١٢]، أي: التوراة بجد واجتهاد.
خامساً: أن يعلم العبد أن الكسل صفة ذميمة من صفات المنافقين ذمها اللَّه ورسوله.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1122
الكلمة الواحدة والستون: معجزاته ﵊
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
فإن اللَّه أجرى على يد أنبيائه ورسله من المعجزات والدلائل القاطعات ما يدل على صدق دعواهم أنهم رسل اللَّه ولكي تقوم الحجة فلا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥].
والمعجزة على قسمين:
الأول: ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل للَّه دل على صدق نبيه كتحدي اليهود أن يتمنوا الموت، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (٦)﴾ [الجمعة].
الثاني: ضرب خارج عن قدرتهم لا يقدرون على الإتيان بمثله كانشقاق القمر مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا اللَّه تعالى، فيكون ذلك على يد النبي ﷺ من فعل اللَّه تعالى وتحدي من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيزاً له.
ومعجزات الرسول ﷺ التي ظهرت على يديه تشمل النوعين:
стр. 1123
فهو ﷺ أكثر الرسل معجزات وأبهرهم آية، فله من المعجزات ما لا يعد ولا يحصى وقد أُلفت في معجزاته المؤلفات الكثيرة.
وقد أعطى اللَّه كل نبي من الأنبياء ﵈ معجزة خاصة لم يعطها بعينها لنبي غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه، فلما كان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة بعثه اللَّه بمعجزة بهرت الأبصار، وحيرت كل ساحر، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِين (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِين (١٠٨)﴾ [الأعراف]. وقال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه]. فلما استيقن السحرة أن هذا من عند اللَّه انقادوا وأسلموا.
وأما عيسى ﵇ فقد بعثه اللَّه في زمن الأطباء فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيداً من الذي شرع الشريعة، قال تعالى: ﴿وَأُبْرِاءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
وكذلك نبينا محمد ﷺ بعث في زمن الفصحاء والبلغاء فأتاهم بكتاب من عند اللَّه فاتهمه أكثرهم أنه اختلقه وافتراه من عنده فتحداهم ودعاهم أن يعارضوا ويأتوا بمثله وليستعينوا بمن شاءوا من ذلك فعجزوا، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].
стр. 1124
ثم تحداهم على أن يأتوا بعشر سور ثم بسورة واحدة ثم أخبر أنهم لا يستطيعون ذلك لا في الحال ولا في المآل، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين (٢٣) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (٢٤)﴾ [البقرة].
ومن معجزاته العظيمة: الإسراء والمعراج فقد أُسريَ به إلى المسجد الأقصى على دابة يقال لها: البراق وهو أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل وصلى ركعتين في المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماء والتقى بالأنبياء آدم وموسى وعيسى وهارون وغيرهم، حتى وصل إلى سدرة المنتهى وسمع صريف الأقلام وكلمه ربه وفرضت عليه الصلوات الخمس ثم هبط إلى المسجد الأقصى وهبط الأنبياء معه (١). قال ابن كثير: «والذي يظهر أنه صلى بهم صلاة الصبح وهنا ظهر شرفه وفضله على جميع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ثم أخبر قريش بالخبر فكذبوه وقالوا: إن كنت صادقاً فصف لنا بيت المقدس وكانوا يذهبون إليه ويعرفونه» (٢)، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي
стр. 1125
أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَاتُهُمْ بِهِ» (١).
ومن معجزاته ﵊: انشقاق القمر، روى البخاري ومسلم من حديث أنس: أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما (٢).
قال الخطابي: فكان هذا الانشقاق آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجاً من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار البرهان به أظهر (٣) اهـ.
وقد ذكر اللَّه هذه المعجزة على أن انشقاق القمر وقع في زمن النبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات وأن الأحاديث قد وردت بذلك متواترة.
ومن معجزاته كذلك: تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه ولحمه ودمه.
قال القرطبي: قضية نبع الماء من بين أصابعه تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة تفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يُسمع بمثل هذه المعجزة من غير نبينا ﷺ حيث نبع الماء ما بين عظمه
стр. 1126
وعصبه ولحمه ودمه (١). ومن هذه المواطن ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة (٢). فتوضأ فجهش (٣) الناس نحوه فقال: «مَا لَكُم؟ » قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (٤).
