← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (١). ثالثًا: الحسنات، فإن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، فالويل لمن غلبت آحاده عشراته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين (١١٤)﴾ [هود]. روى الترمذي في سننه من حديث أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄: أن النبي ﷺ قال: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (٢). رابعًا: المصائب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» (٣). خامسًا: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٠)﴾ [الحشر]. وقال تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]. سادسًا: ما يُهدَى الميت بعد الموت من ثواب صدقة، أو حج،

стр. 982

أو نحو ذلك؛ روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» (١). وفي صحيح البخاري أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَل يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا (٢). سابعًا: عذاب القبر. ثامنًا: أهوال يوم القيامة وشدائده. تاسعًا: ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ، مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» (٣). عاشرًا: شفاعة الشافعين؛ كشفاعة النبي ﷺ ، والنبيين، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين.

стр. 983

الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦]. قال شارح الطحاوية: فإن كان ممن لم يشأ اللَّه أن يغفر له لعظم جرمه، فلا بد من دخوله إلى الكير أي: (النار)، ليخلص طيب إيمانه من خبث معاصيه؛ فلا يبقى في النار من في قلبه أدنى، أدنى، أدنى مثقال ذرة من إيمان، بل من قال: لا إله إلا اللَّه، كما تقدم من حديث أنس ﵁ في الصحيحين. وإذا كان الأمر كذلك، امتنع القطع لأحد معيَّن من الأمَّة، غير من شهد له الرسول ﷺ بالجنة. ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم - أي من مكر اللَّه -، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم - أي من رحمة اللَّه - (١). اهـ. وعلى ذلك، فقول بعض الناس: فلان لا يغفر اللَّه له، أو فلان من أفجر الناس: هو من أهل النار، أو فلان طيِّب، ورجل صالح: هو من أهل الجنة؛ كل هذه الألفاظ لا تجوز، لمخالفتها للنصوص الشرعية، ولعقيدة أهل السنة والجماعة. روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ

стр. 984

يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ؛ فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؛ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ: أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ (١) (٢). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 985

الكلمة السابعة والثلاثون: حكم الأسهم المختلطة الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا» فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ يَاتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَانُكَ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلا يُكَلِّمُكَ؟ قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ! فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ (١)، وَقَالَ: «أَينَ هَذَا السَّائِلُ؟ » - وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ - فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَاتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ (٢)، إِلا آكِلَةَ الْخَضِرِ (٣)، فَإِنَّهَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا (٤)، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ (٥)، وَبَالَتْ،

стр. 986

ثُمَّ رَتَعَتْ؛ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ: لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلِ (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ وَإِنَّهُ مَنْ يَاخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالَّذِي يَاكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). قال الحافظ ابن رجب: فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بِشَرَهٍ وجوع نفس من حيث لاحَتْ له، لا بقليل يقنع ولا بكثير يشبع، ولا يحلل ولا يحرم، بل الحلال عنده: ما حل بيده وقدر عليه، والحرام عنده: ما منع منه وعجز عنه، فهذا هو المتخوض في مال اللَّه ورسوله فيما شاءت نفسه، وليس له إلا النار يوم القيامة؛ وفي هذا تنبيه على أن من تخوَّض من الدنيا في الأموال المحرَّم أكلها: كمال الربا، ومال الأيتام، والمال المغصوب، والسرقة، والغش في البيوع، وغير ذلك، فكل هذه الأموال وما أشبهها: يتوسع بها أهلها في الدنيا، ويتلذذون بها، ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها؛ ثم ينقلب ذلك بعد موتهم، فتصير جمرًا من جمر جهنم في بطونهم، فما تفي لذتها بتبعتها، قال الشاعر: تَفْنَى اللَّذاذَةُ ممَّن نَالَ لَذَّتَهَا ... مِنَ الحَرامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ والعَارُ تَبقَى عَواقِبُ سُوءٍ من مَغَبَّتِها ... لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِن بَعْدِها النارُ فلهذا شبَّه النبي ﷺ من يأخذ الدنيا بغير حقها ويضعها في غير حقها: بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله،

