← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (١). والوفاء بالعهد من صفات المؤمنين الصادقين، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم]. قال ابن كثير: فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خُلْفه من الصفات الذميمة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون (٣)﴾ [الصف]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (٢). ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين ولهذا أثنى اللَّه على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد وكذلك كان رسول اللَّه ﷺ صادق الوعد أيضاً لا يعد أحداً شيئاً إلا وفى له به. وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي» (٣) (٤). اهـ. روى البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ قال: لما مات

стр. 1192

النبي ﷺ ، جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله عدة، فليأتنا. قال جابر: فقلت وعدني رسول اللَّه ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، قال جابر: فعد في يدي خمسمئة ثم خمسمئة ثم خمسمئة (١). وبين النبي ﷺ أن الوفاء بالوعد جزاؤه الجنة. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه ﷺ قال: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» (٢). قال الشاعر: فَإِن تُجمَعِ الآفاتُ فالبُخْلُ شَرُّهَا ... وَشَرٌّ مِنَ البخلِ المواعيدُ والمَطلُ ولا خَيْرَ فِي وعدٍ إذا كانَ كاذباً ... ولا خيرَ في قولٍ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلُ ومما تقدم يتبين لنا فضل الوفاء وأنه من أوجب الواجبات. وإن من مظاهر عدم الوفاء التي انتشرت في بني آدم وهي كثيرة: عدم الوفاء بعهد اللَّه وميثاقه، فإن اللَّه قد أخذ على بني آدم وذريته أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين (١٧٢)﴾ [الأعراف].

стр. 1193

روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِى صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ - أَحْسَبُهُ قَالَ -: وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ» (١). ومنها عدم الوفاء مع الوالدين فإنهما السبب بعد اللَّه في وجود الإنسان، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء]. ونسمع قصصاً عجيبة للتنكر لجميل الوالدين يندى لها الجبين، ويتفطر منها القلب. ومنها عدم الوفاء بين الزوجين، فالمرأة ينبغي أن تكون وفيةً لزوجها، وكذلك الزوج يكون وفيًّا لزوجته فإن النبي ﷺ مدح أم المؤمنين خديجة وكان وفيًّا لها؛ فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغِرت يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق، قد أبدلك اللَّه بها خيراً منها، قال: «مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ» (٢).

стр. 1194

ومن وفائه أنه كان يذبح الشاة ويقطع اللحم ويوزعه على أصدقاء خديجة وعندما دخلت أخت خديجة هاله رحب بها وأكرمها (١)، وقال: «حُسنُ العَهدِ مِنَ الإِيمَانِ» (٢). وإن مما أشاع التفكك الأسري في مجتمعات المسلمين وأثار المشكلات بين الأزواج هو الإخلال بهذه الخلة. ومنها عدم الوفاء بين الأصدقاء، فإن بعض الناس يكون له صديق إما في تجاره أو دراسة أو في عمل أو غير ذلك، فإذا ارتفع في دنياه إما بحصوله على منصب عال أو أصبح من أصحاب الأموال الطائلة أو غير ذلك، ترفع عن أصدقائه ولم يظهر لهم الود السابق وكأنه لا يعرفهم قبل ذلك وهذا ليس من الوفاء بل من التنكر للجميل، وليس من شيم الرجال ولا من أخلاقهم. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1195

الكلمة الرابعة والسبعون: سيرة جعفر بن أبي طالب الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة وبطل من أبطالها صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبَر هذا الصحابي كان من السابقين إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين الأولى للحبشة والثانية للمدينة، وكان أحد قادة المسلمين في معركة مؤتة الشهيرة، وله قرابة من النبي ﷺ فهو ابن عم النبي ﷺ ، قال عنه النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: «أَشبَهتَ خَلقِي وَخُلُقِي» (١)، قال الذهبي: وقد سر النبي ﷺ بقدومه من الحبشة، واللَّه حزن كثيراً عند استشهاده (٢). إنه الشهيد البطل علم المجاهدين جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب القرشيّ الهاشمي أبو عبد اللَّه ويلقب بأبي المساكين شقيق علي بن أبي طالب وأكبر منه بعشر سنين، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة موقوفاً عليه أنه قال: ما احتذى النعال، ولا