ومن معجزاته ﷺ في أنواع الجمادات: حنين الجذع شوقاً إلى رسول اللَّه ﷺ وشفقاً من فراقه، وقد ورد ذلك كما قال الحافظ ابن كثير؛ من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة الشأن وفرسان هذا الميدان (٥).
فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث جابر أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول اللَّه ألا نجعل لك منبراً؟ قال «إِن شِئتُم» فجعلوا له منبراً، فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي ﷺ فضمها إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: «كَانَت تَبكِي عَلَى مَا كَانَت تَسمَعُ
стр. 1127
مِنَ الذِّكرِ عِندَهَا» (١).
وفي رواية أخرى عن جابر قال: كان المسجد مسقوفاً على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبر وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار (٢)، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فَسَكَنَتْ (٣). وفي رواية من حديث ابن عباس: «وَلَو لَم أَحتَضِنهُ لَحَنَّ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» (٤).
قال الشافعي: ما أعطى اللَّه نبياً ما أُعطي محمداً ﷺ فقيل له: أُعطي عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطي محمد حنين الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك (٥) اهـ. وذلك لأن هذا إحياء ما ليس من نوعه الحياة مع ما فيه من الاشتياق والبكاء عليه، بخلاف ما أُعطي لعيسى، قال ابن حجر: في الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق اللَّه لها إدراكاً كالحيوان بل كأشرف الحيوان (٦)، وكان الحسن البصري إذا حدث بهذا الحديث يقول: «يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول اللَّه ﷺ شوقاً إلى لقائه، وأنتم أحق أن تشتاقوا إليه» (٧).
стр. 1128
ومن معجزاته: انقياد الشجر بين يديه في مرات عدة:
فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ قَدْ خُضِبَ بِالدِّمَاءِ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: «وَمَا لَكَ؟ » قَالَ: فَقَالَ لَهُ: «فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ وَفَعَلُوا»، قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: «أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي، فَقَالَ: ادْعُ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَسْبِي» (١)(٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1129
الكلمة الثانية والستون: فضل الأعمال الصالحة في رمضان
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
فإن من فضل اللَّه ورحمته بعباده: أن يسر لهم مواسم خير يستكثرون فيها من الطاعات والقربات، تضاعف فيها الأجور، وتكفر فيها السيئات، وتقال فيها العثرات ويعتق اللَّه فيها من شاء من عباده من النيران، ومن هذه المواسم شهر رمضان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٤)﴾ [البقرة]. وينبغي للمؤمن أن يستقبل أيامه ولياليه بالأعمال الصالحة فما هي إلا ليال معدودة ثم تنقضي، قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
ومن هذه الأعمال الصالحة قراءة القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال بعض أهل العلم: إن اللَّه عقب بالفاء السببية التي تفيد التعليل ليبين أن سبب اختيار رمضان ليكون شهر الصوم هو إنزال
стр. 1130
القرآن فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر (١)﴾ [القدر]. ومن المعلوم أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول اللَّه ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (١).
وكان الإمام مالك إذا أقبل رمضان توقف عن التأليف والدروس وقال: إنما هو إطعام طعام، وقراءة قرآن. كان بعض السلف يختم القرآن في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، فعلى أقل تقدير أن يختم الصائم القرآن ولو مرة واحدة في رمضان.
ومنها: الصدقة وهي باب عظيم من أبواب الخير، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٤)﴾ [البقرة].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي ذر ﵁ قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَأَىنِي قَالَ: «هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، قال: فجئت فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الأَكْثَرُونَ أَموَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله «وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (٢).
стр. 1131
قال ابن القيم ﵀: وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه ﷺ وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه، وتارة بلباسه، وكان ﷺ يأمر بالصدقة ويحث عليها ويدعو إليها بحاله وقوله، ولذلك كان ﷺ أشرح الخلق صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيراً عجيباً في شرح الصدر (١). روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ» (٢).
وللصدقة في رمضان فضيلة ومزية على غيره ويدخل في ذلك إطعام الطعام، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان]. روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (٣).