стр. 987

فإما أن يقتلها وإما أن يقارب قتلها، فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها ووضعها في غير وجهها، فقد يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه، ومن مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح حاله، فيستحق النار بعمله (١). اهـ. ومما يلاحظ في هذه الأيام: انكباب كثير من الناس على المساهمات المشبوهة والمحرمة، وهذا مصداق قول النبي ﷺ في الحديث - الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: «لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ: أَمِن حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ؟ ! » (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث كعب بن عياض ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ» (٣)؛ وهذه الشركات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولاً: الشركات ذات الأعمال المباحة، وليس من أنشطتها الاستثمار المحرَّم، بل تعمل بالصناعة والتجارة: سواء تجارة العقار أو الزراعة أو النقل، ولا تتعامل بمحرَّم؛ فلا تقتَرِض ولا تُقرِض بالربا، ولا تُودِع أرباحها في بنوك تُعطي لها فوائد ربوية، ولا تستثمر أرباحها في محرَّم، فهذه الأصل فيها الجواز. ثانيًا: الشركات ذات الأعمال المحرَّمة: كالبنوك الربوية، أو

стр. 988

صناعة الخمور، أو آلات الطرب، أو التجارة بالخنزير، بحيث يكون أصل إنشائِها محرَّمًا، فهذا النوع لا يتنازع مسلم في حرمته؛ جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي: بأنه لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات، غرضها الأساسي محرَّم: كالتعامل بالربا، أو إنتاج محرَّمات، أو متاجرة بها (١). الثالث: الشركات ذات الأعمال المشروعة، وأنشئت من أجل الاستثمار في الأشياء المباحة: كصناعة الحديد والورق والزيت، والنقل وتجارة الأراضي وغيرها، إلا أنها تتعامل بالحرام أحيانًا: كالإيداع في البنوك وأخذ الفائدة منها، أو أن تجعل من ضمن رأس مالها الاقتراض بالربا أو الإقراض، فتضم هذه الأرباح إلى أرباح مساهميها، وهذه الشركات هي التي اشتهرت بين الناس بالأسهم المختلطة، أي اختلط فيها الحلال والحرام، وفيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول بالجواز وفق ضوابط معينة، ومنهم من يقول بالتحريم: وهو قول غالب العلماء. فقد سئلت اللجنة الدائمة عن أسهم الشركات المختلطة، والتي أساس عملها الصناعة أو الخدمات أو التجارة أو غيرها، ولكنها تقع في مخالفات شرعية: كأن تضع فوائض أموالها في البنوك، أو تقترض من البنوك، أو غير ذلك من المخالفات؛ فأجابت اللجنة بالتحريم: لعموم الأدلة من الكتاب والسنة بتحريم الربا، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ

стр. 989

الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وغير ذلك من الأدلة (١). وعلى المسلم أن يتورع وأن يبتعد عن الشبهات؛ روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ: كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث كعب بن عجرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (٣). وروى البخاري في صحيحه أن عبدًا يقال له مدعم، كان مع النبي ﷺ ، واستشهد في غزوة خيبر، أصابه سهم طائش، فقال الصحابة: هنيئًا له الشهادة! فقال النبي ﷺ : «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» (٤).

стр. 990

وهذه الشملة عباءة قيمتها دراهم معدودة، ومع ذلك لم يسلم صاحبها من عقوبة أكل المال الحرام (١). اللَّهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. وسبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 991

الكلمة الثامنة والثلاثون: الرفقة الصالحة الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الإنسان جُبِل على حب مخالطة الآخرين، وأن يتخذ له جليسًا يعينه على مصالحه في دنياه وأُخراه، والناس متفاوتون في دينهم وأخلاقهم؛ فمنهم الخيِّر الفاضل الذي يُنتفع بصحبته وصداقته، ومنهم السيِّاء الذي يتضرَّر بصداقته ومعاشرته. ومصاحبة الصالحين خير وبركة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الأَخِلَاّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِين (٦٧)﴾ [الزخرف]. ومصاحبة جلساء السوء حسرة وندامة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً (٢٩)﴾ [الفرقان]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ: كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً؛ وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا

стр. 992

أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (١). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (٢). قوله: «عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ»: أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته فلينظر أي: يتأمل ويتدبر من يخالل، فمن رضي دينه وخلقه خَالَلَهُ ومن لا تجنَّبَهُ فإن الطباع سراقة (٣). قال الشاعر: عَنِ المرْءِ لَا تْسأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بالمُقَارَنِ يَقْتَدِي والإنسان مجبول على التأثر بصاحبه وجليسه، والأرواح جنود مجندة؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» (٤). وتألفها هو ما خلقها اللَّه عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار،

