← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ثالثاً: حفظها نفسها والابتعاد عن كل ما يدخل الشكوك عليه، روى الترمذي في سننه من حديث عمرو بن الأحوص ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: «فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ: فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَاذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ» (١). رابعاً: عدم الخروج إلا بإذنه حتى لو كان ذلك إلى المسجد، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَاذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَاذَنُوا لَهُنَّ» (٢). نقل ابن حجر عن النووي قوله: استُدِل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه إن أخذ من المفهوم فهو مفهوم لقب وهو ضعيف لكن يتقوى بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز فيبقى ما عداه على المنع، وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب لأنه لو كان واجباً لانتفى صفة الاستئذان لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيراً في الإجابة أو الرد (٣) اهـ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند شرحه حديث: «اسْتَوْصُوا

стр. 1052

بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» (١). فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة (٢). كما أن على الزوج مع ما سبق ذكره التنبه لهذه الأمور التالية: ١ - إيفائها مهرها الذي استحل به فرجها، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. ٢ - الإنفاق عليها بطيب قلب وسخاء نفس، قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، وقال النبي ﷺ لسعد ﵁: «وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» (٣). ٣ - ترك مضارتها وعدم إهانتها بقول أو فعل، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ٤ - إكرامها والثناء عليها فيما تقوم به من خدمة وتربية وغيرها، والتجاوز عن هفواتها، قال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (٤).

стр. 1053

قال الشاعر يمدح امرأة: وَلَوْ كَانَ النساءُ كَمِثْلِ هَذِي ... لَفُضِّلَتِ النِّساءُ على الرجالِ فَما التَانِيثُ لاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ ... ولا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ للهِلالِ وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (١). ٥ - إعانتها على دينها وحثها على الخير وتعليمها ما ينفعها، فعلى سبيل المثال لا يدخل عليها شيء من آلات الطرب والأجهزة الإعلامية التي تبث الفساد وتنشر الرذيلة، وتهدم الأخلاق الفاضلة، وأن يتعاهدها بالحجاب، ويأمرها بأداء الصلاة في أوقاتها وسائر العبادات الأخرى ويعلمها الأخلاق الكريمة والآداب الإسلامية وغيرها من الأمور الشرعية، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، قال علي بن أبي طالب ﵁: أدبوهم وعلموهم الخير، والحقوق والواجبات بين الزوجين كثيرة جداً، منها الواجب ومنها المستحب وما بين ذلك إلا أنه مما ينبغي التنبيه عليه في ختام هذه الكلمة أن على الزوجين أن يلتزم كل واحد منهما بالقيام

стр. 1054

بما فرض اللَّه عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر، فلا تطلب الزوجة مثلاً أن تُساوي الرجل في جميع حقوقه، ولا يستغل الرجل ما فضله اللَّه تعالى به عليها من السيادة والرياسة فيظلمها ويضربها بدون حق، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٨]. قال شريح القاضي: رَأَيْتُ رِجالاً يضربونَ نِسَاءُهم ... فَشُلَّتْ يَمِينِي حِينَ أضْرِبُ زَيْنَبَ أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدلُ مِنِّي ضَرْبُ من لَيْسَ مُذْنباً وزينبُ شَمْسٌ والنساءُ كواكبُ ... إذا طَلَعَتْ لم يبقَ مِنْهُنَّ كَوْكبَا والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1055

الكلمة التاسعة والأربعون: أضرار المخدرات والمسكرات الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٩٠)﴾ [المائدة]. في هذه الآية الكريمة يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة ويخبر أنها من عمل الشيطان وأنها رجس والخمر كل ما خامر العقل أي غطاه بسكره. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ميسرة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لما نزل تحريم الخمر قال: اللَّهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] قال: فدُعي عمر فقُرئت عليه فقال: اللَّهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: «أَن لَا يَقرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكرَانُ»، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللَّهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في المائدة، فدُعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ

стр. 1056

﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون (٩١)﴾ [المائدة] قال: فقال عمر: انتهينا، انتهينا (١). ولا شك أن الجميع يعرف أن الخمر وجميع المخدرات والمسكرات حرام ولكني انطلق في الكلام عن هذا الموضوع لحديث وجدته عن النبي ﷺ يقول فيه فيما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ (٢) وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» (٣). فقوله: يستحلون تشير إلى أنه سيأتي أقوام لا يبالون بما حرم اللَّه عليهم بل يتخذونه حلالاً كحل الطيبات. ومما جاء في الوعيد الشديد لمن شرب الخمر ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ - فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟ » قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» (٤). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ

стр. 1057

يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١)، وروى النسائي في سننه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ» (٢). وشارب الخمر ملعون على لسان النبي ﷺ روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ: وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» (٣). والخمر أم الخبائث، ومفتاح كل شر وفساد، ويلحق بالخمر جميع أنواع المخدرات من الحشيش والكوكايين، والأفيون، والهروين، وكذلك الحبوب التي دمرت كثيراً من شباب المسلمين اليوم يدسها الأعداء لإضعاف قوة المسلمين، وإبعادهم عن دينهم، مع أن هذه الحبوب حتى عند المجتمعات الكافرة ممنوعة ومتعاطيها إن استمر عليها فلا بد أن يصيبه الجنون وهذا مشاهد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن الحشيشة حرام يحد متناولها كما يحد شارب الخمر وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد، وقال في موضع آخر: هذه الحشيشة الملعونة هي

стр. 1058

وآكلوها ومستحلوها موجبة لسخط اللَّه وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين، المعرضة صاحبها لعقوبة اللَّه، تشمل على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه تفسد الأمزجة حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين، وتورث مهانة آكلها ودناءة نفسه وغير ذلك، ما لا تورث الخمر ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر فهي بالتحريم أولى، وقد أجمع المسلمون على أن المسكر منها حرام، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتل مرتداً لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وأن القليل منها حرام أيضاً بالنصوص الدالة على تحريم الخمر وتحريم كل مسكر» (١) اهـ. قال الشاعر: قُلْ لِمَنْ يَاكُلُ الحَشِيشَةَ جَهْلاً ... عِشْتَ فِي أَكْلِهَا بِأَقْبَحِ عِيشَةٍ قِيمَةُ المَرْءِ جَوْهَرٌ فَلِمَاذَا ... يَا أَخَا الجهلِ بِعْتَهُ بِحشيشةٍ وقال قيس بن عاصم المنقري: رَأَيْتُ الخَمْرَ صَالِحَةً وفِيهَا ... خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيمَا فَلَا واللَّهِ أَشْرَبُها صَحِيحًا ... وَلَا أَسْقِي بِهَا أَبداً سَقِيمًا ولا أُعْطِي بِهَا ثَمنًا حَيَاتِي ... ولَا أدْعُو لَهَا أبدًا نَدِيمًا فإنَّ الخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيها ... وتَجْنِيهِم بِهَا الأَمْرَ العَظِيمَا أما الأضرار والمآسي والقصص المحزنة التي حدثت بسبب المخدرات والمسكرات فهي معروفة لدى الجميع، بل إن النبي ﷺ

стр. 1059

حرم التداوي بالخمر وما شابهها من المخدرات والمسكرات لأن اللَّه تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا. روى مسلم في صحيحه من حديث طارق بن سويد: سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ؟ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (١). قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلاً وهو يحتضر، فجعل يلقن الشهادتين، فيأبى ويقول: هو كافر بها، قال: فسالت عنه فإذا هو مدمن خمر. وأختم بالتذكير بعظم الأمانة والمسؤولية الملقاة على الآباء والمسؤولين فإن هذه الفتنة قد كثرت وانتشرت حتى في بلاد المسلمين واضطرت الحكومات والدول أن تنشئ لها المصحات والمستشفيات. وقد تبين أن من أعظم أسباب الوقوع فيها إهمال أولياء الأمور من الآباء والأمهات مراقبة الأولاد وضعف التربية وترك المجال لهم لمصاحبة رفقاء السوء، ودعاة الرذيلة، فليُحذر من ذلك وليؤخذ بأسباب النجاة. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1060

الكلمة الخمسون: دروس وعبر من قصة استشهاد الخليفة عمر الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وهو يقول: لئن سلمني اللَّه، لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد اللَّه بن عباس غداة أُصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهن خللاً تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب. حين طعنه فطار العِلْج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرنُساً، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من

