثل التبصرة، والتذكرة، ومختصر المختصر (٦)،

стр. 879

وله التفسير الكبير المشتمل على عشرة أنواع في كل آية). وأما الشيخ أبو حامد فهو الشافعي الثالث، فإنه ليس بعد الشافعي مثل أبي العباس بن سريج (١)، ولا بعد أبي العباس مثل الشيخ أبي حامد، حتى ذكر أبو إسحاق في طبقات الفقهاء (٢)، عن أبي الحسين القدوري، أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد: إنه أنظر من الشافعي. وهذا الكلام -وإن كان قد ردت زيادته، لكن لولا براعة أبي حامد ما قال فيه مثل الشيخ أبي الحسين هذا القول. قال الشيخ أبو الحسن الكرجي (٣): "ولا شك أنه كان أعرف الأصحاب بمناصيص الشافعي، وأعظمهم بركة في مذهبه، وهو أول من كثر شرح المزني (٤) وشحنه بالمختلف والمؤتلف، ونصر فيه مذاهب الأئمة (٥)، وجعله مساغًا لاجتهاد الفقهاء". وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر (٦) فيما ذكره من أصحاب الأشعري

стр. 880

جماعة كثيرة ليسوا منهم، بل منهم من هو مشهور بالمناقضة والمعارضة لهم، وذكر منهم (١) الشيخ أبا إسحاق الشيرازي. قال: (وكان يظن به من لا يفهم (٢) أنه مخالف للأشعري، لقوله في كتابه (٣) في أصول الفقه: وقالت الأشعرية: إن الأمر لا صيغة له، وليس ذلك لأنه لا يعتقد اعتقاده، وإنما قال ذلك لأنه خالفه في هذه المسألة مما انفرد بها (٤) أبو الحسن. قال (٥): وقد ذكرنا في كتابنا هذا (٦) عنه (٧) فتواه فيمن خالف الأشعرية واعتقد بتبديعهم (٨)، وذلك أوفى (٩) دليل على أنه منهم). وقد ذكر هذه الفتوى (١٠) ونسختها: "ما قول السادة الجلة (١١)، الأئمة الفقهاء، أحسن الله توفيقهم، ورضي عنهم، في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعرية (١٢) وتكفيرهم، ما الذي يجب عليهم في هذا

стр. 881

القول؟ تفتونا (١) في ذلك منعمين مثابين (٢). الجواب -وبالله التوفيق-: أن كل من أقدم على لعن فرقة من المسلمين وتكفيرهم، فقد ابتدع وارتكب ما لا يجوز الإقدام عليه، وعلى الناظر في الأمور -أعز الله أنصاره- الإنكار عليه، وتأديبه بما يرتدع هو وأمثاله عن ارتكاب مثله. وكتب محمد بن علي الدامغاني (٣)، وبعده الجواب وبالله التوفيق: أن الأشعرية أعيان أهل (٤) السنة، وأنصار (٥) الشريعة، انتصبوا للرد على المبتدعة -من القدرية والرافضة وغيرهم- فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين، وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد، وكتب إبراهيم بن علي الفيروزآبادي (٦) وبعده (٧) جوابي مثله، وكتب محمد بن أحمد الشاشي (٨).

стр. 882

قال: فهذه أجوبة هؤلاء الأئمة، الذين كانوا في عصرهم علماء الأمة، فأما قاضي القضاء الحنفي (١) الدامغاني، فكان يقال له في عصره: أبو حنيفة الثاني، وأما الشيخ الإمام [أبو إسحاق، فقد طبق ذكر فضله الآفاق، وأما الشيخ] (٢) أبو بكر (٣) الشاشي، فلا يخفى محله على منته في العلم، ولا ناشئ). قلت: هذه الفتيا كتبت هي وجوابها في فتنة ابن القشيري (٤) لما قدم بغداد، فإن ملك خراسان محمود بن سبكتكين كان قد أمر (٥) في مملكته بلعن أهل البدع على المنابر، فلعنوا وذكر فيهم الأشعرية (٦)،

стр. 883

وكذلك جرى في أول مملكة (١) السلجقية (٢) الترك، وكان الذين سعوا في

стр. 884

إدخالهم في اللعنة فيهم من سكان تلك البلاد، من الحنفية الكرامية وغيرهم، ومن أهل الحديث طوائف، وجواب الدامغاني جواب مطلق فيه رضي هؤلاء وهؤلاء، فإنه أجاب (١) بأنه من أقدم على لعنة فرقة من المسلمين وتكفيرهم، فقد ابتدع وفعل ما لا يجوز [وهذا مما لا ينازع فيه أحد، أنه من كان من المسلمين لا يجوز] (٢) تكفيره، إذ المكفر لشخص أو طائفة لا يقول: إنهم من المسلمين ويكفرهم، بل يقول: ليسوا بمسلمين. قال (٣) أبو المعالي الجويني (٤): "ذهب أئمتنا (٥) إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب تعالى، والسبيل إلى إثباتها السمع، دون قضية العقل. قال (٦): والذي يصح عندنا، حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود".