стр. 993

والأشرار إلى الأشرار (١). ومن ثمرات مجالسة الصالحين: أولاً: الإعانة على الطاعات والبعد عن المعاصي والذنوب، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْر (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ [العصر]. ثانيًا: المسارعة إلى الخيرات والتنافس في الطاعات، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٧١)﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون (٢٦)﴾ [المطففين]. ثالثًا: بركة المجالسة، فإن من جالسهم تشمله بركة مجالستهم، ويعمه الخير الحاصل لهم، وإن لم يكن عمله بالغًا مبلغهم، كما دل على ذلك: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ للَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ»

стр. 994

وفي آخر الحديث: «فَيَقُولُ اللَّهُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (١). يقول عمر: «لولا ثلاث، ما أحببت العيش في هذه الحياة الدنيا: ظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات من الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام، كما ينتقى أطايب التمر». وكم من شخص اهتدى، وأصبح من المحافظين على الصلاة، وترك مجالسة السوء، وتوجَّه إلى الدعوة؟ ! كل ذلك: بفضل اللَّه، ثم الرفقة الصالحة. روى الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَاكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (٢). قال الخطابي: إنما جاء هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة، وذلك أن اللَّه سبحانه قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان] ومعلوم أن أسراءهم كانوا كفاراً غير مؤمنين ولا أتقياء، وإنما حذر ﵇ من صحبة من ليس بتقي، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب (٣). ومن الآثار المترتبة على مجالسة أهل السوء، وهي كثيرة:

стр. 995

أولاً: أنه يصرف صاحبه وجليسه من الطاعة إلى المعصية، ويزيِّن له عمل السوء؛ روى البخاري ومسلم من حديث سعيد ابن المسيب عن أبيه قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»؛ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم (١١٣)﴾ [التوبة]، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين (٥٦)﴾ [القصص] (١). ثانيًا: أن غالب مجالس أهل الفسق لا يذكر اللَّه تعالى فيها، بل يُعصى جلَّ وعلا، فتكون حسرة وندامة على أصحابها يوم القيامة. روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا

стр. 996

كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً (١)؛ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (٢). قال الشافعي: إذا لَمْ أَجِدْ خِلًّا تَقِيًّا فَوِحْدتي ... ألذُّ وأشهى من غَوِيٍّ أُعَاشِرهُ وَأَجْلِسُ وَحْدِي للعِبَادَةِ آمِناً ... أَقَرُّ لِعَيْنِي مِنْ جَلِيسٍ أُحَاذِرُه ثالثًا: أن الجليس السوء يدعو جليسه إلى مماثلته في الوقوع في المحرَّمات، ويخفِّف وقع المعصية في قلبه، ويهوِّن عليه التقصير في الطاعة، قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: «ودَّت الزانية لو زنى النساء كلهن». وجليس السوء ينصرف عن صاحبه عند أدنى خلاف أو فوات مصلحة، بل وتحصل البغضاء بعد ذلك، قال عبداللَّه بن المعتز: إخوان السوء ينصرفون عند النكبة، ويقبلون مع النعمة. لذا أنصح إخواني بإلحاق أبنائهم بحلقات تحفيظ القرآن الكريم، فهي رفقة صالحة، وعندهم برامج مفيدة: يقضي فيها الشاب وقته، وتُبعده عن جلساء السوء. والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 997

الكلمة التاسعة والثلاثون: نعمة العقل الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أفضل نعم اللَّه على عباده: نعمة العقل، فلولا العقل لما عرف الإنسان دين الإسلام، والنبوة، والخير والشر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (٧٠)﴾ [الإسراء]. فاللَّه تعالى فضَّل بني آدم على غيرهم من الجمادات، والحيوانات، والنباتات بهذا العقل. قال تعالى - مادحًا عباده أصحاب العقول السليمة -: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب (١٩٠)﴾ [آل عمران]. قال ابن كثير: أي العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال اللَّه فيهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف] (١).