ومنها إفطار الصائم، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ
стр. 1132
أَجْرِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» (١).
ومنها قيام الليل، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٧)﴾ [السجدة].
روى الترمذي في سننه من حديث أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلْإِثْمِ» (٢).
وروى الطبراني في المعجم الأوسط من حديث سهل بن سعد قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعلَم أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «وصلاة الليل في رمضان لها فضيلة ومزية على غيرها، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَن قَامَ رَمَضَان إِيمَاناً وَاحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ» (٤). وقيام رمضان شامل للصلاة من أول الليل وآخره وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان فينبغي الحرص عليها والاعتناء
стр. 1133
بها واحتساب الأجر والثواب من اللَّه عليها، وما هي إلا ليال معدودة ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها، وعلى المسلم أن يحرص على القيام مع الإمام حتى ينصرف» (١).
روى الترمذي في سننه من حديث أبي ذر الغفاري أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1134
الكلمة الثالثة والستون: شرح اسم الله الكافي
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسعُونَ اسمًا، مِئَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، لَا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ وَهُوَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ» (١). وفي رواية: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢).
ومن أسماء اللَّه الحسنى التي وردت في كتابه: الكافي ومعناه الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه رزقاً ومعاشاً وقوتاً، الكافي كفاية خاصة من آمن به وتوكل عليه واستمد منه حوائج دينه ودنياه» (٣).
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد (٣٦)﴾ [الزمر].
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٣٧)﴾ [البقرة]. وقال
стр. 1135
تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين (٩٥)﴾ [الحجر].
قال ابن القيم ﵀:
وَهُوَ الحَسِيبُ كِفَايةً وحمايةً ... والحَسْبُ كَافِي العَبْدِ كُلَّ أَوَانِ (١)
والتوكل على اللَّه سبب كفاية اللَّه لعبده، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. أي كافية كل أموره الدينية والدنيوية، والتوكل هو اعتماد القلب على اللَّه في حصول المطلوب ودفع المكروه مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها شرعاً (٢)، قال بعض السلف: جعل اللَّه تعالى لكل عمل جزاء من جنسه وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه (٣)، فلو توكل العبد على ربه حق التوكل بأن اعتمد بقلبه على ربه اعتماداً قوياً كاملاً في تحصيل مصالحه ودفع مضاره وقويت نفسه وحسن باطنه بربه حصلت له الكفاية، وأتم اللَّه له أحواله وسدده في أقواله وأفعاله وكفاه همه وجلا غمه (٤)، فهناك لا تسأل عن كل أمر تيسر وصعب يتسهل وخطوب تهون وكروب تزول وأحوال وحوائج تقضى وبركات تنزل ونقم تدفع وشرور ترفع (٥).
стр. 1136
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
أولاً: إذا علم العبد أن اللَّه هو الكافي عباده رزقاً ومعاشاً وحفظاً وكلاءة ونصراً وعزاً اكتفى بمعونته عمن سواه وإذا كان كذلك وجب ألا يكون الرجاء إلا فيه والرغبة إلا إليه: روى النسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «وَمَنِ استَكفَى كَفَاهُ اللَّهُ » (١) «فمن وقع في شدة وضيق فليطلب من اللَّه الكفاية فإن اللَّه يكفيه، وفي صحيح مسلم في قصة الغلام المؤمن لما أبى أن يرجع عن دينه دفعه الملك إلى نفر من أصحابه أي (جماعة من الناس) وقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا جبل معروف عندهم شاهق رفيع وقال لهم: إذا بلغوا ذروته فاطرحوه يعني على الأرض، ليقع من رأس الجبل فيموت، بعد أن تعرضوا عليه أن يرجع عن دينه فإن رجع وإلا فاطرحوه.
فلما بلغوا قمة الجبل فطلبوا منه أن يرجع عن دينه أبى، لأن الإيمان قد وقر في قلبه ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح، فلما هموا أن يطرحوه قال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت - دعوة مضطر مؤمن - أي: بالذي تشاء ولم يعين، فرجف اللَّه بهم الجبل فسقطوا وهلكوا، وجاء الغلام إلى الملك فقال: ما الذي جاء بك أين أصحابك؟ فقال: قد كفانيهم اللَّه، ثم دفعه إلى جماعة آخرين وأمرهم أن يركبوا البحر في قُرقُور (سفينة). فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا
стр. 1137
عليه أن يرجع عن دينه فإن لم يفعل رموه في البحر، فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه - وهو الإيمان باللَّه - فقال: لا! فقال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت: فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه اللَّه» (١)(٢).
ثانياً: من كان عليه دين فليتضرع إلى اللَّه تعالى ليكفيه هم الدين روى الترمذي في سننه من حديث علي ﵁: أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ قَالَ: قُلْ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» (٣).
ثالثاً: أنه يشرع للعبد أن يسأل اللَّه الكافي أن يكفيه شر الأعداء قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٣٧)﴾ [البقرة]. فيقول: يا كافي اكفني شر فلان الذي ظلمه أو أذاه. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ كان إذا خاف من رجل أو من قوم قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ» (٤). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في
стр. 1138
النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران] (١).
رابعاً: إن اللَّه تعالى كفى المؤمنين شر أعدائهم في مواطن كثيرة فعلى سبيل المثال في غزوة بدر مع قلة عددهم ونقص عدتهم وضعفهم نصرهم اللَّه وكفاهم الأعداء، قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِين (١٢٤)﴾ [آل عمران].
وكذلك في غزوة الخندق أو الأحزاب كفاهم اللَّه شر الأحزاب التي تجمعت عليهم، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب].
الخلاصة: أن الكافي اسم من أسماء اللَّه تعالى وهو بمعنى الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه رزقاً ومعاشاً وقوتاً الكافي كفاية خاصة من آمن به وتوكل عليه واستمد منه حوائج دينه ودنياه.
ويشرع للمسلم أن يسأل ربه بهذا الاسم أن يكفيه شر من ظلمه وأذاه (٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1139
الكلمة الرابعة والستون: خطورة المجاهرة بالمعصية
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد.
فإن الذنوب والمعاصي عاقبتها وخيمة في الدنيا والآخرة قال تعالى مبيناً أضرارها على العباد: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٤٠)﴾ [العنكبوت].
وأعظم هذه الذنوب المجاهرة بها ومعناها أن يرتكب الشخص الإثم علانية أو يرتكبه سراً فيستره اللَّه ولكنه يخبر به بعد ذلك مستهيناً بستر اللَّه له، قال تعالى: ﴿لَاّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَاّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [النساء]. جاء في تفسيرها: لا يحب اللَّه أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به (١).
روى البخاري ومسلم من حديث سالم بن عبد اللَّه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ
стр. 1140
مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ: عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» (١).
قال ابن حجر: والمجاهر هو الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر اللَّه عليه فيحدث بها، أما المجاهرون في الحديث الشريف فيحتمل أن يكون بمعنى من جهر بالمعصية وأظهرها ويحتمل أن يكون المراد الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي وبقية الحديث تؤكد المعنى الأول (٢).
ومما سبق يتضح أن المجاهرة على أنواع ثلاثة.
١ - المجاهرة بمعنى إظهار المعصية وذلك كما يفعل المُجَّان والمستهترون بحدود اللَّه، والذي يفعل المعصية جهاراً يرتكب محذورين.
الأول: إظهار المعصية.
الثاني: تلبسه بفعل المُجَّان أي: (أهل المُجُون) وهو مذموم شرعاً وعرفاً.
٢ - المجاهرة بمعنى إظهار ما ستر اللَّه على العبد من فعله المعصية كأن يحدث بها تفاخراً أو استهتاراً بستر اللَّه تعالى وهؤلاء هم الذين لا يتمتعون بمعافاة اللَّه كحال الشباب الذين يسافرون
стр. 1141
إلى خارج البلاد، ويرتكب الواحد منهم الفواحش وشرب الخمور ثم يخبر بهذا أصدقاء السوء تفاخراً واستهتاراً بستر اللَّه له.
٣ - المجاهرة بمعنى أن يجاهر بعض الفساق بعضاً بالتحدث بالمعاصي (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن المظهر للمنكر يجب الانكار عليه علانية ولا تبقى له غيبة ويجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتاً إذا كان فيه ردع لأمثاله فيتركون تشييع جنازته (٢).