стр. 885

قلت: فاتضح أن أئمة الكلابية والأشعرية يثبتون هذه الصفات، فإنه خالف أئمته ووافق المعتزلة. قال شارح كلامه أبو القاسم بن الأنصاري (١): "اعلم أن مذهب شيخنا أبي الحسن أن اليدين صفتان ثابتتان زائدتان على وجود الإله -سبحانه- ونحوه. قال عبد الله بن سعيد. قال: ومال القاضي أبو بكر في الهداية (٢) إلى هذا المذهب". قلت: القاضي قد صرح بذلك في جميع كتبه، كالتمهيد (٣) والإبانة (٤) وغيرهما. قال (٥): "في كلام أبي إسحاق (٦) ما يدل على أن التثنية في اليدين

стр. 886

ترجع (١) إلى اللفظ لا إلى الصفة، وهو مذهب أبي العباس القلانسي. قال الأستاذ -يعني أبا إسحاق-: "أما العينان فعبارة عن البصر، وكان في العقل ما يدل عليه، وأما اليد والوجه (٢)، فقد اختلف أصحابنا في الطريق إليهما. فقال قائلون: قد كان في العقل ما يدل على ثبوت صفتين، يقع بإحداهما الاصطفاء بالخلق، وبالأخرى الاختيار بالتقريب في التكليم والإفهام، لكن لم يكن في العقل دليل على تسميته، فورد الشرع ببيانها، فسمى الصفة التي يقع بها الاصطفاء بالخلق يدًا، والصفة التي يقع بها التقريب في التكليم وجها، وقالوا: لما صح في العقل التفصيل (٣) في الخلق والفعل (٤) بالمباشرة والإكرام، والتقريب بالإقبال، وجب (٥) إثبات صفة له يصح بها ما قلناه، من غير مباشرة ولا محاذاة، فورد الشرع بتسمية إحداهما يدًا، والأخرى وجهًا، ومن سلك هذه (٦) الطريق قال: لم يكن في العقل جواز ورود السمع بأكثر منه، وما جهر [به] (٧) عليه من جهة الإخبار، فطريقه الآحاد التي لا توجب العلم، ولا يجوز بمثلها إثبات صفة للقديم (٨)، وإن ثبت منها شيء بطريق يوجب العلم، كان متأولًا على الفعل.

стр. 887

وقال آخرون: طريق إثباتها السمع المحض، ولم يكن للعقول فيه تأثير، وإذا قيل لهم: لو جاز ورود الشرع بإثبات صفات لا يدل العقل عليها لم يؤمن أن يكون الله على صفات لم يرد الشرع بها، ولا صارت معلومة، ووجب على القائل بذلك جواز ورود السمع بصفات الإنسان أجمع لله -تعالى- إذا لم تكن واحدة منها شبيهة (١) بصفته. كان جوابهم أن يقولوا: لما أخبر الله المؤمنين بصفاته وحكم لهم بالإيمان بكماله عند المعرفة بها، لم يجز أن يكون له صفة أخرى لا طريق إلى معرفتها، لاستحالة أن يكون المؤمن مؤمنًا مستحق المدح إذا لم يكن عارفًا بالله -يعني- وبصفاته أجمع، فلما وصفهم الله (٢) بالإيمان عند معرفتهم بما ورد من الشرع، ثبت أن لا صفة أكثر مما بين الطريق إليه بالعقل (٣) والشرع. قال الأستاذ: والتعويل على الجواب الأول فإن فيه الكشف عن المعنى". قلت: الجوابان مبنيان على وجوب العلم بجميع صفات الله، لكن [هل] (٤) كلها معلومة بالعقل، أو منها ما علم بالسمع؟ على القولين (٥)، ومحققوا الأشعرية وغيرهم، لا يرضون أن يقولوا: إنا نقطع بأنا علمنا الله بجميع صفاته، أو بأنه لا صفة له وراء ما علمناه.

