← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

دفعتم أهل الإلحاد (١) من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم، هي عند التحقيق تهدم أصول دينكم، وتسلط (٢) عليكم عدوكم، وتوجب تكذيب نبيكم، والطعن في خير قرون هذه الأمة، وهذا -أيضًا- فيما فعلتموه في الشرعيات والعقليات. أما الشرعيات، فإنكم لما تأولتم ما تأولتم من نصوص الصفات الإلهية، تأولت المعتزلة ما أقررتموه أنتم (٣)، واحتجوا بمثل حجتكم، ثم زادت الفلاسفة وتأولوا ما جاء من (٤) النصوص الإلهية في الإيمان باليوم الآخر، وقالت الفلاسفة (٥) مثل ما قلتم لإخوانكم المؤمنين , ولم يكن لكم حجة على المتفلسفة، فإنكم إن احتججتم بالنصوص تأولوها، ولهذا كان غايتكم في مناظرة هؤلاء أن تقولوا: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر بمعاد الأبدان، وأخبر بالفرائض الظاهرة، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان ونحو ذلك لجميع البرية، والأمور الضرورية لا يمكن القدح فيها. فإن قال لكم المتفلسفة: هذا غير معلوم بالضرورة، كان جوابكم أن تقولوا: هذا مكابرة أم هذا جهل منكم؟ أو تقولوا: إن العلوم الضرورية لا يمكن دفعها عن النفس، ونحن نجد العلم بهذا أمرًا ضروريًّا في أنفسنا، وهذا كلام صحيح منكم، لكن [في] (٦) هذا يقول لكم المثبتة أهل العلم بالقرآن وتفسيره المنقول عن السلف والأئمة وبالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين نحن نعلم بالاضطرار

стр. 947

أنها أثبت (١) الصفات، وأن الله فوق العالم، والعلم بهذا ضروري عندهم، كما ذكرتم أنتم في معاد الأبدان والشرائع الظاهرة، بل لعل العلم بهذا أعظم من العلم ببعض ما تنازعكم فيه المعتزلة والفلاسفة من أمور المعاد، كالصراط والميزان والحوض والشفاعة ومسألة منكر ونكير. و-أيضًا- فالعلم بعلو الله على عرشه ونحو ذلك، يعلم بضرورية عقلية وأدلة عقلية يقينية لا يعلم بمثلها معاد الأبدان، فالعلوم الضرورية والأدلة السمعية والعقلية على ما نفيتموه من علو الله على خلقه، ومباينته لهم ونحو ذلك، أكمل وأقوى من العلوم الضرورية والأدلة السمعية والعقلية على كثير مما خالفكم فيه المعتزلة بل والفلاسفة، ولهذا يوجد عن كثير من السلف موافقة المعتزلة في بعض ما خالفتموه فيه، كما يوجد عن بعض السلف إنكار سماع الذي في القبر للأصوات (٢)، وعن بعض السلف إنكار المعراج (٣) بالبدن وأمثال ذلك، ولا يوجد عن أحد (٤) منهم

стр. 948

موافقتكم على أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه، وأنه ليس فوق العالم، بل ولا على ما نفيتموه من الجسم وملازمه وكذلك المعتزلة وإن كانوا ضالين في مسألة إنكار الرؤية، فمعهم فيها من الظواهر التي تأولوها، والمقاييس التي اعتمدوا عليها أعظم مما معكم في إنكار مباينة الله لمخلوقاته وعلوه على عرشه. ومن العجب أنكم تقولون: إن محمدًا رأى ربه ليلة المعراج، وهذه مسألة نزاع بين الصحابة (١)، أو تقولون: رآه بعينه، ولم يقل ذلك

стр. 949

أحد منهم، ثم تقولون (١): إن محمدًا لم يعرج به إلى الله، فإن الله ليس هو فوق السماوات، فتنكرون ما اتفق عليه السلف، وتقولون بما تنازعوا فيه ولم يقله أحد منهم، فالمعتزلة في جعلهم المعراج منامًا أقرب إلى السلف والسنة (٢) منكم، حيث قلتم رآه بعينه ليلة المعراج، وقلتم مع هذا: [إنه] (٣) ليس فوق السماوات رب يعرج إليه، فهذا النفي أنتم (٤) والمعتزلة فيه شركاء (٥) وأنتم امتزتم بقولكم رآه بعينه، وهذا لم يثبت عن أحد من السلف، وهم امتازوا بقولهم المعراج منامًا، وهو قول مأثور عن طائفة من السلف، وإنما نقل عنهم بأسانيد ضعيفة، ثم إنكم أظهرتهم للمسلمين مخالفة المعتزلة في مسألة الرؤية والقرآن، ووافقتم أهل السنة على إظهار القول بأن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق والقول بأن الله لا يرى في الآخرة، وأن القرآن مخلوق (٦) من البدع القديمة التي أظهرت الجهمية من المعتزلة وغيرهم في عصر الأئمة حتى امتحنوا (٧) الإمام أحمد وغيره بذلك، ووافقتم (٨) المعتزلة على

стр. 950

نفيهم وتعطيلهم الذي ما كانوا يجترئون على إظهاره في زمن السلف والأئمة، وهو قولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه وإنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، فإن هذه البدعة الشنعاء والمقالة التي هي شر من قول (١) كثير من اليهود والنصارى، لم يكن يظهرها أحد من المعتزلة للعامة، ولا يدعو عموم الناس إليها، وإنما كان السلف يستدلون على أنهم يبطنون ذلك بما يظهرونه من مقالاتهم، فموافقتكم للمعتزلة على ما أسروه من التعطيل والإلحاد الذي هو أعظم مخالفة للشرع والعقل مما خالفتموه فيه في مسألة الرؤية والقرآن فإن كل عاقل يعلم أن دلالة القرآن على علو الله على عرشه أعظم من دلالته على أن الله يرى وليس في القرآن آية توهم المستمع أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، وفيه ما يوهم بعض الناس نفي الرؤية، ولكن يعارضون (٢) آيات العلو الكثيرة الصريحة بما يتوهم أنه يدل على أنه بذاته في كل مكان، وأنتم لا تقولون لا بهذا ولا بهذا فلم يكن معكم على هذا النفي آية تشعر بمذهبكم، فضلًا عن أن تدل عليه نصًّا أو ظاهرًا، ولا حديث عن رسول الله ﷺ ولا قول صاحب ولا تابع ولا إمام، وإنما غايتكم أن تتمسكوا بأثر مكذوب كما تذكرونه عن علي أنه قال: الذي أين الأين لا يقال له: أين، وهذا من الكذب على علي باتفاق أهل العلم لا إسناد له (٣) وكذلك حديث الملائكة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 951

