← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

بجسم، فلم (١) قلتم إن خطأهم في الثاني دون الأول؟ فإن قلتم لأنه (٢) قد قام الدليل على نفي الجسم. قيل لكم: ذلك الدليل بعينه ينفي قيام الصفات التي هي الأعراض به، إذ لا يعقل ما يقوم به الأعراض إلا الجسم. ويقال لكم: الدليل على الذي نفيتم به الجسم إنما هو الاستدلال على حدوثه بحدوث الأعراض، وهذا الدليل آخره بعد تقرير كل مقدمة هو منع حوادث لا أول لها، وهذه المقدمة إن صحت لزمكم إثبات حوادث بلا سبب، وذلك يبطل أصل دليلكم على إثبات الصانع، فإنه متى جوز الحدوث بلا مرجح تام يلؤم من الحدوث لزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح، وهو يسد باب إثبات الصانع، بل يستلزم أن لا يكون في الوجود موجود واجب، وهو في نفسه من أفسد ما يقال، ولهذا لم يقله عاقل. قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتابه "ذم الكلام" (٣) باب: في (٤) ذكر كلام الأشعري (٥): ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا (٦) كلام الجهمية، وما أودعته رموز (٧) الفلاسفة، ولم نقف منهم (٨) إلا على التعطيل البحت، وإن قطب مذهبهم، ومنتهى عقدتهم (٩)، ما صرحت

стр. 982

به رؤوس (١) الزنادقة قبلهم، أن الفلك دوار [و] (٢) السماء خالية، وإن قولهم: إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء، ما استثنوا (٣) جوف كلب، ولا جوف خنزير ولا حشًا فرارًا من الإثبات، وذهابًا عن التحقيق، وإن قولهم: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، قدير (٤) بلا قدرة، إله بلا نفس ولا شخص ولا صورة، ثم قالوا: لا حياة له، ثم قالوا: لا شيء، فإنه لو كان شيئًا لأشبه الأشياء حاولوا حول [مقال] (٥) رؤوس الزنادقة القدماء، إذ قالوا: الباري لا صفة ولا لا صفة، خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة الفهم منهم، إذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن، وإن كان اعتصامًا به من السيف، واجتنانًا (٦) به منهم (٧)، وإذ هم يردون (٨) التوحيد، ويخاوضون المسلمين، ويحملون الطيالسة (٩) فأفصحوا بمعايبهم (١٠)، وصاحوا بسوء ضمائرهم، ونادوا على خبايا نكتهم، فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء، وألسن العلماء، وهجران الدهماء (١١) فقد شحنت

стр. 983

كتاب (١) "تكفير الجهمية" من مقالات علماء الإسلام فيهم، ودأب الخلفاء فيهم، ودق عامة أهل السنة عليهم، وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة، ثقلت عليهم الوحشة، وطالت عليهم الذلة، وأعيتهم الحيلة إلا أن يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم، ويصفوا كلامهم صفًّا (٢)، يكون ألوح للإفهام، وأنجع في العوام، من أساس أولهم، يجد ذلك المساغ، ويتخلصوا من خزي الشناعة، فجاءت بمخاريق تراءى للغير (٣) بغير ما في الحشايا، ينظر الناظر الفهم في حذرها، فيرى مخ الفلسفة يكسى لحاء السنة، وعقد الجهمية ينحل ألقاب الحكمة، يردون على اليهود قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٤)، فينكرون الغل، وينكرون اليد، فيكونون (٥) أسوأ حالًا من اليهود، لأن الله أثبت الصفة، ونفى العيب، واليهود أثبتت الصفة، وأثبتت العيب، وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب، ويردون على النصارى في مقالتهم (٦) في عيسى وأمه، فيقولون: لا يكون في المخلوق غير المخلوق (٧)، فيبطلون القرآن، فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أولهم (٨) وكلام آخرهم (٩) كخيط السحارة (١٠).

