← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وفي رواية: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيرٌ لَهُنَّ» (١)؛ وقال مجاهد: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَخْرُجُ تَمشِي بَيْنَ يَدَيِ الرِّجَالِ، فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الْجَاهِلِيَّةِ (٢). روى البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٣)؛ والحمو: هو قريب الزوج، شبَّهه النبي ﷺ بالموت: لخطورته وتساهل الناس فيه. وإذا كان الرجال ممنوعين من الدخول على النساء، وممنوعين من الخلوة بهن بطريق الأَولى، كما ثبت بأحاديث أُخَر، صار سؤالهنَّ متاعًا لا يكون إلا من وراء حجاب، ومن دخل عليهنَّ فقد خرق الحجاب (٤). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: وكان النساء في عهد النبي ﷺ لا يختلطن بالرجال لا في المساجد ولا في الأسواق الاختلاط الذي ينهى عنه المصلحون اليوم، ويرشد القرآن والسنة وعلماء الأمة إلى التحذير منه حذرًا من فتنته، بل كان النساء في مسجده ﷺ يصلين خلف الرجال في صفوف متأخرة عن الرجال، وكان يقول: «خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (٥)، حذرًا من افتتان آخر صفوف الرجال

стр. 1017

بأول صفوف النساء، وكان الرجال في عهده ﵊ يؤمرون بالتريُّث في الانصراف، حتى يمضي النساء ويخرجن من المسجد، لئلا يختلط بهن الرجال في أبواب المسجد، مع ما هم عليه جميعًا رجالاً ونساء من الإيمان والتقوى، فكيف بحال من بعدهم؟ ! وكان النبي ﷺ ينهاهن أن يمشين في وسط الطريق، ويؤمرن بلزوم حافات الطريق: حذرًا من الاحتكاك بالرجال، والفتنة بمماسة بعضهم بعضًا عند السير في الطريق (١) اهـ. بل إن النبي ﷺ كان يخصص للنساء بابًا يخرجن منه (٢)؛ قال ابن القيِّم ﵀ ما خلاصته -: «ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء: في الأسواق والفرج ومجامع الرجال، فالإمام مسؤول عن ذلك، والفتنة به عظيمة. روى البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد ﵄: أن النبي ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (٣)، وفي حديث آخر: «عَلَيكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ» (٤). ويجب عليه أن يمنع النساء من الخروج متزيِّنات متجمِّلات، ومنعهنَّ من الثياب التي يكنَّ بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة الرقاق، ومنعهنَّ من حديث

стр. 1018

الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك. وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيَّما إذا خرجت متجمِّلة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهنَّ على الإثم والمعصية، واللَّه سائل ولي الأمر عن ذلك، وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ النساء من المشي في طريق الرجال، والاختلاط بهن في الطريق، فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك. ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء: سبب لكثرة الفواحش والزنا (١)». وبناء على ما تقدم؛ فإن ما حصل من اختلاط بين الرجال والنساء، سواء كان في اجتماع أو ندوة أو حفل أو تصوير بين الرجال والنساء، أو غير ذلك من صور الاختلاط، ونشره في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية: أمر محرم لا يجوز، بل يجب إنكاره؛ فإنه بوابة شر، ومفتاح فتن وتعرض لعقوبة اللَّه تعالى وسخطه، وإذا نزلت العقوبة عمت الجميع، نسأل اللَّه اللطف والعافية في الدنيا والآخرة. ويجب على العلماء وطلبة العلم والدعاة: أن يبينوا للناس أمور دينهم، ولا يتركوهم حتى لا يلتبس الحق بالباطل، والمعروف بالمنكر. قال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ

стр. 1019

لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُون (١٥٩)﴾ [البقرة]. وكتمان العلم إخفاؤه عندما يجب بيانه: إما جوابًا لسؤال، أو لمقتضى الحال. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١). ولذلك أوصي بالآتي: أولاً: على من ولاه اللَّه أمر المسلمين: أن يمنع الاختلاط بشتى صوره وأشكاله، حماية للأعراض، وقطعًا لدابر الشر، ونصرة للعفة والفضيلة. ثانيًا: على كل من ولاه اللَّه أمر امرأة من الآباء والأزواج: أن يتقوا اللَّه فيما ولوا من أمر النساء، وأن يعملوا الأسباب لحفظهن من التبرج والاختلاط، وليعلموا أن فساد النساء سببه تساهل الرجال. ثالثًا: ننصح هؤلاء الكتاب الصحفيين الذين يمجدون الاختلاط والسفور ويستهزئون بالحجاب الشرعي: أن يتقوا اللَّه ويحذروا من سخطه وعقابه، وألا يكونوا باب سوء على أهليهم وأمتهم، ومن