الأربعة (١) مع أن ذلك لا حجة فيه لكم، وكذلك القول بأن القرآن مخلوق، فيه من الشبهة ما ليس في نفي علو الله على عباده، ولهذا كان في فطر جميع الأمم الإقرار بعلو الله على خلقه (٢)، وأما كونه يرى أو لا يرى أو يتكلم أو لا يتكلم، فهذا عندهم ليس في الظهور بمنزلة ذلك (٣)، فوافقتم الجهمية المعتزلة وغيرهم على ما هو أبعد عن العقل والدين مما خالفتموهم فيه (٤). ومعلوم اتفاق سلف الأمة وأئمتها على تضليل الجهمية من المعتزلة

стр. 952

وغيرهم، بل قد كفروهم وقالوا فيهم ما لم يقولوه في [أحد من] (١) أهل الأهواء، بل أخرجوهم عن الثنتين والسبعين (٢) فرقة، وقالوا: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية (٣)، فكنتم وافقتم فيه الجهمية من المعتزلة وغيرهم، وما خالفتموهم فيه، كمن (٤) آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، ولكن هو (٥) إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وأوجب ذلك فسادين عظيمين: أحدهما: تسلط المعتزلة ونحوهم عليكم، فإنكم لما وافقتموهم على هذا التعطيل بقي بعد ذلك إثباتكم للرؤية، ولكون القرآن غير مخلوق قولًا باطلًا في العقل عند جمهور العقلاء، وانفردتم عن جميع طوائف الأمة بما ابتدعتموه في مسألة الكلام والرؤية، وقويت المعتزلة عليكم بذلك (٦) وعلى [أهل] (٧) السنة، وإن كنتم قد رددتم على

стр. 953

المعتزلة، حتى قيل (١): إن الأشعري حجرهم في قمع السمسمة (٢)، فهذا -أيضًا- صحيح بما أبداه من تناقض أصولهم، فإنه كان خبيرًا بمذاهبهم، إذ كان من تلامذة أبي علي الجبائي، وقرأ عليه أصول المعتزلة أربعين سنة، ثم لما انتقل إلى طريقة أبي محمد عبد الله بن سعيد (٣) بن كلاب، وهي أقرب إلى السنة من طريقة المعتزلة، فإنه يثبت الصفات والعلو ومباينة الله للمخلوقات، ويجعل العلو يثبت بالعقل، فكان الأشعري لخبرته بأصول المعتزلة، أظهر من تناقضها وفسادها ما قمع به المعتزلة، وبما أظهر (٤) من تناقض المعتزلة والرافضة والفلاسفة ونحوه، صار له من الحرمة والقدر ما صار له فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥). لكن الأشعري قصر عن طريقة ابن كلاب، وأنتم خالفتم ابن كلاب والأشعري، فنفيتم الصفات الخبرية، ونفيتم العلو، وخياركم يجعله

стр. 954

من الصفات السمعية، مع أن ابن كلاب كان مبتدعًا (١) عند السلف والأئمة، بما قاله في مسألة القرآن وفي إنكار الصفات الفعلية القائمة بذات الله، ثم إن المعتزلة وإن انقمعوا من هذا الوجه فإنهم طمعوا وقووا من وجه آخر بموافقتكم لهم على أصول النفي والتعطيل، فصار ذلك مغريًا لفضلائهم بلزوم مذهبكم، فإن كل من فهم مذهبكم الذي خالفتم فيه المعتزلة، علم أن كل (٢) ما ذكرتموه قول فاسد -أيضًا- وإن كان قول المعتزلة فاسدًا. ونشأ الفساد. الثاني: وهو أن الفضلاء إذا تدبروا حقيقة قولكم الذي أظهرتم فيه خلاف المعتزلة، وجدوكم قريبين منهم أو موافقين لهم في المعنى، كما في مسألة الرؤية، فإنكم تتظاهرون بإثبات الرؤية والرد على المعتزلة، ثم تفسرونها بما لا ينازع المعتزلة في إثباته، ولهذا قال من قال من الفضلاء في الأشعري: إن قوله قول المعتزلة ولكنه عدل عن التصريح إلى التمويه (٣)، وكذلك قولكم في مسألة القرآن، فإنه لما اشتهر عند الخاص والعام أن مذهب السلف والأئمة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنهم أنكروا على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين قالوا: إنه مخلوق حتى كفروهم، وصبر الأئمة على امتحان الجهمية مدة استيلائهم، حتى نصر الله [أهل] (٤) السنة وأطفأ الفتنة، فتظاهرتم بالرد على المعتزلة وموافقة السنة والجماعة، وانتسبتم إلى أئمة السنة في ذلك، وعند التحقيق فأنتم

стр. 955

موافقون للمعتزلة من وجه ومخالفونهم من وجه، وما اختلفتم فيه أنتم وهم، فأنتم أقرب إلى السنة من وجه، وهم أقرب إلى السنة من وجه، وقولهم أفسد في (١) العقل والدين من وجه، وقولكم أفسد في العقل والدين من وجه. وذلك (٢) أن المعتزلة قالوا: إن كلام الله مخلوق منفصل عنه، والمتكلم من فعل الكلام، وقالوا: إن الكلام هو الحروف والأصوات، والقرآن الذي نزل به جبرئيل هو كلام الله، وقالوا: الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر، وهذه أنواع الكلام لا صفاته، والقرآن غير التوراة، والتوراة غير الإنجيل، وإن الله -سبحانه- يتكلم بما شاء. وقلتم أنتم إن الكلام معنى واحد قديم قائم (٣) بذات المتكلم، هو الأمر والنهي والخبر، وهذه صفات الكلام لا أنواعه، فإن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان توراة، وإن عبر [عنه] (٤) بالسريانية كان إنجيلًا، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، والحروف المؤلفة ليست من الكلام، ولا هي كلام الله، والكلام الذي نزل به جبرئيل من الله ليس كلام الله، بل حكاية عن كلام الله كما قال (٥) ابن كلاب، أو عبارة عن كلام الله كما قال (٥) الأشعري. ولا ريب أنكم خير من المعتزلة حيث جعلتم المتكلم من قام به الكلام، وأن من (٦) لم يقم به الكلام لا يكون متكلمًا به، كما أن من لم يقم به العلم والقدرة والحياة لا يكون عالمًا به ولا قادرًا بها ولا حيًّا بها،