стр. 998

وقد ذم اللَّه تعالى أصحاب العقول الغافلة عن دينه، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون (٢٢)﴾ [الأنفال]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون (١٧٩)﴾ [الأعراف]. فإذا فَقَدَ الإنسان العقل السليم الذي يقوده إلى الخير ويبعده عن الشر، فقد أصبح كالبهيمة التي تأكل وتشرب ولا تعقل شيئًا، بل إنها خير منه: كما في الآية الكريمة السابقة، روى الحاكم في المستدرك من حديث سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخلَاقِ، وَيَكرَهُ سِفسَافَهَا» (١) أي: دنيئها وخسيسها. قال ابن حبان: وإن محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته سفسافها هو نفس العقل، فالعقل به يكون الحظ، ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة، ولا مال أفضل منه، ولا يتم دين أحد حتى يتم عقله، وهو من أفضل مواهب اللَّه لعباده، وهو دواء القلوب، ومطيَّة المجتهدين، وبذر حراثة الآخرة، وتاج المؤمن في الدنيا، وعدته في وقوع النوائب؛ ومن عُدِمَ العقلَ لم يزده السلطان عزًّا، ولا المال يرفعه قدرًا، ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه (٢). اهـ.

стр. 999

قال الشاعر: وَأَفْضَلُ قَسم اللَّه للمَرْءِ عَقْلُهُ ... فليسَ مِنَ الخَيْراتِ شيءٌ يُقاربُهُ إِذا أَكْمَلَ الرحْمَنُ للمرءِ عَقْلَهُ ... فقدْ كَمُلَتْ أَخْلَاقُهُ ومآربُهُ وقال الشاعر: لَيْسَ الجمالُ بأثوابٍ تُزَينُنَا ... إِنَ الجَمَالَ جَمَالُ العَقْلِ والأَدَبِ قد يقول قائل: ما هو العقل؟ ومن هو العاقل؟ العقل: اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب والعلم باجتناب الخطأ، فإذا كان المرء في أول درجاته يسمى أديبًا ثم أريبًا، ثم لبيبًا ثم عاقلًا (١)؛ قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] أي: تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه، ويقال: إنه لا يتغير غالبًا عما يكون عليه ابن الأربعين (٢). قال ابن حزم: وحد العقل: ينطوي فيه فعل الطاعات والفضائل واجتناب المعاصي والرذائل، وقد نصَّ اللَّه تعالى في كتابه أن من عصاه لا يعقل، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِير (١١)﴾ [الملك]. وحد الحمق: استعمال المعاصي والرذائل، وهو ضد العقل، ولا واسطة بين الحمق والعقل إلا السخف (٣) اهـ.

стр. 1000

قيل لابن المبارك: ما خير ما أُعطي الرجل؟ قال: غريزة عقل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن؛ قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح يستشيره، قيل: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل (١). والناس يحبون الرجل الذي جمع بين الصلاح ورجحان العقل، ونبينا محمد بن عبد اللَّه أرجح الناس عقلاً، ففي الجاهلية لم يسجد لصنم قط، مع كثرتها وتعلق الناس بها: لعلمه أن هذه الأصنام جمادات لا تضر ولا تنفع؛ وكانت قريش تُودِع أموالها عنده، ويستشيرونه في أمورهم: لرجحان عقله وسداد رأيه، وكان يعتزل الناس، ويتعبد في غار حراء يسأل ربه الهداية. وفي صحيح البخاري: أن أبا بكر قال لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب عاقل لا نتَّهِمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللَّه ﷺ ، فتَتَبَّعِ القرآن فاجمعه، قال زيد: فواللَّه لو كَلَّفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن (٢). وحُكي أن جماعة من النصارى تحدثوا فيما بينهم، فقال قائل منهم: ما أقل عقول المسلمين، يزعمون أن نبيهم كان راعياً للغنم، فكيف يصلح راعي الغنم للنبوة؟ ! فقال له آخر من بينهم: أما هم فواللَّه أعقل منا، فإن اللَّه بحكمته يسترعي النبي الحيوان البهيم فإذا أحسن رعايته والقيام عليه نقله منه إلى رعاية الحيوان الناطق، حكمة