стр. 1196

انتعل، ولا ركب المطايا، ولا ركب الكُور (١) بعد رسول اللَّه ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب (٢)، يعني في الجود والكرم. وقد كانت لهذا الصحابي مواقف بطولية تدل على شجاعته العظيمة ونصرته لهذا الدين، فمن تلك المواقف العظيمة أنه بعد رجوعه من هجرته من الحبشة التي دامت عشر سنين بعيداً عن أهله ووطنه، كان النبي ﷺ لِتَوِّهِ قد انتهى من فتح خبير ففرح بقدومه كثيراً، لكن هذه الفرحة لم تستمر طويلاً فالأعمال كثيرة، والوقت قصير، فقد أرسله النبي ﷺ مع جيش المسلمين المتجه إلى الشام لقتال الروم، وكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل وأمر عليهم زيد بن حارثه، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد اللَّه بن رواحة وبدأت المعركة، ونظراً لعدم التكافؤ بين جيش المسلمين وعدوهم، فقد أظهر المسلمون بطولات وتضحيات عظيمة، ففي بداية المعركة وبعد قتال شديد قتل زيد بن حارثة فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فعقر جواده، وكان فارساً من فرسان العرب، قال ابن اسحاق: هو أول من عقر في الإسلام (٣) فجعل ينشد هذه الأبيات. يا حبّذا الجنّةُ واقترابُها ... طَيِّبةٌ وباردٌ شرابُها والرومُ رومٌ قَد دَنا عذابُها ... عَلَيَّ إذ لاقيتُها ضِرَابُها وكان يمسك الراية بيده اليمنى فقطعوا يده اليمنى، فأمسك الراية

стр. 1197

بيده اليسرى فقطعوا يده اليسرى، فضم الراية إلى صدره فتكاثروا عليه فقتلوه (١)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (١٧٠)﴾ [آل عمران]. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية. قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: «أَروَاحُهُم فِي جَوفِ طَيرٍ خُضرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرشِ، تَسرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ شَاءَت، ثُمَّ تَأوِي إِلَى تِلكَ القَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ عَلَيهِم رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: هَل تَشتَهُونَ شَيئاً؟ قَالُوا: أَيَّ شَيءٍ نَشتَهِي، وَنَحنُ نَسرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ شِئنَا؟ ! » (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵁ أنه قال: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين، من طعنة

стр. 1198

ورمية (١). وفي رواية: ليس منها شيء في دبره (٢). وصدق اللَّه إذ يقول: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣)﴾ [الأحزاب]. روى الحاكم في المستدرك والترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَرَّ بِي جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَلَأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ وَهُوَ مُخَضَّبُ الجَنَاحَينِ بِالدَّمِ، أَبيَضُ الفُؤَادِ» (٣). وفي رواية أن النبي ﷺ قال: «جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ يَطِيرُ مَعَ جِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَهُ جَنَاحَانِ» (٤). فقد عوضه اللَّه عن يديه المقطوعتين في المعركة بأن جعله يطير في الجنة مع الملائكة، وهذه منقبة عظيمة له ﵁ وأرضاه. وفي صحيح البخاري أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد اللَّه بن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن الجناحين (٥). قال أبو عبد اللَّه: الجناحان: «كل ناحيتين». ومن مناقبه العظيمة: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث

стр. 1199

البراء أن النبي ﷺ قال: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» (١). وبعد استشهاد جعفر ورجوع الجيش إلى المدينة دخل النبي ﷺ على أسماء بنت عميس زوجة جعفر ودعا بأبناء جعفر فشمهم وقبلهم وذرفت عيناه من الدموع حزناً على أخيه جعفر فقالت أسماء: يا رسول اللَّه هل بلغك عن جعفر شيء؟ قال: «نَعَم، قُتِلَ» فقامت تبكي فقال: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ». ثم قال: «ادْعُوا لِي ابْنَيْ أَخِي» قال عبد اللَّه بن جعفر: فجيء بنا كأنا أُفْرُخ، فقال: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ» فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال: أما محمد، فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد اللَّه، فشبيه خَلْقي وخُلُقي، ثم أخذ بيدي، فأشالها (٢). فقال: «اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَراً فِي أَهْلِهِ وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ» قالها ثلاث مرار، قال: فجاءت أُمُّنا، فذكرَتْ لَهُ يُتمَنَا وجعلَتْ تُفْرِحُ له (٣)، فقال: «الْعَيْلَةُ (٤) تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ! » (٥). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل، قال النبي ﷺ : «اصنَعُوا لِآلِ جَعفَرَ

стр. 1200

طَعَاماً، فَقَد أَتَاهُم أَمرٌ يَشغَلُهُم أَو أَتَاهُم مَا يَشغَلُهُم» (١). ومن أخلاقه العظيمة: الكرم والبذل والسخاء ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: كنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي، كي ينقلب بي فيطمعني، وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العُكَّة (٢) التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها (٣). وكان قتله ﵁ سنة ثمان من الهجرة، وهو في ريعان شبابه، قال بعض المؤرخين: قتل وعمره بضع وثلاثون سنة، رضي اللَّه عن جعفر وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1201

الكلمة الخامسة والسبعون: خطورة السحر وتحريم الذهاب إلى السحرة الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون (١٠٢)﴾ [البقرة]. فقد أخبر سبحانه بكذب الشياطين فيما تلته على ملك سليمان ونفى عنه ما نسبوه إليه من السحر بنفي الكفر عنه مما يدل على كون السحر كفراً، وأكد كفر الشياطين وذكر صورة من ذلك وهي تعليم الناس السحر، ومما يؤكد كفر متعلم السحر: قوله تعالى عن الملكين اللذين يعلمان الناس السحر ابتلاءً لمن جاء متعلماً: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: لا تكفر بتعلم السحر، ثم أخبر سبحانه أن تعلم السحر ضرر لا نفع فيه فقال: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ وما لا نفع فيه وضرره محقق لا يجوز تعلمه.

стр. 1202

ثم قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: لقد علم اليهود فيما عهد إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة، قال ابن عباس: ليس له نصيب، وقال الحسن: ليس له دين فدلت الآية على تحريم السحر وعلى كفر الساحر وعلى ضرر السحر على الخلق، قال سبحانه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه]. ففي هذه الآية الكريمة نفى الفلاح نفياً عن الساحر عاماً في أي مكان وهذا دليل على كفره. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ» قالوا: يا رسول اللَّه ما هي: قال: «الشِّركُ بِاللَّهِ، وَالسِّحرُ» ثم ذكر البقية الأخرى (١). وهذا يدل على عظم جريمة السحر لأنه قرنه بالشرك وعده من السبع الموبقات التي نهى عنها لكونها تهلك فاعلها في الدنيا، لما يترتب عليها من الأضرار الحسية والمعنوية وتهلكه في الآخرة بما يناله بسببها من العذاب الأليم. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (٢). وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٣)، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: سأل أناس

стр. 1203

رسول اللَّه ﷺ عن الكهان فقال: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» قالوا: يا رسول اللَّه فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ، يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ» (١). ففي هذه الأحاديث النهي عن إتيان العرافين والكهنة والسحرة وأمثالهم وسؤالهم وتصديقهم والوعيد على ذلك، وفيها دليل على كفر الكاهن والساحر لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر ولأنهما لا يتوصلان إلى مقصدهما إلا بخدمة الجن وعبادتهم من دون اللَّه وذلك كفر باللَّه وشرك به سبحانه. والساحر لا يتمكن من سحره إلا بالخروج من هذا الدين إما بالذبح للجن أو الاستغاثة بهم أو إهانة كلام اللَّه أو غير ذلك من الموبقات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «يكتبون كلام اللَّه بالنجاسة وقد يقلبون حروف كلام اللَّه، إما حروف الفاتحة، وإما حروف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص]، وإما غيرهما، إما بدم وإما غيره، وإما بغير نجاسة، أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان أو يتكلمون بذلك» (٢). «ولهذا كلما كان الساحر أكفر وأخبث وأشد معاداة للَّه ولرسوله

стр. 1204

ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ، ولهذا كان سحر عُباد الأصنام أقوى من سحر أهل الكتاب، وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام وهم الذين سحروا رسول اللَّه ﷺ » (١). والنصوص السابقة من الكتاب والسنة تدل على كفر الساحر كما تقدم مما يدل على أنه يُستتاب فإن تاب وإلا قتل، وذهب بعض العلماء إلى قتله بدون استتابة، روى الترمذي في سننه من حديث جندب ﵁ موقوفاً عليه أنه قال: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (٢) وورد عن طائفة من صحابة رسول اللَّه ﷺ قتل الساحر والأمر بذلك ولم يوجد بينهم خلاف في ذلك. والسحر داء يؤثر فيمرض الأبدان، ويقتل ويفرق بين المرء وزوجة وشرع للمرء الذي أُصيب به ويسعى في علاجه الأخذ بالأسباب المباحة المؤدية إلى الشفاء لأن اللَّه تعالى جعل لكل داء دواء. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (٣). ويعالج السحر بالقرآن والأدعية المشروعة والأدوية المباحة. قال ابن القيم ﵀: «وقد رُوي عنه فيه عن النبي ﷺ أي في علاج السحر نوعان: أحدهما وهو أبلغها استخراجه وإبطاله كما صح عنه أنه سأل ربه سبحانه في ذلك فدُل عليه. والنوع الثاني: الاستفراغ