стр. 888

قال أبو المعالي (١): "فمن (٢) أثبت هذه الصفات السمعية، وصار إلى أنها زائدة على ما دلت عليه دلالات العقول (٣)، استدل بقوله تعالى (٤): ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾) (٥). قالوا: ولا وجه لحمل اليدين على القدرة إذ جملة المخترعات مخلوقة بالقدرة (٦)، ففي الحمل على ذلك إبطال فائدة التخصيص. قال (٧): وهذا غير سديد، فإن العقول قضت بأن الخلق لا يقع إلّا بالقدرة، أو بكون (٨) القادر قادرًا، فلا وجه لاعتقاد خلق آدم بغير القدرة". وقال القاضي (٩): الآية تدل على إثبات يدين صفتين، والقدرة واحدة، فلا يجوز حملها على القدرة (١٠).

стр. 889

قال أبو المعالي: "وقد قال بعض الأصحاب: التثنية راجعة إلى اللفظ لا إلى المعنى، وإنما هي صفة واحدة، كما حكيناه عن القلانسي وعن الأستاذ، على أنه كما يعبر باليد (١) عن الاقتدار، فكذلك يعبر باليدين عن الاقتدار، فقد تقول العرب: ما لي بهذا الأمر يدان، يعنون: ما لي بها قدرة قال : ﴿بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢). قال أبو الحسن والقاضي: (المراد باليدين في هذه الآية القدرة). قلت: هذا النقل فيه نظر فكلامهما يقتضي خلافه، بل هو نص في خلاف ذلك (٣).

стр. 890

قال (١): (وأجمع أهل التفسير على أن المراد بالأيدي (٢) في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾) (٣) القدرة). قال: (والذي يحقق ما قلناه: أن الذي ذكره شيخنا والقاضي، ليس يوصل إلى القطع بإثبات صفتين زائدتين على ما عداهما من الصفات، ونحن وإن لم ننكر في قضية العقل صفة سمعية، لا يدل مقتضى العقل عليها، وإنما يتوصل إليها سمعًا، فيشترط أن يكون السمع مقطوعًا به، وليس فيما استدل به الأصحاب قطع، والظواهر المحتملة لا توجب العلم، وأجمع المسلمون على منح تقدير صفة مجتهد فيها لله لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل أو سمع (٤)، وليس في اليدين على ما قاله شيخنا ﵀ نظر لا يحتمل التأويل، ولا إجماع عليه، فيجب تنزيل ذلك على ما قلناه". قال: "والظاهر من لفظ اليدين حملهما (٥) على جارحتين، فإن استحال حملهما (٦) على ذلك، ومنع من حملهما على القدرة أو النعمة أو الملك (٧)، فالقول بأنهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 891

محمولتان (١) على صفتين قديمتين لله -تعالى، زائدتين على ما عداهما من الصفات تحكم محض". قلت: ثم ذكر الجواب عن حجة أئمته بما ليس هذا موضعه، فإن المقصود ليس هو الاستقصاء في إثبات هذه الصفة ونفيها، إذ قد تكلمنا على ذلك في موضعه (٢) وإنما الغرض التنبيه على [تغيير] (٣) قول الأشعري وأئمة أصحابه، وأبو المعالي اعتمد (٤) على مقدمتين باطلتين. إحداهما (٥): أنه ليس في السمع ما يقطع (٦) بثبوت هذه الصفة لا نص ولا إجماع. والثانية (٧): المنع أن يتكلم في الصفات بغير قطع عقلي أو نقلي، وادعى الإجماع على ذلك، وهذا باطل، كما يقوله من يقول: إذا لم يقم القاطع بالثبوت وجب القطع بالانتفاء، وهذا مطابق لما ذكره الإسفرائيني، من أن الله معروف بجميع صفاته في الدنيا، إما بالعقل على قول قوم من أصحابه، وإما بالعقل والسمع.