стр. 984

فاسمعوا الآن يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء على أولئك، أولئك قالوا -قبح الله مقالتهم-: إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان، ولا يوصف بأين، وقد قال المبلغ عن الله لجارية معاوية بن الحكم: "أين الله" (١)؟ وقالوا: هو من فوق كما هو من تحت، لا يدرى أين هو، ولا يوصف بمكان، وليس هو في السماء، وليس هو في الأرض، وأنكروا الجهة والحد. وقال أولئك: ليس له كلام إنما خلق كلامًا، وهؤلاء يقولون: تكلم مرة فهو متكلم به مذ تكلم، لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به، ثم تقولون: ليس هو في مكان. ثم قالوا: ليس هو صوت ولا حروف، وقالوا: هذا زاج (٢) وورق، وهذا صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النقش (٣) وأريد به النقر، وهذا صوت القارئ، أما (٤) ترى منه حسن ومنه قبيح (٥)، وهذا لفظه، أو ما تراه يجازى به، حتى قال رأس من رؤوسهم: أو يكون قرآن من لبد (٦)، وقال آخر: من خشب؟ فراغوا (٧) فقالوا: هذه (٨)

стр. 985

حكاية عبر بها عن القرآن، والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك، ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر، وهذا من خوضهم، يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود، لفظته الجهمية الذكور بمرة، والأشعرية الإناث بعشر مرات، وأولئك قالوا: لا صفة، وهؤلاء يقولون: وجه كما يقال: وجه النهار، ووجه الأمر، ووجه الحديث، وعين كعين المتاع، وسمع كأذن الجدار وبصر، كما يقال: جداراهما يتراءيان، ويد كيد المنة والعطية، والأصابع كقولهم: خراسان بين أصبعي (١) الأمير، والقدمان كقولهم: جعلت الخصومة تحت قدمي، والقبضة كما قيل: فلان في قبضتي، أي: أنا أملك أمره، وقال (٢): و (٣) الكرسي العلم، والعرش الملك، والضحك الرضى، والاستواء الاستيلاء، والنزول القبول، والهرولة مثله، فشبهوا من وجه، وأنكروا من وجه، وخالفوا السلف، وتعدوا الظاهر، وردوا الأصل، ولم يثبتوا شيئًا، ولم يبقوا موجودًا، ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسن (٤)، فقالوا: لا نفسرها نجريها عربية كما وردت، وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة، أرادوا بهذه المخرقة (٥) أن يكون عوام المسلمين أبعد غيابًا عنها (٦)، وأعيا ذهابًا منها، ليكونوا

стр. 986

أوحش عند ذكرها، وأشمس (١) عند سماعها، وكذبوا بل التفسير أن يقال: وجه، ثم يقال: كيف وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين. فالعبارة (٢)، فقد قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٣) وإنما قالو [ها] (٤) هم بالعبرانية فحكاها عنهم بالعربية، وكان يكتب رسول الله ﷺ كتابه (٥) بالعربية فيها أسماء الله وصفاته، فيعبر بالألسنة عنها، ويكتب إليها بالسريانية فيعبر له زيد بن ثابت ﵁ بالعربية (٦)، والله تعالى يدعى بكل لسان بأسمائه فيجيب، ويحلف بها فيلزم، وينشد فيجاز، ويوصف فيعرف. ثم قالوا: ليس ذات الرسول بحية (٧)،. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 987

وقالوا: ما هو بعد ما مات بمبلغ فيلزم به الحجة. فسقط (١) من أقاوليهم ثلاثة أشياء: أنه ليس في السماء رب، ولا في الروضة رسول، ولا في الأرض كتاب، كما سمعت يحيى بن عمار (٢) يحكم به عليهم، وإن كانوا موهوها، ووروا عنها، واستوحشوا من تصريحها، فإن حقائقها لازمة لهم، وأبطلوا التقليد، فكفروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين، وأوجبوا النظر في الكلام، واضطروا إليه الدين -بزعمهم- فكفروا السلف، وسموا الإثبات تشبيهًا، فعابوا القرآن، وضللوا الرسول ﷺ فلا يكاد يرى منهم رجلًا ورعًا، ولا للشريعة معظمًا، ولا للقرآن محترمًا، ولا للحديث موقرًا، سلبوا التقوى، ورقة القلب، وبركة التعبد، ووقار الخشوع، واستفضلوا الرسول فانظر -أي- إلى أحدهم، فلا (٣) هو طالب آثاره (٤)، ولا متبع أخباره، ولا مناضل عن سنته، ولا هو راغب في أسوته، يتقلب بمرتبة العلم وما عرف حديثًا واحدًا، تراه يهزأ بالدين ويضرب له