стр. 1205

في المحل الذي يصل إليه أذى السحر» (١). وقال أيضاً: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر، والدعاء، والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئاً من اللَّه معموراً بذكره وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية، والدعوات والتعوذات النبوية، لأن الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها (٢). اهـ. قال ابن حجر: وجواز السحر على النبي ﷺ مع عظيم مقامه وصدق توجهه، وملازمة ورده ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذي ذكره - يعني ابن القيم - محمول على الغالب، وأن ما وقع به ﷺ لبيان تجويز ذلك واللَّه أعلم (٣). وأما علاج السحر بالسحر فهذا حرام لعموم النصوص الواردة في تحريم السحر لأنه من عمل الشيطان، ولا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين، واستعمال ما يقولون لأنهم كذبة فجرة يدعون علم الغيب ويلبِّسون على الناس.

стр. 1206

روى الإمام أبو داود، من حديث جابر أن النبي ﷺ سئل عن النشرة فقال: «هِيَ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ» (١)، والنشرة هي حل السحر عن المسحور والمراد بالنشرة الواردة في الحديث النشرة التي يتعاطاها أهل الجاهلية وهي سؤال الساحر لحل السحر بسحر مثله. فإذا علم ما تقدم ذكره تبين أن ما يفعله بعض الناس من الاتصال ببعض القنوات الفضائية للسحرة وسؤالهم عما يحدث له من مشاكل، أو هموم، أو قضايا اجتماعية، أمر محرم بل هو في غاية الخطورة ويقدح بالعقيدة وكيف يقدم مسلم على ذلك، وهو يعلم الآيات والأحاديث الواردة في ذم السحرة والنهي عن إتيانهم وتصديقهم، ومن فعل ذلك فإنه يخشى على إيمانه وتوحيده. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1207

الكلمة السادسة والسبعون: تفسير سورة الهمزة الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فمن سور القرآن العظيم الذي تتكرر على أسماعنا وتحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر سورة الهمزة، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَة (١) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَه (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَه (٣) كَلَاّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَة (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَة (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَة (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَة (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَة (٨) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَة (٩)﴾ [الهمزة]. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَة (١)﴾ ويل كلمة تدل على ثبوت وعيد لمن اتصف بهذه الصفات، قال أهل العلم: الهمز بالفعل كأن يلوي وجهه أو يشير بيده ونحو ذلك لعيب شخص أو تنقصه، واللمز باللسان وهو من الغيبة المحرمة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَّهِين (١٠) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم (١١)﴾ [القلم]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُون (٥٨)﴾ [التوبة]. قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَه (٢)﴾ هذه أيضاً من

стр. 1208

أوصافه القبيحة جماع مناع. أي يجمع المال ويمنع العطاء فهو بخيل لا يعطي شيئاً. قال بعض المفسرين: أي إن الذي يحمله على الحط من أقدار الناس هو جمعه المال وتعديده أي عده مرة بعد أخرى شغفاً به وتلذذاً بإحصائه لأنه لا يرى عزاً ولا شرفاً ولا مجداً في سواه، قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون (٥٥)﴾ [التوبة]. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» (١). قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَه (٣)﴾ أي: أيظن أن ماله الذي جمعه وأحصاه وبخل بإنفاقه مخلده في الدنيا فمزيل عنه الموت كلا، قال تعالى لنبيه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُون (٣٤)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. قوله تعالى: ﴿كَلَاّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَة (٤)﴾، ﴿كَلَاّ﴾: أي: فليرتدع عن هذا الحسبان فإن الأمر ليس كما يظن بل لا بد أن يفارق هذه الحياة إلى حياة أخرى يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال، و ﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَة (٤)﴾ أي: ليلقين وليقذفن يوم القيامة في النار التي من شأنها أن تكسر كل ما يُلقى فيها وتحطمه

стр. 1209

والنبذ تفيد التحقير والتصغير. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَة (٥)﴾. استفهام عنها لتهويل أمرها كأنها ليست من الأمور التي تدركها العقول ثم فسرها بقوله سبحانه: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَة (٦)﴾ أي: هي النار التي لا تنسب إلا إليه سبحانه لأنه هو منشئها في عالم لا يعلمه سواه، قال أبوالسعود: وفي إضافتها إليه سبحانه ووصفها بالإيقاد أي المشتعلة من تهويل أمرها ما لا مزيد عليه (١). قوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَة (٧)﴾، قال ابن جرير: أي التي يطلع ألمها ووهجها على القلوب (٢)، وقال الزمخشري: يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم وهي أوساط القلوب ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ولا أشد تألماً منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه؟ ! ويجوز أن يخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات الخبيثة (٣). قال بعض المفسرين: وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه أي أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون (٤) كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى]. وقال تعالى: ﴿وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ

стр. 1210

مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَأَىئِهِ عَذَابٌ غَلِيظ (١٧)﴾ [إبراهيم]. وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور (٣٦)﴾ [فاطر]. قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَة (٨)﴾، أي: مغلقة مطبقة لا مخلص لهم منها. قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَة (٩)﴾، قال الزمخشري: «المعنى أنه يؤكد يأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد فتؤصد عليهم الأبواب وتمدد على العمد استيثاقاً في استيثاق» (١) وصدق اللَّه إذ يقول: ﴿نَبِّاءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيم (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم (٥٠)﴾ [الحجر]. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِين (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُوم (٤٤)﴾ [الحجر]. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: تأمل الآن لو أن إنساناً كان في حجرة أو في سيارة اتقدت النيران فيها وليس له مهرب الأبواب مغلقة ماذا يكون؟ سيصبح في حسرة عظيمة لا تماثلها حسرة وهكذا في النار ﴿عَلَيْهِم مُّؤْصَدَة (٨) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَة (٩)﴾، أي: إن النار مؤصدة وعليها أعمدة ممددة أي ممدودة على جميع النواحي والزوايا حتى لا يتمكن أحد من فتحها أو الخروج منها. وينبغي للمؤمن أن يحذر من هذه الصفات الذميمة، عيب الناس

стр. 1211

بالقول أو الفعل، والحرص على المال، وجمعه كأن الإنسان خلق للمال ليخلد له، وأن من كانت هذه صفاته فإن جزاءه هذه النار (١). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1212

الكلمة السابعة والسبعون: شرح اسم الله الشهيد الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء اللَّه الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة: الشهيد، قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾ [الإسراء]. قال الزجاج: الشهيد الحاضر (٢)، وقال الزجاجي: الشهيد في اللغة بمعنى الشاهد كما أن العليم بمعنى العالم والشاهد خلاف الغائب كقول العرب: فلان كان شاهداً لهذا الأمر أي لم يغب عنه (٣). ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:

стр. 1213

أولاً: أن اللَّه هو عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء وإن دق وصغر، فهو سبحانه شهيد على العباد وأفعالهم ليس بغائب عنهم، كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِين (٧)﴾ [الأعراف]. فينبغي لكل عامل أراد عملاً صغر العمل أو كبر أن يقف وقفة عند دخوله فيه فيعلم أن اللَّه شهيد عليه فيحاسب نفسه فإن كان دخوله فيه للَّه مضى فيه، وإلا رد نفسه عن الدخول فيه وتركه (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٦١)﴾ [يونس]. روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول اللَّه ﷺ فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ثم قال: ﴿كَمَا بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِين (١٠٤)﴾ [الأنبياء]. ثم قال: «أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكسَى يَومَ القِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد (١١٧)﴾

стр. 1214

[المائدة] فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَم يَزَالُوا مُرتَدِّينَ عَلَى أَعقَابِهِم مُنذُ فَارَقتَهُم» (١). ثانياً: أن اللَّه أعظم شيء شهادة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لَاّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون (١٩)﴾ [الأنعام]. قال ابن جرير: يقول اللَّه تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبون ويجحدون بنبوتك من قومك: أي شيء أعظم شهادة وأكبر؟ ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة هو اللَّه الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في شهادة غيره من خلقه من السهو والخطأ والغلط والكذب (٢). ثالثاً: شهد اللَّه لنفسه بأنه واحد أحد، فرد صمد لا شريك له ولا وزير ولا ند ولا نظير، وشهدت ملائكته وأولو العلم بذلك كما في قوله جل شأنه: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران]. فتضمنت الآية أعظم شهادة من أعظم شهيد. رابعاً: أن اللَّه تعالى هو الشهيد على أفعال العباد وأقوالهم ويتجلى ذلك يوم القيامة عند محاسبتهم وتقرير أحوالهم. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ فضحك فقال: «هَل تَدرُونَ مِمَّ أَضحَكُ؟ » قال: قلنا: اللَّه ورسوله