стр. 892

وهذا الذي قالوه خلاف إجماع سلف الأمة، وخلاف قول المحققين من أصحابهم، فضلًا عن أن يكون في ذلك إجماع، فإن القطع بالنفي بلا علم يوجب النفي، كالقطع بالإثبات بلا علم، والواجب أن تعطى الأدلة حقها، فما كان قطعيًّا قطع به، وما كان ظاهرًا محتملًا قيل: إنه ظاهر محتمل، وما كان مجملًا قيل: إنه مجمل، ولم يقل أحد من الأئمة، فضلًا عن أن يكون إجماعًا: إن ما [لم] (١) تعلموه من صفات الرب فانفوه، بل قالوا: أمسكوا عن التكلم في ذلك بغير ما ورد، وفرق بين السكوت عما لم يرد (٢) وبين النفي، فكيف إذا كان النفي لما يكون ظاهرًا في الوارد؟ وأبو المعالي يتكلم بمبلغ علمه في هذا الباب وغيره، وكان بارعًا في فن الكلام الذي يشترك فيه أصحابه والمعتزلة -وإن (٣) كانت المعتزلة هم الأصل فيه- كثير المطالعة (٤) لكتب أبي هاشم بن الجبائي (٥)، فأما الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وقول أئمتها، فكان قليل المعرفة

стр. 893

به (١) جدًّا، وكلامه في غير موضع يدل على ذلك، ولهذا تجده في عامة مصنفاته في أصوله (٢) وفروعه، إذا اعتمد على قاطع فإنما هو ما يدعيه من قياس عقلي، أو إجماع سمعي، وفي كثير من ذلك ما فيه، فأما الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها، فهو قليل الاعتماد عليه (٣)، والخبرة به (٤)، واعتبره بما ذكره في الرد على الآجري (٥) ونحوه، من العلماء الذين صنفوا في أبواب السنة والرد على أهل الأهواء، وردوا (٦) عليهم بالسنة والآثار، وذكروا في ذلك أحاديث الصفات، فإنه قال (٧): (اعلم أن أهل الحق نابذوا المعتزلة وخالفوهم واتبعوا السمع والشرع، وأثبتوا الرؤية والنظر، وأثبتوا الصراط والميزان، وعذاب القبر ومسألة منكر ونكير، والمعراج والحوض، واشتد نكيرهم على من ينسب إلى إنكار مأثور الأخبار، والمستفيض من الآثار (٨)، في هذه القواعد والعقائد، واتفقوا على أن الحسن والقبيح (٩) في أحكام التكليف والإيجاب والخطر لا يدرك عقلًا، والمرجع في جميعها إلى موارد الشرع

стр. 894

وقضايا السمع، ولكنهم لما بلغتهم أخبار (١) متشابهة، وألفاظ مشكلة، لم يستبعدوا أن يكون في الأخبار البين الظاهر (٢) [و] (٣) المجمل والمشكل (٤)، فإن الله أخبر أن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد (٥)، منه آيات محكمات، وأخر متشابهات، أعرضوا (٦) عن ذكرها، ولم يشتغلوا بها (٧)، والدليل عليه أن أئمة السنة، وأخيار (٨) الأمة، بعد صحب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم- لم (٩) يودع أحد منهم كتابه الأخبار المتشابهات (١٠)، فلم يورد مالك ﵁ في الموطأ منها شيئًا مما أورده الآجري وأمثاله، وكذلك الشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان، والليث، والثوري، ولم يعتنوا (١١) بنقل المشكلات، ونبعْت ناشئة ضروا بنقل المشكلات، وتدوين المتشابهات، وتبويب أبواب، ورسم تراجم، على ترتيب فطرة المخلوقات ورسموا بابًا في ضحك الباري [وبابًا في نزوله وانتقاله وعروجه ودخوله وخروجه] (١٢) وبابًا في إثبات الأضراس، وبابًا في خلق الله آدم على صورة الرحمن، وبابا في إثبات

стр. 895

القدم والشعر القطط (١)، وبابًا في إثبات الأصوات والنغمات -تعالى الله عن قول الزائغين). قال (٢): (وليس يتعمد جمع هذه الأبواب، وتمهيد هذه الأنساب (٣) إلّا مشبه على التحقيق، أو متلاعب زنديق). قال -المعظم لأبي المعالي، الناقل لكلامه- أبو عبد الله القرطبي (٤) -وهو من أكابر علماء الأشعرية- في قول أبي المعالي: (هذا بعض التحامل (٥)، وقد أثبتنا في هذا الكتاب (٦) -يعني (٧) شرح الأسماء الحسنى، فإنه ذكر الصفات في آخره- (٨) من هذه الأخبار ما صح سنده، وثبت نقله ومورده، وأضربنا عن كثير منها استغناء عنها، لعدم صحتها، فليوقف على ما ذكرنا منها، لنقل الأئمة الثقات لها وحديث النزول (٩) ثابت في الأمهات، خرجه الثقات الأثبات). قلت: هذا (١٠) الكلام فيه ما يجب رده لأمور (١١) عظيمة: أحدها: ما ذكره عمن سماهم أهل الحق، فإنه دائمًا يقول: قال