стр. 1001

من اللَّه وتدريجاً لعبده، ولكن نحن جئنا إلى مولود خرج من امرأة يأكل ويشرب ويبول ويبكي فقلنا: هذا إلهنا الذي خلق السماوات والأرض فامسك القوم عنه (١). هناك بعض التنبيهات: أولاً: إن محل العقل القلب وهو صريح قول اللَّه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور (٤٦)﴾ [الحج]. قال الشيخ محمد الشنقيطي ﵀: ومن الخطأ قول الفلاسفة: إن محل العقل الدماغ، وقد تبعهم في ذلك قليل من المسلمين، وعامة علماء المسلمين أن محل العقل القلب، فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. فعابهم اللَّه بأنهم لا يفقهون، والفقه - الذي هو الفهم - لا يكون إلا بالعقل، فدلَّ ذلك على أن محل العقل القلب، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵄: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ: أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ» (٢). فإذا آمن القلب، آمنت الجوارح: بفعل المأمورات وترك المنهيات، لأن القلب أمير البدن؛ وذلك يدل دلالة واضحة: على أن القلب ما كان كذلك، إلا لأنه محل العقل الذي به

стр. 1002

الإدراك والفهم (١). ثانيًا: ليس كل من ادَّعى العقل يعتبر عاقلاً، فقد يدَّعيه من هو سفيه أو أحمق، فالعاقل - كما تقدَّم -: من ترفَّع عن السفاهات والمعاصي وخوارم المروءة كلها، وسَما بنفسه إلى الطاعات ومكارم الأخلاق. قال ابن حبان - بعد ما ذكر أقوال العلماء في تعريف المروءة -: والمروءة عندي خصلتان: اجتناب ما يكره اللَّه والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يحب اللَّه والمسلمون من الخصال، واستعمالهما هو العقل نفسه، وقد ورد في الأثر: إن مروءة المرء عقله (٢). ثالثًا: قد يكون الإنسان ذكيًّا، ولكنه ليس بعاقل؛ فالذكاء: هو سرعة البديهة والفهم، والعقل: ما حجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي. رابعًا: العقل نوعان؛ قال الشيخ ابن عثيمين: العقل هو مناط التكليف، وهو إدراك الأشياء وفهمها، وهو الذي تكلَّم عليه الفقهاء في العبادات والمعاملات وغيرها، وعقل الرشد: وهو أن يحسن الإنسان التصرف، وسمَّى إحسان التصرف عقلاً؛ لأن الإنسان عقل تصرفه بما ينفعه (٣). قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (٧٣)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ

стр. 1003

وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُون (٤٤)﴾ [البقرة]. أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم وضلالكم؟ ! خامسًا: قد يُعطَى الإنسان القوة والذكاء والعقل، ولكن لا يوفَّق للَّهداية، وأمثلة هذا كثيرة، فأصحاب المخترعات العظيمة: كالكهرباء، والطائرات، والقنابل النووية، وغيرها كثيرمنهم من غير المسلمين: كاليهود والنصارى والملاحدة، بل ذكر اللَّه عن قوم عاد: أنهم كانوا أصحاب قوة وذكاء، بَنَوْا حضارة من أحسن الحضارات، قال تعالى عنها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَاد (٨)﴾ [الفجر]. لكنهم لما جحدوا بآيات اللَّه، ما نفعتهم عقولهم ولا قوَّتهم، بل صارت وبالاً عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (٢٦)﴾ [الأحقاف]. والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1004

الكلمة الأربعون: تفسير سورة الضحى الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم لتدبُّره والعمل به، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص: ]. ومن سور القرآن العظيم التي تتكرَّر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى وقفة تأمُّل وتدبُّر: سورة الضحى. روى البخاري ومسلم من حديث جندب ﵁ قال: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ أو ثلاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إنِّي لأرجُو أن يكونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لم أرَهُ قربَكَ منذُ ليلتَينِ أو ثلاثةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى]. وجاء في بعض الروايات: أنها أم جميل زوجة أبي لهب. قوله تعالى ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ﴾: هذا قسم منه تعالى بزمن الضحى وما جعل فيه من الضياء والنور، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ أي: سكن فأظلم وادلهم وهذا دليل على قدرة خالق هذا، وهذا كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل]. وقال: ﴿فَالِقُ

стр. 1005

الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم (٩٦)﴾ [الأنعام]. قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي: ما تركك، ﴿وَمَا قَلَى (٣)﴾: أي وما أبغضك، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى (٤)﴾ أي: وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها اطراحًا كما هو معلوم من سيرته، ولما خيِّر ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة وبين لقاء ربه ، اختار ما عند اللَّه على هذه الدنيا الفانية. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي مويهبة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ»، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ! قَالَ: «لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ» ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ (١). قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾، أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته وفيما أعدَّه له من الكرامة، ومن جملته: نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه مسك أذفر.