стр. 988

الأمثال، ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلًا من العلم، لا ينقر (١) لهم عن بطانة إلا خانتك ولا [عن] (٢) عقيدة إلا أرابتك، ألبسوا ظلمة الهوى (٣)، وسلبوا هيبة الهدى، فتنبوا (٤) عنهم الأعين، وتشمئز منهم القلوب، وقد شاع في المسلمين [٣٤٩] أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي (٥).

стр. 989

قال (١): وقد سمعت محمد بن زيد العمري النسابة، أخبرنا المعافى، سمعت أبا الفضل الحادني القاضي بسرخس (٢)، يقول: سمعت زاهر بن أحمد (٣) يقول: أشهد لما مات أبو الحسن الأشعري متحيرًا بسبب مسألة تكافؤ (٤) الأدلة.

стр. 990

فلا جزى الله امرأً ناط مخاريقه بمذهب الإمام المطللبي (١) ﵀ وكان من أبر خلق الله قلبًا، وأصوبهم سمتًا، وأهداهم هديًا، وأعمقهم قلبًا، وأقلهم تعمقًا، وأقرهم للدين، وأبعدهم من التنطع، وأنصحهم لخلق الله جزاء خير. قال: ورأيت منهم قومًا يجتهدون في قراءة القرآن، وتحفظ حروفه، والإكثار من ختمه، ثم اعتقاده (٢) فيه ما قد بيناه، اجتهاد روغان كالخوارج. وروي (٣) بإسناد (٤) عن حرشة بن الحر، عن حذيفة قال: "إنا آمنا ولم نقرأ القرآن، وسيجيء قوم يقرؤون القرآن لا يؤمنون". قال (٥): وقال ابن عمر: "كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن". وروى (٦) بإسناد (٧) عن ابن عمر قال: "لقد عشنا برهة من الدهر، وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن". وفي لفظ: " [إنا] (٨) كنا صدور هذه الأمة، وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ وصالحيهم

стр. 991

ما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقل (١) عليهم، ورزقوا علمًا به وعملًا (٢)، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون منه شيئًا" (٣) ". أو قال: لا يعملون منه بشيء (٤). قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتابه المشهور في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥) لما ذكر عقوبات الأئمة لأهل البدع، قال: "واستتاب أمير المؤمنين القادر بالله (٦) -حرس الله مهجته، وأمد بالتوفيق أموره، ووفقه من القول والعمل لما يرضى مليكه (٧) - فقهاء المعتزلة الحنفية في سنة ثمان وأربعمائة، فأظهر الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال. ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض (٨)، والمقالات المخالفة للإسلام [والسنة] (٩)، وأخذ

стр. 992

خطوطهم بذلك، وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم. وامتثل يمين الدولة، وأمين الملة أبو القاسم محمود، يعني: ابن سبكتكين -أعز الله نصره- (١) أمر [أمير] (٢) المؤمنين القادر بالله، واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية (٣) والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم (٤)، والأمر باللعن عليهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك في الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين في الآفاق.

стр. 993

وجر ذلك على يد (١) الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد، في جمادى [الآخرة] (٢) سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، تمم الله ذلك وثبته إلى أن يرث الأرض (٣) ومن عليها وهو خير الوارثين". وقد ذكر شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب "ذم الكلام" (٤) وأهله في الطبقة الثامنة قال: "وفيها نجمت (٥) الأشعرية". ثم ذكر الطبقة التاسعة وذكر (٦) فيها كلام من ذكره فيهم ثم قال (٧): "قرأت كتاب محمود الأمير (٨) يحث فيه على كشف أستار هذه الطائفة والإفصاح بعيبهم ولعنهم، حتى كان قد قال فيه: أنا ألعن من لا يلعنهم فطار -والله-[في الآفاق] (٩) للحامدين كل مطار، وصار في المادحين (١٠) كل مسار، لا ترى عاقلًا إلّا (١١) وهو ينسبه إلى متانة الدين وصلابته، ويصفه بشهامة الرأي ونجابته، فما ظنك بدين يخفى فيه ظلم العيوب، وتنجلي عنه (١٢) بهم القلوب، ودين تناجى (١٣) به أصحابه،