стр. 1215

أعلم، قال: «مِن مُخَاطَبَةِ العَبدِ رَبَّهُ»، يقول: «يَا رَبِّ! أَلَم تُجِرنِي مِنَ الظُّلمِ؟ » قال: «يَقُولُ: بَلَى»، قال: «فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفسِي إِلَّا شَاهِداً مِنِّي»، قال: «فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفسِكَ اليَومَ عَلَيكَ شَهِيداً، وَبِالكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُوداً»، قال: «فَيُختَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لِأَركَانِهِ: انطِقِي»، قال: «فَتَنطِقُ بِأَعمَالِهِ»، قال: «ثُمَّ يُخَلَّى بَينَهُ وَبَينَ الكَلَامِ» قال: «فَيَقُولُ: بُعداً لَكُنَّ وَسُحقاً، فَعَنكُنَّ كُنتُ أُنَاضِلُ» (١). قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٦٥)﴾ [يس]. خامساً: أن من أعظم ثمرات الإيمان بهذا الاسم أن يستحضر العبد شهود اللَّه له عند كل عمل يعمله أو كلاماً يقوله أو نية يعقدها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧)﴾ [المجادلة] (٢). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1216

الكلمة الثامنة والسبعون: أحداث الدانمارك الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن عداوة الكفار للمسلمين أزلية، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]. وقال سبحانه: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وفي هذه الأيام تطاول هؤلاء النصارى بدعم من اليهود عليهم لعائن اللَّه المتتابعة إلى يوم القيامة على نبينا وحبيبنا محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، ونشرت الصحف الدنماركية الصور والمقالات السيئة التي تتضمن السخرية والاستهزاء بهذا النبي الكريم كل هذا بحجة الديمقراطية والحرية. ولا شك أن الاستهزاء بالنبي ﷺ استهزاء بالإسلام وبالرب تعالى الذي أرسله إلينا، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (١٥٨)﴾ [الأعراف].

стр. 1217

ونحن نتساءل لماذا لا تكون الحرية في مهاجمة اليهود أو غيرهم ممن يخشونهم ويخافون منهم؟ وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل. وأمام هذا الحدث العظيم الذي حل بالأمة نقف هذه الوقفات: أولاً: التأكيد على عقيدة الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين وإظهار عداوتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُون (٥٦)﴾ [المائدة]. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. ثانياً: استغلال هذا الحدث ودعوة الناس إلى التمسك بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ والاستجابة لأوامرهما والانتهاء عما نهى اللَّه ورسوله عنه فإن ذلك من أعظم أسباب نصرته، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِين (٣٢)﴾ [آل عمران]. روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنِّي قَد تَرَكتُ فِيكُم شَيئَينِ لَن تَضِلُّوا بَعدَهُمَا: كِتَاب اللَّهِ وَسُنَّتِي» (١) ثالثاً: يجب على جميع المسلمين حكومات وشعوباً الدفاع عنه ﵊ والذب عن عرضه وأن يستخدموا

стр. 1218

جميع الوسائل والإمكانات في ذلك، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (١٥٧)﴾ [الأعراف]. وقال تعالى: ﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ [التوبة: ٤٠]. رابعاً: على تجار المسلمين أن يستبدلوا البضائع التي تأتينا من الدانمارك والنرويج التي تتبعها في هذا الأمر ببضائع من دول أخرى حتى لا يستغل أعداء الإسلام هذه الأموال في حملتهم الشرسة ضد النبي ﷺ : «وَمَن تَرَكَ شَيئاً لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيراً مِنهُ» (١). خامساً: على المسلمين أن يكثروا من الدعاء أن اللَّه ينصر دينه ويذل أعدائه وينتقم لرسوله ممن آذوه وسبوه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين (٦٠)﴾ [غافر]. وروى أبو داود في سننه من حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (٢). سادساً: أبشروا وَأَمِّلوا فإن النصر قريب بإذن اللَّه، وسنة اللَّه في خلقه أن من آذى رسوله، أو سبه، ولم يجاز في الدنيا بيد المسلمين فإن اللَّه سبحانه ينتقم لنبيه منه ويكفيه إياه، والحوادث التي تشير إلى

стр. 1219

هذا في السيرة النبوية وبعهد النبوة كثيرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين (٩٥)﴾ [الحجر]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «إنا كفيناك المستهزئين بك وبما جئت به وهذا وعد من اللَّه لرسوله أن لا يضره المستهزؤون وأن يكفيه اللَّه إياهم بما شاء من العقوبة» (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر (٣)﴾ [الكوثر]. فكل من شنأه أو أبغضه وعاداه فإن اللَّه يقطع دابره ويمحق عينه وأثره، وقيل: إنها نزلت في العاص بن وائل، أو عقبة بن أبي معيط، أو في كعب ابن الأشرف، وجميعهم أُخذوا أخذ عزيز مقتدر وقتلوا شر قتلة» (٢). روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: كان رجل نصرانياً فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانياً، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته اللَّه فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقاً: وهذا أمر خارج عن