стр. 1006

روى ابن جرير في تفسيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: عُرِض على رسول اللَّه ﷺ ما هو مفتوح على أمَّته من بعده كنزًا كنزًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾؛ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم (١). قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف (٢)؛ ثم قال تعالى - يعدد نعمته على عبده ورسوله محمد ﷺ : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾: وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد ﵇، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب، وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه، بعد أن بعثه اللَّه على رأس أربعين سنة من عمره هذا، وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدره وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل؛ فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار اللَّه له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى اللَّه سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آوَوه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه، وكل هذا من حفظ اللَّه له، وكلاءته وعنايته به (٣).

стр. 1007

قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (٧)﴾، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى]. قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (٨)﴾، أي: كنت فقيرًا ذا عيال فأغناك اللَّه عمن سواه، فجمع له بين مقامَي الفقير الصابر والغني الشاكر - صلوات اللَّه وسلامه عليه -. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (١)؛ وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثرَةِ الْعَرَضِ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (٢). قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَر (٩)﴾، أي: كما كنت يتيمًا فآواك اللَّه، فلا تقهر اليتيم: أي لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه وتلطف به. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَر (١٠)﴾، أي: كما كنت ضالًّا فهداك اللَّه، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث (١١)﴾، أي: كما كنت عائلًا فقيرًا فأغناك اللَّه فحدث بنعمة اللَّه عليك. روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ

стр. 1008

قال: «لَا يَشكُرُ اللَّهَ، مَن لَا يَشكُرُ النَّاسَ» (١)؛ وروى أبو داود في سننه من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أُبْلِيَ بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ» (٢). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1009

الكلمة الحادية والأربعون: فضل الصحابة الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة: حب أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، قال الطحاوي ﵀: «ونحبُّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ولا نفرط في حب واحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» (١). فأهل السنة والجماعة يحبون أصحاب النبي ﷺ ، ويفضلونهم على جميع الخلق بعد الأنبياء، لأن محبتهم من محبة رسول اللَّه ﷺ ، ومحبة رسول اللَّه ﷺ من محبة اللَّه؛ وهم يثنون على الصحابة، ويترضَّون عنهم، ويستغفرون لهم، وذلك للأمور التالية: أولاً: أنهم خير القرون في جميع الأمم؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللَّه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ

стр. 1010

النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (١). ثانيًا: هم الواسطة بين رسول اللَّه ﷺ وبين أمَّته، فمنهم تَلَقَّتِ الأمَّة عنه الشريعة. ثالثًا: ما كان على أيديهم من الفتوحات الواسعة العظيمة. رابعًا: أنهم نشروا الفضائل بين هذه الأمة: من الصدق والنصح والأخلاق والآداب، التي لا توجد عند غيرهم (٢). قال تعالى مُثنيًا عليهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١٠٠)﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (٣). قالت عائشة ﵂ عندما قيل لها: إن ناسًا ينالون من أصحاب

стр. 1011

رسول اللَّه ﷺ ، حتى أبا بكر وعمر - فقالت: وما تعجبون من هذا؟ ! انقطع عنهم العمل، فأحَبَّ اللَّه أن لا ينقَطِعَ عنهم الأجر. وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة عن ابن عمر أنه قال: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ محمد ﷺ ، فَلَمُقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً، خَيْرٌ مِنْ عبادة أَحَدِكُمْ أَربَعِينَ سَنَةً» (١) (٢). قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إن اللَّه نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته؛ ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه (٣). وقال أيضاً مخاطباً أصحابه: أنتم أكثر صلاة وأكثر صياماً وأكثر جهاداً من أصحاب محمد ﷺ وهم كانوا خيراً منكم، قالوا: فيم ذاك يا أبا عبدالرحمن؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة (٤). وقال الحسن البصري ﵀: إن أصحاب محمد ﷺ كانوا أكياساً