стр. 1061

قتلني، فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرت به معروفاً، الحمد للَّه الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقاً فقال: إن شئت فعلتُ، أي: إن شئت قتلنا قال: كذبت بعدما تكلّموا بلسانكم، وصلّوا قبلتكم، وحجّوا حجّكم. فاحتُمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأُتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أُتي بلبن فشربه، فخرج من جُرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببُشرى اللَّه لك، من صُحبة رسول اللَّه ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفاف لا عليّ ولا لي، فلمّا أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنّه أبقى لثوبك، وأتقى لربّك، يا عبد اللَّه بن عمر، انظر ما عليّ من الدين، فحسبوه فوجدوه ستّة وثمانين ألفاً أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عني هذا المال. انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين، فإنّي لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلّم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها

стр. 1062

قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأُوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال الحمد للَّه، ما كان من شيء أهمَّ إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلّم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فادخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين (١). أولاً: رحمته ﵁ بالأمة وشفقته عليها القريب منهم والبعيد وها هو ﵁ يريد أن يرتب أموراً يستغني بها الضعفاء كالنساء اللاتي لا يستطعن إيصال حوائجهن إليه، ويُكفون بها عن الاحتياج إلى غيره. ثانياً: حرص عمر أن يكون قاتله على غير الإسلام، وهذا من رحمته خوفاً أن يقتله مسلم فيهلك، فلما كان قاتله غير مسلم فرح بذلك وحمد اللَّه. روى البخاري في صحيحه أن عمر كان يقول: «اللَّهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» (٢). وجاء في رواية أخرى أن كعب الأحبار قال: يا أمير المؤمنين إني أراك تقتل في التوراة شهيداً في جزيرة العرب فقال له: «يا كعب وأنى لي الشهادة في جزيرة العرب» (٣).

стр. 1063

ثالثاً: فضل عمر وكرامته على اللَّه حيث استجاب اللَّه دعاءه ورزقه الشهادة في المدينة مع أنه لا يخطر على البال أن يكون شهيداً لأنها دار الإسلام وليست بدار حرب. رابعاً: شده ورعه وخوفه من اللَّه فمع ثناء الناس عليه وعلمه بما قدم في الإسلام إلا أنه لم يغتر بذلك وتمنى أن ذلك كفافاً لا له ولا عليه بل إنه قال: لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب اللَّه قبل أن أراه (١). خامساً: حرصه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمع أنه في سكرات الموت إلا أن ذلك لم يثنه عن النصيحة فإنه لما دخل عليه الشاب المسبل إزاره وأثنى عليه قال له: يا ابن أخي ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك. سادساً: زهد عمر وعزوفه عن الدنيا، فمع أنه أمير المؤمنين إلا أنه فارق الحياة وهو مثقل بالدين يوصي بقضائه. سابعاً: تواضع عمر فعندما أرسل ابنه عبد اللَّه إلى عائشة لم يقل: أمير المؤمنين وإنما قال: يقرأ عليك عمر السلام. ثامناً: اهتمامه بالصلاة وإتقانها فمع أنه في سكرات الموت إلا أنه قدم عبد الرحمن بن عوف ليتم الصلاة بالمسلمين. تاسعاً: اهتمامه بتسوية الصفوف في الصلاة، وهذه سنة ينبغي على أئمة المساجد أن يحرصوا عليها.

стр. 1064

عاشراً: حرصه على تطبيق السنة في إطالة القراءة في صلاة الفجر فقد كان ﷺ يقرأ في الفجر بطوال المفصل. الحادي عشر: حرصه على قضاء دينه ووصيته بذلك فإن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» (١). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1065

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة دروس يومية (١٥٠) درسًا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين إعداد د. أمين بن عبد الله الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد «الجزء الخامس»

стр. 1066

الكلمة الواحدة والخمسون: القتل الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد: فإن من أعظم الذنوب عند اللَّه وأشدها جرماً في الدنيا والآخرة بعد الشرك باللَّه القتل. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان]. وقد جعل سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمداً الخلود في النار وغضب الجبار، ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء]. روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ»، أَوْ قَالَ: «وَشَهَادَةُ الزُّورِ» (١). وأخبر النبي ﷺ أن حال المؤمن بخير ما لم يصب دماً حراماً،