стр. 956

وإنه لو كان الكلام مخلوقًا من جسم من الأجسام لكان ذلك الجسم هو متكلم به، فكانت الشجرة هي القائلة لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) فهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها. ومن قال: إن المتكلم من فعل الكلام لزمه أن يكون كل كلام خلقه الله في محل كلامًا له، بل يكون إنطاقه للجلود كلامًا له، بل يكون إنطاقه لكل ناطق كلامًا له، وإلى هذا ذهب الاتحادية من الجهمية الحلولية الذين يقولون: إن وجوده عين الموجودات، فيقول قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه (٢) لكن المعتزلة أجود منكم، حيث سموا (٣) هذا القرآن الذي نزل به جبرئيل كلام الله، كما يقوله سائر المسلمين، وأنتم جعلتموه كلامه مجازًا، ومن جعله منكم حقيقة وجعل لفظ الكلام مشتركًا (٤)، كأبي المعالي وأتباعه، انتقضت قاعدته في أن المتكلم بالكلام من قام به، ولم يمكنكم أن تقولوا بقول أهل السنة فإن أهل السنة يقولون: الكلام كلام من قاله مبتدئًا لا كلام من قاله مبلغًا مؤديًا. فالرجل إذا بلغ قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٥) كان قد بلغ كلام النبي ﷺ بحركاته وأصواته، وكذا (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 957

إذا أنشد شعر شاعر كامرئ القيس (١) أو غيره، فإذا قال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . كان هذا الشعر شعر امرئ القيس، وإن كان هذا قد قاله بحركاته وأصواته، وهذا أمر مستقر في فطر (٣) الناس كلهم، يعلمون أن الكلام كلام من تكلم به مبتدئًا، آمرًا بأمره ومخبرًا بخبره ومؤلفًا حروفه ومعانيه وغيره إذا بلغه عنه علم الناس أن هذا كلام للمبلغ عنه لا للمبلغ، وهم يفرقون بين أن يقوله المتكلم به والمبلغ عنه، وبين سماعه من الأول وسماعه من الثاني، ولهذا كان من المستقر عند المسلمين أن القرآن الذي يسمعونه هو كلام الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤) مع علمهم بأن القارئ يقرأه بصوته، كما قال النبي ﷺ "زينوا القرآن بأصواتكم" (٥) , فالكلام

стр. 958

كلام الباري والصوت هو صوت القارئ، وإن كان من المعتزلة من يجعل كلام الثاني حكاية لكلام الأول، وينازع المعتزلة في الحكاية هل هي المحكي كما يقول الجبائي؟ أو غيره كما يقول (١) ابنه (٢)؟ على قولين (٣). والتحقيق أن الحاكي لكلام غيره ليس هو المبلغ له، فإن الحاكي له بمنزلة المتمثل به الذي يقول (٤) لنفسه موافقًا لقائله الأول، بخلاف المبلغ له الذي يقصد أن يبلغ كلام الغير، وللنية تأثير في مثل هذا، فإن من قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) القراءة [لم] (٦) يكن (٧) له ذلك مع الجنابة بخلاف من قالها بقصد (٨). . . . . . . . . . . . . . .

стр. 959

ذكر الله وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع (١). والمقصود أنكم لم يمكنكم أن تقولوا ما قاله (٢) المسلمون، لأن حروف القرآن ونظمه ليس هو عندكم كلام الله، بل ذلك عندكم مخلوق، إما في الهواء، وإما في نفس جبرئيل، وإما في غير ذلك، فاتفقتم أنتم والمعتزلة على أن حروف القرآن ونظمه مخلوق، لكن هم قالوا (٣) [ذلك] (٤) كلام الله [وقلتم أنتم: ليس كلام الله] (٥) ومن قال منكم: إنه كلام الله انقطعت حجته على المعتزلة، فصارت المعتزلة خيرًا منكم في هذا الموضع، وهذه الحروف والنظم الذي يقرؤه الناس هو حكاية تلك الحروف والنظم المخلوق عندكم، كما يقوله المعتزلة، وهي عبارة عن المعنى القائم بالذات، ولهذا كان ابن كلاب يقول: إن هذا القرآن حكاية عن المعنى القديم فخالفه الأشعري، لأن الحكاية تشبه المحكي وهذا حروف وذلك معنى، وقال الأشعري: بل هذا عبارة عن ذلك لأن العبارة لا تشبه المعبر عنه، وكلا القولين خطأ. فإن القرآن الذي نقرؤه فيه حروف مؤلفة وفيه معان، فنحن نتكلم بالحروف بألسنتنا ونعقل المعاني بقلوبنا، ونسبة المعاني القائمة بقلوبنا إلى المعنى القائم بذات الله كنسبة الحروف التي ننطق بها إلى الحروف المخلوقة عندكم.

