← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أبي هريرة، وغير سعيد -أيضًا- ورواه عنه الزهري، وعنه أصحابه، وفي هذا الحديث: "فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه (١)، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون" (٢). وهذا الحديث في الصحيحين من طريق آخر (٣)، عن أبي سعيد من رواية الليث بن سعد (٤) -إمام المسلمين- وغيره، الذي زعم أنه لم يكن يروي هذه الأحاديث، وفيه ألفاظ عظيمة أبلغ من الحديث الأول كقوله: "فيرفعون رؤوسهم، وقد تحوّل في صورته التي رأوه (٥) فيها أول مرة" (٦)، وقوله فيه:. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 912

"فيكشف عن ساق" (١)، وقوله: "فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج (٢) أقوامًا قد امتحشوا" (٣). وقد روى مالك (٤) -أيضًا- عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي" (٥)، وقد أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري من طريقه وطريق غيره. وروى البخاري في صحيحه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن (٦) رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون

стр. 913

السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك" (١). قال (٢): رواه سعيد عن مالك. وقد روى مالك في موطئه (٣) عن زيد بن أسلم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه (٤) الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٥). . . الآية، فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون". فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة (٦)، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى

стр. 914

يموت على عمل من أعمال أهل النار" (١). وهذا الحديث إنما رواه أهل السنن والمساند، كأبي داود والترمذي والنسائي، وقال (٢): حديث حسن. وقد قيل: إن إسناده منقطع، وأن واوية مجهول (٣)، ومع هذا فقد رواه مالك في الموطأ (٤)، مع أنه أبلغ من غيره لقوله: (ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية).

стр. 915

ومن العجب أن الآجري يروي كتاب الشريعة (١) له من طريق مالك والثوري والليث وغيوهم، فلو تأمل (٢) أبو المعالي وذووه (٣) الكتاب الذي أنكروه لوجدوا فيه ما يخصمهم، ولكن أبو (٤) المعالي، مع فرط ذكائه، وحرصه على العلم، وعلو قدره في فنه، كان قليل المعرفة بالآثار النبوية (٥)، ولعله لم يطالع الموطأ بحال حتى يعلم ما فيه، فإنه لم يكن له بالصحيحين البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي والترمذي، وأمثال هذه السنن علم أصلًا، فكيف بالموطأ ونحوه؟ وكان مع حرصه على الاحتجاج في مسائل الخلاف في الفقه، إنما عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني (٦)، وأبو الحسن مع تمام إمامته في الحديث، فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه، ويجمع طرقها، فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله، فأما الأحاديث

стр. 916

المشهورة في الصحيحين وغيرهما فكان يستغني عنه (١) في ذلك، فلهذا كان مجرد الاكتفاء بكتابه في هذا الباب، يورث جهلًا عظيمًا بأصول الإسلام، واعتبر ذلك بأن كتاب أبي (٢) المعالي الذي هو نخبة عمره: "نهاية المطلب في دراية المذهب" (٣) ليس فيه حديث واحد معزو إلى صحيح البخاري، إلّا حديث واحد في البسملة، وليس ذلك الحديث في البخاري -كما ذكره- ولقلة علمه وعلم أمثاله بأصول الإسلام، اتفق أصحاب الشافعي على أنه ليس لهم وجه في مذهب الشافعي، فإذا لم يسوغ أصحابه أن يعتد بخلافهم في مسألة من فروع الفقه، كيف يكون حالهم في غير هذا؟! وإذا اتفق أصحابه على أنه لا يجوز أن يتخذ (٤) إمامًا في مسألة واحدة من مسائل الفروع، فكيف يتخذ إمامًا في أصول الدين؟! مع العلم بأنه [إنما] (٥) نبل قدره عند الخاصة والعامة، بتبحره في مذهب الشافعي ﵁ لأن مذهب الشافعي مؤسس على الكتاب والسنة، وهذا الذي ارتفع به عند المسلمين، غايته فيه أن يوجد منه نقل جمعه أو بحث تفطن له لا (٦) يجعل إمامًا فيه، كالأئمة الذين لهم وجوه، فكيف بالكلام الذي نص الشافعي وسائر الأئمة (٧) على أنه ليس

стр. 917

بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه؟ وقد بينا أن ما جعله أصل دينه في الإرشاد والشامل وغيرهما، هو بعينه من الكلام الذي نصت عليه الأئمة. ولهذا روى عنه ابن طاهر (١) أنه قال وقت الموت (٢): "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يدركني (٣) ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وهأنذا (٤) أموت على عقيدة أمي أو عقائد عجائز نيسابور". وقال (٥) أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي (٦)، حكى لنا الإمام أبو الفتح محمد بن علي الطبري (٧) الفقيه قال: "دخلنا على الإمام

стр. 918

أبي المعالي الجويني، نعوده في مرضه الذي مات فيه بنيسابور فأقعد، فقال لنا: اشهدوا على أني قد (١) رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح ﵈ وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور". وعامة المستأخرين (٢) من أهل الكلام، سلكوا خلفه من تلامذته، وتلامذة تلامذته، وتلامذة تلامذة تلامذته، ومن بعدهم، ولقلة علمه بالكتاب والسنة [وكلام سلف الأمة يظن أن أكثر الحوادث ليس (٣) في الكتاب والسنة] (٤) والإجماع ما يدل عليها، وإنما يعلم حكمها بالقياس، كما يذكر ذلك في كتبه (٥)، ومن كان له علم بالنصوص ودلالتها على الأحكام، علم أن قول أبي محمد بن حزم وأمثاله أن النصوص تستوعب جميع الحوادث، أقرب إلى الصواب من هذا القول، وإن كان في طريقه هؤلاء من الإعراض عن بعض الأدلة الشرعية ما قد يسمى قياسًا جليًّا (٦)، وقد يجعل من دلالة اللفظ، مثل فحوى الخطاب

стр. 919

والقياس في معنى الأصل وغير ذلك، ومثل الجمود على الاستصحاب الضعيف، ومثل الإعراض عن متابعة أئمة من الصحابة ومن بعدهم ما هو معيب عليهم، وكذلك القدح في أعراض الأئمة، لكن الغرض أن قول هؤلاء في استيعاب النصوص للحوادث، وأن الله ورسوله قد بين للناس دينهم، هو أقرب إلى العلم والإيمان الذي هو الحق، ممن يقول: إن الله لم يبين للناس حكم أكثر ما يحدث لهم من الأعمال، بل وكلهم فيها إلى الظنون المتقابلة والآراء المتعارضة. ولا ريب أن هذا سببه (١) كله ضعف العلم بالآثار النبوية والآثار السلفية، وإلا فلو كان لأبي المعالي وأمثاله بذلك علم راسخ، وكانوا قد عضوا عليه بضرس قاطع، لكانوا ملحقين بأئمة المسلمين، لما كان فيهم من الاستعداد لأسباب الاجتهاد، ولكن اتباع (٢) أهل الكلام المحدث والرأي الضعيف للظن وما تهوى الأنفس، ينقص (٣) صاحبه إلى حيث جعله الله مستحقًا لذلك، وإن كان له من الاجتهاد في تلك الطريقة ما ليس لغيره، فليس الفضل بكثرة الاجتهاد، ولكن بالهدى والسداد، كما جاء في الأثر: "ما ازداد مبتدع اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا" (٤). وقد قال النبي ﷺ في الخوارج: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن

стр. 920

لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " (١). ويوجد لأهل البدع من أهل القبلة لكثير من الرافضة والقدرية الجهمية وغيرهم، من الاجتهاد ما لا يوجد لأهل السنة في العلم والعمل، وكذلك لكثير من أهل الكتاب والمشركين، لكن إنما يراد الحسن (٢) من ذلك، كما قال الفضيل بن عياض (٣) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤) قال (٥): "أخلصه وأصوبه. فقيل

стр. 921

له: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا [لم يقبل، وإن (١) كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا] (٢) والخالص أن يكون لله، والصواب (٣) أن يكون على السنة". وأما الشافعي ﵁ فقد روى الأحاديث التي تتعلق بغرض كتابه (٤)، مثل حديث النزول، وحديث معاوية بن الحكم السّلمي الذي فيه قول رسول الله ﷺ للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: أنت محمد رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٥). وقد رواه مسلم في صحيحه.

стр. 922

بل روى في كتابه الكبير (١) الذي اختصر منه مسنده من الحديث ما هو من أبلغ أحاديث الصفات، ورواه بإسناد فيه ضعف (٢)، فقال: [أخبرنا] (٣) إبراهيم بن محمد، قال: حدثني موسى بن عبيدة، حدثني (٤) أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبيد الله بن

стр. 923

عمير (١) أنه سمع أنس بن مالك يقول: أتى جبرائيل بمرآة بيضاء فيها وكتة (٢) إلى النبي ﷺ فقال [النبي] (٣) ﷺ : "ما هذه؟ " قال (٤): هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها عبد (٥) مؤمن يدعو [الله بخير] (٦) إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، قال النبي ﷺ : "يا جبرائيل وما يوم (٧) المزيد؟ " قال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديًا أفيح (٨)، فيه كثب (٩) مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد للنبيين (١٠)، وحفت تلك

стр. 924

المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم (١) على تلك الكثب، فيقول الله لهم: أنا ربكم قد (٢) صدقتكم وعدي، فاسألوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم علي ما تمنيتم، ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من خير (٣)، وهو اليوم الذي استوى ربكم (٤) على العرش فيه، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة" (٥). وأما ما رواه الثوري، والليث بن سعد، وابن جريج، والأوزاعي

стр. 925

وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة ونحوهم، من هذه الأحاديث فلا يحصيه إلَّا الله، بل هؤلاء عليهم مدار هذه الأحاديث من جهتهم أخذت، وحماد بن سلمة الذي قال: إن مالكًا احتذى موطأه على كتابه، هو قد جمع أحاديث الصفات (١) لما أظهرت الجهمية إنكارها، حتى إن حديث خلق آدم على صورته، أو صورة الرحمن، قد رواه هؤلاء الأئمة، رواه الليث بن سعد عن ابن عجلان (٢)، ورواه سفيان (٣) بن عيينة عن أبي الزناد، ومن طريقه رواه مسلم في صحيحه (٤)، ورواه الثوري عن حبيب بن أبي (٥) ثابت، عن عطاء عن النبي ﷺ

стр. 926

مرسلًا (١)، ولفظه: "خلق آدم على صورة الرحمن" مع أن الأعمش رواه مسندًا (٢)، فإذا كان الأئمة يروون مثل هذا الحديث وأمثاله مرسلًا، فكيف يقال: إنهم كانوا يمتنعون عن روايتها؟! والحديث هو في الصحيحين (٣) من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، وفي صحيح مسلم (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 927

من حديث قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة. وقد روى ابن القاسم (١) قال: سألت مالكًا عن من يحدث الحديث: "إن الله خلق آدم على صورته"، والحديث: "إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة" وأنه يدخل في النار يده حتى يخرج (٢) من أراد، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا ونهى أن يتحدث به أحد (٣). قلت: هذان الحديثان كان الليث بن سعد يحدث بهما، فالأول حديث الصورة حدث به عن ابن عجلان (٤)، والثاني هو في حديث أبي

стр. 928

سعيد الخدري الطويل، وهذا الحديث قد أخرجاه في الصحيحين (١) من حديث الليث، والأول قد أخرجاه في الصحيحين (٢) من حديث غيره. وابن القاسم إنما سأل مالكًا لأجل تحديث الليث بذلك، فيقال: إما أن يكون ما قاله مالك مخالفًا لما فعله الليث ونحوه، أو ليس بمخالف بل يكره أن يتحدث بذلك لمن (٣) يفتنه ذلك ولا يحمله عقله كما قال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلّا كان فتنة لبعضهم (٤)، وقد كان مالك يترك رواية أحاديث كثيرة

стр. 929

لكونه (١) لا يأخذ بها ولم يتركها غيره، فله في ذلك مذهب. فغاية ما يعتذر لمالك أن يقال: كره أن يتحدث بذلك حديثًا يفتن المستمع الذي لا يحمل عقله ذلك، وأما أن يقال (٢): إنه كره التحدث بذلك مطلقًا، فهذا مردود على من قاله، فقد حدث بهذه الأحاديث من هم أجل من مالك عند نفسه وعند المسلمين، كعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وقد حدث بها نظراؤه (٣) كسفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن عيينة، والثوري أعلم من مالك بالحديث وأحفظ (٤) له، وهو أقل غلطًا فيه من مالك، وإن كان مالك (٥) ينقي (٦) من يتحدث عنه. وأما الليث، فقد قال فيه الشافعي "كان أفقه من مالك إلّا أنه ضيعه أصحابه" (٧). ففي الجملة هذا الكلام (٨) في حديث مخصوص، أما أن يقال: إن الأئمة أعرضوا عن هذه الأحاديث مطلقًا، فهذا بهتان عظيم. العاشر: إن هؤلاء الذين سماهم وسائر أئمة الإسلام، كانوا كلهم مثبتين لموجب الآيات والأحاديث الواردة في الصفات، مطبقين على ذم الكلام الذي بنى عليه أبو المعالي أصول دينه، وزعم أنه أول ما أوجبه الله

стр. 930

على العبد بعد البلوغ، وهو ما استدل به على حدوث الأجسام بقيام الأعراض (١) بها، حتى إن شيخه أبا الحسن الأشعري ذكر اتفاق الأنبياء وأتباعهم، وسلف هذه الأمة على تحريم هذه الطريقة التي ذكر أبو المعالي أنها أصل الإيمان، وبها وبنحوها عارض هذه الأحاديث، وقد كتبنا كلام الأشعري وغيره في ذلك في كتاب بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم [الكلامية] (٢) لما استدل الرازي بالحركة على حدوث ما قامت به في إثبات حجته الدالة على نفي التحيز عندهم، ولكن علمه بحالهم كعلمه بمذهبهم في آيات الصفات وأحاديث الصفات، حيث اعتقد أن مذهبهم: إمرار (٣) حروفها مع نفي دلالتها على ما دلت عليه من

стр. 931

الصفات فهذا الضلال في معرفة رأيهم، كذلك الضلال في معرفة روايتهم وقولهم في شيئين: في الكلام الذي كان ينتحله، وفي النصوص الواردة عن الرسول، فقد حرفوا مذهب الأئمة في هذه الأصول الثلاثة، كما حرفوا نصوص الكتاب والسنة. الحادي عشر: إن الذي أوجب لهم جمع هذه الأحاديث وتبويبها، ما أحدثت الجهمية من التكذيب بموجبها، وتعطيل صفات الرب المستلزمة لتعطيل ذاته، وتكذيب رسوله والسابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان وما صنفوه (١) في ذلك من الكتب وبوبوه أبوابًا مبتدعة، يردون بها ما أنزله الله على رسوله، ويخالفون بها صرائح المعقول وصحائح المنقول، وقد أوجب الله تعالى تبليغ ما بعث به رسله، وأمر ببيان العلم، وذلك يكون بالمخاطبة تارة، وبالمكاتبة أخرى، فإذا كان المبتدعون قد وضعوا الإلحاد في كتب، فإن لم يكتب العلم الذي بعث الله به رسوله في كتب لم يظهر إلحاد ذلك، ولم يحصل تمام البيان والتبليغ، ولم يعلم كثير من الناس ما بعث الله به رسوله من العلم والإيمان المخالف لأقوال الملحدين المحرفين، وكان جمع ما ذكره النبي ﷺ وأخبر به عن ربه أهم من جمع غيره. الثاني عشر: إن أبا المعالي وأمثاله يضعون كتب الكلام التي تلقوا أصوله عن المعتزلة والمتفلسفة ، ويبوبون أبوابًا ما أنزل الله بها من