стр. 1020

استمر في غيه وضلاله فعلى من ولاه اللَّه أمر المسلمين أن يُحِيله إلى المحاكم الشرعية، ليلقى جزاءَه الرادع وفق شرع اللَّه المطهَّر. رابعًا: على كل مسلم الحذر من إشاعة الفاحشة ونشرها، وليعلم أن محبتها - كما بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى - لا تكون بالقول والفعل فقط، بل تكون بذلك وبالتحدث بها، وبالقلب والميل إليها، وبالسكوت عنها، فإن هذه المحبة تمكِّن من انتشارها وتمكِّن من الدفع في وجه من ينكرها من المؤمنين، فليتق اللَّه امرؤ مسلم من محبة إشاعة الفاحشة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (١٩)﴾ [النور]. قال الحافظ ابن رجب: «وقد رُوي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبدالوهاب الورَّاق ينكِر كذا وكذا، فقال: لا نزال بخير ما دام فينا من ينكر؛ ومن هذا الباب: قول عمر - لمن قال له: اتق اللَّه يا امير المؤمنين - فقال: لا خير فيكم إن لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم» (١) (٢). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1021

الكلمة الثالثة والأربعون: قصة نبي الله يونس ﵇ الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فلقد قص اللَّه علينا في كتابه العزيز، قصص الأنبياء والمرسلين لنأخذ منها الدروس والعبر، ولتثبيت فؤاد النبي ﷺ ، وتقوية إيمان المؤمنين، وموعظة وذكرى للمؤمنين، وغير ذلك من الدروس والحكم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون (١١١)﴾ [يوسف]. وقال أيضًا: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين (١٢٠)﴾ [هود]. ومن هؤلاء الرسل: نبي اللَّه يونس ﵇، وقد ذكر اللَّه قصته في عدد من الآيات، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين (٩٨)﴾ [يونس]. وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الأنبياء].

стр. 1022

وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُون (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِين (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيم (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيم (١٤٥) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِين (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين (١٤٨)﴾ [الصافات]. ذكر أهل التفسير أن اللَّه بعث يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل، فدعاهم إلى اللَّه فكذبوه، وأصروا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم، خرج من بين أظهرهم فركب سفينة في البحر، فلجَّت واضطربت وماجت بهم، وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون؛ فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة القوه من السفينة ليتخففوا منه، فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي اللَّه يونس فلم يسمحوا به، فلما عادوها ثانية فوقعت عليه أيضًا، فشمر ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك، ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضًا لما يريده اللَّه به من الأمر العظيم، وبعث اللَّه حوتًا عظيمًا من البحر فالتقمه، وأمره اللَّه تعالى أن لا يأكل له لحمًا ولا يهشم له عظمًا فليس له برزق، فأخذه فطاف به البحر، ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت، فإذا هو حي فخر للَّه ساجدًا وقال: يا رب اتخذت لك مسجدًا، لم يعبدك أحد في مثله، فأمر اللَّه الحوت فقذفه في أرض خالية من كل أحد ومن الأشجار والظلال، وهو مريض بسبب حبسه في بطن الحوت، حتى صار مثل الفرخ الممعوط

стр. 1023

من البيضة؛ وأنبت اللَّه عليه شجرة تظله بظلالها الظليل وهي باردة، ثم لطف به فأرسله إلى مئة ألف من الناس أو يزيدون، فدعاهم إلى اللَّه فآمنوا، فصاروا في موازين أعماله، فمنعهم اللَّه بأن صرف عنهم العذاب بعدما انعقدت أسبابه. من الدروس والعبر المستفادة من هذه القصة العظيمة: أولاً: أن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الأنبياء]. قال المفسرون: الظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت. قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح]. قال الشاعر: ولَرُبَّ نَازِلةٍ يضيقُ بها الفتى ذرعًا ... وعندَ اللَّه مِنْهَا المخرجُ ضاقتْ فَلَمَّا استَحْكَمَت حَلَقَاتُها ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لا تُفْرَجُ ثانيًا: أن تقوى اللَّه نجاة للعبد في الدنيا والآخرة ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون (١٤٤)﴾ [الصافات]. وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق].