стр. 960

فإن قلتم: إن هذا حكاية عن كلام الله لم يصح، لأن كلام الله معنى مجرد عندكم وهذا فيه حروف ومعان، وإن قلتم: إنه عبارة لم يصح، لأن العبارة هي اللفظ الذي يعبر به عن المعنى، وهنا حروف ومعان يعبر بها عن المعنى القديم عندكم. وإن قلتم: هذه الحروف وحدها عبارة عن المعنى، بقيت المعاني القائمة بقلوبنا، وبقيت الحروف التي عبر بها أولًا عن المعنى [القائم] (١) بالذات التي هذه الحروف المنظومة نظيرها عندكم لم تدخلوها (٢) في كلام الله، فالمعتزلة في قولهم بالحكاية أسعد منكم في قولكم بالحكاية وبالعبارة. وأصل هذا الخطأ أن المعتزلة قالوا: إن القرآن بل كل كلام هو مجرد الحروف والأصوات، وقلتم أنتم: بل هو مجرد المعاني، ومن المعلوم عند الأمم أن الكلام اسم للحروف والمعاني، للفظ (٣) والمعنى جميعًا كما أن اسم الإنسان اسم للروح والجسد، وإن سمي المعنى وحده [حديثًا أو كلامًا أو الحروف وحدها حروفًا أو كلامًا فعند التقييد] (٤) والقرينة، وهذا مما استطالت المعتزلة عليكم به، حيث أخرجتم الحروف المؤلفة عن أن تكون من الكلام، فإن هذا مما أنكره عليكم الخاص والعام، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به (٥) أو تعمل به" قال له معاذ: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك (٦) أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار

стр. 961

على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم؟ " (١) وشواهد هذا كثيرة. ثم إنكم جعلتم معاني القرآن معنى واحدًا مفردًا، هو الأمر بكل ما أمر الله به، والخبر عن كل ما أخبر الله به، وهذا مما اشتد إنكار العقلاء عليكم فيه، وقالوا: إن هذا من السفسطة المخالفة لصرائح

стр. 962

المعقول، وأنتم تنكرون على من يقول: إن الله يتكلم بحروف وأصوات قديمة أزلية، ومعلوم أن ما قلتموه أبعد عن العقل والشرع من هذا، وإن كان العقلاء قد أنكروا هذا -أيضًا- لكن قولكم أشد نكرة، بل قولكم أبعد من قول النصارى الذين يقولون باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، ثم أعجب من هذا أنكم تقولون: إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وبالعبرية كان هو التوراة، وبالسريانية كان هو الإنجيل، ومن المعلوم بالاضطرار لكل عاقل أن التوراة إذا عربت لم تكن معانيها معاني القرآن، وإن القرآن إذا ترجم (١) بالعبرية لم تكن معانيه معاني التوراة، ثم إن منكم من جعل ذلك المعنى يسمع ومنكم من قال: لا يسمع، وجعلتم تكليم الله لموسى من جنس الإلهام الذي يلهمه غيره، حيث قلتم: خلق في نفسه لطيفة أدرك بها الكلام القائم بالذات، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢). ففرق سبحانه بين إيحائه إلى غير موسى، وبين تكليمه لموسى. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٣). ففرق بين إيحائه، وبين تكليمه من وراء حجاب.

стр. 963

والأحاديث متواترة عن النبي ﷺ بتخصيص موسى بتكليم الله إياه دون إبراهيم وعيسى ونحوهما (١)، وعلى قولكم لا فرق بل قد زعم من زعم من أئمتكم أن الواحد من غير الأنبياء يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران، فمن حصل له إلهام في قلبه جعلتموه قد كلمه الله كما كلم موسى بن عمران، ومعلوم أن المعتزلة لم يصلوا في الإلحاد إلى هذا الحد، بل من قال: إن الله خص موسى بأن خلق كلامًا في الهواء سمعه كان أقل بدعة ممن زعم أنه لم يكلمه إلّا بأن أفهمه معنى أراده، بل هذا قريب إلى قول المتفلسفة الذين يقولون: ليس لله كلام إلّا ما في النفوس، وإنه كلم موسى من سماء عقله، لكن يفارقونها بإثبات المعنى القديم القائم بذات الله. و-أيضًا- فجعلتم ثبوت القرآن في المصاحف مثل ثبوت الله فيها وقلتم: قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٢) بمنزلة قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٣)، ومعلوم أن المذكور في التوراة هو اسمه، وأن الله إنما يكتب في المصحف اسمه، فأسماؤه بمنزلة (٤) كلامه، لا أن (٥) ذاته بمنزلة كلامه، والشيء لوجوده أربع (٦) مراتب: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في

стр. 964

اللسان، ووجود في البنان، فالأعيان لها المرتبة (١) الأولى، ثم يعلم بالقلوب، ثم يعبر [عنها] (٢) باللفظ، ثم يكتب اللفظ. وأما الكلام فله المرتبة الثالثة وهو الذي يكتب في المصحف، فأين قول القائل: إن الكلام في الكتاب من قوله: إن المتكلم في الكتاب، وبينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق (٣)، ثم إن منكم من احتج بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٤)، وجعل المراد بذلك العبارة، وهذا مع أنه متناقض فهو أفسد من قول المعتزلة، فإنه إن كان أضيف إلى رسول الله ﷺ لأنه أحدث حروفه، فقد أضافه في موضع إلى رسول هو جبرئيل، وفي موضع إلى رسول هو محمد، قال في موضع: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٥)، وقال في موضع: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ (٦). ومعلوم أن عبارتها إن (٧) أحدثها جبريل لم يكن محمد أحدثها [وإن أحدثها محمد لم يكن جبريل أحدثها] (٨)، فبطل قولكم، وعلم أنه إنما أضافه إلى الرسول لكونه بلغه وأداه، لا أنه أحدثه وابتدأه، ولهذا قال: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ ولم يقل: لقول ملك ولا نبي، فذكر اسم الرسول المشعر بأنه بلغ (٩) عن غيره، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ

стр. 965

إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) وكان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموسم ويقول: "ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي" (٢). ومعلوم أن المعتزلة لا تقول: إن شيئًا من القرآن أحدثه لا جبرئيل ولا محمد، ولكن يقولون (٣): إن تلاوتهما له كتلاوتنا له. وإن قلتم: أضافه إلى أحدهما لكونه تلاه بحركاته وأصواته، فيجب أن يكون القرآن قولًا لكل من تكلم (٤) به من مسلم وكافر وطاهر وجنب حتى إذا قرأه الكافر يكون القرآن قولًا له على قولكم، فقوله بعد هذا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٥) كلام لا فائدة فيه، إذ هو على أصلكم قول رسول كريم، وقول فاجر لئيم، وكذلك المعتزلة احتجت بقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٦)، وقالوا: إن الله أحدثه في الهواء، فاحتج من احتج منكم على أن القرآن المنزل محدث، ولكن زاد

стр. 966

على الفلاسفة بأن المحدث له إما جبرئيل أو (١) محمد. وإن قلتم: إنه محدث في الهواء صرتم كالمعتزلة، ونقضتم استدلالكم بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٢)، وقد استدل من استدل من أئمتكم على قولكم بهاتين الآيتين بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٣)، فإن أراد بذلك أن الله أحدثه بطل استدلاله بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، فإن أراد بذلك أن الرسول أحدثه بطل بإضافته إلى الرسول الآخر، وكنتم شرًّا من المعتزلة الذين قالوا: أحدثه الله. وإن قلتم: أراد بذلك أن من تلاه فقد أحدثه، فقد جعلتموه قولًا لكل من تكلم به من الناس، برهم وفاجرهم، وكان ما يقرؤه المسلمون ويسمعونه كلام الناس عندكم لا كلام الله، ثم إن الله -تعالى- قال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٤). فأخبر أن جبرئيل نزله من الله، لا من هواء ولا من لوح. وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٥)، وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٦)، ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٧)، وأنتم وافقتم المعتزلة بحيث يمتنع أن يكون عندكم

стр. 967

منزلًا من الله، لأن الله ليس فوق العالم، ولو كان فوق العالم لم يكن القرآن منزلًا منه، بل من الهواء. و-أيضًا- فأنتم في مسائل الأسماء والأحكام قابلتم المعتزلة تقابل التضاد، حتى رددتم بدعتهم ببدع (١) تكاد أن تكون مثلها، بل هي من وجه شر منها، ومن وجه دونها، فإن المعتزلة جعلوا الإيمان اسمًا متناولًا لجميع الطاعات القول والعمل، ومعلوم أن هذا قول السلف والأئمة (٢)، وقالوا: إن الفاسق الملي لا يسمى (٣) مؤمنًا ولا كافرًا (٤)، وقالوا: إن الفساق مخلدون في النار لا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها (٥)، وهم في هذا القول مخالفون للسلف والأئمة، فخلافهم في الحكم للسلف، وأنتم وافقتم الجهمية في الإرجاء والجبر، فقلتم: الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم بلسانه، وهذا عند السلف والأئمة شر من قول المعتزلة، ثم إنكم قلتم: إنا لا نعلم الفساق هل يدخل أحد منهم النار أولًا يدخلها أحد منهم، فوقفتم وشككتم في نفوذ الوعيد في أهل القبلة جملة، ومعلوم أن هذا من أعظم البدع عند السلف والأئمة، فإنهم لا يتنازعون (٦) أنه لا بد أن يدخلها من يدخلها من أهل الكبائر، فأولئك قالوا: لا بد أن يدخلها كل فاسق، وأنتم قلتم: لا نعلم (٧) هل يدخلها فاسق أم لا؟ فتقابلتم في هذه البدعة، وقولكم

стр. 968

أعظم بدعة من قولهم وأعظم مخالفة للسلف والأئمة، وعلى قولكم لا نعلم شفاعة النبي ﷺ في أهل النار، لأنه لا يعلم هل يدخلها أحد أم لا؟ وقولكم إلى إفساد (١) الشريعة أقرب من قول المعتزلة، وكذلك في مسائل القدر، فإن المعتزلة أنكروا أن يكون الله خالق أفعال العباد أو مريدًا لجميع الكائنات (٢)، بل الإرادة عندهم بمعنى المحبة والرضا (٣)، وهو لا يحب ويرضى إلّا ما أمر به، فلا يريد إلّا ما أمر به، وأنتم وافقتموهم على أصهلم الفاسد، وقاسمتموهم بعد ذلك الضلال، فصرتم وهم في هذه المسائل كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء (٤): "فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون (٥) على مفارقة الكتاب". قلتم (٦): إن الإرادة بمعنى المحبة والرضا كما قالت المعتزلة، لكن قلتم: وهو أراد كل ما يفعله العباد، فيجب أن يكون محبًا راضيًا لكل ما يفعله العباد حتى الكفر والفسوق والعصيان (٧)، وتأولتم قوله:

стр. 969

﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١) على المؤمنين من عباده (٢)، وعلى قولكم لا يرضى لعباده الإيمان يعني الكافرين منهم، إذ عندكم كل من فعل فعلًا فقد رضيه منه، ومن لم يفعله لا يرضاه منه، فقد رضي عندكم من إبليس وفرعون ونحوهما كفرهم ولم يرض منهم الإيمان، وكذلك قلتم في قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣) أي: لا يحبه للمؤمنين (٤)، وأما من قال منكم (٥): لا يحبه دينًا أو لا يرضاه دينًا فهذا أقرب، لكنه بمنزلة قولكم: لا يريده دينًا ولا يشاؤه دينًا، فيجوز عندكم أن يقال: يحب الفساد ويرضاه، أي: يحبه فسادًا ويرضاه فسادًا كما أراده فسادًا. وأنكرتم على المعتزلة ما أنكره المسلمون عليهم، وهو قولهم: إن الله لا يقدر أن يفعل بالكفار غير ما فعل بهم من اللطف (٦)، وأنكرتم على من قال منهم: إن خلاف المعلوم غير مقدور، ثم قلتم: إن العبد لا يقدر على غير ما علم منه، وإنه لا استطاعة له إلّا إذا كان فاعلًا فقط، فأما من لم يفعل فإنه لا استطاعة له أصلًا (٧)، فخالفتم قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى

стр. 970

النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) ونحو ذلك من النصوص، ولزمكم أن كل من لم يؤمن بالله فإنه لم يكن قادرًا على الإيمان، وكل من ترك طاعة الله فإنه لم يكن مستطيعًا لها، فإن ضم ضام هذا إلى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٣) تركب من هذين أن كل كافر وفاجر فإنه قد اتقى الله

стр. 971

ما استطاع، وأنه قد أتى فيما أمر بما استطاع إذ لم يستطع غير ما فعل، وأنتم وإن كنتم لا تستلزمون (١) ذلك فهو لازم قولكم إذا لم تجعلوا الاستطاعة نوعين، وقول القدرية الذين يجعلون استطاعة العبد صالحة للضدين، ولا يثبتون الاستطاعة التي هي مناط الأمر والنهي أقرب إلى الكتاب والسنة والشريعة من قولكم: إنه لا استطاعة إلا للفاعل وإن من لم يفعل فعلًا فلا استطاعة له عليه، وكل من تدبر القولين بغير هوى علم أن كلًّا منهما وإن كان فيه من خلاف السنة ما فيه فقولكم أكثر خلافًا للسنة. وكذلك المعتزلة قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد بل العبد هو الذي يحدث أفعاله، فضلوا بقولهم: إن الله لم يخلق أفعال العباد. وقلتم أنتم: إن العبد لا يفعل أفعاله، بل هي فعل الله تعالى، ولكن هي كسب للعبد (٢) ولم. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 972

