مَاتَ فِيكُمْ قَدِ احْتَبَسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ» (١).
والشهيد تكفر عنه ذنوبه كلها إلا الدين. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمد بن عبد اللَّه بن جحش: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْجَنَّةُ»، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِلَّا الدَّيْنَ سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ آنِفًا» (٣)، لأن دين الآدمي لابد من إيفائه إما في الدنيا وإما في الآخرة، وحقوق العباد لا تسقط إلا بتنازلهم.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والدَّين خطير جداً وهو هم بالليل وذل بالنهار فالإنسان مهما أمكنه يجب أن يتحرز من الدين وأن لا يسرف في الإنفاق، لأن كثيراً من الناس تجده فقيراً ثم يريد أن ينفق نفقة الأغنياء فيقترض من هذا ويقترض من هذا، ولو لم يكن لك إلا وجبة واحدة بالليل والنهار فلا تقترض واصبر وقل: اللَّهم أغنني، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] (٤).
стр. 1087
ومن الأمثلة على التساهل بالدَّين أن بعض الناس يقترض عشرات الآلاف من الريالات وليته لأمر ضروري إما للتجارة أو للتعامل بالأسهم، ثم يخسر هذا المسكين، وقد يدخل السجن من أجل هذا وتتراكم هذه الديون الضخمة على رقبته، فيعيش مهموماً حزيناً طول عمره وذمته مشغولة بهذا الدين، وما حوادث الأسهم الماضية عنا ببعيد فقد حصل فيها من المآسي ما يندى له الجبين ويتفطر منه القلب، كل ذلك بسبب ضعف الدين، وقلة المبالاة، لأن الدين لا تكفره حتى الشهادة في سبيل اللَّه.
وينبغي للدائن عند إقراضه للآخرين أن يراعي الأمور التالية:
١ - أن يُقرض من طيب ماله لا من رديئه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
٢ - أن يحتسب الأجر بهذا الدين وألا يمن به فإن المن سبب لإحباط أجره، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فإن أجر الدين كالصدقة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ السَّلَفَ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصَّدَقَةِ» (١).
٣ - أن يُنظر المدين ويخفف عنه الدين إذا رأى منه العسر والرغبة في السداد، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
стр. 1088
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ» (١).
٤ - أن يقيد هذا الدين بالكتابة ويشهد عليه حتى لا يحصل الخلاف، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أما المدين فإن عليه أن يراعي الأمور التالية:
١ - أن ينوي السداد عند أخذه الدين.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اَللَّهُ» (٢).
٢ - أن يسارع في قضاء الدين ويحذر المماطلة وأن يحسن القضاء، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٣).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي رافع: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ (٤) فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا
стр. 1089
إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًّا فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» (١).
قال الشاعر، وهو يتوعد دائنه بالمماطلة وعدم السداد:
أُمَاطِلُكَ العَصْرَيْنِ حَتْىَ تَمَلَّنِي ... وَتَرْضَى بِنِصْفِ الدَّيْنِ والأَنْفُ رَاغِمُ
٣ - أن يتعوذ باللَّه من الدين، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (٢).
وروى الترمذي في سننه من حديث علي ﵁: أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ (٣) دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ ! قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» (٤).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1090
الكلمة الخامسة والخمسون: الإعراض عن الدين
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧].
قال الشنقيطي ﵀ في تفسير الآية: لا أظلم أي لا أحد أكثر ظلماً لنفسه ممن ذكر أي: وعظ بآيات ربه وهي هذا القرآن العظيم فاعرض عنها أي: تولى وصد عنها ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والكفر؛ فالإعراض عن التذكرة بآيات اللَّه من أعظم الظلم، وله نتائج سيئة، وعواقب وخيمة.
فمن ذلك الأكنة على القلوب حتى لا تفقهه الحق وعدم الاهتداء أبداً كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف].
ومنها انتقام اللَّه من المعرض عن التذكرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُون (٢٢)﴾ [السجدة].
ومنها كون المُعْرِض كالحمار كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ
стр. 1091
مُعْرِضِين (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَة (٥٠) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَة (٥١)﴾ [المدثر]. أي: كأنهم الحمر الوحشية التي تفر من أسد يريد صيدها.