стр. 994

وتبرأ منه أربابه، وما خفي عليك فلا يخف (١) أن القرآن مصرح (٢) به في الكتاتيب، ويجهر به في المحاريب، وحديث المصطفى ﷺ يقرأ في الجوامع ويستمع في المجامع، وتشد إليه الرحال، ويتبع في البراري، والفقهاء في القلانس (٣) يفصحون في المجالس، وأن الكلام في الخفايا يدس به في الزوايا، قد (٤) ألبس أهله الذلة (٥)، وأشعر (٦) بهم ظلمه، يرمون بالألحاظ (٧)، ويخرجون من الحفاظ، يسب بهم أولادهم، وتبرأ (٨) منهم أوداؤهم (٩)، يلعنهم المسلمون، وهم عند المسلمين يتلاعنون". ثم إنه جرى بعد ذلك في خلافة القائم في مملكة السلاجقة طغرل بك وذويه لعن المبتدعة -أيضًا- على المنابر، فذكر أبو القاسم بن عساكر أن وزيره (١٠) كان معتزليًّا رافضيًّا، وأنه أدخل فيهم الأشعرية لقصد

стр. 995

التشفي والتسلي، فإنه ذكر رسالة أبي بكر البيهقي إلى الوزير في استدراك ذلك قال فيها (١): "ثم إن السلطان أعز (٢) الله نصره، وصرف همته العالية إلى نصرة دين الله وقمع أعداء الله، بعدما تقرر للكافة حسن اعتقاده، بتقرير خطباء أهل مملكته على لعن من استوجب اللعن من أهل البدع (٣) ببدعته، وأيس أهل الزيغ عن زيغه عن الحق وميله عن القصد، فألقوا في سمعه ما فيه مساءة أهل السنة والجماعة كافة ومصيبتهم عامة، من الحنفية والمالكية والشافعية الذين لا يذهبون في التعطيل مذهب المعتزلة ولا يسلكون في التشبيه طرق المجسمة في مشارق الأرض ومغاربها ليتسلوا (٤) بالأسوة معهم في هذه المساءة عما يسوؤهم من اللعن والقمع في هذه الدولة المنصورة". وذكر تمام الرسالة (٥) في بيان أنهم من أهل السنة ومسألة المنع من إدخالهم في اللعنة. قال أبو القاسم ابن عساكر (٦): "وإنما كان انتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي من المحنة، واستعار (٧) ما أشار بإطفائه في رسالته من الفتنة، مما تقدم به من سب حزب أبي (٨) الحسن الأشعري، في دولة السلطان طغرل بك، ووزارة أبي نصر منصور بن محمَّد الكندري، وكان السلطان

стр. 996

حنفيًّا سنيًّا، وكان وزيره معتزليًّا رافضيًّا، فلما أمر السلطان بلعن المبتدعة على المنابر في الجمع، قرن الكندري للتسلي والتشفي اسم الأشعرية بأسماء أرباب البدع (١)، وامتحن الأئمة الأماثل، وقصد (٢) الصدور الأفاضل وعزل أبا عثمان الصابوني بنيسابور (٣)، وفوضها إلى بعض الحنفية، فأم (٤) الجمهور، وخرج الأستاذ أبو القاسم (٥)، والإمام أبو المعالي الجويني، عن البلد، فلم يكن (٦) إلا يسيرًا حتى مات ذلك (٧) السلطان، وولي ابنه ألب أرسلان، واستوزر الوزير الكامل أبا علي (٨) الحسن بن علي بن إسحاق، فأعز أهل السنة، وقمع أهل النفاق، وأمر بإسقاط ذكرهم من السب وإفراد من عداهم باللعن والثلب (٩)، واسترجع من خرج منهم إلى وطنه، واستقدمه مكرمًا بعد بعده وظعنه". وذكر قصة أبي القاسم القشيري التي سماها "شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة" (١٠)، قال. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 997