стр. 1012

عملوا صالحاً، وأكلوا طيباً، وقدموا فضلاً لم ينافسوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يجزعوا من ذلها، أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، واللَّه ما تعاظمت في أنفسهم حسنة عملوها، ولا تصاغرت في أنفسهم سيئة أمرهم الشيطان بها (١). قوله: ولا نفرط في حب واحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، وحبهم دين وإيمان وإحسان. يقصد بذلك الرد على الروافض والنواصب: فإن الرافضة يكفِّرون أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ويعتقدون أنهم كفروا إلا ثلاثة منهم، بل يعتقدون أنه لا ولاء إلا ببراء: أي لا يتولَّى أهل البيت حتى يتبرَّأ من أبي بكر وعمر؛ وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، والرافضة يغلون في علي ويرفعونه فوق منزلته، أما النواصب: فإنهم يسبون عليًّا، ويبغضون آل بيت رسول اللَّه ﷺ (٢). قال ابن أبي العز الحنفي: «فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين، وسادات أولياء اللَّه بعد النبيين؟ ! بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى؛ وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا:

стр. 1013

أصحاب عيسى؛ وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ ! لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة» (١). قوله: وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث البراء ﵁: أن النبي ﷺ قال في الأنصار: «لا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ؛ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» (٢). قال أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ عندنا حق، والقرآن حق؛ وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن: أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا: ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة (٣). وقال يحيى بن معين في - تليد بن سليمان المحاربي الكوفي -: «كذاب، كان يشتم عثمان، وكل من شتم عثمان، أو طلحة، أو أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : دجَّال، لا يُكتَب عنه، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (٤). وللَّه دَرُّ القائل:

стр. 1014

لا تَرْكَنَنَّ إلى الروافض إِنهُمْ ... شَتَموا الصَّحَابَةَ دُونَ ما بُرْهَانِ لَعَنُوا كَمَا بَغَضُوا صَحَابَة أحمدِ ... ودادهم فرض على الإنسان حُبُّ الصحابةِ والقرابة سنةٌ ... أَلقَى بِهَا رَبِّي إذا أَحْيَانِي احْذَرْ عِقَاب اللَّهِ وارْجُ ثوابَهُ ... حتَى تكونَ كَمْن لَهُ قَلْبانِ والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1015

الكلمة الثانية والأربعون: خطر الاختلاط الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن البلايا العظيمة التي ابتُلِيت بها الأمَّة في هذه الأيام: الاختلاط بين الرجال والنساء على أشكال وصور متعددة، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بجلب المصالح ودفع المفاسد. ولا شك أن الاختلاط باب شر ومفتاح فتن على الأمَّة، وقد وردت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة بمنعه. قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال ابن كثير: أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية: الصلاة في المسجد بشرطه (١)؛ كما قال رسول اللَّه ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلْيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ (٢)» (٣).

стр. 1016

وفي رواية: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيرٌ لَهُنَّ» (١)؛ وقال مجاهد: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَخْرُجُ تَمشِي بَيْنَ يَدَيِ الرِّجَالِ، فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الْجَاهِلِيَّةِ (٢). روى البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٣)؛ والحمو: هو قريب الزوج، شبَّهه النبي ﷺ بالموت: لخطورته وتساهل الناس فيه. وإذا كان الرجال ممنوعين من الدخول على النساء، وممنوعين من الخلوة بهن بطريق الأَولى، كما ثبت بأحاديث أُخَر، صار سؤالهنَّ متاعًا لا يكون إلا من وراء حجاب، ومن دخل عليهنَّ فقد خرق الحجاب (٤). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: وكان النساء في عهد النبي ﷺ لا يختلطن بالرجال لا في المساجد ولا في الأسواق الاختلاط الذي ينهى عنه المصلحون اليوم، ويرشد القرآن والسنة وعلماء الأمة إلى التحذير منه حذرًا من فتنته، بل كان النساء في مسجده ﷺ يصلين خلف الرجال في صفوف متأخرة عن الرجال، وكان يقول: «خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (٥)، حذرًا من افتتان آخر صفوف الرجال