وقال النووي ﵀: «إن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به» (٣)، وقال ابن حجر: من قصد إظهار المعصية والمجاهرة أغضب ربه فلم يستره ومن قصد التستر بها حياء من ربه ومن الناس من اللَّه عليه بستره إياه (٤) اهـ. قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق اللَّه ورسوله وبصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد لهم وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف (٥).
وأخبر النبي ﷺ أن المجاهرة بالمعاصي لها عقوبات في الدنيا قبل الآخرة. روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر قال: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا
стр. 1142
بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَاسَهُمْ بَيْنَهُمْ» (١) الحديث.
روى الترمذي في سننه من حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: «فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسفٌ وَمَسخٌ وَقَذفٌ» فقال رجل من المسلمين: يا رسول اللَّه! متى ذاك؟ قال: «إِذَا ظَهَرَتِ القَينَاتُ، وَالمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الخُمُورُ» (٢).
ومن الأمثلة على الجهر بالمعاصي في وقتنا المعاصر، انتشار الصحون الفضائية أو ما يسمى بالدش على السطوح في بيوت كثير من الناس.
ومنها انتشار البنوك الربويية في كثير من بلاد المسلمين بل والإعلان عبر الصحف ووسائل الإعلام الأخرى أن القروض منها أو المساهمة فيها ميسر وسهل.
стр. 1143
ومنها تبرج النساء بشكل سافر في الأسواق والأماكن العامة.
ومنها بيع الحرمات كالمجلات الهابطة، والدخان، وأشرطة الفيديو، والأقراص التي تحتوي على أفلام هابطة، ومحلات بيع أشرطة الغناء.
ومنها انتشار النوادي التي تعرض فيها السينما والألعاب الرياضية المختلطة، والمسرحيات، ومحلات عرض الإنترنت.
ومنها خروج المغنيات والممثلات سافرات على شاشات القنوات الفضائية ليُهَيِّجنَ الغرائز ويَفتِنَّ الناس.
لذا ينبغي الإنكار على هؤلاء المجاهرين وإخبارهم بعظيم جرمهم، وأنهم يعرضون أنفسهم لعقوبة اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]. فإذا كان مجرد الحب صاحبه مهدد بالعذاب فكيف بمن يجهر وينشر ويساعد على هذه الفواحش والمنكرات؟ ! ولذلك ينبغي على المسلم إذا ابتلِيَ بالمعصية أن يستتر بستر اللَّه وأن يبادر بالتوبة النصوح.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1144
الكلمة الخامسة والستون: استقبال العام الجديد
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد.
ففي هذه الأيام نودع عاماً مضى من أعمارنا، ونستقبل عاماً جديداً. فليت شعري ماذا أودعنا في العام الماضي، وبماذا نستقبل عامنا الجديد؟ ! قال الحافظ ابن كثير:
تَمُرُّ بِنَا الأيامُ تَترَى وإِنَّما ... نُسَاقُ إلى الآجالِ والعَيْنُ تنظرُ
فَلا عائدٌ ذَاك الشبابُ الذي مَضَى ... ولا زَائِلٌ هَذا الشَّيبُ المُكَدِّرُ
وعلى المؤمن أن يحاسب نفسه ويتداركها فإن كان مستقيماً على طاعة اللَّه فليحمد اللَّه وليسأل ربه الثبات. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي
стр. 1145
عَلَى دِينِكَ» (١).
ومن كان منا مقصراً في طاعة اللَّه فليتدارك نفسه قبل فوات الأوان وليبادر إلى التوبة والإقلاع عن المعاصي والذنوب، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٣١)﴾ [النور].
قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيؤوا للعرض الأكبر على اللَّه».
وعمر الإنسان الذي لا يتجاوز عشرات معدودة من السنين سيسأل المرء عن كل جزئية من جزئياته، بل إن هذا من أصول الأسئلة التي توجه له يوم القيامة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ » (٢).
فيسأل عن عمره على وجه العموم وعن شبابه على وجه الخصوص، لأن الشباب هو محور القوة والنشاط وعليه الاعتماد في العمل أكثر من غيره من مراحل العمر.