ومنها الأنذار عن الصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُود (١٣)﴾ [فصلت].
ومنها المعيشة الضنك والعمى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه].
ومنها إدخاله العذاب الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن].
ومنها تقييض القرناء من الشياطين، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين (٣٦)﴾ [الزخرف].
إلى غير من النتائج السيئة والعواقب الوخيمة الناشئة للإعراض عن التذكير بآيات اللَّه (١). اهـ.
وهذا الإعراض الذي ذمه اللَّه هو إعراض الكفار والمنافقين عن سماع القرآن والسنة.
وذكر أهل العلم أن من نواقص الإسلام العشرة التي تخرج العبد من دائرة الإسلام: الإعراض عن دين اللَّه لا يتعلمه ولا يعمل به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُون (٢٢)﴾ [السجدة]. والمراد بالإعراض هو الإعراض عن تعلم
стр. 1092
أصل الدين الذي يكون به المرء مسلماً.
قال ابن القيم ﵀: وأما الكفر فخمسة أنواع فذكرها ثم قال: وأما كفر الإعراض فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول ﷺ لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة (١). اهـ.
وأما الأقسام الأخرى التي سأذكرها فإنها لا تصل إلى درجة الكفر ولكنه يخشى على صاحبها العقوبة والمشابهة للكفار والمنافقين في الإعراض عن سماع الذكر.
القسم الأول: إعراض بعض الناس عن سماع الكلمات أو المحاضرات أو الخطب أو غيرها بزعم أنه لا تقوم عليه الحجة إذا لم يسمع، وهذا وقع في أمر أعظم من الذي فر منه، وهذا جهل مركب فالإعراض أخطر من الاستماع والتساهل في العمل، روى البخاري ومسلم من حديث أبي واقد الحارث بن عوف أن رسول اللَّه ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه: إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَا، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَأَوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (٢).
стр. 1093
القسم الثاني: الإعراض عن الذكر بسبب الاستغناء بما عنده، وفي الحقيقة أن هذا المسكين ليس عنده شيء من العلم وهذا من الغرور، وعلماء السلف ﵏ مع ما تلقوا من العلم الغزير إلا أن الواحد منهم كان إلى آخر لحظة من حياته يتمنى أن يسمع حديثاً يلقى اللَّه تعالى وقد علمه وعمل به.
القسم الثالث: الإعراض لعدم معرفة أهمية ما يُلقى إليه مع أن العلم الشرعي هو غذاء القلوب، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حاجة الناس إلى العلم الشرعي أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب: روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر قال: خَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوِ الْعَقِيقِ (١) فَيَاتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ (٢) فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «فَلَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعَلَمَ، أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِثْلِ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ
الكلمة السادسة والخمسون: شرح حديث أسرعوا بالجنازة
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (١).
فحث النبي ﷺ في هذا الحديث على الإسراع بالجنازة في تجهيزها وتشييعها ودفنها وذلك أن الميت إما أن يكون صالحاً، وإما أن يكون سوى ذلك، فإن كان صالحاً فإن حبسه حيلولة بينه وبين ما أعد اللَّه له من النعيم في قبره لأنه ينتقل من هذه الدنيا إلى دار خير منها وأفضل لأنه حين احتضاره ومنازعته للموت يبشر فيقال لروحه: «أَبشِرِي بِرَوحٍ وَرَيحَانٍ وَرَبٍّ غَيرِ غَضبَانَ»، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِين (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم (٨٩) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِين (٩٠) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين (٩١)﴾ [الواقعة]. وإما إن كانت الجنازة غير صالحة فإنه ينبغي الإسراع بها كذلك لأنها شر يضعه المسلمون عن رقابهم وهي كذلك تبشر عند الاحتضار بغضب اللَّه وسخطه فُيعجل
стр. 1096
بها إلى العذاب، وفي الحديث: «أَيَّتُهَا النَّفسُ الخَبِيثَةُ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ اخرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ» (١)(٢).