تفرقوا (١) بين الكسب والفعل بفرق معقول (٢)، وادعيتم العلم الضروري بأن كون العبد فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا أمر محدث ممكن، فلا بد له من محدث واجب، وهذا حق أصبتم فيه دون المعتزلة، لكن من المعتزلة من ادعى العلم الضروري بأن العبد يحدث (٣) أفعاله، وهذا -أيضًا- حق أصابوا فيه دونكم.

стр. 973

ولهذا (١) كان أهل السنة والجماعة على أن العبد فاعل لأفعاله حقيقة، والله خلق الفاعل فاعلًا، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٢)، وليس كونه قادرًا مريدًا فاعلًا بألزم له من كونه طويلًا قصيرًا والله خلقه على هذه الصفة، فليس ما ذكره الله في كتابه من أن العباد يفعلون ويصنعون بمناف أن يكون الله خلقهم على هذه الصفة، وكون العبد فاعلًا لما جعل الله فيه من القدرة كسائر (٣) ما خلقه الله بقوة فيه، وقدرته سبب في حصول مقدوره كسائر الأسباب، والأسباب لا ينكر (٤) وجودها ولا ينكر أن الله خلقها وخلق المسبب بها، فمن قال: قدرة العبد مؤثرة في المقدور كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها لم ينكر قوله، ومن قال: ليست مؤثرة أي ليست مستقلة وليست مبدعة، كما أن سائر الأسباب ليست كذلك لم ينكر قوله، فإن السبب ليس علة مستقلة بمسببه، بل لا بد له من أسباب أخر، ولا بد من صرف الموانع، والله خالق مجموع الأسباب، وصارف جميع الموانع، وهذا هو الخلق المطلق والتأثير المطلق الذي ليس إلا لله وحده، وكل ما سواه مما يجعل سببًا ومؤثرًا فإنه جزء سبب، فلا ينفي هذا الجزء، ولا يعطي ما لا يستحقه من كونه مبدعًا خالقًا، ومن كونه واحدًا لا شريك له، فهو رب كل شيء ومليكه، وأنتم خالفتم من نصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة في مسائل الصفات والقرآن والرؤية ومسائل الأسماء والأحكام (٥) والقدر ما تأولتموه، فالمعتزلة ونحوهم إذا خالفوا من ذلك ما تأولوه لم يكن لكم عليهم حجة، وإذا قدحتم في

стр. 974

المعتزلة بما ابتدعوه من المقالات وخالفوه من السنن والآثار (١) قدحوا فيكم بمثل ذلك، وإذا نسبتموهم (٢) إلى القدح في السلف والأئمة نسبوكم إلى مثل ذلك، فما تذمونهم به من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع يذمونكم بنظيره، ولا محيص لكم عن ذلك إلا بترك ما ابتدعتموه وما وافقتموهم عليه من البدعة، وما ابتدعتموه أنتم، وحينئذ فيكون الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها سليمًا من التناقض والتعارض محفوظًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣). وبالجملة فعامة ما ذمه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة، من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم لكم منه أوفر نصيب، بل تارة تكونون (٤) أشد مخالفة لذلك من المعتزلة، وقد شركتموهم (٥) في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها، ونبذوا بها كتاب الله وراء ظهورهم، فإنهم لا يثبتون شيئًا من صفات الله تعالى، ولا ينزهونه عن شيء بالكتاب والسنة والإجماع [بل يزعمون أن معرفة صحة الكتاب والسنة والإجماع] (٦) موقوف على العلم بذلك، والعلم بذلك لا يحصل به لئلا يلزم الدور، فيرجعون إلى مجرد رأيهم في ذلك (٧)، وإذا استدلوا بالقرآن كان ذلك على وجه الاعتضاد والاستشهاد لا على وجه الاعتماد

стр. 975

والاعتقاد، وما خالف قولهم من القرآن تأولوه على مقتضى آرائهم، واستخفوا بالكتاب والسنة وسموها (١) ظواهر، وإذا استدلوا على قولهم بمثل قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٢) وقوله: ﴿فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) , أو قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٤) , ونحو ذلك , لم تكن هذه النصوص هي عمدتهم ولكن يدفعون [بها] (٥) عن أنفسهم عند المسلمين، وأما الأحاديث النبوية فلا حرمة لها عندهم، بل تارة يردونها بكل طريق ممكن، وتارة يتأولونها، ثم (٦) أن يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية، وأن هذه القواطع العقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والسنة، إما بالتأويل، وإما بالتفويض، وإما بالتكذيب، وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها (٧)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 976

ومنهم (١) أخذتموها، وأنتم فروخهم فيها، كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة (٢)، والمعتزلة مخانيث الفلاسفة (٣)، لكن لما شاع بين

стр. 977

الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنهم، صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع، مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة، وهم سموا أنفسهم أهل التوحيد، لاعتقادهم أن التوحيد هو نفي الصفات، وأنتم وافقتموهم على تسمية أنفسكم أهل التوحيد، وجعلتم نفي بعض الصفات من التوحيد، وسموا ما ابتدعوه من الكلام الفاسد، إما في الحكم، وإما في الدليل، أصول الدين، وأنتم شركتموهم (١) في ذلك. وقد علم ذم السلف والأئمة لهذا الكلام، بل علم من يعرف دين الإسلام وما بعث الله به نبيه -عليه أفضل الصلاة والسلام- ما فيه من المخالفة لكتب الله وأنبيائه ورسله، وقد بسطنا الكلام على فساد هذه الأصول في غير هذا الموضع (٢)، وبينا أن دلالة (٣) الكتاب والسنة التي يسمونها دلالة السمع ليست بمجرد الخبر، كما تظنونه أنتم وهم، حتى جعلتم ما دلّ عليه السمع إنما هو بطريق الخبر الموقوف على تصديق المخبر (٤)، ثم جعلتم تصديق المخبر -وهو الرسول- موقوفًا على هذه الأصول التي سميتموها (٥) أنتم وهم العقليات، وجعلوا منها نفي (٦)