стр. 932

سلطان، ويتكلمون فيها (١) بما يخالف الشرع والعقل، فكيف ينكرون على من يصنف ويؤلف ما قاله رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، والأصول التي يقررها هي أصول جهم بن صفوان في الصفات والقدر والإرجاء، وقد ظهر ذلك في أتباعه، كالمدعي المغربي في مرشدته (٢) وغيره، فإن هؤلاء في القدر يقولون بقول جهم يميلون إلى الجبر، وفي الإرجاء بقول جهم -أيضًا- لأن الإيمان هو المعرفة (٣)، وأما في الصفات فهم يخالفون جهمًا والمعتزلة، فهم يثبتون الصفات في الجملة، لكن جهم والمعتزلة حقيقة قولهم نفي الذات والصفات وإن لم يقصدوا ذلك ولم يعتقدوه، وهؤلاء حقيقة قولهم إثبات صفات بلا ذات، وإن لم يعتقدوا ذلك ويقصدوه، ولهذا هم متناقضون، لكن هم

стр. 933

خير من المعتزلة، ولهذا إذا حقق قولهم لأهل الفطر السليمة -بقول (١) أحدهم- فيكون الله شبحًا وشبحه خيال الجسم، مثل ما يكون من ظله على الأرض وذلك هو عرض، فيعلمون أن من وصف الرب بهذه (٢) السلوب، مثل قولهم: لا داخل العالم ولا خارجه ونحوه، فلا يكون الله على قوله شيئًا قائمًا بنفسه موجودًا، بل يكون كالخيال الذي يشبحه الذهن، من غير أن يكون ذلك الخيال قائمًا بنفسه. ولا ريب أن هذه حقيقة قول (٣) هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينزهون الرب بنفي الجسم وما يتبع ذلك، ثم إنهم مع هذا النفي إذا نفوا الجسم وملازيمه، وقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، فيعلم أهل العقول أنهم لم يثبتوا شيئًا قائمًا بنفسه موجودًا، بل يقال: هذا الذي أثبتوه (٤) شبح (٥) أي: خيال ومثال، كالخيال الذي هو ظل الأشخاص، وكالخيال الذي في المرآة والماء، ثم من المعلوم أن هذا الخيال والمثال والشبح [يستلزم حقيقة موجودة قائمة بالنفس، فإن خيال الشخص] (٦) يستلزم وجوده، وكذلك قول هؤلاء، فإنهم يقرون بوجود مدبر خالق للعالم موصوف بأنه عليم قدير، ويصفونه (٧) من السلب بما يوجب أن يكون خيالًا، فيكون قولهم مستلزمًا لوجوده ولعدمه معًا، فإذا تكلموا بالسلف لم يبق إلّا الخيال، ويصفون ذلك الخيال بالثبوت، فيكون الخيال يستلزم ثبوت الموجود القائم بنفسه.

стр. 934

الثالث عشر: أن معرفة أبي المعالي وذويه بحال هؤلاء الأئمة، الذين اتفقت الأمة على إمامتهم، لا يكون أعظم من معرفتهم بالصحابة والتابعين، بل بنصوص رسول الله ﷺ وقد رأيت أبا المعالي في ضمن كلامه، يذكر ما ظاهره (١) الاعتذار عن الصحابة، وباطنه جهل بحالهم، مستلزم إذا طرد الزندقة والنفاق، فإنه أخذ يعتذر عن كون الصحابة لم يمهدوا أصول الدين، ولم يقرروا قواعده فقال: "لأنهم كانوا مشغولين بالجهاد والقتال عن ذلك" (٢)، هذا مما في كلامه، وهذا إنما قالوه لأن هذه الأصول والقواعد التي يزعمون أنها أصول الدين، قد علموا أن الصحابة لم يقولوها، وهم يظنون أنها أصول صحيحة، وأن الدين لا يتم إلا بها وللصحابة ﵃ -أيضًا- من العظمة في القلوب ما لم يمكنهم دفعه، حتى يصيروا بمنزلة الرافضة القادحين في الصحابة، ولكن أخذوا من الرفض شعبة، كما أخذوا من التجهم بشعبة (٣)، وذلك (٤) دون ما أخذته المعتزلة من الرفض والتجهم، حين غلب على الرافضة التجهم، وانتقلت عن التجسيم إلى التعطيل والتجهم، إذ كان هؤلاء نسجوا على منوال المعتزلة، لكن كانوا أصلح منهم وأقرب إلى السنة وأهل الإثبات في أصول الكلام، ولهذا كان المغاربة الذين اتبعوا محمد بن التومرت المتبع لأبي المعالي، أمثل وأقرب إلى الإسلام من