وهذا الزمن من أفضل نعم اللَّه على عباده، روى البخاري في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَتَانِ
стр. 1146
مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (١).
والغبن أن يشتري الإنسان السلعة بأضعاف الثمن فمن صح بدنه وتفرغ من الأشغال العالقة به ولم يسع لإصلاح آخرته يقال عنه: إنه رجل مغبون.
وفي الحديث إشارة إلى أن الزمن نعمة كبرى لا يستفيد منها إلا الموفقون الأفذاذ وأن المستفيد قليل والكثير مفرط ومغبون.
روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ» ذكر منها: «فَرَاغَكَ قَبْلَ شُغلِكَ، شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ» (٢).
قال محمد الطليطلي:
خُذْ مِنْ شَبَابِكَ قَبْلَ المَوتِ والهَرَمِ
وبادِرِ التوبَ قَبْلَ الفوتِ والندمِ
واعْلَمْ بأَنَّكَ مَجْزِيٌّ ومُرتَهَنٌ
ورَاقِبِ اللَّهَ واحْذَر زَلَّةَ القدمِ
قال ابن القيم ﵀: «إن الواردات سريعة الزوال تمر أسرع من السحاب وينقضي الوقت بما فيه فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك فإنه عائد عليك لا محالة، ولهذا يقال للسعداء: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة (٢٤)﴾ [الحاقة]، ويقال للأشقياء: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي
стр. 1147
الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُون (٧٥)﴾ [غافر]» (١).
وقال الشافعي ﵀: «صحبت الصوفية، فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون: الوقت سيف، فإن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل» (٢).
ومن تأمل أحوال السلف ومن سار على نهجهم وجدهم أحرص الناس على كسب الوقت وملئه بالخير، قال عبد اللَّه بن مسعود: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي.
وقال الحسن البصري ﵀: يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك فقد ذهب بعضك، وقال: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم على دراهمكم ودنانيركم.
وقد ذكر اللَّه موقفين للمرء يندم فيهما على إضاعة الوقت.
الأول: عند ساعة الاحتضار حين يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة يتمنى لو منح مهلة من الزمن وأُخر إلى أجل قريب، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَاءِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون (١٠٠)﴾ [المؤمنون: ١٠٠ - ٩٩].
стр. 1148
الثاني: في الآخرة حيث تُوَفَّى كل نفس ما عملت ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُون (١٢)﴾ [السجدة]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُون (٥٥) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٥ - ٥٦]. قال ابن كثير ﵀: أي يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين للَّه (١). وفي الصحيحين في قصة الكبش الذي يذبح بين الجنة والنار ويقال: يَا أَهلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوتَ، وَيَا أَهلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوتَ، ثم قرأ النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُون (٣٩)﴾ [مريم]، وأشار بيده إلى الدنيا (٢).
فعلى العاقل أن يغتنم أيام حياته فما يدريه لعله لم يبق له منها إلا يسير.
قال القاضي ابن أبي عصرون:
أُؤملُ أَنْ أَحْيَا وفِي كلِّ ساعةٍ
تَمرُّ بِيَ المَوْتَى تَهُزُّ نُعُوشُها
ومَا أَنَا إلا مِنْهُم غَيْرَ أَنْ لِيَ
بَقايَا ليالٍ فِي الزمانِ أعيشُها
قال ابن القيم ﵀: «ما مضى من الدنيا أحلام وما بقي منها
стр. 1149
أماني والوقت ضائع بينهما» (١)، روى البخاري في صحيحه من حديث علي ﵁ أنه قال: «ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل» (٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1150
الكلمة السادسة والستون: الإيمان بالبعث بعد الموت
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالبعث بعد الموت، قال الطحاوي ﵀: الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة فأخبر اللَّه سبحانه عنه في كتابه العزيز وأقام الدليل عليه، ورد على منكرية في غالب سور القرآن.
قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧)﴾ [التغابن]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَاّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُور (٧)﴾ [الحج]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُل كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾ [الإسراء] (١).
ففي الآية الكريمة الأخيرة يقول تعالى مخبراً عن الكفار المستبعدين المعاد القائلين على وجه الإنكار: إذا كنا عظاماً
стр. 1151
ورفاتاً أي تراباً إنا لمبعوثون خلقاً جديداً، ثم أمر اللَّه رسوله أن يُجيبهم فيقول: ﴿قُل كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ إذ هما أشد امتناعاً من العظام والرفات ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني السماء والأرض والجبال ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر شديداً؟ ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان]. ثم صرتم بشراً تنتشرون فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (١).
روى الترمذي في سننه من حديث علي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُون (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَاّقُ
стр. 1152
الْعَلِيم (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون (٨٣)﴾ [يس].
قال بعضهم: لو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيحاز ووضع الأدلة وصحة البرهان ما قدر (١).
قال الطحاوي ﵀: والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: إن الأجسام تتقلب من حال إلى حال فتسحيل تراباً ثم ينشئها اللَّه نشأة أخرى كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة ثم صار علقة ثم صار مضغة ثم صار عظاماً ولحماً ثم أنشأه خلقاً سويًّا كذلك الإعادة يُعيده اللَّه بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب وهو عظم لطيف في أصل الصلب وهو رأس العصعص (٢).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَاكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» (٣).
قد يقول قائل: ربما يُؤكل الإنسان من قبل السباع أو الحيتان في البحر أو يحترق تماماً فلا يبقى من جسده شيء فما الجواب عن ذلك؟ فيقال: إن الأمر هين على اللَّه يقول: كن فيكون
стр. 1153
وقدرة اللَّه فوق ما نتصوره واللَّه على كل شيء قدير، روى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَمَّا يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا، وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي، وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَامْتُحِشَتْ فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا، ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا فَاذْرُوهُ فِي الْيَمِّ فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» (١).
قال عبد اللَّه الأندلسي:
والبعثُ بعدَ الموتِ وَعْدٌ صادقٌ ... بإعادةِ الأرواحِ فِي الأبدانِ
وقال أبو تمام:
فَيَا لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ مَوْتِي وَمَبْعَثِي ... أَكوُن رُفاتاً لا عَلَيَّ وَلَا لِيَا
فإذا آمن المؤمن وصدق بالبعث بعد الموت وهو ركن من أركان الإيمان الستة وأن اللَّه على كل شيء قدير، كما قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير (٢٨)﴾ [لقمان]. حاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة واستعد للقاء اللَّه، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون (٩٣)﴾ [الحجر]. وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُون (٢٤)﴾ [الصافات].
روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزه الأسلمي أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ
стр. 1154
فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ » (١). قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا وزنوها قبل أن تُوزنوا وتهيؤوا للعرض الأكبر على اللَّه».
قال الشاعر:
وَلَوْ أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا ... لَكَاَن الموتُ راحةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا ... ونُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيءٍ
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1155
الكلمة السابعة والستون: تفسير سورة المسد
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا وتحتاج منا إلى تأمل وتدبر سورة المسد، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَب (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد (٥)﴾ [المسد].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهْ» فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ » قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب (١)﴾ [المسد] (١).
وفي رواية أن أبا لهب قال: «تبًّا لك سائر اليوم» (٢).
قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب (١)﴾ الأول: دعاء
стр. 1156
عليه، والثانية: خبر عنه وأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو عتبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه وكان كثير الأذية لرسول اللَّه ﷺ والبغض له والازدراء به والتنقص له ولدينه.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ربيعة بن عباد الديلي وكان جاهلياً أسلم: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَصَرَ عَيْنِي بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا، وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ عَلَيْهِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا، وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْوَلَ وَضِيءَ الْوَجْهِ ذَا غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَّةَ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُكَذِّبُهُ؟ قَالُوا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (١).
قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب (١)﴾، التباب هو الخسار كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَاّ فِي تَبَاب (٣٧)﴾ [غافر]. أي: خسار وبدأ بيديه قبل ذاته لأن اليدين هما آلتا العمل والحركة والأخذ والعطاء وما أشبه ذلك.
قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَب (٢)﴾ أي: ماله وما كسب لن يغني عنه شيئاً من عذاب اللَّه والآية تشمل الأولاد وتشمل المال المكتسب الذي ليس في يده الآن وتشمل ما كسبه من شرف وجاه،
стр. 1157
وكل ما كسبه مما يزيده شرفاً وعزاً فإنه لا يغني عنه شيئاً كما قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (٢٩)﴾ [الحاقة]. وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار (١٠)﴾ [آل عمران].
قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب (٣)﴾ أي: ذات شرر ولهب وإحراق شديد والمعنى أن اللَّه توعده بأنه سيصلى ناراً ذات لهب عن قريب لأن متاع الدنيا والبقاء فيها مهما طال فإن الآخرة قريبة حتى الناس في البرزخ وإن مرت عليهم السنون الطوال فكأنها ساعة، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وشيء مقدر بساعة من نهار فإنه قريب.
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب (٤)﴾ يعني كذلك امرأته معه وهي أم جميل أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان من أشراف قريش لكن لم يغن عنها شرفها لكونها شاركت زوجها في العداء والإثم والبقاء على الكفر، وحمالة الحطب ذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك وتضعه في طريق النبي ﷺ من أجل أذى الرسول ﷺ ، وقال بعض المفسرين: كما كانت عوناً على زوجها في كفره فإنها تحمل الحطب فتلقيه على زوجها في نار جهنم فتكون عوناً عليه في العذاب (١).
قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد (٥)﴾ الجيد هو العنق
стр. 1158
والحبل معروف، والمسد هو الليف يعني أنها متقلدة حبلاً من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطب الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي ﷺ (١). قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت: لأنُفقنها في عداوة محمد فأعقبها اللَّه بها حبلاً في جيدها من مسد النار (٢).
روى البزار في مسنده من حديث ابن عباس قال: لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب ورسول اللَّه ﷺ جالس ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء فقال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّهُ سَيُحَالُ بَينِي وَبَينَهَا» فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية، ما نطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق؟ ! فلما ولت قال أبوبكر ﵁: ما رأتك؟ قال ﷺ : «لَا مَا زَالَ مَلَكٌ يَستُرُنِي حَتَّى وَلَّت» (٣).
قال العلماء: في هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد (٥)﴾. فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان ولم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا
стр. 1159
ظاهراً ولا باطناً لا سراً ولا علناً فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة (١). أما أبو لهب فقد مات شر ميتة وانتقم اللَّه لنبيه منه.
قال ابن إسحاق: بعد غزوة بدر بعدة ليال أُصيب بمرض العدسة (٢). فمات وخاف أولاده أن يقتربوا منه ليدفنوه فيصابوا بالمرض فتركوه ثلاثاً حتى أنتن فقال رجل من قريش: ويحكم ألا تستحيان ادفنوا أباكم فقالوا: نخشى من هذه القرحة فقال: أنا أُعينكم فأخرجوه إلى الصحراء فو اللَّه ما غسلوه إلا قذفاً بالماء من بعيد ما يدنون منه ثم احتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم رموه بالحجارة (٣)، وإلى جهنم وبئس المصير (٤).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1160
الكلمة الثامنة والستون: سيرة أبي عبيدة بن الجراح
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة وبطل من أبطالها صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر هذا الصحابي شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ فشهد بدراً وأُحداً والخندق وغيرها من معارك المسلمين الفاصلة، وكان من السابقين إلى الإسلام، فقد هاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة، وقد أبلى في معركة أحد بلاء عظيماً، فقد نزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجه رسول اللَّه ﷺ بأسنانه حتى انتزعت ثنيتاه، وهو أمين هذه الأمة، وهو أحد الرجلين اللذين عينهما أبو بكر للخلافة يوم السقيفة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقد بشره النبي ﷺ بالجنة وهو على قيد الحياة.
إنه فارس الإسلام أبو عبيدة عامر بن عبد اللَّه بن الجراح القرشي الفهري المكي وصفه أهل السير بأنه كان رجلاً طويلاً نحيفاً معروق الوجه، خفيف اللحية، أثرم الثنيتين، وقد اشتهر بحسن خلقه وتواضعه وحلمه.