стр. 1024

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم]. ثالثًا: استجابة اللَّه لدعاء المؤمن؛ فإن يونس لما دعا ربه والتجأ إليه، كشف اللَّه عنه هذه الغمة، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. روى الترمذي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (١). رابعًا: لطف اللَّه تعالى بعبده؛ فإن يونس - لما قذفه الحوت على الشاطئ وهو مريض - أنبت اللَّه له شجرة اليقطين، قال بعضهم: هي القرع ورقها في غاية النعومة وكثير وظليل، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نيئًا ومطبوخًا وبقشره وبزره أيضًا. خامسًا: قدرة اللَّه تعالى المطلقة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس]. وهو سبحانه الذي أمر الحوت أن لا يأكل له لحمًا، ولا يهشم له عظمًا. سادسًا: أن المؤمن قد يعاقب على ذنبه في الدنيا، قال تعالى:

стр. 1025

﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. وقال أيضًا: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير (٣٠)﴾ [الشورى]. والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1026

الكلمة الرابعة والأربعون: سيرة طلحة بن عبيد الله الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها: صحابي من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، هذا الصحابي شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ عدا غزوة بدر، فقد غاب عنها لعارض ما، فضرب له النبي ﷺ أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه؛ وكان من السابقين إلى الإسلام، فهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وقد اشتهر بالفروسية والشجاعة، وأبلى في معركة أحد بلاء عظيمًا، حتى إن النبي ﷺ قال: «أَوجَبَ» - يعني وجبت له الجنة -، وكان أبو بكر ﵁ إذا ذكر يوم أحد يقول: هذا اليوم كله لفلان - يعني طلحة -؛ ولما قدم النبي ﷺ المدينة، آخى بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين توفي النبي ﷺ وهو عنهم راض. إنه فارس الإسلام: طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان القرشي التيمِي، ويكنى أبا محمد، ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض، لكرمه وجوده؛ وصفه ابنه موسى فقال: كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة،

стр. 1027

مربوعًا إلى القصر هو أقرب، رحب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمين وقد لقي في بداية إسلامه أذًى شديدًا، فقد أخذه نوفل ابن خويلد هو وأبو بكر الصديق فشدهما في حبل واحد، ولم يمنعهما بنو تميم، وكان يعذبهما تعذيبًا شديدًا، فلم يجيباه إلى ما أراد من الرجوع عن الإسلام إلى الكفر. وكانت لهذا الصحابي مواقف بطولية رائعة تدل على شجاعته ونصرته لهذا الدين، فمن أعظم تلك المواقف: ما بذله يوم أحد من دفاع عن النبي ﷺ ، فقد تكاثر المشركون على النبي ﷺ ، فكان يحميه بجسده عن النبال والسيوف أن تصيبه، حتى إنه جرح يوم أحد أربعٌ وعشرون جراحةً، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح، وشلت أصابعه. روى البخاري في صحيحه من حديث قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة بن عبيد اللَّه شلاء (١)، وقى بها النبي ﷺ (٢) وكان النبي ﷺ قد كسرت رباعيته (٣)، وجرحت شفته، وسال الدم على وجهه، فجعل طلحة يكر على المشركين حتى يدفعهم عن النبي ﷺ ، ثم ينقلب إلى النبي ﷺ ليرقى به إلى الجبل. روى الترمذي في سننه من حديث الزبير ﵁ قال: «كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ، فَنَهَضَ إِلَى صَخرَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ (من الثقل والإعياء)، فَأَقْعَدَ تَحْتَهُ طَلْحَةَ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى

стр. 1028

الصَّخْرَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَوْجَبَ طَلْحَةُ» أي وجبت له الجنة» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي عثمان قال: «لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ - عَنْ حَدِيثِهِمَا -» (٢). ومن فضائله العظيمة: ما رواه الترمذي في سننه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ» (٣). وروى الترمذي في سننه من حديث موسى بن طلحة قال: دخلتُ على معاوية فقال: ألا أبشِّرك؟ سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: «طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» (٤). قال شراح الحديث: أي بذل نفسه في سبيل اللَّه، حتى لم يبق بينه وبين الهلاك شيء، فهو كمن قتل وإن كان حيًّا. وقد اشتهر ﵁ بالكرم والإنفاق والبذل، لذلك: سمي طلحة الخير، وطلحة الفياض. يقول قبيصة بن جابر ﵁: صحبت طلحة فما رأيت أعطى لجزيل مال منه من غير مسألة، وذكر الحافظ في الإصابة: «أن قتله

стр. 1029

كان على يد مروان بن الحكم في معركة الجمل»، روى يعقوب بن سفيان في كتابه «المعرفة والتاريخ» عن قيس بن أبي حازم: أن مروان ابن الحكم رأى طلحة، وقال: هذا ممن أعان على قتل عثمان، فرماه بسهم فأثبته في ركبته، فجعل الدم ينزف منه حتى مات (١). قال الذهبي: نشهد اللَّه على بغض قتلة الصحابة أمثال طلحة والزبير وعلي، ونبرأ إلى اللَّه من فعلهم، ونكل أمرهم إلى اللَّه (٢). اهـ. ودخل عمران بن طلحة بعد معركة الجمل على علي بن أبي طالب فرحَّب به وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني اللَّه وأباك والزبير بن العوام ممن قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (٤٧)﴾ [الحجر]. وكان قتله سنة ست وثلاثين من الهجرة في جمادى الآخرة، وله أربع وستون سنة. رضي اللَّه عن طلحة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته. وسبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1030

الكلمة الخامسة والأربعون: الخوف من الله الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الخوف من اللَّه من أفضل مقامات الدين وأجملها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها للَّه تعالى، قال تعالى عن أهل الجنة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِين (١) (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم (٢٧)﴾ [الطور]. وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان (٤٦)﴾ [الرحمن]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى (٤١)﴾ [النازعات]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه» ذكر منهم: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (٢). قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: الخوف على أقسام:

стр. 1031

الأول: خوف السر وهو أن يخاف من غير اللَّه من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره، قال تعالى عن قوم هود إنهم قالوا: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون (٥٤) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُون (٥٥)﴾ [هود]. وقال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]. وهذا الواقع من عبَّاد القبور ونحوها من الأوثان، يخافونها ويخوِّفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها، وأمروا بإخلاص العبادة للَّه، وهذا ينافي التوحيد. الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفًا من بعض الناس، فهذا محرَّم؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قَامَ خَطِيبًا فَكَانَ فِيمَا قَالَ: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلاً هَيْبَةُ النَّاسِ: أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ» قَالَ: فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا (١). الثالث: الخوف الطبيعي: وهو الخوف من عدو أو سَبُع أو غير ذلك، وهذا لا يذم؛ قال تعالى عن نبيه موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]. ومعنى قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾ أي: يخوفكم أولياءه ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران]. وهذا نهيٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين

стр. 1032

أن يخافوا غيره، وأمرٌ لهم أن يقصروا خوفهم على اللَّه تعالى، فلا يخافون إلا إياه، وهذا هو الإخلاص الذي أمر اللَّه به عباده، ورضيه منهم؛ فإذا أخلصوا له الخوف وجميع العبادة، أعطاهم ما يرجون، وأمَّنهم من مخاوف الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد (٣٦)﴾ [الزمر]. قال العلامة ابن القيِّم: ومن كيد عدو اللَّه أن يخوِّف المؤمنين من جنده وأوليائهم، لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف، ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهانا أن نخافه. قال: والمعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه، قال قتادة: يعظمهم في صدوركم، فكلما قوي إيمان العبد، زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء]. وكلما ضعف إيمانه، قوي خوفه منهم. فدلَّت هذه الآية على أن إخلاص الخوف: من شروط كمال الإيمان (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخوف ما حجزك عن محارم اللَّه (٢)؛ قال ابن رجب الحنبلي: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات،

стр. 1033

والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلاً محمودًا (١). روى الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» (٢). وقال أبو علي الروذباري: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت؛ وقال الفضيل بن عياض: الخوف أفضل من الرجاء ما كان الرجل صحيحًا، فإذا نزل الموت فإن الرجاء أفضل (٣). ويشهد لذلك: ما رواه الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟ » قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا

стр. 1034

الْمَوْطِنِ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» (١). وقال عمر: لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا، لخفت أن أكون أنا هو. وخرج عمر يومًا إلى السوق ومعه الجارود، فإذا امرأة عجوز فسلَّم عليها عمر فردَّت عليه، وقالت: هيه يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرًا في سوق عكاظ تصارع الصبيان، فلم تذهب الأيام حتى سمعت عمر ثم قليل فسمعت أمير المؤمنين، فاتق اللَّه في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر، فقال الجارود: لقد أجترأت على أمير المؤمنين وأبكيته، فأشار إليه عمر أن دعها، فلما فرغ قال: أما تعرف هذه؟ قال: لا. قال: هذه خولة ابنة حكيم التي سمع اللَّه قولها، فعمر أحرى أن يسمع كلامها - أشار إلى قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير (١)﴾ [المجادلة]-. وقال عمر ﵁ لما طعن: لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا، لافتديت به من عذاب اللَّه قبل أن أراه (٢)؛ وقال عمر بن عبد العزيز: من خاف اللَّه أخاف اللَّه منه كل شيء، ومن لم يخف اللَّه خاف من كل شيء. وبكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غدًا

стр. 1035

في النار ولا يبالي؛ وقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر حبك للَّه يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من اللَّه يهابك الخلق؛ وقال الإمام أحمد بن حنبل: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب، فلا أشتهيه. والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1036

الكلمة السادسة والأربعون: دروس وعبر من قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد﴾ [آل عمران] الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم لتدبُّره والعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص: ]. وعملاً بالآية الكريمة: لنستمع إلى آية من كتاب اللَّه، ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَاد (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللهِ وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَار (١٩٨)﴾ [آل عمران]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب والملذات، وأنواع العز والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله متاع قليل ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتَّعون به قليلاً، ويُعَذَّبُون عليه طويلاً، وهذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه، أما المتقون لربهم المؤمنون

стр. 1037

به: فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فلو قُدِّر أنهم في دار الدنيا قد حصل لهم كل بؤس وشقاء، لكان هذا - بالنسبة إلى النعيم المقيم والعيش السليم -: نزرًا يسيرًا ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال: ﴿وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَار (١٩٨)﴾: الذين برت أقوالهم وأفعالهم فأثابهم البر الرحيم من بره أجراً عظيماً وعطاءً جسيماً وفوزاً دائماً. اهـ (١). ومن فوائد الآيات الكريمات: أولاً: ألَاّ يغترَّ المؤمن بحال هؤلاء الكفار وما هم فيه من النعمة والغبطة والسرور، فهو متاع زائل يعقبه عذاب أبدي سرمدي، قال تعالى: ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِين (٦١)﴾ [القصص]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُون (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون (٧٠)﴾ [يونس]. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللَّهِ! يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ!

стр. 1038

هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ! يَا رَبِّ! مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (١). ثانيًا: أن كثرة النعم والخيرات التي يعطيها اللَّه لعبده، ليست دليلاً على محبته، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِين (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَاّ يَشْعُرُون (٥٦)﴾ [المؤمنون]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ»؛ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام] (٢). ثالثًا: أن إمهال اللَّه لهؤلاء الكفار وتتابع النعم والخيرات لهم، إنما هو زيادة لهم في عذاب الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين (١٧٨)﴾ [آل عمران]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون (٥٥)﴾ [التوبة]. رابعًا: أن ما يعطيه اللَّه للكفار من نعم الدنيا، إنما ذلك لهوان الدنيا عنده وحقارتها، وابتلاء لهم وفتنة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُون (٢٠)﴾ [الأحقاف].

стр. 1039

روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا للَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (١). وفي الصحيحين أن عمر ﵁ صعد إلى مشربة النبي ﷺ لمَّا آلى ﷺ من نسائه، فرآه متكئًا على رَمْل حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ بجَنْبِهِ، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول اللَّه هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة اللَّه من خلقه؟ ! وكان رسول اللَّه ﷺ متكئًا فجلس، وقال: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! » ثم قال ﷺ : «أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» وفي رواية: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ ! » (٢). خامسًا: الترغيب في الآخرة والزهد في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه]. وقال تعالى: ﴿وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِين (٣٥)﴾ [الزخرف]. سادسًا: بيان حقارة الدنيا وهوانها على اللَّه؛ روى الترمذي في سننه من حديث سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» (٣).