стр. 935

المغاربة (١) الذين اتبعوا القرامطة، وغلوا (٢) في الرفض والتجهم حتى انسلخوا من الإسلام، فظنوا أن هذه الأصول التي وضعوها هي أصول الدين، التي (٣) لا يتم الدين إلا بها (٤)، وجعلوا الصحابة حين تركوا أصول الدين كانوا مشغولين عنه بالجهاد، وهم في ذلك بمنزلة كثير من جندهم ومقاتلتهم الذين قد وضعوا قواعد وسياسة للملك والقتال، فيها الحق والباطل، ولم نجد تلك السيرة تشبه سيرة الصحابة، ولم يمكنهم القدح فيهم، فأخذوا يقولون: كانوا مشغولين (٥) بالعلم والعبادة عن هذه السيرة وأبهة الملك الذي وضعناه. وكل هذا قول من هو جاهل بسيرة الصحابة وعلمهم ودينهم وقتالهم، وإن كان لا يعرف حقيقة أحوالهم، فلينظر إلى آثارهم، فإن الأثر يدل على المؤثر، هل انتشر عن أحد من المنتسبين إلى القبلة، أو عن أحد من الأمم المتقدمين والمتأخرين من العلم والدين ما انتشر وظهر عنهم؟ أم هل فتحت أمة البلاد وقهرت العباد، كما فعلته الصحابة رضوان الله عليهم؟ ولكن كانت علومهم وأعمالهم وأقوالهم وأفعالهم حقًّا باطنًا وظاهرًا، وكانوا أحق الناس بموافقة قولهم لقول الله، وفعلهم لأمر الله، فمن حاد عن سبيلهم لم ير ما فعلوه، فيزين له سوء عمله حتى يراه حسنًا، ويظن أنه حصل له من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ما قصروا عنه، وهذه حال أهل البدع. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته -التي رواها عبدوس بن مالك العطار (٦):. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 936

"أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ". وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (١)، والأدلة الدالة على تفضيل القرن الأول ثم الثاني أكثر من أن تذكر، ومعلوم أن أم الفضائل

стр. 937

العلم والدين والجهاد، فمن ادعى أنه حقق من العلم بأصول الدين، أو من الجهاد ما لم يحققوه، كان من أجهل الناس وأضلهم، وهو بمنزلة من يدعي من أهل الزهد والعبادة والنسك، أنهم حققوا من العبادات والمعارف والمقامات والأحوال ما لم يحققه الصحابة، وقد يبلغ الغلو بهذه الطوائف إلى أن يفضلوا نفوسهم وطرقهم على الأنبياء وطرقهم، وتجدهم (١) عند التحقيق من أجهل الناس وأضلهم وأفسقهم وأعجزهم. الرابع عشر (٢): أن يقال له: هؤلاء الذين سميتهم أهل الحق، وجعلتهم قاموا من تحقيق أصول الدين بما لم يقم به الصحابة، هم متناقضون في الشرعيات والعقليات. أما الشرعيات فإنهم تارة يتأولون نصوص الكتاب والسنة، وتارة يبطلون التأويل، فإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة الذين يتأولون نصوص الصفات مطلقًا، ردوا عليهم وأثبتوا لله الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات، وإذا ناظروا من يثبت صفات أخرى دل عليها الكتاب والسنة، كالمحبة والرضا والغضب والمقت والفرح والضحك ونحو ذلك تأولوها، وليس لهم فرق مضبوط بين ما يتأول وما لا يتأول، بل منهم من يحيل على العقل، ومنهم من يحيل إلى (٣) الكشف، فأكثر متكلميهم (٤) يقولون: ما علم بثبوته بالعقل لا يتأول، وما لا (٥) يعلم ثبوته بالعقل يتأول، ومنهم من يقول: ما علم ثبوته

стр. 938

بالكشف والنور الإلهي لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بذلك يتأول (١) , وكلا الطريقين (٢) ضلال وخطأ من وجوه: أحدها: أن يقال: عدم الدليل ليس دليل العدم، فإن عدم العلم بالشيء بعقل أو كشف لا يقتضي (٣) أن يكون معدومًا، فمن أين لكم ما دلت عليه النصوص أو الظواهر، ولم تعلموا انتفاءه، أنه منتف في نفس الأمر؟ الوجه (٤) الثاني: أن هذا في الحقيقة عزل للرسول، واستغناء عنه، وجعله بمنزلة شيخ من شيوخ المتكلمين أو الصوفية، فإن المتكلم مع المتكلم، والمتصوف مع المتصوف، يوافقه فيما علمه بنظره أو كشفه، دون ما لم يعلمه بنظره أو كشفه بل ما ذكروه فيه تنقيص للرسول عن درجة المتكلم والمتصوف، فإن المتكلم والمتصوف إذا قال نظيره شيئًا، ولم يعلم ثبوته ولا انتفاؤه لا نثبته ولا ننفيه، وهؤلاء ينفون معاني النصوص

стр. 939

ويتأولونها، وإن لم يعلموا انتفاء مقتضاها، ومعلوم أن من جعل الرسول بمنزلة واحد من هؤلاء، كان في قوله من الإلحاد والزندقة ما الله به عليم، فكيف بمن جعله في الحقيقة دون هؤلاء؟ وإن كانوا هم لا يعلمون أن هذا لازم قولهم، فنحن ذكرنا أنه لازم لهم لنبين فساد الأصول التي لهم، وإلّا فنحن نعلم أن من كان منهم ومن غيرهم مؤمنًا بالله ورسوله، لا ينزل الرسول هذه المنزلة. الوجه الثالث: أن يقال: ما نفيتموه من الصفات وتأولتموه، يقال في ثبوته من العقل والكشف نظير ما قلتموه فيما أثبتوه وزيادة، وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع، وبينت أن الأدلة الدالة سمعًا وعقلًا على ثبوت رحمته ومحبته ورضاه وغضبه، ليست بأضعف من الأدلة الدالة على إرادته، بل لعلها أقوى منها، فمن تأول نصوص المحبة والرضا والرحمة وأقر نصوص الإرادة كان متناقضًا. الوجه الرابع: إن ما ذكرتموه هو نظير قول المتفلسفة والمعتزلة، فإنهم يقولون: تأولناه لدلالة أدلة المعقول (١) على نفي مقتضاه، وكل ما يجيبونهم به يجيبكم أهل الإثبات من أهل الحديث والسنة به. الوجه الخامس: إن أهل الإثبات لهم من العقل الصريح والكشف الصحيح ما يوافق ما جاءت به النصوص، فهم مع موافقة الكتاب والسنة وإجماع سلف

стр. 940

الأمة، يعارضون بعقلهم عقل النفاة، وبكشفهم كشف النفاة (١)، لكن عقلهم وكشفهم هو الصحيح، ولهذا تجدهم ثابتين فيه وهم في مزيد علم وهدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٢) وأولئك تجدهم في مزيد حيرة وضلال، وآخر (٣) أمرهم ينتهي إلى الحيرة، ويعظمون الحيرة فإن اَخر معقولهم الذي جعلوه ميزانًا يزنون به الكتاب والسنة يوجب الحيرة، حتى يجعلوا الرب موجودًا معدومًا ثابتًا منتفيًا (٤) فيصفونه بصفة الإثبات وبصفة العدم، والتحقيق عندهم جانب النفي بأنهم يصفونه بصفات المعدوم والموات، وآخر كشفهم وذوقهم وشهودهم الحيرة، وهؤلاء لا بد لهم من إثبات، فيجعلونه حالًا (٥) في المخلوقات، أو يجعلون وجوده وجود المخلوقات، فآخر نظر الجهمية وعقلهم أنهم لا يعبدون شيئًا، وآخر كشفهم وذوقهم أنهم يعبدون كل

стр. 941

شيء، وأصل الشر ممن (١) جعل مثل هذا العقل ومثل هذا الكشف ميزانًا يزن به الكتاب والسنة. وأما أهل العقل الصريح، والكشف الصحيح، منهم أئمة العلم والدين من مشايخ الفقه والعبادة الذين لهم في الأمة لسان صدق، وكل من له في الأمة لسان صدق عام من أئمة العلم والدين المنسوبين إلى الفقه والتصوف فإنهم على الإثبات لا على النفي، وكلامهم في ذلك كثير قد ذكرناه في غير هذا الموضع (٢). وأما تناقضهم في العقليات فلا يحصى، مثل قولهم: إن الباري لا يقوم به الأعراض، ولكن تقوم به الصفات، والصفات والأعراض في المخلوق سواء عندهم، فالحياة والعلم والقدرة والإرادة والحركة والسكون في المخلوق هو عندهم صفة، وهو عندهم عرض، ثم قالوا: في الحياة ونحوها هي في حق الخالق صفات وليست بأعراض، إذ العرض هو ما لا يبقى زمانين، والصفة القديمة باقية. ومعلوم أن قولهم العرض ما [لا] (٣) يبقى زمانين: هو فوق

стр. 942

بِدعَوِي وتحكم، فإن الصفات في المخلوق لا تبقى -أيضًا- زمانين عندهم فتسمية الشيء صفة أو عرضًا لا يوجب الفرق، لكنهم ادعوا أن صفة المخلوق لا تبقى زمانين، وصفة الخالق تبقى، فيمكنهم أن يقولوا: بالمخلوق لا يبقى والقائم بالخالق باق، هذا إن صح قولهم (١): إن الصفات التي هي الأعراض لا تبقى (٢)، وأكثر (٣) العقلاء يخالفونهم في ذلك. وكذلك قولهم (٤): إن الله يرى كما ترى الشمس والقمر من غير مواجهة ولا معاينة، وإن كل موجود يرى حتى الطعم واللون. وإن المعنى الواحد القائم بذات المتكلم يكون أمرًا بكل ما أمر به، ونهيًا عن كل ما نهى عنه، وخبرًا بكل ما أخبر به، وذلك المعنى إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية (٥) فهو التوراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وإن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له، وأن هذا المعنى يسمع بالأذن على قول بعضهم إن (٦) عنده متعلق بكل موجود، وعلى قول بعضهم: إنه لا يسمع بالأذن لكن بلطيفة جعلت في قلبه، فجعلوا السمع من جنس الإلهام، ولم يفرقوا بين الإيماء إلى غير موسى وبين تكليم موسى. ومثل قولهم: إن القديم لا يجوز عليه الحركة والسكون ونحو