فيها (١): "ومما ظهر (٢) بنيسابور في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة (٣) ما دعى (٤) أهل الدين إلى سوء ضر أضرهم وكشف قناع صبرهم (٥) " إلى أن قال (٦): "ذلك بما أحدث من لعن إمام الدين، وسراج [ذوي] (٧) اليقين، محيي السنة، وقامع البدعة، ناصر الحق، وناصح الخلق أبي الحسن (٨) الأشعري". وقال فيها (٩): ولما مَنَّ الله الكريم على أهل الإِسلام بزمام (١٠) الملك المعظم، المحكم بالقوة السماوية في رقاب الأمم، الملك الأجل شاهنشاه (١١) يمين خليفة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 998

الله (١)، وغياث عباد الله طغرل بك أبي طالب محمَّد بن ميكائيل وقام بإحياء السنة، والمناضلة عن الله، حتى لم يبق من أصناف المبتدعة إلا

стр. 999

سل (١) -لاستئصالهم سيفًا عضبًا (٢)، وأذاقهم ذلا وخسفًا، وعقب لآثارهم نسفًا، حرجت (٣) صدور أهل البدع عن تحمل هذه النقم، وضاق صبرهم عن مقاساة هذا الألم، ومُنوا (٤) بلعن أنفسهم على رؤوس الأشهاد بألسنتهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بانفرادهم بالوقوع في مهواة محنتهم (٥)، فسولت لهم أنفسهم أمرًا، فظنوا أنهم بنوع تلبيس أو ضرب (٦) تدليس يجدون لعسرهم يسرًا، فسعوا إلى عالي مجلس السلطان (٧) بنوع نميمة، ونسبوا الأشعري إلى مذاهب ذميمة، وحكوا عنه مقالات لا يوجد في كتبه منها حرف، ولم نر (٨) في المقالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين من وقت الأوائل إلى زماننا هذا لشيء منها حكاية، ولا وصف، بل كل ذلك تصوير بتزوير (٩)، وبهتان (١٠) بغير تقرير. وما نقموا من الأشعري إلّا أنه قال بإثبات القدر لله خيره وشره نفعه وضره، وإثبات صفات الجلال لله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وبقائه

стр. 1000

وسمعه وبصره وكلامه ووجهه ويده، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى موجود تجوز رؤيته، وأن إرادته نافذة في مراده (١) وما لا يخفى من (٢) مسائل الأصول التي تخالف طريقة (٣) المعتزلة والجهمية (٤). وذكر تمام الكلام في المسائل التي نسبت إليه، وهو كلام طويل ليس هذا موضعه، وإنما الغرض التنبيه على سبب لعنهم على ما نقله أصحابه المعظمون له. وأما بغداد فلم تجر فيها لعنة أحد على المنابر، بل كانت الأشعرية منتسبة إلى الإِمام أحمد وسائر أهل (٥) السنة، كما ذكره الأشعري في كتابه "الإبانة" (٦)، وهذا هو الذي اعتمد عليه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في وصف اعتقاد الأشعري، قال (٧) -بعد أن ذكر ما ذكره من وصف من وصف من العلماء [و] (٨) الأشعري بالرد على أهل (٩) البدع والانتصار للسنة وما يشبه ذلك: "فإذا كان أبو الحسن ﵀ كما ذكر (١٠) عنه من حسن

стр. 1001

الاعتقاد مستصوب (١) المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد، يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد (٢)، فلا بد أن يحكي عنه (٣) معتقده على وجه الأمانة (٤)، ويجتنب أن يزيد فيه أو ينقص منه (٥) تركًا للخيانة، لنعلم (٦) حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما قاله (٧) في أول كتابه الذي سماه بالإبانة فإنه قال (٨): "الحمد لله الأحد الواحد العزيز الماجد" وساق الخطبة (٩)، إلى أن قال: "أما بعد فإن كثيرًا من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم (١٠) ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم، تأويلًا لم ينزل الله به سلطانًا، ولا أوضح به برهانًا، ولا نقلوه عن رسول (١١) الله ﷺ ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا

стр. 1002

رواية (١) الصحابة عن نبي الله ﷺ في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بها الآثار, وتتابعت بها الأخبار. وأنكروا شفاعة رسول الله ﷺ للمؤمنين (٢)، وردوا الرواية (٣) في ذلك عن السلف المتقدمين. وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون. ودانوا بخلق القرآن نظيرًا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٤)، فزعموا أن القرآن كقول البشر. وأثبتوا (٥) أن العباد يخلقون الشر نظيرًا لقول المجوس الذين يثبتون (٦) خالقين: أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر. وزعموا القدرية أن الله يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر. وزعموا أن الله شاء (٧) ما لا يكون، خلافًا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون (٨)، وردًّا لقول الله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٩) فأخبر أنا لا نشاء شيئًا إلا وقد شاء أن نشاء. ولقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ (١٠) ولقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا

стр. 1003

كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (١) ولقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٢) ولقوله مخبرًا عن شعيب أنه قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (٣). ولهذا أسماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة (٤)؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس [وضاهوا قولهم (٥)، وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس] (٦)، وأنه يكون من الشر (٧) ما لا يشاؤه الله كما قالت المجوس ذلك. وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم ردًّا لقول الله (٨): ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إلا مَا شَاءَ﴾ (٩)،. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1004

وانحرافًا (١) عن القرآن، وعما أجمع المسلمون عليه (٢). وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، وأثبتوا (٣) لأنفسهم غنى (٤) عن الله، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبتت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله فكانوا مجوس هذه الأمة، إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقوالهم، ومالوا إلى أضاليلهم. وقنطوا الناس من رحمة الله، وآيسوهم من (٥) روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود [فيها] (٦)، خلافًا لقول الله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٧). وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها، خلافًا لما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ أن الله يخرج من النار قومًا بعدما امتحشوا فيها وصاروا حممًا (٨).

стр. 1005

ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١). وأنكروا أن يكون لله يدان مع قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢). وأنكروا أن يكون له عينان (٣)، مع قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤) ولقوله: (٥) ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٦). ونفوا (٧) ما روي عن رسول الله ﷺ من قوله: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا" (٨). وأنا ذاكر (٩) ذلك إن شاء الله بابًا بابًا، وبه المعونة (١٠)، ومنه التوفيق والتسديد.

стр. 1006

فإن قال قائل (١): قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين (٢)، التمسك بكتاب الله وسنة نبيه (٣) ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل (٤) -نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإِمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشكاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين. وجملة قولنا: إنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاءه من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئًا. وأن الله إله واحد فرد أحد صمد لا إله غيره (٥) لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا. وأن محمدًا عبده ورسوله (٦). وأن الجنة والنار حق.

стр. 1007

وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو (١) على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢). وأن له وجهًا (٣)، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٤). وأن له يدين (٥)، كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٦) وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧). وأن له عينين (٨) بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٩). وأن من زعم أن اسم (١٠) الله غيره كان ضالًا. وأن لله علمًا، كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (١١)، وقوله (١٢): ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ (١٣). ونثبت لله قوة (١٤)، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (١٥).

стр. 1008

ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفي ذلك، كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج. ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وإنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له: كن فيكون، [كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١)] (٢). وإنه لا يكون في الأرض [شيء] (٣) من خير وشر إلا ما شاء الله، وإن الأشياء تكون بمشيئة الله، وإن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله الله. ولا يستغني (٤) عن الله، ولا نقدر على الخروج من علم الله. وإنه لا خالق إلا الله، وإن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له، كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥)، وإن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يخلقون، كما قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٦)، وكما قال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٧)، وكما قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ (٨)، وكما قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٩) وهذا في كتاب الله كثير.

стр. 1009

وإن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم ونظر لهم (١) وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم (٢) بالإيمان كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف لهم (٣) وأصلحهم كانوا (٤) صالحين، ولو هداهم كانوا (٣) مهتدين، كما قال ﵎: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥)، وإن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف لهم (٦) حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وإنه خذلهم وطبع على قلوبهم. وإن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره، ونعلم أن ما أصابنا لم [يكن لـ] (٧) يخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وإنا لا نملك لأنفسنا (٨) نفعا ولا ضرًّا (٩)، إلا ما شاء الله، وأنا نلجئ أمورنا (١٠) إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه. ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن من قال بخلقه (١١)

стр. 1010

كان كافرًا. وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة (١)، كما يرى القمر ليلة البدر، ويراه المؤمنون كما جاءت الروايات (٢) عن رسول الله ﷺ ، ونقول: إن الكافرين -إذا رآه المؤمنون- عنه محجوبون (٣)، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٤) وأن موسى سأل الله الرؤية في الدنيا وأن الله تجلى للجبل فجعله دكًّا (٥)، فعلم (٦) بذلك موسى أنه لا يراه أحد (٧) في الدنيا. ونرى ألّا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعموا بذلك (٨) أنهم كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من الكبائر وما أشبهها مستحلًا لها كان كافرًا إذا كان غير معتقد لتحريمها (٩).

стр. 1011

ونقول: إن الإِسلام أوسع من الإيمان, وليس كل إسلام إيمانًا (١). وندين بأنه (٢) يقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه (٣) [وأنه يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية (٤) عن رسول الله ﷺ ] (٥). وندين بأن لا ننزل أحدًا من الموحدين المستمسكين (٦) بالإيمان جنة ولا نارًا، إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين.

стр. 1012

ونقول: إن الله يخرج من النار قومًا بعدما امتحشوا بشفاعة محمَّد ﷺ (١). ونؤمن بعذاب القبر، ونقول: إن الحوض والميزان والصراط حق (٢) والبعث بعد الموت حق، وأن الله يوقف العباد بالموقف ويحاسب المؤمنين. وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات (٣) الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله ﷺ . وندين (٤) بحب السلف الذين اختارهم [الله] (٥) لصحبة نبيه، ونثني عليهم بما أثنى الله عليهم، ونتولاهم (٦). ونقول: إن الإِمام (٧) بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ﵁ وإن الله تعالى أعز به الدين، وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون للإمامة كما قدمه رسول الله ﷺ [للصلاة] (٨)، ثم عمر بن الخطاب ﵁ ثم عثمان بن عفان - نضر الله وجهه - قتله قاتلوه (٩) ظلمًا وعدوانًا، ثم علي بن أبي طالب ﵁ فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله ﷺ وخلافتهم خلافة النبوة.

стр. 1013

ونشهد للعشرة بالجنة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ (١) ونتولى سائر أصحاب النبي ﷺ ونكف عما شجر بينهم، وندين الله أن الأئمة الأربعة راشدون (٢) مهديون فضلاء لا يوازنهم (٣) في الفضل غيرهم. ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها (٤) أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا (٥)، وأن الرب يقول: "هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ " (٦) وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قاله أهل الزيغ والتضليل. ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ (٧) وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها, ولا نقول على الله ما لا نعلم. ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٨) وإن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ

стр. 1014

إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١)، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢). ومن ديننا نصلي (٣) الجمعة والأعياد خلف كل بر وغيره (٤)، وكذلك سائر (٥) الصلوات والجماعات، كما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج (٦). وأن المسح على الخفين في السفر (٧) والحضر، خلافًا لمن أنكر (٨) ذلك. ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بترك (٩)

стр. 1015

الخروج عليهم بالسيف، وترك القتال في الفتنة. ونقر بخروج الدجال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ (١). ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومساءلتهم (٢) المدفونين في قبورهم. ونصدق بحديث المعراج (٣). ونصحح كثيرًا من الرؤيا في المنام، ونقول: إن لذلك تفسيرًا (٤). ونرى الصدقة من موتى المؤمنين (٥)، والدعاء لهم، ونؤمن أن الله ينفعهم بذلك. ونصدق بأن (٦) في الدنيا سحرة (٧)، وأن السحر (٨) كائن موجود في الدنيا.

стр. 1016

وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة مؤمنهم (١) وفاجرهم ومواريثهم (٢). ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان. وأن من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل. وأن الأرزاق من قبل الله يرزقها (٣) عباده حلالًا وحرامًا. وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه (٤) خلافًا لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٥)، وكما قال: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٦). ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله بآيات يظهرها الله عليهم. وقولنا في أطفال المشركين: إن الله يؤجج لهم نارًا في الآخرة، ثم يقول (٧): اقتحموها، كما جاءت الرواية بذلك (٨).

стр. 1017

وندين بأن الله (١) يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون [وما كان] (٢) وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون؟. وبطاعة (٣) الأئمة، ونصيحة المسلمين. ونرى مفارقة كل داعية لبدعة (٤)، ومجانبة أهل الأهواء وسنحتج لما ذكرنا (٥) من قولنا، وما بقي منه مما لم (٦) نذكره بابًا بابًا وشيئًا شيئًا.

стр. 1018

ثم قال أبو القاسم بن عساكر (١) ﵀: "فتأملوا -رحمكم الله- هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإِمام العالم الذي شرحه وبينه، وانظروا سهولة لفظه فما أفصحه وأبينه، وكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢) وتبينوا فضل أبي الحسن واعرفوا إنصافه، واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين، ولم تزل الحنابلة ببغداد في قديم الدهر على عمر الأوقات تعتضد (٣) بالأشعرية على أصحاب البدع؛ لأنهم المتكلمون من أهل الإثبات فمن تكلم منهم (٤) في الرد على مبتدع فبلسان الأشعرية يتكلم، ومن حقق منهم في الأصول في مسألة فمنهم يتعلم، فلم يزالوا كذلك حتى حدث الاختلاف في زمن أبي نصر القشيري ووزارة النظام، ووقع بينهم الانحراف من بعضهم عن بعض لانحراف (٥) النظام. وعلى الجملة فلم يزل في الحنابلة طائفة تغلو في السنة، وتدخل فيما لا يعنيها حبًّا للخفوق (٦) في الفتنة، ولا عار (٧) على أحمد ﵀ من صنيعهم، وليس يتفق على ذلك رأي جميعهم، ولهذا قال أبو حفص بن شاهين (٨) -وهو من أقران الدارقطني-. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1019

ما قرأته (١) على عبد الكريم بن الخضر (٢)، عن أبي محمَّد الكناني، حدثني (٣) أبو النجيب الأرموي (٤)، ثنا أبو ذر الهروي (٥)، قال: سمعت ابن زنين يقول: رجلان صالحان بلوا (٦) بأصحاب سوء: جعفر بن محمَّد، وأحمد بن حنبل". وقال ابن عساكر (٧) فيما رده على أبي علي الأهوازي (٨)، فيما صنفه من مثالب الأشعري وقد ذكر أبو علي الأهوازي أن الحنابلة لم يقبلوا منه تصنيف الإبانة. قال الأهوازي: "وللأشعري كتاب في السنة قد جعله أصحابه وقاية لهم من أهل السنة، يتولون به العوام من أصحابنا سماه كتاب

стр. 1020

"الإبانة" صنفه ببغداد لما دخلها، فلم يقبل ذلك منه الحنابلة وهجروه". وسمعت (١) أبا عبد الله الحمراني يقول: "لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري (٢) فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم، وعلى اليهود والنصارى وعلى المجوس، فقلت (٣) وقالوا وأكثر الكلام في ذلك، فلما سكت قال البربهاري: ما أدري مما قلت قليلًا ولا كثيرًا، ما نعرف إلا ما قال (٤) أبو عبد الله أحمد بن حنبل، قال: فخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة، فلم يقبلوه (٥) منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منه". قال (٦): وقول الأهوازي: إن الحنابلة لم يقبلوا منه ما أظهره (٧) من كتاب (٨) الإبانة وهجروه، فلو كان الأمر كما قال لنقلوه عن أشياخهم (٩) ولم أزل أسمع ممن يوثق به أنه كان صديقًا
следующие страницы →