стр. 1040

وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ مر بالسوق والناس عن جانبيه، فمر بجدي أسك - أي صغير الأذن - فقال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ » فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ » قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ ! فَقَالَ: «فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ، مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث مُسْتَوْرِدٍ أَخَي بَنِي فِهْرٍ ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟ ! » (٢). قال أبو العتاهية وهو يصف الدنيا: إَذَا أَبْقَتِ الدُنْيَا عَلَى المرءِ دِينَهُ ... فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بِضَائِرِ إِذَا كُنْتَ بالدُّنْيَا بَصِيراً فإِنَّمَا ... بلاغُك مِنْهَا مِثْلُ زَادِ المُسَافِرِ وإِنَّ امرَءاً يَبْتَاعُ دُنْيَا بدِينِهِ ... لَمُنْقَلِبٌ مِنْهَا بِصَفْقَةِ خَاسِرِ أَلَمْ تَرَهَا تُرْقِيِه حَتَّى إِذَا سَمَا ... فَرَت حَلْقَهُ مِنهَا بُمدية (٣) جازِرِ ولَا تَعْدِلُ الدَّنِيا جنَاحَ بَعُوضَةٍ ... لَدَى اللَّهِ أو مِعْشَارَ زَغْبَة (٤) طَائِرِ والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1041

الكلمة السابعة والأربعون: أمراض القلوب الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإنه ينبغي للمؤمن أن يعتني بسلامة قلبه وصحته من الأمراض، فإن القلوب تمرض كما تمرض الأبدان، وهذا القلب هو محل نظر اللَّه لعبده، والجوارح تبع لصلاح القلب وفساده. قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠]. وقال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠]. وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (١). وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ: أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (٢).

стр. 1042

فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقائه للشبهات بحسب صلاح قلبه، فإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة اللَّه ومحبة ما يحبه اللَّه وخشية اللَّه وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه ولو كرهه اللَّه، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والشبهات بحسب اتباع هوى القلب؛ ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره يتابعونه في كل شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند اللَّه إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلَاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء]. وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «أَسأَلُكَ قَلبًا سَلِيمًا» (١). فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة اللَّه وما يحبه اللَّه، وخشية اللَّه وخشية ما يباعد منه (٢). والقلوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قلب سليم، وقلب ميت، وقلب مريض.

стр. 1043

فالقلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلَاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء]. قال ابن القيم ﵀: «هو الذي سلم من الشرك والغل، والحقد والحسد، والشح والكبر، وحب الدنيا والرياسة، وسلم من كل شهوة تعارض أمره، ومن كل شبهة تعارض خبره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن اللَّه» (١). القلب الثاني: القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، وهذا هو قلب الكافر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون (١٧٩)﴾ [الأعراف]. القلب الثالث: قلب له حياة وبه علة، فله مادتان تمده: هذه مرة وتمده هذه مرة أخرى، وهو لما غلبه عليه: وهو قلب المنافق وصاحب الهوى، قال تعالى عن الأصناف التالية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا

стр. 1044

بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٤)﴾ [الحج]. ومن علامات مرض القلوب: إيثار الدنيا على الآخرة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (١). ومنها: القلق والخوف، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]. ومنها: هوان القبائح عليه والرغبة في المعاصي، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَاد (٢٠٥)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٢٣)﴾ [الجاثية]. ومنها: الشعور بقسوة القلب. قال بعض السلف: ما ضرب اللَّه عبدًا بعقوبة، أعظم من قسوة القلب، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين (٢٢)﴾ [الزمر]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ

стр. 1045

قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]. وعلاج هذه الأمراض - أعني أمراض القلوب -: التوبة الصادقة والتمسك بكتاب اللَّه وسنة رسوله، ففيهما الشفاء والنور؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (٢٤)﴾ [الأنفال]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين (٥٧)﴾ [يونس]. وهذه القلوب بيد اللَّه يقلبها كيف يشاء، فينبغي للمؤمن أن يسأل ربه أن يثبته على الإيمان والطاعة. فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أم سلمة ﵂: تحدِّث أن رسول اللَّه ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» قالت: قلت يا رسول اللَّه، أوَ إن القلوب لتتقلب؟ ! قال: «نَعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَزَاغَهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً، إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ» (١). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1046