стр. 943

ذلك، لأن هذه لا تقوم إلا بمتحيز، وقالوا: إن القدرة والحياة ونحوهما يقوم بقديم غير متحيز، وجمهور العقلاء يقولون: إن هذا فرق بين المتماثلين. وكذلك زعمهم أن قيام الأعراض التي هي الصفات بالمحل الذي تقوم به يدل على حدوثها، ثم قالوا: إن الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدثه (١). وكذلك في احتجاجهم على المعتزلة في مسألة القرآن، فإن عمدتهم فيها: أنه لو كان مخلوقًا لم يخل إما أن يخلقه في نفسه أو في غيره، أو لا في نفسه ولا في غيره وهذا باطل، لأنه يستلزم قيام الصفة بنفسها، والأول باطل لأنه ليس بمحل الحوادث، والثاني باطل لأنه لو خلقه في محل لعاد حكمه على ذلك المحل، فكان يكون هو المتكلم به، فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، ولم يعد على غيره كالعلم والقدرة والحياة. وهذا من أحسن ما يذكرونه من الكلام، لكنهم نقضوه حيث منعوا أن يقوم (٢) به (٣) الأفعال مع اتصافه بها، فيوصف بأنه خالق وعادل ولم يقم به خلق ولا عدل، ثم كان من قولهم الذي أنكره الناس إخراج الحروف عن مسمى الكلام، وجعل دلالة لفظ الكلام عليها مجازًا، فأحب أبو (٤) المعالي ومن اتبعه كالرازي أن يخلصوا من هذه الشناعة، فقالوا: اسم الكلام يقال بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس وعلى الحروف الدالة عليه. وهذا الذي قالوه أفسدوا به أصل دليلهم على المعتزلة، فإنه إذا صح أن ما قام بغير الله يكون كلامًا له حقيقة بطلت

стр. 944

حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الكلام إذا قام بمحل عاد حكمه عليه، وجاز حينئذ أن يقال: إن الكلام مخلوق خلقه في غيره وهو كلامه حقيقة، ولزمهم من الشناعة ما لزم المعتزلة، حيث ألزمهم السلف والأئمة أن تكون الشجرة هي القائلة لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا﴾ (١) مع أن أدلتهم في مسألة امتناع حلول الحوادث، لما تبين للرازي ونحوه ضعفها لم يمكنه أن يعتمد في مسألة الكلام على هذا الأصل، بل احتج بحجة سمعية هي من أضعف الحجج حيث أثبت الكلام النفساني بالطريقة المشهورة، ثم قال (٢): "وإذا ثبت ذلك ثبت أنه واحد وأنه قديم، لأن كل من قال ذلك قال هذا ولم يفرق أحد" هكذا قرره في نهاية العقول. ومعلوم أن [هذا] (٣) الدليل لا يصلح لإثبات مسألة فرعية عند محققي الفقهاء، وقد بينا تناقضهم في هذه المسألة بقريب من مائة وجه عقلي في هذا الكتاب (٤)، وكان بعض الفضلاء قد قال للفقيه أبي محمد بن عبد السلام (٥) في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر

стр. 945

ونهي (١) وخبر واستخبار؟ فقال له أبو محمد: ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري. و-أيضًا- فهم في مسألة القدر (٢) يسوون بين الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك ويتأولون قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٣) بمعنى (٤) لا يريده لهم، وعندهم أنه رضيه وأحبه لمن وقع منه، وكل ما وقع في الوجود من كفر وفسوق وعصيان فالله يرضاه ويحبه، وكل ما لم يقع من طاعة وبر وإيمان فإن الله لا يحبه ويرضاه، ثم إنهم إذا تكلموا مع سائر العلماء في أصول الفقه، بينوا أن المستحب هو ما يحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر استحباب سواء قدره أو لم يقدره، وهذا باب يطول وصفه. الوجه الخامس عشر (٥): أن يقال: إن (٦) هذه القواعد التي جعلتموها أصول دينكم، وظننتم أنكم بها صرتم مؤمنين بالله وبرسوله وباليوم الآخر، وزعمتم أنكم تقدمتم بها على سلف الأمة وأئمتها، وبها

стр. 946

دفعتم أهل الإلحاد (١) من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم، هي عند التحقيق تهدم أصول دينكم، وتسلط (٢) عليكم عدوكم، وتوجب تكذيب نبيكم، والطعن في خير قرون هذه الأمة، وهذا -أيضًا- فيما فعلتموه في الشرعيات والعقليات. أما الشرعيات، فإنكم لما تأولتم ما تأولتم من نصوص الصفات الإلهية، تأولت المعتزلة ما أقررتموه أنتم (٣)، واحتجوا بمثل حجتكم، ثم زادت الفلاسفة وتأولوا ما جاء من (٤) النصوص الإلهية في الإيمان باليوم الآخر، وقالت الفلاسفة (٥) مثل ما قلتم لإخوانكم المؤمنين , ولم يكن لكم حجة على المتفلسفة، فإنكم إن احتججتم بالنصوص تأولوها، ولهذا كان غايتكم في مناظرة هؤلاء أن تقولوا: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر بمعاد الأبدان، وأخبر بالفرائض الظاهرة، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان ونحو ذلك لجميع البرية، والأمور الضرورية لا يمكن القدح فيها. فإن قال لكم المتفلسفة: هذا غير معلوم بالضرورة، كان جوابكم أن تقولوا: هذا مكابرة أم هذا جهل منكم؟ أو تقولوا: إن العلوم الضرورية لا يمكن دفعها عن النفس، ونحن نجد العلم بهذا أمرًا ضروريًّا في أنفسنا، وهذا كلام صحيح منكم، لكن [في] (٦) هذا يقول لكم المثبتة أهل العلم بالقرآن وتفسيره المنقول عن السلف والأئمة وبالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين نحن نعلم بالاضطرار