стр. 1220

العادة يدل كل أحد على أن هذا عقوبة لما قاله، وأنه كان كاذباً، إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد، إذ كان عامة المرتدين يموتون لا يصيبهم مثل هذا، وأن اللَّه منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد، ونظير هذا ما حدثناه أعدادٌ من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول اللَّه ﷺ والوقيعة في عرضه فعجلنا فتحة وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، وتكون ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه، وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة اللَّه أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين (١) اهـ. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1221

الكلمة التاسعة والسبعون: سيرة عثمان بن عفان الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد، فهذه مقتطفات من سيره علم من أعلام هذه الأمة، وخليفة من خلفائها الأماجد، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، ولد هذا الصحابي قبل عام الفيل بست سنين على الصحيح وأسلم على يد أبي بكر الصديق، وكان من السابقين إلى الإسلام، زوجه النبي ﷺ ابنته رقية، فلما ماتت زوجه أختها أم كلثوم، وكان يلقب بذي النورين قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، قال فيه النبي ﷺ : «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» (١). وقال فيه أيضاً: «بَشِّرهُ بِالجَنَّةِ عَلَى بَلوَى تُصِيبُهُ» (٢) وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين توفي النبي ﷺ وهو عنهم راض. إنه الخليفة الراشد أمير المؤمنين عثمان بن عفان أبو العاص القرشي الأموي وصفه أهل السير بأنه كان ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الوجه، أبيض اللون، مشرباً بالحمرة، كثير اللحية بعيد

стр. 1222

ما بين المنكبين، أحسن الناس ثغراً. وقد كانت لهذا الصحابي مواقف عظيمة تدل على فضله ونصرته لهذا الدين فمن ذلك أنه هاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة، وجهز جيش العسرة، وحفر بئر رومة وتصدق بها على المسلمين، كما قام بتوسعة المسجد النبوي، وفي عهد جمع القرآن الكريم، وتوسعت فتوحات المسلمين، ووصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها. روى الترمذي من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار قال الحسن بن واقع: وكان في موضع آخر من كتابي في كُمه حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره، قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول: «مَا ضَرَّ عُثمَانُ مَا عَمِلَ بَعدَ اليَومِ» مرتين (١). قال الزهري: جهز عثمان بن عفان جيش المسلمين في غزوة تبوك بتسعمائة وأربعين بعيراً وستين فرساً. وروى الترمذي في سننه من حديث ثمامة بن حزن القُشيري قال: شهدت الدار، حين أشرف عليهم عثمان، فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألّباكم عليّ. قال: فجيء بهما فكأنهما جملان، أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشُدكم باللَّه والإسلام، هل تعلمون أن

стр. 1223

رسول اللَّه ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يُستعذب غير بئر رُومة، فقال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ»، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها، حتى أشرب من ماء البحر قالوا: اللَّهم نعم. قال: أنشدكم باللَّه والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ» فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أُصلي فيها ركعتين، قالوا: اللَّهم نعم. قال: أنشدكم باللَّه وبالإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العُسرة من مالي؟ قالوا: اللَّهم نعم. ثم قال: أنشدكم باللَّه والإسلام، هل تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ كان على ثَبِير مكة ومعه أبو بكر، وعمر، وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله، فقال: «اسكُن ثَبِيرُ فَإِنَّمَا عَلَيكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ؟ ». قالوا: اللَّهم نعم، قال: اللَّه أكبر، شهدوا لي ورب الكعبة: أني شهيد ثلاثاً (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوماً جلوساً، فقال: من

стр. 1224

هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد اللَّه بن عمر، قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فر يوم أُحد؟ قال: نعم قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها، قال: نعم، قال: اللَّه أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأَشهَد أن اللَّه عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول اللَّه ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّ لَكَ أَجرَ رَجُلٍ مِمَّن شَهِدَ بَدراً وَسَهمَهُ»، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول اللَّه ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول اللَّه ﷺ بيده اليمنى: «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ» فضرب بها على يده، فقال: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ»، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (١). وفي صحيح البخاري من حديث قتادة أن أنساً ﵁ حدثهم قال: صعد النبي ﷺ أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف، وقال: «اسْكُنْ أُحُدُ، - أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ - فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ» (٢). وقد كانت لهذا الصحابي من الخصال الحميدة، والشمائل العظيمة الشيء الكثير فقد كان شديد الحياء. روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة قال: كان رسول اللَّه ﷺ مضطجعاً في بيتي، كاشفاً

стр. 1225

عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول اللَّه ﷺ وسوى ثيابه (قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد) فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك! فقال: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! » (١). وقد اشتهر ﵁ بالكرم والإنفاق في سبيل اللَّه وقد تقدم ذكر شيء من ذلك. أما عبادته فقد كان صواماً قواماً، قال ابن عمر في قول اللَّه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]: ذاك عثمان، قال حسان بن ثابت ﵁: ضَحَّوا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السجودِ به يُقَطِّعُ الليلَ تَسْبِيحاً وقُرْآناً ومن أقواله العظيمة التي تدل على ورعه وتقواه أنه كان يقول: ما زنيت ولا سرقت لا في جاهلية ولا في إسلام. وقد قُتل ﵁ سنة خمس وثلاثين من الهجرة محصوراً في داره في الفتنة المشهورة وقد جاوز الثمانين من عمره. وقد ضحى بنفسه وقتل شهيداً مظلوماً، وكان باستطاعته أن يستعين بالصحابة للدفاع عنه، ولكنه لم يرغب أن تراق قطرة دم من

стр. 1226

أجله، وقد أخبره النبي ﷺ بقتله ظلماً في حياته، وكانت هذه علامة من علامات النبوة، فروى الترمذي في سننه من حديث ابن عمر قال: ذكر النبي ﷺ فتنة، فقال: «يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا مَظْلُومًا» لِعُثْمَانَ (١)، وروى الترمذي في سننه من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ» (٢). رضي اللَّه عن عثمان وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1227

الكلمة الثمانون: تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين﴾ الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد، فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]، وعملاً بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آية من كتاب اللَّه ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين (٩٥)﴾ [الحجر]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: أي بك وبما جئت به وهذا وعد من اللَّه لرسوله أن لا يضره المستهزئون وأن يكفيه اللَّه إياهم بما شاء من أنواع العقوبة، وقد فعل تعالى فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول اللَّه ﷺ وبما جاء به إلا أهلكه اللَّه وقتله شر قتلة (١). اهـ. قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٣٧)﴾ [البقرة]. والأمثلة على ذلك من السنة كثيرة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي؟ أَيُّكُمْ

стр. 1228

يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا (١) وَدَمِهَا وَسَلَاهَا (٢)، فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ، وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ (٣)، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ﵂ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»، ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ ابْنِ الْوَلِيدِ»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً» (٤) (٥). وفي رواية: فشق عليهم إذ دعا عليهم، قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة (٦)، وكان من أشد الكفار عداوة لرسول اللَّه ﷺ رجلان أحدهما يقال له: عقبة بن أبي معيط، والآخر يقال له: النضر بن الحارث.

стр. 1229

قال ابن كثير ﵀: هذان الرجلان من شر عباد اللَّه وأكثرهم كفراً وعناداً وبغياً وحسداً وهجاء للإسلام وأهله لعنهما اللَّه وقد فعل (١). وأذكر بعضاً من مواقف هذين الرجلين، التي تدل على حقدهما وبغضهما للنبي ﷺ وللإسلام وأهله. روى البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير قال: سألت عبد اللَّه بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول اللَّه ﷺ قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللَّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم» (٢). وتقدم أن عقبة بن أبي معيط هو الذي وضع سلا الجزور على رسول اللَّه ﷺ وهو ساجد. أما النضر بن الحارث فقد قال عنه ابن إسحاق: كان من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ ، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول اللَّه ﷺ مجلساً، فذكر فيه باللَّه، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم، من نقمة اللَّه، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا واللَّه يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلمَّ إليَّ، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار (٣)، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟ قال

стр. 1230

ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل اللَّه، قال ابن اسحاق: وكان ابن عباس يقول فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن قول اللَّه : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين (١٥)﴾ [القلم] وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن (١). وكان هذا الرجل حامل لواء المشركين في غزوة بدر، وقد أُسر هذان الرجلان عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث في غزوة بدر وجيء بهما مع الأسرى وفي مكان يقال له: الأثيل (٢)، أمر النبي ﷺ بضرب عنق النضر بن الحارث فقتله علي بن أبي طالب ضرباً بالسيف، وأرغم اللَّه أنف هذا الكافر وأذله، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وأما عقبة بن أبي معيط فقد أمر النبي ﷺ بضرب عنقة في مكان يقال له: عرق الظبية (٣). وكان الذي أسره من المسلمين عبد اللَّه بن سلمة، فقال عقبة حين أمر النبي ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ يستعطف النبي ﷺ فقال ﵊: «النَّارُ»، وكان الذي قتله عاصم بن ثابت (٤).
следующие страницы →