стр. 978

الصفات والتكذيب بالقدر، ووافقتموهم على أن منها نفي كثير من الصفات، وأنتم لم تثبتوا القدر حتى أبطلتم ما في أمر الله ونهيه، بل [ما] (١) في خلقه وأمره من الحكم والمصالح والمناسبات، وزعمتم أن الرد على القدرية لا يتم إلا بنفي تحسين العقل وتقبيحه مطلقًا، وأن تجعل الأفعال كلها سواء في أنفسها لا فرق في نفس الأمر بين الصلاة والزنا إلا من جهة تحكم (٢) الشارع بإيجاب أحدهما وتحريم الآخر، فصار قولكم مدرجة إلى فساد الدين والشريعة، وذلك أعظم فسادًا من التكذيب بالقدر، وقد بينا في غير هذا الموضع (٣) أن القرآن ضرب الله فيه الأمثال، وهي المقاييس العقلية التي يثبت بها ما يخبر به من أصول الدين، كالتوحيد وتصديق الرسل وإمكان المعاد، وأن ذلك مذكور في القرآن على أكمل الوجوه، وأن عامة ما يثبته النظار من المتكلمين والمتفلسفة في هذا الباب يأتى القرآن بخلاصته وبما هو أحسن منه على أتم الوجوه، بل لا نسبة بينهما لعظم التفاوت. ومعلوم أن هذا أمر عظيم، وخطب جسيم، فإنكم والمعتزلة تثبتون كثيرًا مما (٤) يثبتونه من أصول الدين بطرق ضعيفة أو فاسدة، مع ما يتضمن ذلك من التكذيب بكثير من أصول الدين، وحقيقة قولهم الذي وافقتموهم عليه: أنه لا يمكن تصديق الرسول في بعض ما أخبر به إلا بتكذيبه في شيء مما أخبر به، فلا يمكن الإيمان بالكتاب كله، بل يكفر

стр. 979

ببعضه ويؤمن ببعضه، فيهدم من الدين جانب ويبنى منه جانب على غير أساس ثابت، ولولا أن هذا الموضع لا يسع (١) ذلك لفصلناه، فإنا قد بسطناه في مواضع، مثل ما يقال: من أنه لا يمكن الإقرار بالصانع إلا بنفي صفاته أو بعضها، التي يستلزم نفيها تعطيله في الحقيقة، فيبقى الإنسان مثبتًا له نافيًا له مقرًا بوجوده مستلزمًا لعدمه، وإن كان لا يشعر بالتناقض. وأما العقليات، فإنكم وافقتم المعتزلة والفلاسفة على أصول يلزم من تسليمها فساد ما بينتموه، فإنكم لما سلمتم لهم أن الأعراض وهي صفات تدل على حدوث ما قامت به أو تدل على إمكانه (٢)، كانوا مستدلين بهذا على نفي الصفات عن الرب فتنقطعون معهم، ثم أنتم إنما استدللتم على المتفلسفة بأن ما قامت به الحوادث فهو حادث، فإنهم يزعمون أن القديم تقوم به الحوادث، ولما ادعيتم أن ما قامت به الحوادث فهو حادث ألزموكم أول الحوادث، فقالوا: ذلك الحادث إما أن يكون لحدوثه سبب، وإما أن لا يكون لحدوثه سبب، فإن كان لحدوثه سبب لزم تسلسل الحوادث وذلك يبطل دليلكم عليهم، إذ هو مبني على تسلسل الحوادث وامتناع حوادث لا أول لها، وإن لم

стр. 980

يكن لحدوثه سبب جاز ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح، وهذا يبطل جميع أصولكم وأصول المعتزلة والفلاسفة، ويبطل إثباتكم لوجود الصانع، فأنتم مع الفلاسفة بين أمرين: إما أن تجوزوا حوادث لا أول لها فيبطل دليلكم عليهم الذي أثبتم به حدوث العالم وهو أصل الأصول عندكم وإما أن لا تجوزوا ذلك، فيبطل -أيضًا- دليلكم على حدوث العالم، فعلى كلا التقديرين دليلكم الذي هو أصل أصولكم على حدوث العالم باطل، وأما المعتزلة فهم يوافقونكم على هذا الأصل، لكن خطاب الفلاسفة لهم كخطاب الفلاسفة لكم، وأما خطاب المعتزلة فإنهم يقولون لكم: إذا سلمتم أن ما تقوم به الحوادث لا يكون إلا جسمًا لزمكم أن تقولوا: ما تقوم به الأعراض لا يكون جسمًا، إذ لا فرق في (١) المعقول بين قيام الأعراض والحوادث، وإذا كان ما قام به الأعراض لا يكون إلا جسمًا، وأنتم قد قلتم: تقوم به الصفات وهي في الحقيقة الأعراض، لزمكم (٢) أن يكون جسمًا، والجسم حادث، فيلزم أن يكون حادثًا، ويقول لكم المعتزلي: إن قيام الكلام والحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك بمحل ليس بجسم، ودعوى أن هذه الصفات ليست أعراضًا أمر معلوم الفساد بالضرورة، وكان جوابكم للمعتزلة في هذا المقام أن قلتم لهم: كما اتفقنا نحن وأنتم على أن الله حي عالم قادر وليس بجسم، فذلك يجب أن تكون له حياة وعلم وقدرة وليست أعراضًا، وتقوم به ولا يكون جسمًا. ومعلوم أن هذا الجواب ليس بعلمي ولا يحصل به انقطاع المعتزلة ولا غيرهم، إذ يقال لكم: المعتزلة مخطئون إما في قولهم: إن هذه الأسماء تثبت لغير جسم، وإما في قولهم: إن هذه الصفات لا تقوم إلّا

стр. 981

بجسم، فلم (١) قلتم إن خطأهم في الثاني دون الأول؟ فإن قلتم لأنه (٢) قد قام الدليل على نفي الجسم. قيل لكم: ذلك الدليل بعينه ينفي قيام الصفات التي هي الأعراض به، إذ لا يعقل ما يقوم به الأعراض إلا الجسم. ويقال لكم: الدليل على الذي نفيتم به الجسم إنما هو الاستدلال على حدوثه بحدوث الأعراض، وهذا الدليل آخره بعد تقرير كل مقدمة هو منع حوادث لا أول لها، وهذه المقدمة إن صحت لزمكم إثبات حوادث بلا سبب، وذلك يبطل أصل دليلكم على إثبات الصانع، فإنه متى جوز الحدوث بلا مرجح تام يلؤم من الحدوث لزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح، وهو يسد باب إثبات الصانع، بل يستلزم أن لا يكون في الوجود موجود واجب، وهو في نفسه من أفسد ما يقال، ولهذا لم يقله عاقل. قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتابه "ذم الكلام" (٣) باب: في (٤) ذكر كلام الأشعري (٥): ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا (٦) كلام الجهمية، وما أودعته رموز (٧) الفلاسفة، ولم نقف منهم (٨) إلا على التعطيل البحت، وإن قطب مذهبهم، ومنتهى عقدتهم (٩)، ما صرحت

стр. 982

به رؤوس (١) الزنادقة قبلهم، أن الفلك دوار [و] (٢) السماء خالية، وإن قولهم: إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء، ما استثنوا (٣) جوف كلب، ولا جوف خنزير ولا حشًا فرارًا من الإثبات، وذهابًا عن التحقيق، وإن قولهم: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، قدير (٤) بلا قدرة، إله بلا نفس ولا شخص ولا صورة، ثم قالوا: لا حياة له، ثم قالوا: لا شيء، فإنه لو كان شيئًا لأشبه الأشياء حاولوا حول [مقال] (٥) رؤوس الزنادقة القدماء، إذ قالوا: الباري لا صفة ولا لا صفة، خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة الفهم منهم، إذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن، وإن كان اعتصامًا به من السيف، واجتنانًا (٦) به منهم (٧)، وإذ هم يردون (٨) التوحيد، ويخاوضون المسلمين، ويحملون الطيالسة (٩) فأفصحوا بمعايبهم (١٠)، وصاحوا بسوء ضمائرهم، ونادوا على خبايا نكتهم، فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء، وألسن العلماء، وهجران الدهماء (١١) فقد شحنت

стр. 983

كتاب (١) "تكفير الجهمية" من مقالات علماء الإسلام فيهم، ودأب الخلفاء فيهم، ودق عامة أهل السنة عليهم، وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة، ثقلت عليهم الوحشة، وطالت عليهم الذلة، وأعيتهم الحيلة إلا أن يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم، ويصفوا كلامهم صفًّا (٢)، يكون ألوح للإفهام، وأنجع في العوام، من أساس أولهم، يجد ذلك المساغ، ويتخلصوا من خزي الشناعة، فجاءت بمخاريق تراءى للغير (٣) بغير ما في الحشايا، ينظر الناظر الفهم في حذرها، فيرى مخ الفلسفة يكسى لحاء السنة، وعقد الجهمية ينحل ألقاب الحكمة، يردون على اليهود قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٤)، فينكرون الغل، وينكرون اليد، فيكونون (٥) أسوأ حالًا من اليهود، لأن الله أثبت الصفة، ونفى العيب، واليهود أثبتت الصفة، وأثبتت العيب، وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب، ويردون على النصارى في مقالتهم (٦) في عيسى وأمه، فيقولون: لا يكون في المخلوق غير المخلوق (٧)، فيبطلون القرآن، فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أولهم (٨) وكلام آخرهم (٩) كخيط السحارة (١٠).

стр. 984

فاسمعوا الآن يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء على أولئك، أولئك قالوا -قبح الله مقالتهم-: إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان، ولا يوصف بأين، وقد قال المبلغ عن الله لجارية معاوية بن الحكم: "أين الله" (١)؟ وقالوا: هو من فوق كما هو من تحت، لا يدرى أين هو، ولا يوصف بمكان، وليس هو في السماء، وليس هو في الأرض، وأنكروا الجهة والحد. وقال أولئك: ليس له كلام إنما خلق كلامًا، وهؤلاء يقولون: تكلم مرة فهو متكلم به مذ تكلم، لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به، ثم تقولون: ليس هو في مكان. ثم قالوا: ليس هو صوت ولا حروف، وقالوا: هذا زاج (٢) وورق، وهذا صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النقش (٣) وأريد به النقر، وهذا صوت القارئ، أما (٤) ترى منه حسن ومنه قبيح (٥)، وهذا لفظه، أو ما تراه يجازى به، حتى قال رأس من رؤوسهم: أو يكون قرآن من لبد (٦)، وقال آخر: من خشب؟ فراغوا (٧) فقالوا: هذه (٨)

стр. 985

حكاية عبر بها عن القرآن، والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك، ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر، وهذا من خوضهم، يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود، لفظته الجهمية الذكور بمرة، والأشعرية الإناث بعشر مرات، وأولئك قالوا: لا صفة، وهؤلاء يقولون: وجه كما يقال: وجه النهار، ووجه الأمر، ووجه الحديث، وعين كعين المتاع، وسمع كأذن الجدار وبصر، كما يقال: جداراهما يتراءيان، ويد كيد المنة والعطية، والأصابع كقولهم: خراسان بين أصبعي (١) الأمير، والقدمان كقولهم: جعلت الخصومة تحت قدمي، والقبضة كما قيل: فلان في قبضتي، أي: أنا أملك أمره، وقال (٢): و (٣) الكرسي العلم، والعرش الملك، والضحك الرضى، والاستواء الاستيلاء، والنزول القبول، والهرولة مثله، فشبهوا من وجه، وأنكروا من وجه، وخالفوا السلف، وتعدوا الظاهر، وردوا الأصل، ولم يثبتوا شيئًا، ولم يبقوا موجودًا، ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسن (٤)، فقالوا: لا نفسرها نجريها عربية كما وردت، وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة، أرادوا بهذه المخرقة (٥) أن يكون عوام المسلمين أبعد غيابًا عنها (٦)، وأعيا ذهابًا منها، ليكونوا
следующие страницы →