الكلمة الثامنة والأربعون: العشرة الزوجية الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من الأمور التي اهتم بها الإسلام: أمر الأسرة داخل البيت وخارجه، ونظرًا لأن أساس الأسرة الزوج والزوجة، فقد شرع لهما شرائع وحد لهما حدوداً وأوجب عليهما أموراً متى ما قام بها الزوجان صلحت الأسرة وسعدت، ومن ثم صلح المجتمع كله، وأشير هنا إلى بعض المعالم التي يهتدي بها الزوجان لإقامة الحياة الزوجية وإصلاحها. فمن ذلك أن اللَّه خلق المرأة من الرجل ليناسبها فيسكن إليها وتتم بذلك النعمة ويحصل بذلك السرور، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. قال ابن كثير: «وخلق منها زوجها وهي حواء ﵍ خُلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:

стр. 1047

«اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ» (١) ... الحديث. ومن ذلك أن اللَّه جعل المرأة سكناً للرجل، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ فكما أن الإنسان يتخذ المسكن ليستتر به ويتقي به الحر والبرد وغير ذلك، فإن الزوجة تكون سكناً لزوجها ليطمئن إليها ويجد في قربها الأنس والراحة. ومن ذلك أن الزوجين ستر لبعضهما ووقاية وجمال، وقد عبر عن ذلك ربنا بهذا التعبير البليغ الجميل فقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومن ذلك إكرام المرأة وعدم إهانتها أو تحقيرها، وقد أمر اللَّه أن يسكنها حيث يسكن وأن يطعمها مما يطعم ويكسوها إذا اكتسى، قال اللَّه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال النبي ﷺ عندما سأله معاوية بن حيدة ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أَن تُطعِمَهَا إِذَا طَعِمتَ، وَتَكسُوَهَا إِذَا اكتَسَيتَ - أَو: اكتَسَبتَ - وَلَا تَضرِبِ الوَجهَ، وَلَا تُقَبِّح، وَلَا تَهجُر إِلَّا فِي البَيتِ» (٢). ومن ذلك المودة والرحمة بينهما، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً

стр. 1048

إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٢١)﴾ [الروم]. قال أبو الأسود الدؤلي: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ... وَلَا تَنْطِقي في سَوْرَتِي حِينَ أَغْضبُ فإَنِيِّ وَجَدْتُ الحُبَّ في الصَّدْرِ والأَذَى ... إِذا اجْتَمَعَا لَمْ يَلْبَثِ الحُبُّ يَذْهبُ ومن المعالم التي يُهتدى بها في إصلاح الحياة الزوجية أن ما بينهما من حقوق وما يلزمهما من واجبات كل ذلك مبني على ما تعارف عليه الناس من كرائم الأخلاق وجميل الصفات حسب ما جرى به العرف في كل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال النبي ﷺ لهند بنت عتبة: «خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلدُكِ بِالمَعرُوفِ» (١)، وقد نص تعالى على أن للمرأة حقوقاً لزوجها وأن لها مثل الذي عليها مع اختصاص الرجل بالدرجة دونها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقد بين تعالى هذه الدرجة في آية أخرى فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، ومع أن هذه الحقوق والواجبات مبنية على ما جرت به عادات الناس الكريمة كما سبق بيانه فإن النصوص الشرعية قد نصت على أمور يجب التنبه لها وعدم الغفلة عنها، فمن ذلك: أولاً: أن على الزوجة طاعة زوجها في غير معصية اللَّه، قال

стр. 1049

تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤]، وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (١)، وفي رواية: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن رَجُلٍ يَدعُو امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأبَى عَلَيهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطاً عَلَيهَا، حَتَّى يَرضَى عَنهَا» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهَا كُلَّهُ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا عَلَيْهَا كُلَّهُ، حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ لَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ» (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده أن عبدالرحمن بن عوف قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (٤). ثانياً: التحبب والتودد إليه، وتفقد حاجاته وخدمته في بيته

стр. 1050

وتربية أولاده، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (١). وقد وصفت المرأة الصالحة في حديث آخر رواه النسائي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ» (٢). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَاذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (٣). قال النووي ﵀: وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام، وحقه فيه واجب على الفور، فلا يفوته بتطوع، ولا بواجب على التراخي (٤). وقد ضربت أم المؤمنين عائشة ﵂ أروع الأمثلة في ذلك عندما كانت تتأخر بقضاء الصيام من شهر رمضان حتى يأتي شهر شعبان، وقد عللت ذلك بقولها: أنشغل من رسول اللَّه ﷺ أو برسول اللَّه ﷺ (٥).