стр. 947

أنها أثبت (١) الصفات، وأن الله فوق العالم، والعلم بهذا ضروري عندهم، كما ذكرتم أنتم في معاد الأبدان والشرائع الظاهرة، بل لعل العلم بهذا أعظم من العلم ببعض ما تنازعكم فيه المعتزلة والفلاسفة من أمور المعاد، كالصراط والميزان والحوض والشفاعة ومسألة منكر ونكير. و-أيضًا- فالعلم بعلو الله على عرشه ونحو ذلك، يعلم بضرورية عقلية وأدلة عقلية يقينية لا يعلم بمثلها معاد الأبدان، فالعلوم الضرورية والأدلة السمعية والعقلية على ما نفيتموه من علو الله على خلقه، ومباينته لهم ونحو ذلك، أكمل وأقوى من العلوم الضرورية والأدلة السمعية والعقلية على كثير مما خالفكم فيه المعتزلة بل والفلاسفة، ولهذا يوجد عن كثير من السلف موافقة المعتزلة في بعض ما خالفتموه فيه، كما يوجد عن بعض السلف إنكار سماع الذي في القبر للأصوات (٢)، وعن بعض السلف إنكار المعراج (٣) بالبدن وأمثال ذلك، ولا يوجد عن أحد (٤) منهم

стр. 948

موافقتكم على أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه، وأنه ليس فوق العالم، بل ولا على ما نفيتموه من الجسم وملازمه وكذلك المعتزلة وإن كانوا ضالين في مسألة إنكار الرؤية، فمعهم فيها من الظواهر التي تأولوها، والمقاييس التي اعتمدوا عليها أعظم مما معكم في إنكار مباينة الله لمخلوقاته وعلوه على عرشه. ومن العجب أنكم تقولون: إن محمدًا رأى ربه ليلة المعراج، وهذه مسألة نزاع بين الصحابة (١)، أو تقولون: رآه بعينه، ولم يقل ذلك

стр. 949

أحد منهم، ثم تقولون (١): إن محمدًا لم يعرج به إلى الله، فإن الله ليس هو فوق السماوات، فتنكرون ما اتفق عليه السلف، وتقولون بما تنازعوا فيه ولم يقله أحد منهم، فالمعتزلة في جعلهم المعراج منامًا أقرب إلى السلف والسنة (٢) منكم، حيث قلتم رآه بعينه ليلة المعراج، وقلتم مع هذا: [إنه] (٣) ليس فوق السماوات رب يعرج إليه، فهذا النفي أنتم (٤) والمعتزلة فيه شركاء (٥) وأنتم امتزتم بقولكم رآه بعينه، وهذا لم يثبت عن أحد من السلف، وهم امتازوا بقولهم المعراج منامًا، وهو قول مأثور عن طائفة من السلف، وإنما نقل عنهم بأسانيد ضعيفة، ثم إنكم أظهرتهم للمسلمين مخالفة المعتزلة في مسألة الرؤية والقرآن، ووافقتم أهل السنة على إظهار القول بأن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق والقول بأن الله لا يرى في الآخرة، وأن القرآن مخلوق (٦) من البدع القديمة التي أظهرت الجهمية من المعتزلة وغيرهم في عصر الأئمة حتى امتحنوا (٧) الإمام أحمد وغيره بذلك، ووافقتم (٨) المعتزلة على

стр. 950

نفيهم وتعطيلهم الذي ما كانوا يجترئون على إظهاره في زمن السلف والأئمة، وهو قولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه وإنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، فإن هذه البدعة الشنعاء والمقالة التي هي شر من قول (١) كثير من اليهود والنصارى، لم يكن يظهرها أحد من المعتزلة للعامة، ولا يدعو عموم الناس إليها، وإنما كان السلف يستدلون على أنهم يبطنون ذلك بما يظهرونه من مقالاتهم، فموافقتكم للمعتزلة على ما أسروه من التعطيل والإلحاد الذي هو أعظم مخالفة للشرع والعقل مما خالفتموه فيه في مسألة الرؤية والقرآن فإن كل عاقل يعلم أن دلالة القرآن على علو الله على عرشه أعظم من دلالته على أن الله يرى وليس في القرآن آية توهم المستمع أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، وفيه ما يوهم بعض الناس نفي الرؤية، ولكن يعارضون (٢) آيات العلو الكثيرة الصريحة بما يتوهم أنه يدل على أنه بذاته في كل مكان، وأنتم لا تقولون لا بهذا ولا بهذا فلم يكن معكم على هذا النفي آية تشعر بمذهبكم، فضلًا عن أن تدل عليه نصًّا أو ظاهرًا، ولا حديث عن رسول الله ﷺ ولا قول صاحب ولا تابع ولا إمام، وإنما غايتكم أن تتمسكوا بأثر مكذوب كما تذكرونه عن علي أنه قال: الذي أين الأين لا يقال له: أين، وهذا من الكذب على علي باتفاق أهل العلم لا إسناد له (٣) وكذلك حديث الملائكة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →