عليه، والثانية: خبر عنه وأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو عتبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه وكان كثير الأذية لرسول اللَّه ﷺ والبغض له والازدراء به والتنقص له ولدينه.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ربيعة بن عباد الديلي وكان جاهلياً أسلم: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَصَرَ عَيْنِي بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا، وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ عَلَيْهِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا، وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْوَلَ وَضِيءَ الْوَجْهِ ذَا غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَّةَ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُكَذِّبُهُ؟ قَالُوا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (١).
قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب (١)﴾، التباب هو الخسار كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَاّ فِي تَبَاب (٣٧)﴾ [غافر]. أي: خسار وبدأ بيديه قبل ذاته لأن اليدين هما آلتا العمل والحركة والأخذ والعطاء وما أشبه ذلك.
قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَب (٢)﴾ أي: ماله وما كسب لن يغني عنه شيئاً من عذاب اللَّه والآية تشمل الأولاد وتشمل المال المكتسب الذي ليس في يده الآن وتشمل ما كسبه من شرف وجاه،
стр. 1157
وكل ما كسبه مما يزيده شرفاً وعزاً فإنه لا يغني عنه شيئاً كما قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (٢٩)﴾ [الحاقة]. وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار (١٠)﴾ [آل عمران].
قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب (٣)﴾ أي: ذات شرر ولهب وإحراق شديد والمعنى أن اللَّه توعده بأنه سيصلى ناراً ذات لهب عن قريب لأن متاع الدنيا والبقاء فيها مهما طال فإن الآخرة قريبة حتى الناس في البرزخ وإن مرت عليهم السنون الطوال فكأنها ساعة، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وشيء مقدر بساعة من نهار فإنه قريب.
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب (٤)﴾ يعني كذلك امرأته معه وهي أم جميل أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان من أشراف قريش لكن لم يغن عنها شرفها لكونها شاركت زوجها في العداء والإثم والبقاء على الكفر، وحمالة الحطب ذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك وتضعه في طريق النبي ﷺ من أجل أذى الرسول ﷺ ، وقال بعض المفسرين: كما كانت عوناً على زوجها في كفره فإنها تحمل الحطب فتلقيه على زوجها في نار جهنم فتكون عوناً عليه في العذاب (١).
قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد (٥)﴾ الجيد هو العنق
стр. 1158
والحبل معروف، والمسد هو الليف يعني أنها متقلدة حبلاً من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطب الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي ﷺ (١). قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت: لأنُفقنها في عداوة محمد فأعقبها اللَّه بها حبلاً في جيدها من مسد النار (٢).
روى البزار في مسنده من حديث ابن عباس قال: لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب ورسول اللَّه ﷺ جالس ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء فقال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّهُ سَيُحَالُ بَينِي وَبَينَهَا» فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية، ما نطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق؟ ! فلما ولت قال أبوبكر ﵁: ما رأتك؟ قال ﷺ : «لَا مَا زَالَ مَلَكٌ يَستُرُنِي حَتَّى وَلَّت» (٣).
قال العلماء: في هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد (٥)﴾. فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان ولم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا
стр. 1159
ظاهراً ولا باطناً لا سراً ولا علناً فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة (١). أما أبو لهب فقد مات شر ميتة وانتقم اللَّه لنبيه منه.
قال ابن إسحاق: بعد غزوة بدر بعدة ليال أُصيب بمرض العدسة (٢). فمات وخاف أولاده أن يقتربوا منه ليدفنوه فيصابوا بالمرض فتركوه ثلاثاً حتى أنتن فقال رجل من قريش: ويحكم ألا تستحيان ادفنوا أباكم فقالوا: نخشى من هذه القرحة فقال: أنا أُعينكم فأخرجوه إلى الصحراء فو اللَّه ما غسلوه إلا قذفاً بالماء من بعيد ما يدنون منه ثم احتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم رموه بالحجارة (٣)، وإلى جهنم وبئس المصير (٤).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1160
الكلمة الثامنة والستون: سيرة أبي عبيدة بن الجراح
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة وبطل من أبطالها صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر هذا الصحابي شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ فشهد بدراً وأُحداً والخندق وغيرها من معارك المسلمين الفاصلة، وكان من السابقين إلى الإسلام، فقد هاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة، وقد أبلى في معركة أحد بلاء عظيماً، فقد نزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجه رسول اللَّه ﷺ بأسنانه حتى انتزعت ثنيتاه، وهو أمين هذه الأمة، وهو أحد الرجلين اللذين عينهما أبو بكر للخلافة يوم السقيفة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقد بشره النبي ﷺ بالجنة وهو على قيد الحياة.
إنه فارس الإسلام أبو عبيدة عامر بن عبد اللَّه بن الجراح القرشي الفهري المكي وصفه أهل السير بأنه كان رجلاً طويلاً نحيفاً معروق الوجه، خفيف اللحية، أثرم الثنيتين، وقد اشتهر بحسن خلقه وتواضعه وحلمه.
стр. 1161
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على فضله ومكانته منها، ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» (١).
وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أن أهل اليمن قدموا على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام قال فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (٢).
وكان أول مشهد شهده أبو عبيدة بن الجراح مع رسول اللَّه ﷺ معركة بدر وقاتل في هذه المعركة قتالاً شديداً.
وقال عمر يوماً لجلسائه: تمنوا فتمنوا فقال عمر: ولكني أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح (٣).
ولما طُعن عمر وأشرف على الموت قيل له: أوص يا أمير المؤمنين قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته (٤).
ومن مواقفه العظيمة التي تدل على شجاعته ونصرته لهذا الدين ما حصل منه من دفاع عن النبي ﷺ في معركة أحد فقد كان من النفر القلة الذين ثبتوا مع رسول اللَّه ﷺ في هذه المعركة، ولما دخلت حلقات المغفر في وجه رسول اللَّه ﷺ نزعها بأسنانه فسقطت ثنيتاه فما رُئِيَ هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة.
стр. 1162
وقد عينه عمر بن الخطاب أخيراً على الجند في الشام.
وذكر ابن المبارك في الزهد أن عمر قدم الشام، فتلقاه الأمراء والعظماء فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ قالوا: يأتيك الآن قال: فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، ثم قال للناس: انصرفوا عنا ثم قال لأبي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك، قال: وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي، قال: فدخل فلم ير شيئاً قال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لبداً (١) وصحفة (٢) وشناً (٣) وأنت أمير، أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت: إنك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين يكفيك ما يبلغك المقيل، قال عمر: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة (٤).
قال الذهبي: هذا واللَّه هو الزهد الخالص، لا زهد من كان فقيراً معدماً (٥).
ولما حصل طاعون عمواس بالشام مات منه الآلاف من المسلمين، وكان أبو عبيدة معه ستة وثلاثون ألف فلم يبق معه إلا ستة آلاف رجل، روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك أن
стр. 1163
النبي ﷺ قال: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسلِمٍ» (١).
روى الحاكم من طريق طارق بن شهاب أن عمر كتب إلى أبي عبيدة لما انتشر الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي فلما قرأ الكتاب، قال: عرفت حاجة المؤمنين أنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك، فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد (٢). وقد حصلت لأبي عبيدة كرامة له ولجيشه، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر أنه قال: بعث النبي ﷺ بعثاً قبل الساحل فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاث مئة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظَّرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فَنُصبا ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما فلم تصبهما (٣).
وكانت وفاته سنة ثماني عشرة من الهجرة وله ثمان وخمسون
стр. 1164
سنة. رضي اللَّه عن أبي عبيدة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1165
الكلمة التاسعة والستون: شرح اسم الله الغني
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١).
ومن أسماء اللَّه الحسنى التي وردت في كتاب اللَّه تعالى: «الغني». قال بعضهم ذكر «الغني» في كتاب اللَّه في ثماني عشرة آية. قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيد (٨)﴾ [إبراهيم]. والغني في كلام العرب الذي ليس بمحتاج إلى غيره، قال الخطابي: هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم وتأييدهم لملكة فليست به حاجة إليهم وهم إليه فقراء محتاجون كما وصف نفسه (٢) فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد (١٥)﴾ [فاطر].
стр. 1166
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
أولاً: إن اللَّه تعالى شأنه هو الغني بذاته الذي له الغنى التام من جميع الوجوه لكماله وكمال صفاته فبيده خزائن السماوات والأرض وخزائن الدنيا والآخرة فالرب غني لذاته والعبد فقير لذاته محتاج إلى ربه لا غنى له عنه طرفة عين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
والفَقْرُ لي وَصْفُ ذَاتٍ لَازمٍ أبداً ... كَمَا أَنَّ الغِنَى أَبداً وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي (١)
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش أن النبي ﷺ بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ، ثُمَّ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ، أَنَّى تُعْجِزُنِي، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ (٢)، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٣)، قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ» (٤).
فأكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهوداً لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ولهذا كان من دعائه ﷺ : «أَصْلِحْ لِي شَانِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» (٥).
стр. 1167
وكان يدعو ﷺ : «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (١).
يعلم ﵊ أن قلبه بيد الرحمن لا يملك منه شيئاً وأن اللَّه يصرفه كيف يشاء.
ثانياً: أن اللَّه تعالى الغني له ملك السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد (٦٤)﴾ [الحج].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» (٢) فجميع الخلق مفتقرون إلى اللَّه الغني الواسع في طلب مصالحهم ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم والعباد لا يملكون لأنفسهم شيئاً من ذلك كله، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢)﴾ [فاطر] ..
فاللَّه هو الغني الذي يطعم ويسقي ويحيي ويميت ويُغني ويفقر، قال تعالى عن إبراهيم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُون (٧٥) أَنتُمْ
стр. 1168
وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَاّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين (٧٨)﴾ [الشعراء].
وبالجملة: فإن جميع المخلوقات مفتقرة إليه تعالى في وجودها، فلا وجود لها إلا به، فهي مفتقرة إليه قي قيامها، فلا قوام لها إلا به، فلا حركة ولا سكون إلا بإذنه، فهو الحي القيوم القائم بنفسه فلا يحتاج إلى شيء، القيم لغيره فلا قوام لشيء إلا به، فالخالق له مطلق الغنى وكماله، وللمخلوق مطلق الفقر إلى اللَّه وكماله، قال الشاعر:
وَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِه سُبْحَانَهُ ... جَلَّ ثَنَاؤه تعالى شَانُهُ
وكُلَّ شَيءٍ رِزْقُهُ عَلَيِهِ ... وَكُلُّنَا مُفْتَقِرٌ إِليْهِ (١)
ثالثاً: أن اللَّه تعالى غني عن عباده لا يريد منهم طعاماً ولا شراباً لم يخلقهم ليستكثر بهم من قلة، أو يستقوي بهم من ضعف، أو ليستأنس بهم من وحشة بل هم المحتاجون إليه في طعامهم وشرابهم وسائر شؤونهم، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُون (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون (٥٧)﴾ [الذاريات].
رابعاً: أن يتعفف المؤمن عن أموال الناس وحاجاتهم وأن يسأل الغني الكريم من فضله، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
روى الترمذي في سننه من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ
стр. 1169
عَمَّنْ سِوَاكَ» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (٣)، فمن اجتهد واستعان باللَّه وألح عليه في السؤال لم يخيبه اللَّه فإنه أمر بالدعاء ووعد عليه الإجابة في جميع الأدعية (٤).
خامساً: أن اللَّه تعالى لكمال غناه واستغنائه عن خلقه قادر على أن يذهب الناس ويأت بخلق جديد وهذا ليس بعزيز على اللَّه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِين (١٣٣)﴾ [الأنعام]. وقال تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (٣٨)﴾ [محمد].
سادساً: أن اللَّه جل وعلا قرن غناه بالحمد، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد (١٥)﴾ [فاطر]، لأنه ليس كل غني نافعاً بغناه
стр. 1170
إلا إذا كان الغني جواداً منعماً، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم، واستحق عليهم الحمد، وليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه (١)(٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1171
الكلمة السبعون: المسارعة إلى الخيرات
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإنه ينبغي للمؤمن أن يسارع في الخيرات فالعمر قصير والأجل قريب، وابن آدم لا يدري متى يأتيه الموت وأعني بالمسارعة إلى الخيرات أي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم تأخيرها، قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِين (١١٤)﴾ [آل عمران]. وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران].
وقال تعالى عن نبي اللَّه موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه]. وقال تعالى عن نبي اللَّه زكريا: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. وكان ﷺ يحث أمته على المسارعة إلى الأعمال الصالحة فإن المؤمن لا يدري ما يعرض له من مرض، أو فتنة، أو أجل. روى مسلم في صحيحه
стр. 1172
من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ: يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (١).
وروى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لرجل من أصحابه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث مصعب بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ» (٣). وقد كان الصحابة ﵃ يأخذون بهذا التوجيه النبوي الكريم فيتسابقون إلى الأعمال الصالحة ويتنافسون في أعمال الآخرة كما أرشد إلى ذلك ربنا فقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون (٢٦)﴾ [المطففين].
روى أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ » قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ » قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ
стр. 1173
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (١).
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إن للقلوب شهوة وإدباراً فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها، قال الإمام أحمد بن حنبل: كل شيء من الخير يبادر به.
وقال الشاعر:
إذَاَ هَبَّت رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا ... فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سكونُ
ولا تَغْفَلْ عَنِ الإحْسَانِ فِيها ... فَما تَدْرِي السكونُ مَتَى يكونُ
وإن دَرَّت (٢) نِيَاقُكَ فَاحْتَلِبْهَا ... فَمَا تَدْرِي الفصيلُ (٣) لمن يكونُ
ومن فوائد المسارعة إلى الخيرات:
أولاً: الفوز بجنات النعيم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون (١٠) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُون (١١)﴾ [الواقعة]. والسابقون هم المبادرون إلى فعل الخيرات في الدنيا، وهم في الآخرة سبقوا إلى الجنات فإن السبق هناك على قدر السبق في الدنيا، والجزاء من حسن العمل، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلَاّ الإِحْسَان (٦٠)﴾ [الرحمن]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير (٣٢)﴾ [فاطر].
стр. 1174
قال ابن كثير: «ومنهم سابق بالخيرات هو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات، وبعض المباحات»، وقال ابن عباس: «السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يدخل الجنة برحمة اللَّه، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﵊» (١).
ثانياً: المسارعة بقضاء الفرائض والواجبات فيه إبراء للذمة. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الفضل بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ تَضِلُّ الضَّالَّةُ وَيَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَكُونُ الْحَاجَةُ» (٢).
ثالثاً: المبادرة بالأعمال الصالحة في أول أوقاتها أفضل من تأخيرها إلا لمن استثناه الدليل. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (٣).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال:
стр. 1175
«لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ» (١).
رابعاً: أن المبادرة إلى الأعمال الصالحة فيها استجابة لأمر اللَّه ورسوله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك قال: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ». قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟ ! » قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَاكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ: إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ (٢).
وأختم هذه الكلمة بما ذكره اللَّه في كتابه عن فضل أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين أسلموا قبل الفتح على الذين أسلموا بعد قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَاّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا يَسْتَوِي
стр. 1176
مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1177
الكلمة الواحدة والسبعون: شرح حديث «احفظ الله يحفظك»
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
روى الترمذي في سننه من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١).
هذا الحديث شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم شرحاً عظيماً، ومما جاء في كلامه ﵀:
«هذا الحديث تضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفاً من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه».
قوله: «احفَظِ اللَّهَ»: يعني احفظ حدوده وحقوقه وأوامره
стр. 1178
ونواهيه وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال وعند نواهيه بالاجتناب وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود اللَّه الذين مدحهم اللَّه في كتابه. فقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظ (٣٢)﴾ [ق]. وفسر الحفيظ ها هنا بالحافظ لأوامر اللَّه وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها، ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر اللَّه الصلاة وكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة، وحفظ الإيمان وحفظ الرأس ويدخل فيه السمع والبصر واللسان وحفظ البطن ويدخل فيه عدم إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب.
قوله: «يَحفَظكَ»: يعني أن من حفظ حدود اللَّه وراعى حقوقه حفظه اللَّه فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وحفظ اللَّه لعبده يدخل فيه نوعان:
الأول: حفظه له في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر اللَّه فإذا جاء القدر خلوا عنه.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄ قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
стр. 1179
الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (١).
كان بعض العلماء قد جاوز المئة عام وهو متمتع بقوته وعقله فوثب يوماً وثبة شديدة فعُوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها اللَّه علينا في الكبر، وقد يحفظ اللَّه العبد بصلاحه بعد موته في ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، فإنهما حفظا بصلاح أبيهما.
النوع الثاني: من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ اللَّه للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَاخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ»، ثم قال في آخر الحديث: «وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي، بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» (٢).
قوله: «احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ» وفي رواية: «أَمَامَكَ». معناه: أن من حفظ حدود اللَّه وراعى حقوقه وجد اللَّه معه في كل أحواله
стр. 1180
حيث توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. قال قتادة: «من يتق اللَّه يكن معه ومن يكن اللَّه معه فمعه الفئة التي لا تغلب والحارس الذي لا ينام والهادي الذي لا مضل له».
قوله: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»: هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ [الفاتحة]. فإن السؤال للَّه هو دعاؤه والرغبة إليه والدعاء هو العبادة (١).
فتضمن هذا الكلام أن يسأل اللَّه ولا يسأل غيره وأن يستعان باللَّه دون غيره، فأما السؤال فقد أمر اللَّه بمسألته، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. وفي النهي عن سؤال المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه.
قوله: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ
стр. 1181
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٢٢)﴾ [الحديد]. وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ» (٢).
قال عبيد اللَّه بن عتبة:
واصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَحْتُومِ وارْضَ به ... وإِنْ أَتَاكَ بِمَا لا تَشتهِي القَدَرُ
فَمَا صَفَا لامْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ ... إلا سَيَتْبَعُ يَوْماً صَفْوَهُ كَدَرُ
ومدار جميع هذه الوصايا على هذا الأصل وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب اللَّه له من خير وشر ونفع وضر وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذٍ أن اللَّه وحده هو الضار النافع المعطي المانع فأوجب ذلك العبد توحيد ربه وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير اللَّه أوجب ذلك أفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً وأنه يتقي
стр. 1182
سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً وإفراده بالاستعانة والسؤال له وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان عليه المشركون من إخلاص الدعاء له عند الشدائد ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون (٣٨)﴾ [الزمر]. وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢)﴾ [فاطر].
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1183
الكلمة الثانية والسبعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]. وعملاً بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آيات من كتاب اللَّه ونتدبر ما فيها من العظات والعبر.
قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَاسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان].
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾ الاتكاء هو التمكن من الجلوس في حال الرفاهية والطمأنينة،
стр. 1184
والأرائك هي السرر التي عليها اللباس، ولا يرون فيها شمساً أي ليس يضرهم حر ولا زمهرير أي برد شديد بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل بحيث تلتذ به الأجساد ولا تتألم من حر ولا برد فهو مزاج واحد دائم سرمدي ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (١٠٨)﴾ [الكهف]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «قَالَتِ النَّارُ: رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَاذَنْ لِي أَتَنَفَّسْ. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ أَوْ زَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ، وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ» (١).
قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤)﴾: قريبة إليهم أغصانها ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤)﴾ أي: متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع كما في قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَان (٥٤)﴾ [الرحمن]. وكما في قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَة (٢٣)﴾ [الحاقة]. قال مجاهد: إن قام ارتفعت معه بقدر وإن قعد تذللت له.
قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥)﴾ أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام وهي من فضة وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم.
قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾: قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج والقوارير لا تكون إلا من زجاج.
стр. 1185
فهذه الأكواب هي من فضة وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها وهذا مما لا نظير له في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ أي: على قدر ريّهم لا تزيد عنه ولا تنقص بل هي معدة لذلك وهو قول جمع من المفسرين وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة (١).
قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَاسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (١٧)﴾، أي: ويسقون الأبرار فيها في هذه الأكواب ﴿كَاسًا﴾ أي: خمراً ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (١٧)﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفاً كما قال قتادة وغير واحد.
قوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨)﴾، قال قتادة: اسم للعين التي يشربون بها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة، وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحدة جَريها، وحكى ابن جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق، واختار هو أنها تعم ذلك كله، قال ابن كثير: وهو كما قال (٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (١٩)﴾، أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان صغارمن ولدان الجنة مخلدون أي على حالة واحدة لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن
стр. 1186
تلك السن. ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (١٩)﴾، أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤاً منثوراً. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا ولا في النظر أحسن من الؤلؤ المنثور على المكان الحسن.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾، أي: إذا رأيت يا محمد هناك في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبْرة والسرور رأيت نعيماً وملكاً كثيراً أي مملكة للَّه هناك عظيمة وسلطاناً باهراً، قال سفيان الثوري: بلغنا أن الملك الكبير تسليم الملائكة عليهم، دليله، قال تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار (٢٤)﴾ [الرعد].
روى مسلم في صحيحه من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ! قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ
стр. 1187
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (١).
قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ الذكور والإناث، هذه صفة الأبرار، أما المقربون فإنهم كما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِير (٣٣)﴾ [فاطر].
قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾: أي طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الخلائق الرّديَّة كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (٤٧)﴾ [الحجر]. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيشربون من إحداهما فتجري عليهم بنضرة النعيم فلا تتغير أبشارهم، ولا تتشعث أشعارهم أبداً ثم يشربون من الأخرى فتخرج ما في بطونهم من الأذى ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين (٧٣)﴾ [الزمر].
وقال النخعي وأبو قلابة: إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم وصار ما أكلوه وما شربوه رشح مسك وضمرت بطونهم (٢).
стр. 1188
قال الشاعر:
وجَنَّاتُ عَدْنٍ زُخْرِفَتْ ثُمَّ أُزْلِفَتْ ... لِقَومٍ على التَّقوَى دَوَامَاً تبتَّلُ
بها كلُّ ما تَهْوَى النفوسُ وتَشْتَهِي ... وَقُرَّةُ عَيْنٍ لَيْسَ عَنْهَا تَرْحَلُ
ملابِسُهُم فِيها حريرٌ وسندسٌ ... وإستبرقٌ لا يعتريه التَّحلُّلُ
وأزواجُهُم حورٌ حِسانٌ كواعبٌ ... عَلَى مِثْل شَكْلِ الشمسِ بَلْ هُوَ أَشْكَلُ
يُطَافُ عَلَيْهِم بالِّذِي يَشْتَهونَهُ ... إذَا أَكَلُوا نَوْعاً بِآخرَ بَدَّلوا
وقال آخر:
فَاعْمَلْ لِدَارٍ غداً رِضْوَانُ خَازِنُها ... الجَارُ أَحْمَدُ والرَّحمنُ بانِيهَا
قُصورُها ذَهَبٌ والمِسْكُ طِينَتُها ... والزَّعفَرَانُ حَشيشٌ نَابِتٌ فِيهَا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (٢٢)﴾. أي: يقال لهم ذلك تكريماً لهم وإحساناً إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة (٢٤)﴾ [الحاقة]. وكما قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأعراف].
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (٢٢)﴾، أي: جزاكم اللَّه على القليل بالكثير كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء].
والحمد للَّه رب العالمين صلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1189
الكلمة الثالثة والسبعون: الوفاء
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من الأخلاق الجميلة والصفات الحميدة التي حث عليها الشرع ورغَّب فيها: الوفاء، قال الراغب: الوفاء بالعهد إتمامه وعدم نقض حفظه (١)، وللوفاء أنواع عديدة باعتبار المُوفى به فهي قد تكون وفاء بالعهد وقد تكون وفاء بالعقد أو الميثاق، وقد تكون وفاء بالوعد. فالوفاء بالعهد كما ذكر الراغب إتمامه وعدم نقض حفظه، قال ابن عباس: العهود ما أحل اللَّه وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله (٢). قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولا (٣٤)﴾ [الإسراء].
وأما الوفاء بالعقد فالمراد به إما العهد وبذلك يتطابق مع التعريف الأول وقيل: العقود هي أوكد العهود، وقيل: هي عهود الإيمان والقرآن وقيل: هي ما يتعاقده الناس فيما بينهم (٣)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. أما الوفاء
стр. 1190
بالوعد فالمراد به أن يصبر الإنسان على أداء ما يعد به الغير ويبذله من تلقاء نفسه ويرهنه به لسانه حتى وإن أضربه ذلك.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه «أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال: وهذه صفة نبي» (١).
وأخبر النبي ﷺ أن أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح. روى البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (٢).
وأداء الدين من الوفاء، روى البخاري في صحيحه من حديث وهب بن كيسان عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ أنه أخبره أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقاً لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول اللَّه ﷺ ليشفع له إليه، فجاء رسول اللَّه ﷺ وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى، فدخل رسول اللَّه ﷺ النخل فمشى فيها، ثم قال لجابر: «جُدَّ لَهُ فَأَوفِ لَهُ الَّذِي لَهُ»، فجده بعد ما رجع رسول اللَّه ﷺ (٣).
وأداء حقوق اللَّه تعالى من الوفاء بالعهد. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ
стр. 1191
إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (١).
والوفاء بالعهد من صفات المؤمنين الصادقين، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم]. قال ابن كثير: فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خُلْفه من الصفات الذميمة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون (٣)﴾ [الصف]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (٢).
ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين ولهذا أثنى اللَّه على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد وكذلك كان رسول اللَّه ﷺ صادق الوعد أيضاً لا يعد أحداً شيئاً إلا وفى له به.
وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي» (٣)(٤). اهـ.
روى البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ قال: لما مات
стр. 1192
النبي ﷺ ، جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله عدة، فليأتنا. قال جابر: فقلت وعدني رسول اللَّه ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، قال جابر: فعد في يدي خمسمئة ثم خمسمئة ثم خمسمئة (١).
وبين النبي ﷺ أن الوفاء بالوعد جزاؤه الجنة. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه ﷺ قال: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» (٢).
قال الشاعر:
فَإِن تُجمَعِ الآفاتُ فالبُخْلُ شَرُّهَا ... وَشَرٌّ مِنَ البخلِ المواعيدُ والمَطلُ
ولا خَيْرَ فِي وعدٍ إذا كانَ كاذباً ... ولا خيرَ في قولٍ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلُ
ومما تقدم يتبين لنا فضل الوفاء وأنه من أوجب الواجبات. وإن من مظاهر عدم الوفاء التي انتشرت في بني آدم وهي كثيرة:
عدم الوفاء بعهد اللَّه وميثاقه، فإن اللَّه قد أخذ على بني آدم وذريته أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين (١٧٢)﴾ [الأعراف].
стр. 1193
روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِى صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ - أَحْسَبُهُ قَالَ -: وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ» (١).
ومنها عدم الوفاء مع الوالدين فإنهما السبب بعد اللَّه في وجود الإنسان، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء]. ونسمع قصصاً عجيبة للتنكر لجميل الوالدين يندى لها الجبين، ويتفطر منها القلب.
ومنها عدم الوفاء بين الزوجين، فالمرأة ينبغي أن تكون وفيةً لزوجها، وكذلك الزوج يكون وفيًّا لزوجته فإن النبي ﷺ مدح أم المؤمنين خديجة وكان وفيًّا لها؛ فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغِرت يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق، قد أبدلك اللَّه بها خيراً منها، قال: «مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ» (٢).
стр. 1194
ومن وفائه أنه كان يذبح الشاة ويقطع اللحم ويوزعه على أصدقاء خديجة وعندما دخلت أخت خديجة هاله رحب بها وأكرمها (١)، وقال: «حُسنُ العَهدِ مِنَ الإِيمَانِ» (٢).
وإن مما أشاع التفكك الأسري في مجتمعات المسلمين وأثار المشكلات بين الأزواج هو الإخلال بهذه الخلة.
ومنها عدم الوفاء بين الأصدقاء، فإن بعض الناس يكون له صديق إما في تجاره أو دراسة أو في عمل أو غير ذلك، فإذا ارتفع في دنياه إما بحصوله على منصب عال أو أصبح من أصحاب الأموال الطائلة أو غير ذلك، ترفع عن أصدقائه ولم يظهر لهم الود السابق وكأنه لا يعرفهم قبل ذلك وهذا ليس من الوفاء بل من التنكر للجميل، وليس من شيم الرجال ولا من أخلاقهم.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1195
الكلمة الرابعة والسبعون: سيرة جعفر بن أبي طالب
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة وبطل من أبطالها صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبَر هذا الصحابي كان من السابقين إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين الأولى للحبشة والثانية للمدينة، وكان أحد قادة المسلمين في معركة مؤتة الشهيرة، وله قرابة من النبي ﷺ فهو ابن عم النبي ﷺ ، قال عنه النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: «أَشبَهتَ خَلقِي وَخُلُقِي» (١)، قال الذهبي: وقد سر النبي ﷺ بقدومه من الحبشة، واللَّه حزن كثيراً عند استشهاده (٢).
إنه الشهيد البطل علم المجاهدين جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب القرشيّ الهاشمي أبو عبد اللَّه ويلقب بأبي المساكين شقيق علي بن أبي طالب وأكبر منه بعشر سنين، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة موقوفاً عليه أنه قال: ما احتذى النعال، ولا