стр. 896

أهل الحق، وإنما يعني أصحابه، وهذه دعوى يمكن كل أحد أن يقول لأصحابه مثلها، فإن أهل الحق الذين لا ريب فيهم هم المؤمنون، الذين لا يجتمعون على ضلالة، فأما أن يفرد (١) الإنسان طائفة منتسبة إلى متبوع من الأمة، ويسميها (٢) أهل الحق، ويشعر بأن كل من خالفها في شيء فهو من أهل الباطل، فهذا حال أهل الأهواء والبدع، كالخوارج والمعتزلة والرافضة، وليس هذا من فعل أهل السنة والجماعة، فإنهم لا يصفون طائفة بأنها صاحبة الحق مطلقًا (٣) إلا المؤمنين (٤)، الذين لا يجتمعون على ضلالة، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٥) وهذا نهاية الحق، والكلام الذي لا ريب فيه أنه حق، قول الله، وقول رسوله الذي هو حق وآت بالحق. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ (٧). وقول النبي (٨) ﷺ : "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلّا الحق" (٩). يعني شفتيه.

стр. 897

ف أهل الحق، هم أهل الكتاب والسنة ، وأهل الكتاب والسنة -على الإطلاق- هم المؤمنون، فليس الحق لازمًا لشخص بعينه، دائرًا معه حيثما دار لا يفارقه قط، إلّا الرسول ﷺ إذ لا معصوم من الإقرار على الباطل غيره، وهو حجة الله التي أقامها على عباده، وأوجب اتباعه وطاعته في كل شيء على كل أحد. وليس الحق -أيضًا- لازمًا لطائفة دون غيرها إلّا للمؤمنين، فإن الحق يلزمهم، إذ لا يجتمعون على ضلالة، وما سوى ذلك [فقد يكون] (١) الحق فيه مع الشخص أو الطائفة في أمر دون أمر، وقد يكون المختلفان كلاهما على باطل، وقد يكون الحق مع كل منهما من وجه دون وجه، فليس لأحد أن يسمي طائفة منسوبة إلى أتباع شخص -كائنًا من كان- غير رسول الله ﷺ بأنهم أهل الحق، إذ ذلك يقتضي أن كل ما هم عليه فهو حق، وكل من خالفهم في شيء من سائر المؤمنين فهو مبطل، وذلك لا يكون إلّا إذا كان متبوعهم كذلك، وهذا معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام، ولو جاز ذلك لكان إجماع هؤلاء حجة، إذا ثبت أنهم هم أهل الحق. ثم هو يذكر أئمته الذين جعلهم أهل الحق، ثم يخالفهم ويخطئهم، كما صنع في مسألة الصفات الخبرية وغيرها، مع أنهم فيها أقرب إلى الحق منهم، فكيف يسوغ لهم أن يخالفوا من شهد لهم بأنهم أهل الحق، فيما اختلف فيه الناس من أصول الدين، وله في ذلك شبه

стр. 898

قوي ببعض أئمة الرافضة، الذين كانوا بالشام، يقال له: ابن العود (١)، رأيت له (٢) فتاوى يدعي فيها في [غير] (٣) موضع أن الطائفة المحقة هم أتباع المعصوم المنتظر، ويحتج بإجماع الطائفة المحقة، بناء على أن قولهم مأخوذ من (٤) المعصوم، الذي لا يعرفه أحد، ولم يسمع له بخبر، ولا وقع له على عين ولا أثر، حتى إنه قال: إذا تنازعوا في مسألة على قولين: أحدهما يعرف قائله، دون الآخر، فالقول الذي لا يعرف قائله هو الحق، لأن في أهله الإمام المعصوم، ثم رأيته يخالف أصحابه ويرد عليهم في مواضع، فأين مخالفتهم والرد عليهم، من دعوى أنهم الطائفة المحقة الذين لا يتفقون على باطل؟ وكذلك دعوى كثير من أهل الأهواء والضلال، أنهم المحقون، أو أنهم أهل الله، أو أهل التحقيق، أو أولياء الله، حتى تقفوا (٥) هذه (٦) المعاني عليهم دون غيرهم، ويكونون (٧) في الحقيقة إلى أعداء الله أقرب، وإلى الإبطال أقرب منهم إلى التحقيق بكثير، فهؤلاء لهم شبه قوي بما ذكره الله عن اليهود والنصارى من قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ

стр. 899

وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢). الثاني: إنه ذكر عنهم أنهم اتبعوا السمع والشرع، وهو قد ذكر في أصولهم التي بها صاروا أهل الحق عندهم، أنه لم يثبت لله صفة بالسمع، بل إنما تثبت (٣) صفاته بالعقل المجرد، وأن الذين أثبتوا ما جاء في القرآن، منهم من أثبته بالعقل، ومنهم من أثبته بالسمع، ورد هو على الطائفتين، فأي اتباع للسمع والشرع إذا لم يثبت به شيء من صفات الله بالشرع؟ بل وجوده كعدمه فيما أثبتوه ونفوه من الصفات، فأئمتهم كانوا يثبتون الصفات بالسمع وبالعقل، أو بالسمع ويجعلون العقل مؤكدًا، فخالفهم (٤) في ذلك، فأين اتباعهم للسمع والشرع، وقد عزلوه عن الحكم به، والاحتجاج به، والاستدلال به؟ الثالث: قوله: "يشتد نكيرهم على من ينتسب إلى إنكار مأثور الأخبار والمستفيض من الآثار". فيقال له: إذا لم يستفد منها ثبوت معناها، فأي إنكار لها أبلغ من ذلك؟ وأنت قد ذكرت إعراضهم عنها، وقلت فيها من الفرية ما سنذكر

стр. 900

بعضه، فهل الإنكار لمأثور الأخبار ومستفيضها إلا من جنس ما ذكرته في هذا الكلام؟ الرابع: ما ذكره أنهم يثبتون ما يثبتونه من أمر الآخرة. فيقال لهم: هذا يثبتونه على وجه الجملة إثباتًا يشركهم فيه آحاد العوام، ولا يعلمون من تفصيل ذلك ما يجاب به أدنى السائلين، وليس في كتبهم ما في ذلك من الأحاديث التي وصف بها النبي ﷺ ذلك، ولهذا تجدهم بذلك من أقل الناس علمًا بها، أو تجدهم مرتابين فيها أو مكذبين، فأي تعظيم بمثل هذا؟ وأي مزية بمثل (١) هذا (٢) على أوساط العوام أو أدناهم؟ بل كثير من عوام المؤمنين يؤمن من تفاصيل (٣) هذه الأمور، يعلم (٤) منها ما (٥) أخبر به الشارع ما ليس مذكورًا في أصول هؤلاء، وإنما الفضيلة على عموم المؤمنين، بأن يكون الإنسان أو الطائفة من أهل العلم، الذي لا يوجد عند عموم (٦) المؤمنين، وليس فيما ذكره من هذه الأصول ذلك. الخامس: لحجة (٧) أنهم نفوا التحسين والتقبيح العقلي، وجعلوا أحكام الأفعال لا تتلقى إلّا من الشرع (٨) [فإنه بين ذلك تعظيمهم للشرع] (٩) واتباعهم له، وأنهم لا يعدلون عنه ليثبت بذلك تسننهم،

стр. 901

وهذا الأصل هو من الأصول (١) المبتدعة في الإسلام، لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها أن العقل لا يحسن ولا يقبح، أو أنه لا يعلم بالعقل حسن فعل ولا قبحه، بل النزاع في ذلك [حادث في حدوث المائة الثالثة، ثم النزاع في ذلك] (٢) بين فقهاء الأمة وأهل الحديث والكلام منها (٣)، فما من طائفة إلّا وهي متنازعة في ذلك، ولعل أكثر الأمة تخالف في ذلك، وقد كتبنا في غير هذا الموضع فصل النزاع في هذه المسألة (٤)، وبينا ما مع هؤلاء فيها من الحق، وما مع هؤلاء فيها من الحق. ثم يقال: ولو كانت هذه المسألة حقًّا على الإطلاق، فليس لك (٥) ولا لأصحابك فيها حجة نافية، بل عمدتك (٦) وعمدة. . . . . . . . . . .

стр. 902

القاضي (١) ونحوكما على مطالبة الخصم بالحجة، والقدح فيما يبديه (٢)، والقدح في دليل المنازع إن صح، لا يوجب العلم بانتفاء قوله، إن لم يقم على النفي دليل. وعمدة إمام المتأخرين ابن الخطيب (٣) الاستدلال على ذلك بالجبر، وهو من أفسد الحجج، فإن الجبر سواء كان حقًّا أو باطلًا، كما لا يبطل الحكم الشرعي لا ينفي ثبوت أحكام معلومة بالعقل، كما لا ينفي الأحكام التي يثبتها الشارع. وعمدة الآمدي (٤) بعده أن الحسن والقبح عرض، والعرض لا يقوم بالعرض. وهذا من المغاليط التي لا يستدل بها إلّا جاهل أو مخالط، فإنه يقال في ذلك ما يقال في سائر صفات الأعراض، وغايته أن يكون كلاهما قائمًا بمحل العرض، ونفي الحكم المعلوم بالعقل، مما عده من بدع الأشعري التي أحدثها في الإسلام، علماء أهل الحديث والفقه والسنة، كأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني (٥)

стр. 903

دع من سواهم. السادس: تسمية الأخبار التي أخبر بها الرسول عن ربه أخبارًا متشابهة، كما يسمون آيات الصفات متشابهة، وهذا كما يسمي المعتزلة الأخبار المثبتة للقدر متشابهة، وهذه حال أهل البدع والأهواء، الذين يسمون ما وافق آراءهم من الكتاب والسنة محكمًا، وما خالف آراءهم متشابهًا، وهؤلاء كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (١). وكما قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٢)، وكما قال تعالى (٣): ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٤). السابع: قياسه لما سماه المتشابه في الأخبار على المتشابه في آي الكتاب، ليلحقه به في الإعراض عن ذكره وعدم الاشتغال [به] (٥) -وحاشا الله (٦) - أن يكون في كتاب الله ما أمر المسلمون بالإعراض عنه

стр. 904

وعدم التشاغل به، أو أن يكون سلف الأمة وأئمتها أعرضوا عن شيء من كتاب الله، لا سيما الآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته، فما منها آية إلا وقد روى الصحابة فيما يوافق معناها ويفسره (١) عن النبي ﷺ وتكلموا في ذلك بما لا يحتاج معه إلى مزيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ (٢). فإن المتأخرين، وإن كان فيهم من حرف، فقال: بقبضته، بقدرته، ويمينه (٣): بقوته، أو بقسمه أو غير ذلك، فقد استفاضت الأحاديث الصحيحة التي رواه خيار الصحابة وعلماؤهم، وخيار التابعين وعلماؤهم، بما يوافق ظاهر الآية، ويفسر المعنى، كحديث أبي هريرة المتفق عليه (٤)، وحديث عبد الله بن عمر -المتفق عليه (٥) - وحديث ابن مسعود في قصة الحبر (٦) -المتفق عليه- وحديث ابن عباس الذي رواه

стр. 905

الترمذي وصححه (١) وغير ذلك، وكذلك أنه خلق آدم بيديه (٢) وغير

стр. 906

ذلك (١). الثامن: قوله: " [و] (٢) الدليل عليه أن أئمة السنة وأخيار الأمة بعد صحب النبي ﷺ لم يودع أحد منهم كتابه الأخبار المتشابهات، فلم يورد مالك ﵁ في الموطأ منها شيئًا، كما أورده الآجري وأمثاله، وكذلك الشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان، والليث، والثوري، ولم يعتنوا بنقل المشكلات". فإن هذا الكلام لا يقوله إلّا من كان من أبعد الناس عن معرفة هؤلاء الأئمة، وما نقلوه وصنفوه، وقوله رجم بالغيب من كان بعيدًا، فإن نقل هؤلاء الأئمة وأمثالهم لهذه الأحاديث، مما يعرفه من له أدنى نصيب من معرفة هؤلاء [الأئمة] (٣) وهذه الأحاديث من (٤) هؤلاء وأمثالهم أخذت، وهم الذين أدوها إلى الأمة، والكذب في هذا الكلام أظهر من أن يحتاج إلى بيان، لكن قائله لم يتعمد الكذب، ولكنه كان قليل المعرفة بحال هؤلاء، وظن أن نقل هذه الأحاديث لا يفعله إلّا الجاهل، الذين يسميهم المشبهة (٥) أو الزنادقة، وهؤلاء برآء عنده من ذلك، فتركب من قلة علمه بالحق، ومن هذا الظن الناشئ عن الاعتقاد الفاسد هذا الكلام، الذي فيه من الفرية والجهل والضلال ما لا يخفى على أدنى الرجال. التاسع: قوله لم يورد مالك في الموطأ منها شيئًا، وقد ذكر أحاديث النزول، وأحاديث الضحك فيما أنكره، ومن المعلوم أن حديث

стр. 907

النزول من أشهر حديث في موطأ مالك رواه عن (١) أجل شيوخه ابن شهاب (٢) عمن هو من أجل شيوخه أبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر (٤) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (٥)، وقد رواه أهل الصحاح كالبخاري ومسلم من طريق مالك وغيره، وأحاديث النزول متواترة عن النبي ﷺ رواها أكثر من عشرين نفسًا من الصحابة بمحضر بعضهم من بعض، والمستمع لها [منهم] (٦) يصدق المحدث بها ويقره، ولم ينكرها منهم أحد، ورواه [أئمة] (٧) التابعين، وعامة

стр. 908

الذين سماهم من الأئمة رووا ذلك، وأودعوه كتبهم، وأنكروا على من أنكره. قال شارح الموطأ، الشرح الذي لم يشرح [أحد] (١) مثله الإمام أبو عمر بن عبد البر (٢): (هذا حديث ثابت من (٣) جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته". قال (٤): (هو حديث منقول من طريق سوى هذه من أخبار (٥) العدول عن النبي ﷺ ). (وفيه (٦) دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة (٧) في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش)، وبسط الكلام في ذلك. وكذلك أحاديث الضحك متواترة عن النبي ﷺ وقد رواها (٨) [الأئمة، وروى مالك في الموطأ (٩) منها حديثه عن أبي الزناد (١٠) عن

стр. 909

الأعرج (١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ (٢) قال: "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد"، وقد أخرجه أهل الصحاح من حديث مالك، وغير مالك (٣)، ورواه

стр. 910

-أيضًا- سفيان الثوري الإمام عن أبي الزناد وحدث به (١). وقد روى صاحبا الصحيحين منها قطعة مثل هذا الحديث، ومثل حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الطويل المشهور (٢)، وفيه: "فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه (٣)، فإذا ضحك الله منه قال: ادخل (٤) الجنة" (٥) ورواه أعلم التابعين بإجماع المسلمين سعيد بن المسيب (٦) عن

стр. 911

أبي هريرة، وغير سعيد -أيضًا- ورواه عنه الزهري، وعنه أصحابه، وفي هذا الحديث: "فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه (١)، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون" (٢). وهذا الحديث في الصحيحين من طريق آخر (٣)، عن أبي سعيد من رواية الليث بن سعد (٤) -إمام المسلمين- وغيره، الذي زعم أنه لم يكن يروي هذه الأحاديث، وفيه ألفاظ عظيمة أبلغ من الحديث الأول كقوله: "فيرفعون رؤوسهم، وقد تحوّل في صورته التي رأوه (٥) فيها أول مرة" (٦)، وقوله فيه:. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 912

"فيكشف عن ساق" (١)، وقوله: "فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج (٢) أقوامًا قد امتحشوا" (٣). وقد روى مالك (٤) -أيضًا- عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي" (٥)، وقد أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري من طريقه وطريق غيره. وروى البخاري في صحيحه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن (٦) رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون

стр. 913

السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك" (١). قال (٢): رواه سعيد عن مالك. وقد روى مالك في موطئه (٣) عن زيد بن أسلم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه (٤) الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٥). . . الآية، فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون". فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة (٦)، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى

стр. 914

يموت على عمل من أعمال أهل النار" (١). وهذا الحديث إنما رواه أهل السنن والمساند، كأبي داود والترمذي والنسائي، وقال (٢): حديث حسن. وقد قيل: إن إسناده منقطع، وأن واوية مجهول (٣)، ومع هذا فقد رواه مالك في الموطأ (٤)، مع أنه أبلغ من غيره لقوله: (ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية).

стр. 915

ومن العجب أن الآجري يروي كتاب الشريعة (١) له من طريق مالك والثوري والليث وغيوهم، فلو تأمل (٢) أبو المعالي وذووه (٣) الكتاب الذي أنكروه لوجدوا فيه ما يخصمهم، ولكن أبو (٤) المعالي، مع فرط ذكائه، وحرصه على العلم، وعلو قدره في فنه، كان قليل المعرفة بالآثار النبوية (٥)، ولعله لم يطالع الموطأ بحال حتى يعلم ما فيه، فإنه لم يكن له بالصحيحين البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي والترمذي، وأمثال هذه السنن علم أصلًا، فكيف بالموطأ ونحوه؟ وكان مع حرصه على الاحتجاج في مسائل الخلاف في الفقه، إنما عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني (٦)، وأبو الحسن مع تمام إمامته في الحديث، فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه، ويجمع طرقها، فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله، فأما الأحاديث
следующие страницы →