ومن فوائد الحديث:
أولاً: الإسراع بالجنازة وألا تؤخر وما يفعله بعض الناس من نقل الجنازة إلى أماكن بعيدة، أو تأخير الدفن لأيام، هذا كله خلاف السنة وجناية على الميت؛ أما إذا كان التأخير يسيراً لاجتماع الناس للصلاة عليه أو غير ذلك من المصالح فلا بأس.
ثانياً: إن الرجل الصالح ينتقل إلى دارٍ أفضل من داره وأهلٍ خيرٍ من أهله: روى البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة بن ربعي الأنصاري أنه كان يحدث: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ ! يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ،
стр. 1097
وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ» (١).
ثالثاً: إن العبد الفاجر ينتقل من شهوات الدنيا ولذاتها إلى العذاب والجحيم فيضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، ويُفتح له بابٌ إلى النار كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة ولذلك يقول: يا ويلها أين يذهبون بها.
رابعاً: إن من رحمة اللَّه بالعباد إخفاء العذاب عن الميت ولو سمعه الإنسان لصعق وما يهنأ بطعام ولا شراب ولا نكاح. ولذلك النبي ﷺ قال فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ» (٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1098
الكلمة السابعة والخمسون: المفهوم الخاطئ للدِّين
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن الدين الإسلامي دين عام وشامل يشمل جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها من أمور الدنيا وأمور الآخرة وهذا المفهوم لا يأخذ به ولا يمتثل له إلا المؤمنون الذين خاطبهم اللَّه تعالى بذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٢٠٨)﴾ [البقرة]. قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه والعمل بجميع أوامره وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك» (١). اهـ. ولهذا فإن أهل الكتابين اليهود والنصارى لما أخذوا بكتابهم ودينهم وشرعهم في بعض الجوانب ولم يأخذوا بذلك في جميع نواحي الحياة لم يكونوا مؤمنين وسماهم اللَّه كفاراً وحكم عليهم بذلك فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
стр. 1099
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (٨٥)﴾ [البقرة].
ولنضرب أمثلة ثلاثة توضح لنا المفهوم الصحيح للدين الإسلامي والأخذ به ومن يستحق أن ينتسب ويؤجر عليه ومن لا يستحق.
المثال الأول: كفار قريش الذين بُعث فيهم النبي ﷺ وأُمر بقتالهم وخاطبهم بقوله: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ ... » (١) كانوا يراهنون على أن ما عندهم من الدين هو الحق ويكفي لقربهم من ربهم فقد كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وأن اللَّه هو الخالق الرزاق قال تعالى ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون (٨٧)﴾ [الزخرف].
وكانوا يستغفرون، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣].
وكانوا يصلون، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: الحُمْس هم الذين أنزل اللَّه فيهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١١٩] قالت: كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحُمس (٢) يفيضون من مزدلفة ويقولون: لا نفيض إلا من الحرم، فلما نزلت ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
стр. 1100
النَّاسُ﴾ [البقرة: ١١٩]، رجعوا (١) إلى عرفات.
وكانوا يقيمون الحج للناس يفعلون كل ذلك للَّه بل إن الورع بلغ بهم أن يطوفوا بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا اللَّه فيها حتى إن تلبيتهم كانت لبيك اللَّهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ثم يزيدون إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.
روى البخاري ومسلم من حديث عروة قال: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمس، (والحمس قريش وما ولدت)، وكانت الحُمس يحتسبون على الناس، يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها، فمن لم يعطه الحُمس طاف بالبيت عرياناً (٢)، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «أن النبي ﷺ أمر أن لا يطوف بالبيت عريان» (٣). حتى دعائهم كانوا يخلصون للَّه أحياناً فيه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]. فهل نفعهم ذلك؟ أو عصم دمائهم وأموالهم، كلا. لأنهم إن أخلصوا للَّه أحياناً، أشركوا به أحياناً، وإن أطاعوا أحياناً عصوه أخرى، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف]. قال عمر ﵁: يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية؛ فإذا كان الإنسان يجهل أمور الجاهلية
стр. 1101
فإنه حري أن يقع فيها لأن الشيطان ما نسيها ولا نام عنها بل يدعو إليها، قال الشاعر:
عَرَفَتُ الشَّرَّ لَا للشرِّ ولَكِنْ لِتَوقِّيهِ
وَمَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ مِنَ الخَيرِ يَقَعُ فِيهِ
وقال آخر:
الضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ
وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشياءُ
المثال الثاني: إبليس لعنه اللَّه فقد كان يقر بثلاث كلها من أصول عقيدة أهل الإسلام: الإقرار بالرب، والإيمان بالبعث، ودعاء اللَّه من غير واسطة وذلك بقوله سبحانه عنه: ﴿قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون (١٤)﴾ [الأعراف]. فهل نفعه ذلك.