стр. 1051

ثالثاً: حفظها نفسها والابتعاد عن كل ما يدخل الشكوك عليه، روى الترمذي في سننه من حديث عمرو بن الأحوص ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: «فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ: فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَاذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ» (١). رابعاً: عدم الخروج إلا بإذنه حتى لو كان ذلك إلى المسجد، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَاذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَاذَنُوا لَهُنَّ» (٢). نقل ابن حجر عن النووي قوله: استُدِل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه إن أخذ من المفهوم فهو مفهوم لقب وهو ضعيف لكن يتقوى بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز فيبقى ما عداه على المنع، وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب لأنه لو كان واجباً لانتفى صفة الاستئذان لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيراً في الإجابة أو الرد (٣) اهـ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند شرحه حديث: «اسْتَوْصُوا

стр. 1052

بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» (١). فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة (٢). كما أن على الزوج مع ما سبق ذكره التنبه لهذه الأمور التالية: ١ - إيفائها مهرها الذي استحل به فرجها، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. ٢ - الإنفاق عليها بطيب قلب وسخاء نفس، قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، وقال النبي ﷺ لسعد ﵁: «وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» (٣). ٣ - ترك مضارتها وعدم إهانتها بقول أو فعل، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ٤ - إكرامها والثناء عليها فيما تقوم به من خدمة وتربية وغيرها، والتجاوز عن هفواتها، قال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (٤).

стр. 1053

قال الشاعر يمدح امرأة: وَلَوْ كَانَ النساءُ كَمِثْلِ هَذِي ... لَفُضِّلَتِ النِّساءُ على الرجالِ فَما التَانِيثُ لاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ ... ولا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ للهِلالِ وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (١). ٥ - إعانتها على دينها وحثها على الخير وتعليمها ما ينفعها، فعلى سبيل المثال لا يدخل عليها شيء من آلات الطرب والأجهزة الإعلامية التي تبث الفساد وتنشر الرذيلة، وتهدم الأخلاق الفاضلة، وأن يتعاهدها بالحجاب، ويأمرها بأداء الصلاة في أوقاتها وسائر العبادات الأخرى ويعلمها الأخلاق الكريمة والآداب الإسلامية وغيرها من الأمور الشرعية، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، قال علي بن أبي طالب ﵁: أدبوهم وعلموهم الخير، والحقوق والواجبات بين الزوجين كثيرة جداً، منها الواجب ومنها المستحب وما بين ذلك إلا أنه مما ينبغي التنبيه عليه في ختام هذه الكلمة أن على الزوجين أن يلتزم كل واحد منهما بالقيام

стр. 1054

بما فرض اللَّه عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر، فلا تطلب الزوجة مثلاً أن تُساوي الرجل في جميع حقوقه، ولا يستغل الرجل ما فضله اللَّه تعالى به عليها من السيادة والرياسة فيظلمها ويضربها بدون حق، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٨]. قال شريح القاضي: رَأَيْتُ رِجالاً يضربونَ نِسَاءُهم ... فَشُلَّتْ يَمِينِي حِينَ أضْرِبُ زَيْنَبَ أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدلُ مِنِّي ضَرْبُ من لَيْسَ مُذْنباً وزينبُ شَمْسٌ والنساءُ كواكبُ ... إذا طَلَعَتْ لم يبقَ مِنْهُنَّ كَوْكبَا والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1055

الكلمة التاسعة والأربعون: أضرار المخدرات والمسكرات الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٩٠)﴾ [المائدة]. في هذه الآية الكريمة يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة ويخبر أنها من عمل الشيطان وأنها رجس والخمر كل ما خامر العقل أي غطاه بسكره. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ميسرة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لما نزل تحريم الخمر قال: اللَّهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] قال: فدُعي عمر فقُرئت عليه فقال: اللَّهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: «أَن لَا يَقرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكرَانُ»، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللَّهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في المائدة، فدُعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ
следующие страницы →