стр. 1067

فروى البخاري من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (١). والدماء هي أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة؛ روى البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (٢). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: - وَذَكَرَ مِنهَا -: وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» (٤). والمعاهد من له عهد مع المسلمين سواء أكان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان مسلم. قال ابن القيم: هذه عقوبة قاتل عدو اللَّه إذا كان معاهداً في عهد وأمان فكيف بعقوبة قاتل عبده المؤمن، وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً وعطشاً فرآها النبي ﷺ في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمناً حتى مات بغير جرم؟ ! وفي سنن النسائي من حديث عبد اللَّه

стр. 1068

ابن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (١) (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه قال: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ» (٣). وقد كثرت حوادث القتل في وقتنا المعاصر وللأسف، وقد حذر النبي ﷺ أمته من ذلك غاية التحذير؛ فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (٤). وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (٥). وأخبر النبي ﷺ أن القتل من علامات الساعة؛ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ (٦).

стр. 1069

ولعل من أسباب القتل الذي كثر كما تقدم: المشاجرة والخصام التي تحدث بين الطرفين، وتؤدي في النهاية إلى القتل، والشيطان يؤجج ذلك، قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء]. وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٢). ومنها الرغبة في الحصول على المال بأي طريقة كانت، فكم من حوادث قتل واختطاف واقتحام لبيوت المسلمين كل ذلك من أجل المال. روى الترمذي في سننه من حديث عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ» (٣). ومنها استعمال الخمور والمخدرات فكم من أعراض قد انتهكت، وكم من دماء قد سفكت، وكم من أرحام قد قطعت بسببها،

стр. 1070

وصدق اللَّه إذ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٩٠)﴾ [المائدة]. ومنها قلة الخوف من اللَّه، فإن تقوى اللَّه تبعث على فعل الطاعات وترك المعاصي كبيرة كانت أو صغيرة، فكيف بالقتل؟ ! وهو من أعظم الذنوب عند اللَّه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم (١٥)﴾ [الأنعام]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وذكر منها: «وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» (١). ومنها اعتناق الأفكار الضالة التي تسوغ له الإقدام على قتل أخيه المسلم واستحلال دمه، قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١]. والأسباب كثيرة لمن أراد التتبع والتقصي في ذلك. وليعلم المؤمن أن القتل من أعظم الظلم عند اللَّه، ولن يفلت القاتل من عقوبة اللَّه تعالى إما في الدنيا وإما في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء]. قال ابن كثير: أي إن الولي منصور على القاتل شرعاً، وغالباً قدراً (٢). اهـ.

стр. 1071

روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاصِيَتُهُ وَرَاسُهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ؛ هَذَا قَتَلَنِي حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ» (١). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1072

الكلمة الثانية والخمسون: شرح اسم الله الرزاق الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد: روى الإمامان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء اللَّه الحسنى التي وردت في القرآن الكريم: الرَّزاق، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات]. وقال تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِين (١١٤)﴾ [المائدة]. قال الخطابي: الرزاق هو المتكفل بالرزق والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، فلم يختص بذلك مؤمناً دون كافر، ولا ولياً دون عدوٍ يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له ولا مُكتسب فيه كما يسوق إلى الجلد القوي ذي المرة السوي، قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ

стр. 1073

عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. قال الشيخ السعدي ﵀: ورزقه لعباده نوعان: الأول: رزق عام شمل البر والفاجر والأولين والآخرين وهو رزق الأبدان. ثانياً: رزق خاص: وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته (١). وهذا أعظم رزق يمن اللَّه به على العبد، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق]. قال عبد اللَّه بن مسعود ﵄: «إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ ، يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ، وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَاّ مَنْ يُحِبُّ ... » الحديث (٢). فإذا رزق اللَّه العبد العلم النافع والإيمان الصحيح والرزق الحلال والقناعة بما أعطاه اللَّه منه فقد تمت أموره واستقامت أحواله الدينية والبدنية، وهذا النوع من الرزق هو الذي مدحته النصوص النبوية (٣). اهـ.

стр. 1074

ولذلك روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (١). ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم: أولاً: أن المتفرد بالرزق هو اللَّه وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون (٣)﴾ [فاطر]. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]. أي أمن هذا الذي يطعمكم ويسقيكم ويأتي بأقواتكم إن أمسك ربكم رزقه الذي يرزقكم. وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢). ثانياً: أنه ينبغي للعبد أن يعلق رجاءه باللَّه وحده وأن اللَّه إذا قدر له سبباً من أسباب الرزق أن يحمده على ذلك ويسأله أن يبارك له فيه، فإذا انقطع أو تعذر ذلك السبب فلا يتشوش قلبه فإن هذا السبب لا يتوقف رزق العبد عليه بل يفتح له سبباً غيره وأحسن منه

стр. 1075

وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه، والطمع في بره نصب عينيه وقبله قلبه ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء، قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب (٣٧)﴾ [آل عمران] (١). وعليه أن يفرغ خاطره لِلهَمِّ بما أُمر به ولا يشغله بما ضُمن له فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً (٢). قال ابن القيم ﵀: «وإذا تأمل العاقل اللبيب حال الناس في هذا الزمان تراهم يهتمون بما ضمنه اللَّه لهم ولا يهتمون بما أمرهم به، ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فوات حظهم منها ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها ولا يفرحون بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار» (٣). اهـ. قال الشافعي ﵀: تَوكلْتُ فِي رِزْقِي عَلى اللَّهِ خَالِقي ... وَأَيْقَنْتُ أَنَّ اللَّهَ لا شكَّ رَازِقِي وما يَكُ مِنْ رِزْقِي فَلَيْسَ يَفُوتُنِي ... ولَوْ كَانَ فِي قَاعِ البِحَارِ الغَوَامِقِ فَفِي أيِّ شيءٍ تَذْهَبُ النَّفْسُ حسرةً ... وقَدْ قَسَّم الرَّحْمَنُ رِزْقَ الخلائقِ وقال آخر:

стр. 1076

فَلَو كانتِ الدُّنيا تُنالُ بفطنةٍ ... وفَضْلٍ وعقلٍ نِلْتُ أَعْلَى المراتبِ ولَكِنَّمَا الأرْزَاقُ حظٌّ وقِسْمَةٌ ... بِفَضْلِ مَلِيكٍ لا بِحِيلَةِ طالبِ ثالثاً: أن اللَّه سبحانه متحكم في أرزاق عبادة فيجعل من يشاء غنياً كثير الرزق، ويقتر على آخرين وله في ذلك حكم بالغة، قال تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء]. قال ابن كثير: «أي: خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر، وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجاً والفقر عقوبة عياذاً باللَّه من هذا وهذا» (١). اهـ. وإن من العباد من لا يصلح حاله إلا بالغنى فإن أصابه الفقر فسد حاله ومنهم العكس. رابعاً: كثرة الرزق في الدنيا لا تدل على محبة اللَّه تعالى ولكن الكفار بجهلهم ظنوا ذلك، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِين (٣٥)﴾ [سبأ]. فظن هؤلاء الكفار أن كثرة الأموال والأولاد دليل على محبة اللَّه لهم فرد اللَّه ذلك بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِين (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَاّ يَشْعُرُون (٥٦)﴾ [المؤمنون]. خامساً: أن أسباب الرزق إنما تنال بطاعة اللَّه، فبعض الناس يتعامل بالربا أو بأكل أموال الناس بالباطل، أو الغش أو التحايل

стр. 1077

أو يتعامل بطرق محرمة أو مشبوهة، قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]. روى أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفسًا لَن تَمُوتَ حَتَّى تَستَكمِلَ أَجَلَهَا وَتَستَوعِبَ رِزقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحمِلَنَّكُمُ استِبطَاءُ الرِّزقِ أَن يَطلُبَهُ بِمَعصِيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (١). سادساً: أن من أعظم أسباب الرزق التوكل على اللَّه روى الترمذي في سننه عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (٢). قال ابن رجب: «فقد دل هذا الحديث على أن الناس إنما يُؤتون من قلة تحقيق التوكل ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها، فكذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم فلو حققوا التوكل على اللَّه بقلوبهم لساق اللَّه إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها» (٣) بمجرد الغدو والرواح وهو نوع

стр. 1078

من الطلب ولكنه سعي يسير (١). اهـ. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1079

الكلمة الثالثة والخمسون: ما ينتفع به الميت الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين (١٢)﴾ [يس]. قال سعيد بن جبير: «ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم فإن كانت خيراً فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئاً» (١). روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢). فتبين من الآية الكريمة والحديث الشريف أن الميت ينتفع من عمل غيره بأمور. أولاً: دعاء المسلم له لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٠)﴾ [الحشر].

стр. 1080

روى مسلم في صحيحه من حديث صفوان بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَاسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» (١). وهذا يشمل دعاء المسلم لأخيه الغائب حياً أو ميتاً. ثانياً: قضاء ولي الميت الصوم عنه وفيه أحاديث: منها ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٢). وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فَنَجَّاهَا اللَّهُ فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ فَجَاءَتِ ابْنَتُهَا أَوْ أُخْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا» (٣). فهذه الأحاديث صريحة الدلالة في مشروعية صيام الولي عن الميت صوم النذر وقد اتفق العلماء على ذلك واختلفوا فيما سواه. ثالثاً: قضاء الدين عنه من أي شخص وليًّا كان أو غيره. روى الحاكم في المستدرك من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: مات رجل فغسلناه وكفنّاه وحنطناه، ووضعناه لرسول اللَّه ﷺ حيث

стр. 1081

توضع الجنائز عند مقام جبريل ثم آذنا رسول اللَّه ﷺ بالصلاة عليه فجاء معنا خطى ثم قال: «لَعَلَّ عَلَى صَاحِبِكُم دَينًا» قالوا: نعم ديناران، فتخلف وقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم»، فقال له رجل منا يقال له: أبو قتادة: يا رسول اللَّه هما عليّ، فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: «هُمَا عَلَيكَ وَفِي مَالِكَ وَالمَيتُ مِنهُمَا بَرِيءٌ» فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول اللَّه ﷺ إذا لقي أبو قتادة يقول: «مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ؟ » حتى كان آخر ذلك قال: قد قضيتهما يا رسول اللَّه، فقال: «الآنَ حِينَ بَرَّدتَ عَلَيهِ جِلدَهُ» (١) أي بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاته. فأفاد هذا الحديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه ولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه فهي من جملة المخصصات لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم] (٢). رابعاً: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء، لأن الولد من سعيهما وكسبهما واللَّه يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]. روى أحمد في مسنده من حديث عائشة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» (٣).

стр. 1082

قال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث أحاديث خاصة وردت في انتفاع الميت بعمل ولده الصالح: كالصدقة والصيام والعتق والحج ونحوه (١). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٢). وفي رواية: فَلِي أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٣). خامساً: ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية لقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. ولقوله ﵊ في الحديث السابق: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ... » (٤). ولقوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ» (٥).

стр. 1083

روى مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» (١) (٢). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1084

الكلمة الرابعة والخمسون: قضاء الدَّين الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد: روى الحاكم في المستدرك من حديث جابر ﵁ قال: مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول اللَّه ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل ثم آذنا رسول اللَّه ﷺ بالصلاة عليه فجاء معنا خطى ثم قال: «لَعَلَّ عَلَى صَاحِبِكُم دَينًا» قالوا: نعم ديناران، فتخلف فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول اللَّه هما عليّ، فجعل رسول اللَّه يقول: «هُمَا عَلَيكَ وَفِي مَالِكَ وَالمَيتُ مِنهُمَا بَرِيءٌ» فقال: نعم فصلى عليه فجعل رسول اللَّه ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: «مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ؟ » حتى كان آخر ذلك قال: قد قضيتهما يا رسول اللَّه، قال: «الآنَ حِينَ بَرَّدتَ عَلَيهِ جِلدَهُ» (١). هذا الحديث وغيره من الأحاديث تدل على عظم شأن الدين وأنه لا يتساهل فيه وأنه خطير جداً فمع أن الدين كما في الحديث السابق لا يتجاوز درهمين إلا أن الميت لحقه كرب وشدة في قبره حتى قُضي دينه.

стр. 1085

وكان النبي ﷺ يمتنع عن الصلاة على الميت المدين في بداية الإسلام لعظم شأن الدين، فلما فتح اللَّه عليه الفتوح وكثرت الأموال صلى على من مات مديوناً وقضى عنه دينه. والمؤمن نفسه معلقه بدينه حتى يُقضى عنه. روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (١). قال الشوكاني: فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يُقضى عنه وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه، وأما من لا مال له ومات عازماً على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن اللَّه يقضي عنه (٢). والمؤمن قد يحبس عن الجنة بدينه: روى أبو داود في سننه من حديث سمرة قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: «هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ». فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ: «هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ». فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ: «هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِى فُلَانٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ : «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي فِى الْمَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكُمْ إِلَاّ خَيْرًا إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَاسُورٌ بِدَيْنِهِ». فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَدَّى عَنْهُ حَتَّى مَا بَقِىَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ (٣). وفي رواية: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي

стр. 1086

مَاتَ فِيكُمْ قَدِ احْتَبَسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ» (١). والشهيد تكفر عنه ذنوبه كلها إلا الدين. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمد بن عبد اللَّه بن جحش: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْجَنَّةُ»، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِلَّا الدَّيْنَ سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ آنِفًا» (٣)، لأن دين الآدمي لابد من إيفائه إما في الدنيا وإما في الآخرة، وحقوق العباد لا تسقط إلا بتنازلهم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والدَّين خطير جداً وهو هم بالليل وذل بالنهار فالإنسان مهما أمكنه يجب أن يتحرز من الدين وأن لا يسرف في الإنفاق، لأن كثيراً من الناس تجده فقيراً ثم يريد أن ينفق نفقة الأغنياء فيقترض من هذا ويقترض من هذا، ولو لم يكن لك إلا وجبة واحدة بالليل والنهار فلا تقترض واصبر وقل: اللَّهم أغنني، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] (٤).

стр. 1087

ومن الأمثلة على التساهل بالدَّين أن بعض الناس يقترض عشرات الآلاف من الريالات وليته لأمر ضروري إما للتجارة أو للتعامل بالأسهم، ثم يخسر هذا المسكين، وقد يدخل السجن من أجل هذا وتتراكم هذه الديون الضخمة على رقبته، فيعيش مهموماً حزيناً طول عمره وذمته مشغولة بهذا الدين، وما حوادث الأسهم الماضية عنا ببعيد فقد حصل فيها من المآسي ما يندى له الجبين ويتفطر منه القلب، كل ذلك بسبب ضعف الدين، وقلة المبالاة، لأن الدين لا تكفره حتى الشهادة في سبيل اللَّه. وينبغي للدائن عند إقراضه للآخرين أن يراعي الأمور التالية: ١ - أن يُقرض من طيب ماله لا من رديئه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ٢ - أن يحتسب الأجر بهذا الدين وألا يمن به فإن المن سبب لإحباط أجره، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فإن أجر الدين كالصدقة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ السَّلَفَ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصَّدَقَةِ» (١). ٣ - أن يُنظر المدين ويخفف عنه الدين إذا رأى منه العسر والرغبة في السداد، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].

стр. 1088

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ» (١). ٤ - أن يقيد هذا الدين بالكتابة ويشهد عليه حتى لا يحصل الخلاف، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أما المدين فإن عليه أن يراعي الأمور التالية: ١ - أن ينوي السداد عند أخذه الدين. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اَللَّهُ» (٢). ٢ - أن يسارع في قضاء الدين ويحذر المماطلة وأن يحسن القضاء، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٣). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي رافع: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ (٤) فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا

стр. 1089

إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًّا فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» (١). قال الشاعر، وهو يتوعد دائنه بالمماطلة وعدم السداد: أُمَاطِلُكَ العَصْرَيْنِ حَتْىَ تَمَلَّنِي ... وَتَرْضَى بِنِصْفِ الدَّيْنِ والأَنْفُ رَاغِمُ ٣ - أن يتعوذ باللَّه من الدين، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (٢). وروى الترمذي في سننه من حديث علي ﵁: أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ (٣) دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ ! قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» (٤). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1090

الكلمة الخامسة والخمسون: الإعراض عن الدين الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧]. قال الشنقيطي ﵀ في تفسير الآية: لا أظلم أي لا أحد أكثر ظلماً لنفسه ممن ذكر أي: وعظ بآيات ربه وهي هذا القرآن العظيم فاعرض عنها أي: تولى وصد عنها ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والكفر؛ فالإعراض عن التذكرة بآيات اللَّه من أعظم الظلم، وله نتائج سيئة، وعواقب وخيمة. فمن ذلك الأكنة على القلوب حتى لا تفقهه الحق وعدم الاهتداء أبداً كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف]. ومنها انتقام اللَّه من المعرض عن التذكرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُون (٢٢)﴾ [السجدة]. ومنها كون المُعْرِض كالحمار كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ
следующие страницы →