الجواب معلوم لأن الإسلام هو الاستسلام للَّه بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. ليس الإسلام هوى متبعاً، أو رأياً ضعيفاً بل هو طريق مستقيم لا اعوجاج فيه فالدين الذي يقبله اللَّه والإيمان الذي ينفع صاحبه، هو الذي لا يخالطه شرك ولا يناقضه كفر وأن يستمر عليه صاحبه حتى يلقى اللَّه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. ولم يقل: كما أردت ثم أمر بالوقوف عند حدوده ورسومه. فقال: ﴿وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (١١٢)﴾ [هود].
المثال الثالث: طائفة من الناس يشهدون أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه يصلون ويصومون ويزكون ويحجون مع المسلمين ويجاهدون معهم، ومع كل هذا فقد حكم اللَّه عليهم بالخلود في نار
стр. 1102
جهنم بل في أسفل السافلين، فمن هؤلاء الذين هم أشد عذاباً من الكفار؟ ! بل الكفار المخلدون في النار أحسن حالاً منهم.
إنهم المنافقون الذين أظهروا صورة الإسلام والإيمان وأبطنوا حقيقة الكفر، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون (١)﴾ [المنافقون]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَأَىؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء].
فمما تقدم يتبين لنا الأمور التالية:
أولاً: إن الدين الحق الذي لا يقبل اللَّه تعالى من العباد غيره هو دين الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
ثانياً: إن الشرك لا تنفع معه طاعة ولا يقبل اللَّه من صاحبه صرفاً ولا عدلاً ولا فرضاً ولا نفلاً بل هو محبط لجميع الأعمال الصالحة كبيرها وصغيرها هذا حكم اللَّه في كتابه وعلى لسان رسوله، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ
стр. 1103
عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥)﴾ [الزمر].
ثالثاً: إن صورة الإيمان الظاهرة لا تكفي لنجاة العبد من عذاب ربه بل لا بد من صلاح القلوب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلَاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء]. روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١).
رابعاً: إن الإسلام هو الاستسلام للَّه بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.
خامساً: إن الملة الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ هي ملة نبينا وملتنا وقدوته وقدوتنا وهي مبنية على أصلين: إخلاص العبادة للَّه تعالى، والبراءة من الشرك وأهله.
سادساً: إن موالاة المؤمنين ونصرتهم، وبغض الكافرين ومعاداتهم، أصل من أصول الملة الحنيفية.
سابعاً: إن من أخذ بعض هذا الدين وترك بعضه كان كاليهود والنصارى الذين قال اللَّه فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
стр. 1104
ومن هذا يتبين أن من يأخذون الدين بالتشهي فيأخذون منه ما يوافق أهواءهم ويدعون ما يخالفها ليسوا مؤمنين وهم كالمنافقين الذين تقدم ذكرهم، ولهم في هذا العصر أسماء متنوعة كالعلمانيين والاشتراكيين والبعثيين والقوميين وغيرهم.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1105
الكلمة الثامنة والخمسون: فوائد من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٣٦]
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]. وعملاً بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آية من كتاب اللَّه ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب]. قال ابن كثير: «هذه الآية عامة في جميع الأمور وذلك أنه إذا حكم اللَّه ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ها هنا ولا رأي ولا قول كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]».
ولهذا شدد في خلاف ذلك فقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب]، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سَاعِدَيْهِ، وَحُفِرَ لَهُ، مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ. وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ.
قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا. وَحَدَّثَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثَابِتًا، قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا». قَالَ: فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا (١).
ومن فوائد الآية الكريمة:
أولاً: أنه يجب على المؤمن الانقياد التام لأمر اللَّه ورسوله والمبادرة إلى ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٥١) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون (٥٢)﴾ [النور].
ثانياً: أن الصحابة ﵃ ضربوا المثل في الاستجابة السريعة والامتثال لأمر اللَّه ورسوله، روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: «ما كانت لنا خمر غير فضيخكم (٢) هذا الذي تسمّونه الفضيخ، إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالاً من أصحاب
стр. 1108
رسول اللَّه ﷺ في بيتنا إذا جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا. قال: فإن الخمر قد حرمت. فقال: يا أنس، أرق هذه القلال قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل» (١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيم (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢]. جاء في تفسير الآية الكريمة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أنها قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول اللَّه ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا قال: «مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا»، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير (٢).
ثالثاً: أن معصية اللَّه ورسوله سبب لضلال العبد في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب].
رابعاً: أن المؤمن والمؤمنة إذا جاءهما الأمر من اللَّه ورسوله فليس لهما الخيار بالفعل أو تركه بل عليهما أن يعلما أن الرسول أولى بهما من أنفسهما، قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
стр. 1109
خامساً: في الآية الكريمة دليل بل نص على أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب وإنما تعتبر في الأديان وذلك أن الموالي من الصحابة تزوجوا من أشراف قريش، فقد تزوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وتزوج بلال بن رباح أخت عبدالرحمن بن عوف.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1110
الكلمة التاسعة والخمسون: اليقين
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن منازل الإيمان كثيرة، منها منزلة عظيمة هي من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد بها تفاضل العارفون، وتنافس المتنافسون، وإليها شمر العاملون بل قال بعض أهل العلم عن هذه المنزلة: إنها الإيمان كله إنها منزلة اليقين. قال الكفوي: اليقين هو أن تعلم الشيء ولا تتخيل خلافه (١).
قال تعالى: ﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِين (٧)﴾ [التكاثر]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِين (٩٥)﴾ [الواقعة]. روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْعُوفٍ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الإِسْلَامِ فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْنَاهُ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ
стр. 1111
النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ وَيُقَالُ لَهُ: عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْعُوفًا فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُهُ فَيُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى» (١).
واليقين على ثلاث درجات:
الأول: علم اليقين وهو قبول ما ظهر من الحق، وقبول ما غاب للحق، والوقوف على ما قام بالحق، فالذي ظهر من الحق هو أوامره ونواهيه وشرعه ودينه الذي أظهره على السنة رسله، وقبول ما غاب للحق وهو الإيمان بالغيب كالجنة والنار والصراط والحساب وما قبل ذلك مثل تشقق السماء وانتشار الكواكب وما قبل ذلك من أمور البرزخ، أما الوقوف على ما قام بالحق أي من أسمائه وصفاته وأفعاله وهو علم التوحيد.
الثاني: عين اليقين وهو ما استغنى به صاحبه عن طلب الدليل لأن الدليل إنما يطلب للعلم بالمدلول فإذا كان المدلول
стр. 1112
مشاهداً له فلا حاجة حينئذ للاستدلال، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِين (٧)﴾ [التكاثر].
الثالث: حق اليقين وهي منزلة الرسل عليهم الصلاة والسلام فقد رأى نبينا محمد ﷺ بعينيه الجنة والنار وكلم اللَّه موسى بلا واسطة أما بالنسبة لنا فإن حق اليقين يتأخر إلى وقت اللقاء.
ومما يوضح ذلك أن يخبرك شخص أن عنده عسلاً وأنت لا تشك في صدقه فهذا علم اليقين، فإذا أراك إياه فازددت يقيناً فهذا عين اليقين، فإذا ذقت منه فهذا حق اليقين، فعلمنا الآن بالجنة والنار علم اليقين، فإذا أُزلفت الجنة للمتقين وشاهدها الخلائق وبرزت الجحيم للغاوين وعاينها الخلائق فذلك عين اليقين، فإذا أُدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حينئذ حق اليقين (١)، قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين (٤٤)﴾ [الأعراف]. قال ابن القيم ﵀: إذا تزوج الصبر باليقين ولد بينهما حصول الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون (٢٤)﴾ [السجدة]. وقد خص أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين فقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين (٢٠)﴾ [الذاريات]. وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين
стр. 1113
فقال: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون (٤) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٥)﴾ [البقرة: ٤ - ٥].
وأخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أصحاب اليقين فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَاّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِين (٣٢)﴾ [الجاثية]. فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره (١).
وتأمل حال ذلك الصحابي الذي أخذ تمراته، وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقةٍ إليها، فلما عاين سوق الشهادة قامت، ألقى قوته من يده، وقال: «إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات»، وألقاها من يده وقاتل حتى قتل، وكذلك أحوال الصحابة ﵃ (٢).
وأخبر النبي ﷺ أن اليقين سبب لدخول الجنة روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣).
واليقين سبب لنجاة الأمة وصلاحها في الدنيا والآخرة، روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «صَلَحَ أَمْرُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ،
стр. 1114
وَهَلَكَ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث شداد بن أوس: عن النبي ﷺ : «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (٢).
قال الفيروزآبادي: ثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس في العشرة، ترك المدح لهم في العطية، التنزه عن ذمهم عند المنع (٣).
قال سفيان الثوري: «لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحاً وحزناً وشوقاً إلى الجنة أو خوفاً من النار» (٤).
ومن المعاني التي يُطلق عليها اليقين:
الموت: قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِين (٩٩)﴾ [الحجر]. وقال تعالى عن أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين (٤٥) وَكُنَّا
стр. 1115
نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين (٤٧)﴾ [المدثر].
ومنها أنه يُطلق ويراد به الظن وأن الظن قد يعبر عنه باليقين.
وقد ذكر المحققون ضوابط لتحديد المراد بالظن:
أحدها: أنه حيث وجد الظن محموداً مثاباً عليه فهو يقين وحيث وُجد مذموماً متوعداً عليه بالعذاب فهو الشك (وهذا من جهة المعنى).
الثاني: أن كل ظن يتصل به أن (المخفَّفة من الثقيلة) فهو شك وكل ظن يتصل به أنَّ المشدَّدة فهو يقين (١).
قال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله (٢).
وقال عامر بن عبد القيس: لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً (٣).
والخلاصة: أن اليقين منزلة عظيمة من منازل الإيمان يزيد المسلم به من ربه قرباً وحباً ورضى، وهو لب الدين ومقصوده الأعظم، ويزيد العبد خضوعاً واستكانة لمولاه ويكسب صاحبه العزة والرفعة، ويباعده عن مواطن الذلة والضعة.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1116
الكلمة الستون: التحذير من الكسل
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن الصفات المذمومة التي ذمها اللَّه ورسوله صفة الكسل، قال الراغب: الكسل التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه ولذلك صار مذموماً (١). اهـ، كالتثاقل عن الصلاة أو الجهاد أو الصيام أو غيرها من الطاعات.
والكسل من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَاتُونَ الصَّلَاةَ إِلَاّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَاّ وَهُمْ كَارِهُون (٥٤)﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَأَىؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلا (١٤٢)﴾ [النساء]. وقال تعالى محذراً عباده المؤمنين من الكسل والركون إلى الدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيل (٣٨)﴾ [التوبة]. وكان النبي ﷺ يتعوذ باللَّه من الكسل، روى
стр. 1117
مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ومِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (١).
قال ابن القيم ﵀: المقصود أن النبي ﷺ استعاذ من الهم والحزن وهما قرينان، ومن العجز والكسل وهما قرينان، فإن تخلف كمال العبد وصلاحه عنه، إما أن يكون لعدم قدرته عليه فهو عجز، أو يكون قادراً عليه لكن لا يريد فهو كسل، وينشأ عن هاتين الصفتين فوات كل خير وحصول كل شر، ومن ذلك الشر تعطيله عن النفع ببدنه وهو الجبن وعن النفع بماله وهو البخل، ثم ينشأ له بذلك غلبتان غلبة بحق، وهي غلبة الدين، وغلبة بباطل وهي غلبة الرجال، وكل هذه المفاسد ثمرة العجز والكسل (٢) اهـ.
وقال في موضع آخر: أصل المعاصي كلها العجز، فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات، وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها فيقع في المعاصي. فجمع هذا الحديث الشريف في استعاذته ﷺ أصول الشر وفروعه ومباديه وغاياته وموارده ومصادره (٣).
قال الشاعر:
وَاحَسْرَتَاه تَقَضَّى العُمُرُ وَانْصَرَمَتْ ... سَاعَاتُهُ بَيْنَ ذُلِّ العَجْزِ والكسلِ
стр. 1118
والقومُ قَدْ أَخَذُوا دَرْبَ النَّجَاةِ وقَدْ ... سَارُوا إِلَى المطلَبِ الأَعْلَى عَلَى مَهْلِ
وقد حث النبي ﷺ أمته على العمل والمسارعة إلى الخيرات والبعد عن العجز والتكاسل، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١).
قال النووي ﵀: والمراد بالقوة عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداماً على العدو في الجهاد وأسرع خروجاً إليه وذهاباً في طلبه وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات اللَّه تعالى وأرغب في الصلاة والصوم، والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلباً لها ومحافظة عليها ونحو ذلك. وقوله: «احرص على ما ينفعك واستعن باللَّه ولا تعجز» معناه: احرص على طاعة اللَّه تعالى والرغبة فيما عنده واطلب الإعانة من اللَّه تعالى ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن طلب الإعانة (٢) اهـ.
قال الراغب الأصفهاني: وتأمل حال مريم ﵍ وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤونة الطلب، وفيه أعظم معجزة فإنه لم يخلها من أن يأمرها بهزها، فقال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ
стр. 1119
النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم] (١).
قال يزيد بن المهلب: ما يسرني أن كُفيت أمر الدنيا كله لئلا أتعود العجز (٢).
والكسل على قسمين:
الأول: كسل العقل بعدم أعماله في التفكر والتدبر والنظر إلى آلاء اللَّه ونعمه العظيمة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين (١١)﴾ [الأنعام]. ومن كسل العقل عدم أعماله بما يصلحه من شؤون الدنيا كالزراعة والتجارة والصناعة وغيرها من الحرف وما تأخرت الأمم إلا بكسل أصحاب العقول فيها وقلة اكتراثهم بالقوة الإبداعية المفكرة التي أودعها اللَّه فيهم.
الثاني: كسل البدن: بما يشتمل عليه من الجوارح وينتج عن هذا الكسل تقصير بعض الأفراد في العبادات كأداء الصلوات في بيوت اللَّه والدعوة إلى اللَّه وطلب العلم الشرعي وغير ذلك من الطاعات (٣). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللَّه قال: ذكر عند النبي ﷺ : رجل نام ليلة حتى أصبح قال: «ذَاكَ
стр. 1120
رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ فِي أُذُنَيهِ»، أو قال: «فِي أُذُنِهِ» (١).
وكذلك تأخر الأمم في مجال التقدم العلمي في الصناعة والتجارة وغيرها من الحرف التي تستغني بها عن الأمم الأخرى.
من أسباب طرد الكسل:
أولاً: الاستعانة باللَّه فإنه المعين جلا وعلا كما ورد بذلك الحديث السابق: «استَعِن بِاللَّهِ وَلَا تَعجَز».
ثانياً: الاستعاذة منه كما كان النبي ﷺ يتعوذ باللَّه منه.
ثالثاً: الوضوء والذكر والصلاة فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَاسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (٢).
رابعاً: أن يتذكر العبد أن اللَّه تعالى حث على الجد والمسارعة إلى الخيرات، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران].
وقال تعالى عن نبيه موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه]. وقال سبحانه لنبيه يحيى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:
стр. 1121
١٢]، أي: التوراة بجد واجتهاد.
خامساً: أن يعلم العبد أن الكسل صفة ذميمة من صفات المنافقين ذمها اللَّه ورسوله.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1122
الكلمة الواحدة والستون: معجزاته ﵊
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
فإن اللَّه أجرى على يد أنبيائه ورسله من المعجزات والدلائل القاطعات ما يدل على صدق دعواهم أنهم رسل اللَّه ولكي تقوم الحجة فلا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥].
والمعجزة على قسمين:
الأول: ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل للَّه دل على صدق نبيه كتحدي اليهود أن يتمنوا الموت، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (٦)﴾ [الجمعة].
الثاني: ضرب خارج عن قدرتهم لا يقدرون على الإتيان بمثله كانشقاق القمر مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا اللَّه تعالى، فيكون ذلك على يد النبي ﷺ من فعل اللَّه تعالى وتحدي من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيزاً له.
ومعجزات الرسول ﷺ التي ظهرت على يديه تشمل النوعين:
стр. 1123
فهو ﷺ أكثر الرسل معجزات وأبهرهم آية، فله من المعجزات ما لا يعد ولا يحصى وقد أُلفت في معجزاته المؤلفات الكثيرة.
وقد أعطى اللَّه كل نبي من الأنبياء ﵈ معجزة خاصة لم يعطها بعينها لنبي غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه، فلما كان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة بعثه اللَّه بمعجزة بهرت الأبصار، وحيرت كل ساحر، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِين (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِين (١٠٨)﴾ [الأعراف]. وقال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه]. فلما استيقن السحرة أن هذا من عند اللَّه انقادوا وأسلموا.
وأما عيسى ﵇ فقد بعثه اللَّه في زمن الأطباء فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيداً من الذي شرع الشريعة، قال تعالى: ﴿وَأُبْرِاءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
وكذلك نبينا محمد ﷺ بعث في زمن الفصحاء والبلغاء فأتاهم بكتاب من عند اللَّه فاتهمه أكثرهم أنه اختلقه وافتراه من عنده فتحداهم ودعاهم أن يعارضوا ويأتوا بمثله وليستعينوا بمن شاءوا من ذلك فعجزوا، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].
стр. 1124
ثم تحداهم على أن يأتوا بعشر سور ثم بسورة واحدة ثم أخبر أنهم لا يستطيعون ذلك لا في الحال ولا في المآل، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين (٢٣) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (٢٤)﴾ [البقرة].
ومن معجزاته العظيمة: الإسراء والمعراج فقد أُسريَ به إلى المسجد الأقصى على دابة يقال لها: البراق وهو أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل وصلى ركعتين في المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماء والتقى بالأنبياء آدم وموسى وعيسى وهارون وغيرهم، حتى وصل إلى سدرة المنتهى وسمع صريف الأقلام وكلمه ربه وفرضت عليه الصلوات الخمس ثم هبط إلى المسجد الأقصى وهبط الأنبياء معه (١). قال ابن كثير: «والذي يظهر أنه صلى بهم صلاة الصبح وهنا ظهر شرفه وفضله على جميع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ثم أخبر قريش بالخبر فكذبوه وقالوا: إن كنت صادقاً فصف لنا بيت المقدس وكانوا يذهبون إليه ويعرفونه» (٢)، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي
стр. 1125
أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَاتُهُمْ بِهِ» (١).
ومن معجزاته ﵊: انشقاق القمر، روى البخاري ومسلم من حديث أنس: أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما (٢).
قال الخطابي: فكان هذا الانشقاق آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجاً من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار البرهان به أظهر (٣) اهـ.
وقد ذكر اللَّه هذه المعجزة على أن انشقاق القمر وقع في زمن النبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات وأن الأحاديث قد وردت بذلك متواترة.
ومن معجزاته كذلك: تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه ولحمه ودمه.
قال القرطبي: قضية نبع الماء من بين أصابعه تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة تفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يُسمع بمثل هذه المعجزة من غير نبينا ﷺ حيث نبع الماء ما بين عظمه