стр. 1017

بأول صفوف النساء، وكان الرجال في عهده ﵊ يؤمرون بالتريُّث في الانصراف، حتى يمضي النساء ويخرجن من المسجد، لئلا يختلط بهن الرجال في أبواب المسجد، مع ما هم عليه جميعًا رجالاً ونساء من الإيمان والتقوى، فكيف بحال من بعدهم؟ ! وكان النبي ﷺ ينهاهن أن يمشين في وسط الطريق، ويؤمرن بلزوم حافات الطريق: حذرًا من الاحتكاك بالرجال، والفتنة بمماسة بعضهم بعضًا عند السير في الطريق (١) اهـ. بل إن النبي ﷺ كان يخصص للنساء بابًا يخرجن منه (٢)؛ قال ابن القيِّم ﵀ ما خلاصته -: «ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء: في الأسواق والفرج ومجامع الرجال، فالإمام مسؤول عن ذلك، والفتنة به عظيمة. روى البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد ﵄: أن النبي ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (٣)، وفي حديث آخر: «عَلَيكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ» (٤). ويجب عليه أن يمنع النساء من الخروج متزيِّنات متجمِّلات، ومنعهنَّ من الثياب التي يكنَّ بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة الرقاق، ومنعهنَّ من حديث

стр. 1018

الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك. وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيَّما إذا خرجت متجمِّلة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهنَّ على الإثم والمعصية، واللَّه سائل ولي الأمر عن ذلك، وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ النساء من المشي في طريق الرجال، والاختلاط بهن في الطريق، فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك. ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء: سبب لكثرة الفواحش والزنا (١)». وبناء على ما تقدم؛ فإن ما حصل من اختلاط بين الرجال والنساء، سواء كان في اجتماع أو ندوة أو حفل أو تصوير بين الرجال والنساء، أو غير ذلك من صور الاختلاط، ونشره في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية: أمر محرم لا يجوز، بل يجب إنكاره؛ فإنه بوابة شر، ومفتاح فتن وتعرض لعقوبة اللَّه تعالى وسخطه، وإذا نزلت العقوبة عمت الجميع، نسأل اللَّه اللطف والعافية في الدنيا والآخرة. ويجب على العلماء وطلبة العلم والدعاة: أن يبينوا للناس أمور دينهم، ولا يتركوهم حتى لا يلتبس الحق بالباطل، والمعروف بالمنكر. قال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ

стр. 1019

لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُون (١٥٩)﴾ [البقرة]. وكتمان العلم إخفاؤه عندما يجب بيانه: إما جوابًا لسؤال، أو لمقتضى الحال. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١). ولذلك أوصي بالآتي: أولاً: على من ولاه اللَّه أمر المسلمين: أن يمنع الاختلاط بشتى صوره وأشكاله، حماية للأعراض، وقطعًا لدابر الشر، ونصرة للعفة والفضيلة. ثانيًا: على كل من ولاه اللَّه أمر امرأة من الآباء والأزواج: أن يتقوا اللَّه فيما ولوا من أمر النساء، وأن يعملوا الأسباب لحفظهن من التبرج والاختلاط، وليعلموا أن فساد النساء سببه تساهل الرجال. ثالثًا: ننصح هؤلاء الكتاب الصحفيين الذين يمجدون الاختلاط والسفور ويستهزئون بالحجاب الشرعي: أن يتقوا اللَّه ويحذروا من سخطه وعقابه، وألا يكونوا باب سوء على أهليهم وأمتهم، ومن

стр. 1020

استمر في غيه وضلاله فعلى من ولاه اللَّه أمر المسلمين أن يُحِيله إلى المحاكم الشرعية، ليلقى جزاءَه الرادع وفق شرع اللَّه المطهَّر. رابعًا: على كل مسلم الحذر من إشاعة الفاحشة ونشرها، وليعلم أن محبتها - كما بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى - لا تكون بالقول والفعل فقط، بل تكون بذلك وبالتحدث بها، وبالقلب والميل إليها، وبالسكوت عنها، فإن هذه المحبة تمكِّن من انتشارها وتمكِّن من الدفع في وجه من ينكرها من المؤمنين، فليتق اللَّه امرؤ مسلم من محبة إشاعة الفاحشة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (١٩)﴾ [النور]. قال الحافظ ابن رجب: «وقد رُوي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبدالوهاب الورَّاق ينكِر كذا وكذا، فقال: لا نزال بخير ما دام فينا من ينكر؛ ومن هذا الباب: قول عمر - لمن قال له: اتق اللَّه يا امير المؤمنين - فقال: لا خير فيكم إن لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم» (١) (٢). والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →