أجله، وقد أخبره النبي ﷺ بقتله ظلماً في حياته، وكانت هذه علامة من علامات النبوة، فروى الترمذي في سننه من حديث ابن عمر قال: ذكر النبي ﷺ فتنة، فقال: «يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا مَظْلُومًا» لِعُثْمَانَ (١)، وروى الترمذي في سننه من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ» (٢).
رضي اللَّه عن عثمان وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1227
الكلمة الثمانون: تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين﴾
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
فإن اللَّه أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]، وعملاً بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آية من كتاب اللَّه ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين (٩٥)﴾ [الحجر]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: أي بك وبما جئت به وهذا وعد من اللَّه لرسوله أن لا يضره المستهزئون وأن يكفيه اللَّه إياهم بما شاء من أنواع العقوبة، وقد فعل تعالى فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول اللَّه ﷺ وبما جاء به إلا أهلكه اللَّه وقتله شر قتلة (١). اهـ.
قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٣٧)﴾ [البقرة]. والأمثلة على ذلك من السنة كثيرة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي؟ أَيُّكُمْ
قال ابن كثير ﵀: هذان الرجلان من شر عباد اللَّه وأكثرهم كفراً وعناداً وبغياً وحسداً وهجاء للإسلام وأهله لعنهما اللَّه وقد فعل (١).
وأذكر بعضاً من مواقف هذين الرجلين، التي تدل على حقدهما وبغضهما للنبي ﷺ وللإسلام وأهله.
روى البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير قال: سألت عبد اللَّه بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول اللَّه ﷺ قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللَّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم» (٢).
وتقدم أن عقبة بن أبي معيط هو الذي وضع سلا الجزور على رسول اللَّه ﷺ وهو ساجد.
أما النضر بن الحارث فقد قال عنه ابن إسحاق: كان من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ ، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول اللَّه ﷺ مجلساً، فذكر فيه باللَّه، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم، من نقمة اللَّه، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا واللَّه يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلمَّ إليَّ، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار (٣)، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟ قال
стр. 1230
ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل اللَّه، قال ابن اسحاق: وكان ابن عباس يقول فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن قول اللَّه : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين (١٥)﴾ [القلم] وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن (١).
وكان هذا الرجل حامل لواء المشركين في غزوة بدر، وقد أُسر هذان الرجلان عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث في غزوة بدر وجيء بهما مع الأسرى وفي مكان يقال له: الأثيل (٢)، أمر النبي ﷺ بضرب عنق النضر بن الحارث فقتله علي بن أبي طالب ضرباً بالسيف، وأرغم اللَّه أنف هذا الكافر وأذله، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
وأما عقبة بن أبي معيط فقد أمر النبي ﷺ بضرب عنقة في مكان يقال له: عرق الظبية (٣).
وكان الذي أسره من المسلمين عبد اللَّه بن سلمة، فقال عقبة حين أمر النبي ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ يستعطف النبي ﷺ فقال ﵊: «النَّارُ»، وكان الذي قتله عاصم بن ثابت (٤).
стр. 1231
وفي رواية الواقدي: أنه لما أقبل إليه عاصم بن ثابت ليقتله قال: يا معشر قريش، علام أُقتل من بين من هاهنا؟ قال: لعداوتك للَّه ولرسوله، فأمر به فضربت عنقه، فقال رسول اللَّه ﷺ : «بِئسَ الرَّجُلُ كُنتَ وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ كَافِراً بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكِتَابِهِ مُؤذِياً لِنَبِيِّهِ، فَأَحمَدُ اللَّهَ الَّذِي هُوَ قَتَلَكَ، وَأَقَرَّ عَينَيَّ مِنكَ» (١).
والأمثلة كثيرة فيمن عاداه وآذاه ﵊ وكيف كانت نهايته في الدنيا قبل الآخرة؟ ! قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر (٣)﴾ [الكوثر]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب].
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1232
الكلمة الحادية والثمانون: تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين﴾ رقم (٢)
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده، وبعد:
قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين (٩٥)﴾ [الحجر]. وقد تقدم الكلام على هذه الآية في كلمة سابقة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: استقبل رسول اللَّه ﷺ البيت فدعا على ستة نفر من قريش، فيهم: أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، فأقسم باللَّه لقد رأيتهم صرعى على بدر قد غيرتهم الشمس وكان يوماً حاراً (١). ولنأخذ قصة مقتل اثنين من هؤلاء الكفرة الذين كانا يستهزئان به ﷺ ودعا عليهما وهما: أبو جهل رأس الكفر وفرعون هذه الأمة، وأمية بن خلف الذي عذب بلالاً ﵁، وكيف انتقم اللَّه لنبيه منهما؟
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث
وقال أيضاً لابن مسعود: فلو غير أكار (١) قتلني (٢).
وفي رواية أخرى للبخاري: وهل أعمد (٣) من رجل قتلتموه (٤)؟
وقال أيضاً لابن مسعود: لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم، وسأل قائلاً: لمن الدائرة اليوم؟ قال ابن مسعود: للَّه ولرسوله.
أما أمية بن خلف فقد روى البخاري في صحيحه قصة قتله من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ عَبْدَ عَمْرٍو فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ (٥) حِينَ نَامَ النَّاسُ فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا،
стр. 1235
وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ (١).
وفي رواية لابن إسحاق وهي تتمه لهذه القصة: قال أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبد الرحمن: فواللَّه إني لأقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالاً بمكة على ترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء (٢) مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد فيقول بلال: أحد أحد قال: فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أي بلال أَبِأَسيري؟ قال: لا نجوت إن نجا قال: قلت: أتسمع يا ابن السوداء؟ قال: لا نجوت إن نجا قال: ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار اللَّه رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال: فأحاطوا بنا، حتى جعلونا في مثل المسكة (٣) أي جعلونا في حلقة كالسوار وأنا أذب عنه قال: فأخلف رجل السيف فضرب
стр. 1236
رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط قال: فقلت: انج بنفسك ولا نجاء بك، فو اللَّه ما أغني عنك شيئاً قال: فهبروهما (١) بأسيافهم حتى فرغوا منهما قال: فكان عبد الرحمن يقول: يرحم اللَّه بلالاً ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري (٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1237
الكلمة الثانية والثمانون: شرح اسم الله البصير
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
روى الإمامان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تَسعَةً وَتِسعِينَ اسماً مِئَةً إِلَّا وَاحِداً مَن أَحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (١)، قال بعضهم: ورد ذكر البصير في كتاب اللَّه تعالى اثنتين وأربعين مرة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٣٣)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَاّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِير (١٩)﴾ [الملك]. قال ابن كثير: واللَّه بصير بالعباد: أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون وما ذاك إلا لحكمته ورحمته (٢).
وإن سألت عن بصره فهو البصير ﷻ الذي قد كمل في بصره أحاط بصره بجميع المُبْصرات في أقطار الأرض والسماوات حتى أخفى ما يكون فيها فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار
стр. 1238
وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من دون ذلك ويرى خيانات الأعين وتقلبات الأجفان وحركات الجنان ويرى ما تحت الأراضين السبع كما يرى ما فوق السماوات السبع (١).
قال ابن القيم ﵀:
وَهُوَ البصيرُ يَرى دبيبَ النملةِ ... السوداءِ تحتَ الصخرِ والصوانِ
ويَرَى مجارِي القوتِ في أعضائِها ... ويَرَى عروقَ بياضِها بِعَيَانِ
ويَرَى خياناتِ العيونِ بَلحْظِهَا ... ويَرَى كذَاكَ تَقَلُّبَ الأجفان (٢)
وقال المؤيد في الدين:
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البعوضِ جَناحَهَا ... في ظلمةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
ويَرَى نِيَاطَ (٣) عروقِهَا فِي نَحْرِهَا ... والمُخَّ مِن تِلْكَ العظامِ النُحَّلِ
امْنُنْ عَليَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا ... مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمانِ الأولِ
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
أولاً: إثبات صفة البصر للَّه لأنه وصف نفسه بذلك وهو أعلم بنفسه، وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع فالمتصف بهما أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُون (٥٠)﴾ [الأنعام].
стр. 1239
وقال تعالى موبخاً للكفار ومسفهاً عقولهم لعبادتهم الأصنام التي هي من الحجارة الجامدة: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]. أي أنتم أكمل من هذه الأصنام لأنكم تسمعون وتبصرون فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها؟ !
ثانياً: أن اللَّه ﵎ بصير بأحوال عباده خبير بصير بمن يستحق الهداية منهم، ممن لا يستحقها بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال وبمن يفسد حاله بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير (٢٧)﴾ [الشورى]. وهو بصير بالعباد شهيد عليهم الصالح منهم والفاسق قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢)﴾ [التغابن]. بصير خبير بأعمالهم وذنوبهم، قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ [الإسراء]. وسيجزيهم عليها أتم الجزاء (١).
ثالثاً: إذا علمنا أن اللَّه بصير حملنا ذلك على حفظ الجوارح وخطرات القلوب عن كل ما لا يرضي اللَّه، وحملنا أيضاً على خشيته في السرو العلانية في الغيب والشهادة لأنه يرانا على كل حال، فكيف نعصيه مع علمنا باطلاعه علينا؟ ! قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩)﴾ [الشعراء]. ومن علم أنه
стр. 1240
يراه أحسن عمله وعبادته. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١).
قال النووي ﵀: هذا من جوامع الكلم التي أُوتيها ﷺ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه لم يترك شيئاً مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه وعلى الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به (٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آل وصحبه أجمعين.
стр. 1241
الكلمة الثالثة والثمانون: شرح حديث
الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد.
فقد روى البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ: فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِئَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي
стр. 1242
وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ
الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَاجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» (١).
وفي هذا الحديث فوائد وعبر كثيرة.
أولاً: فضيلة بر الوالدين وأنه من الأعمال الصالحة التي تُفرج بها الكربات، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وفي الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقتِهَا» قال: ثم أي؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَينِ» قال: ثم أي؟ قال: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٢).
стр. 1243
ثانياً: فضيلة العفة عن الزنا وأن الإنسان إذا عف عن الزنا مع قدرته عليه فإن ذلك من أفضل الأعمال، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (١).
ثالثاً: في الحديث دليل على فضل الأمانة وإصلاح العمل للغير فإن هذا الرجل كان بإمكانه لما جاءه الأجير أن يعطيه أجره ويبقي هذا المال له ولكن لأمانته وإخلاصه لأخيه ونصحه له أعطاه كل ما أثمر أجرة له، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون (٨)﴾ [المؤمنون: ٨].
رابعاً: أن من أعظم الأسباب التي تُدفع بها المكاره الدعاء فإن اللَّه سمع دعاء هؤلاء واستجاب لهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (١٨٦)﴾ [البقرة].
خامساً: أن الإخلاص من أسباب تفريج الكربات لأن كل واحد منهم يقول: اللَّهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه.
سادساً: مشروعية التوسل إلى اللَّه بالعمل الصالح فإن كل واحد منهم توسل إلى اللَّه بعمله الصالح أن اللَّه يزيل عنهم ما بهم من الضر والشدة.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ
الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين (٨٣)﴾ [القصص].
يخبر تعالى عن حال قارون وما فعل وما فُعل به وأنه كان من بني إسرائيل الذين فُضِّلوا على العالمين ولكنه بغى على قومه وطغى بما أُوتيه من الأموال العظيمة المطغية، وأعطاه اللَّه من كنوز الأموال شيئاً كثيراً ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة والعصبة من العشرة إلى التسعة إلى السبعة ونحو ذلك أي حتى إن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها أي هذه المفاتيح فما ظنك بالخزائن؟ وقال له قومه: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة وتفتخر بها، فإن اللَّه لا يحب الفرحين بها، ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ فلا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعاً، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك وأحسن إلى عباد اللَّه ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ بالتكبر والعمل بمعاصي اللَّه ورد قارون على قومه قائلاً: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ أي: إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب «وخرج ذات يوم على قومه بأحسن هيئة» جمعت زينة الدنيا وبهجتها وغضارتها ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين عرفوا حقائق الأشياء ونظروا إلى باطن الدنيا ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ﴾ العاجل من لذة العبادة ومحبته والإنابة والإقبال عليه والآجل من الجنة وما فيها خير مما تمنيتم ورغبتم فيه ولا يوفق لذلك إلا الصابرون.
فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر وازينت الدنيا عنده
стр. 1246
بغته العذاب فخسف اللَّه به وبداره الأرض، فما كان له من جماعة أو عصبة أو جنود ينصرونه فما نصر ولا انتصر، ثم عرف الذين تمنوا مكانه بالأمس من الذين يريدون الحياة الدنيا أن اللَّه يضيق الرزق على من يشاء ويبسطه لمن يشاء، وعلموا أن بسطه لقارون ليس دليلاً على محبته وأن اللَّه مَنَّ عليهم فلم يعاقبهم على قولهم وإلا أصبح حالهم الهلاك كقارون لعنه اللَّه.
ولما ذكر اللَّه تعالى حال قارون وما صارت إليه عاقبة أمره رغّب في الدار الآخرة، وأخبر أنها دار الذين لا يريدون علوًّا أي رفعة وتكبراً على عباد اللَّه ولا فساداً وهذا شامل لجميع المعاصي، وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة الحميدة كما قال تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِين (٣٥)﴾ [الزخرف] (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
أولاً: إن المال يكون وبالاً وحسرة على صاحبه إذا لم يستخدمه في طاعة اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون (٣٦)﴾ [الأنفال]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون (٥٥)﴾ [التوبة].
ثانياً: إن كثرة المال ليست دليلاً على محبة اللَّه ورضاه عن العبد،
стр. 1247
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِين (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَاّ يَشْعُرُون (٥٦)﴾ [المؤمنون]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيتَ اللَّهَ يُعطِي العَبدَ مِنَ الدُّنيَا وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنهُ استِدرَاجٌ» ثم تلا رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام] (١).
ثالثاً: أن المعاصي قد تعجل عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة فقارون عاجله اللَّه بالعذاب بالخسف فجعله عبرة للآخرين، قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠].
رابعاً: إن اللَّه تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء لحكمة بالغة منه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢].
خامساً: إن هذا المال عرض زائل ومتاع مفارق، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُور (٢٠)﴾ [الحديد].
стр. 1248
روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (١).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1249
الكلمة الخامسة والثمانون: نزول المطر
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من فضل اللَّه ورحمته بعباده: نزول هذه الأمطار المباركة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيد (٩)﴾ [ق]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩].
قال ابن القيم ﵀: «ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا أخذت الأرض حاجتها منه - وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها - أقلع عنها وأعقبه بالصحو فهما - أعني الصحو والتغييم - يعتقبان على العالم لما فيه صلاحه، ولو دام أحدهما كان فيه فساده، فلو توالت الأمطار لأهلكت ما على الأرض، ولو زادت على الحاجة أفسدت الحبوب والثمار، وعفنت الزروع والخضروات وأَرْخَت الأبدان وخثَّرت الهواء، فحدثت ضروب من الأمراض، وفسد أكثر المآكل وتقطعت المسالك والسبل، ولو دام الصحو لجفت الأبدان وغيض الماء، وانقطع معين العيون والآبار والأنهار والأودية وعظم الضرر، واحتدم الهواء، فيبس ما على الأرض، وجفت الأبدان،
стр. 1250
وغلب اليُبْسُ، وأحدث ذلك ضروباً من الأمراض عسرة الزوال، فاقتضت حكمة اللطيف الخبير أن عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم، فاعتدل الأمر، وصح الهواء، ودفع كل واحد منهما عادية الآخر، واستقام أمر العالم وصلح» (١).
ومن الأذكار التي تقال عند نزول المطر ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث زيد بن خالد الجهني قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ » قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (٢).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» (٤)(٥).
وميكائيل موكل بنزول المطر ففي الحديث الذي رواه
стр. 1251
الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن، عرفنا أنك نبي واتبعناك؛ وفي آخر الحديث قالوا: إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: «جِبرِيلُ ﵇» قالوا: جبريل! ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عَدُونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل اللَّه : ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] (١).
ويشرع للمسلم أن يكثر من الدعاء عند نزول المطر، لما رواه الشافعي في الأم من حديث مكحول مرسلاً أن النبي ﷺ قال: «اطلُبُوا استِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِندَ التِقَاءِ الجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَنُزُولِ الغَيثِ» (٢).
ويشرع للمسلم الذكر عند سماع الرعد لما رواه مالك في الموطأ من حديث عامر بن عبد اللَّه بن الزبير موقوفاً عليه: أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا لَوَعيد لأهل الأرض شديد (٣).
روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الرَّعدُ مَلَكٌ مِن مَلَائِكَةِ اللَّهِ، مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيقُ مِن
стр. 1252
نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيثُ شَاءَ اللَّهُ» (١)، وقد يسقي هذا الملك بأمر اللَّه بلاداً دون بلاد، أو قرية دون أخرى، وقد يؤمر بأن يسقي زرع رجل واحد دون سواه، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» (٢).
وإذا نزل المطر وكان غزيراً وخيف منه الضرر فإنه يشرع للمسلم أن يدعو اللَّه بتخفيفه. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا،
стр. 1253
اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا قَزَعَةً (١)، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ (٢) مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَاءِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ (٣)، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا (٤). ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ - يعني اليوم الثاني - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ (٥) وَالظِّرَابِ (٦)
وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ (٧).
قال النووي: وفي هذا الحديث الإخبار عن معجزة الرسول ﷺ وعظيم كرامته على ربه بإنزال المطر سبعة أيام متواصلة بسؤاله من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر ظاهر ولا باطن (٨)(٩).
والحمد للَّه وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1254
الكلمة السادسة والثمانون: تواضع السلف وخوفهم من ربهم
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُون (٥٧) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون (٥٨) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُون (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون (٦٠) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون (٦١)﴾ [المؤمنون].
روى الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» (١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تعليقه على الآيات المتقدمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُون (٥٧)﴾ أي: وجلون مشفقة قلوبهم كل ذلك من خشية ربهم خوفاً أن يضع عليهم عدله فلا يُبقي
стр. 1255
لهم حسنة وسوء ظن بأنفسهم أن لا يكونوا قد قاموا بحق اللَّه وخوفاً على إيمانهم من الزوال، ومعرفة منهم بربهم وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عما يوجب الأمر المخوف من الذنوب والتقصير في الواجبات (١).
ولقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ مع اجتهادهم في الأعمال الصالحة يخشون أن تحبط أعمالهم وألا تقبل منهم لرسوخ علمهم وعميق إيمانهم، قال أبوالدرداء: لئن أعلم أن اللَّه تقبل مني ركعتين أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن اللَّه يقول: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِين (٢٧)﴾ [المائدة].
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري قال: قال عبد اللَّه بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: فقلت: لا، قال: قال أبي لأبيك: يا أبا موسى هل يسرك إسلامنا مع رسول اللَّه ﷺ وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه برد لنا وأن كل عمل عملناه بعد نجونا منه كفافًا رأساً براس؟ فقال أبي: لا واللَّه قد جاهدنا مع رسول اللَّه ﷺ وصلينا وصمنا وعملنا خيراً كثيراً وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك، فقال أبي: لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا وأن كل شيء عملناه بعد نجونا منه كفافاً رأساً برأس فقلت: إن أباك واللَّه خير من أبي (٢).
قال ابن حجر: والقائل هو أبو بردة وخاطب بذلك ابن عمر فأراد
стр. 1256
أن عمر خير من أبي موسى، فعمر أفضل من أبي موسى لأن مقام الخوف أفضل من مقام الرجاء، فالعلم محيط بالآدمي لا يخلو عن تقصير ما في كل ما يريد من الخير وإنما قال ذلك عمر هضماً لنفسه وإلا فمقامه في الفضائل والكمالات أشهر من أن تذكر (١). اهـ.
قال ابن القيم ﵀: والمراد أن المؤمن يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها، ورؤيتهم لها، فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع اللَّه، وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك؟ والمعصوم من عصمه اللَّه فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل؟ وأنه لا شيء، وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيراً: ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المُكَدِّي وابنُ المُكَدِّي
وهَكَذا كانَ أَبِي وجَدِّي
وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: إني إلى الآن أُجدد إسلامي في كل وقت وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً (٢).
ومن الناس إذا نصحته في أمر ما قال: نحن أحسن من غيرنا بكثير غيرنا لا يصلي، ويفعل الموبقات، ونحن نصلي ونصوم ونؤدي
стр. 1257
فرائض الإسلام فيقول هذا معجباً بعمله، ومثل هذا يذكر بقول اللَّه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَاّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (١٧)﴾ [الحجرات].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ» (١).
قال ابن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من هو فوقه ممن طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله فيكون أبداً في زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس حالاً منه، فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة اللَّه وصلت إليه دون كثير ممن فُضل عليه بذلك من غير أمر أوجبه فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده (٢). اهـ.
ونبينا محمد ﷺ كان المثل الأعلى في التواضع، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا خير البرية! فقال رسول اللَّه ﷺ : «ذَاكَ إِبرَاهِيمُ ﵇» (٣). وعمر ﵁ كما في الأثر السابق الخليفة الثاني، ومن العشرة المبشرين بالجنة، يقول عنه النبي ﷺ : «لَو كَانَ بَعدِي نَبِيٌّ لَكَانَ
стр. 1258
عُمَرُ» (١)، ومع ذلك يقول: وددت أن أعمالي كفافاً لا لي ولا علي (٢).
وفي صحيح البخاري من حديث محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث العلاء بن المسيب عن أبيه قال: «لقيت البراء بن عازب ﵄ فقلت: طوبى لك صَحِبتَ النبي ﷺ وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده» (٤).
يقول ابن المبارك: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً وإن أنفسنا لا تواتينا إلا كرهاً (٥). وهذا من تواضعه وإلا فهو العلامة الزاهد الورع؛ قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه الإمام أحمد بن حنبل ذكر أخلاق الورعين فقال: أسأل اللَّه أن لا يمقتنا أين نحن من هؤلاء؟ وقال صالح بن أحمد: كان أبي إذ دعا له رجل يقول: الأعمال بخواتيمها، وقال مرة: وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافاً لا علي ولا لي، وقال المروذي: أدخلت إبراهيم الحُصري على أبي
стр. 1259
عبد اللَّه وكان رجلاً صالحاً فقال: إن أمي رأت لك مناماً هو كذا وكذا وذكرت الجنة فقال: يا أخي إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا وخرج إلى سفك الدماء وقال: الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره، وقال له المروذي يوماً: كيف أصبحت يا أحمد؟ قال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة (١).
وصدق الفرزدق عندما قال:
أُولَئك آبائِي فَجِئْنِي بِمِثلهم ... إذا جَمَعَتْنَا يَا جَريرُ المَجَامعُ
ولا شك أن ما تقدم من أقوال عن السلف فإنما مردها إلى أنهم كانوا يهضمون أنفسهم، ويتواضعون ويحتقر أحدهم نفسه ويمقتها في ذات اللَّه وهذا هو حال المؤمن التقي حتى يلقى اللَّه.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1260
الكلمة السابعة والثمانون: سيرة الزبير بن العوام
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد.
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣)﴾ [الأحزاب]. فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة وبطل من أبطالها صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر ونقتدي به في جهاده وتضحيته لهذا الدين، هذا الصحابي شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ شهد بدراً وأحداً والخندق وغيرها من معارك المسلمين الفاصلة، وقد اشتهر بالفروسية والشجاعة، يقول عنه المؤرخون: إنه يعد بألف فارس، أسلم هذا الصحابي وهو في ريعان شبابه لم يتجاوز السادسة عشر عاماً، قال النبي ﷺ : «سَبعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ - ذكر منهم - شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ» (١) وهو أول من سل سيفه في الإسلام، وكان من السابقين إلى الإسلام أسلم على يد أبي بكر الصديق، وقد هاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد اللَّه بن مسعود، وهو حواري (٢)
стр. 1261
رسول اللَّه ﷺ ، قال عنه عمر بن الخطاب: إنه ركن من أركان هذا الدين، وعند وفاته لم يبق موضع في جسده إلا وبه جرح مع رسول اللَّه ﷺ حتى انتهى منه ذلك إلى الفرج، بل إن صدره الذي يقابل به الأعداء أصبح كأمثال العيون من الضربات والطعنات وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة بشره النبي ﷺ بالجنة وهو على قيد الحياة.
إنه فارس الإسلام الزبير ابن العوام بن خويلد القرشي الأسدي ويكنى أبا عبد اللَّه، وله قرابة من النبي ﷺ من جهتين فأمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه ﷺ وأيضاً هو ابن أخي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ ، وصفه أهل السير بأنه كان رجلاً طويلاً، فارع الطول إذا ركب الفرس تخط رجلاه بالأرض، خفيف اللحية والعارضين، يميل إلى السمرة، وهذا الصحابي نموذج فريد للتضحية والبذل والنصرة لهذا الدين.
فمن مواقفه العظيمة ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: «مَن يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ؟ » فقال الزبير: أنا ثم قال: «مَن يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ؟ » فقال الزبير: أنا، ثم قال: «مَن يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ» فقال الزبير: أنا، ثم قال: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيرُ» (١). وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم: إن الزبير قال: لقد جمع لي رسول اللَّه ﷺ يومئذ أبويه، فقال: «فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (٢).
ومن مواقفه العظيمة كذلك ما حدث في فتح مصر عندما استعصت على جيش المسلمين ودام الحصار سبعة أشهر فتقدم وقال:
стр. 1262
أهب نفسي للَّه وللمسلمين فوضع سلماً وأسنده إلى جانب الحصن ثم صعد عليه وأمر بقية الجنود إذا سمعوا تكبيراته أن يجيبوه جميعاً، ثم رمى بنفسه في الحصن فلم يشعر الأعداء إلا والزبير داخل الحصن فبدأ يضرب بسيفه حتى وصل إلى الباب وفتحه وكبَّر المسلمون ودخلوا الحصن وكان الفتح الكبير.
وكان له موقف بطولي رائع في معركة اليرموك الشهيرة وكان عدد جيش الروم مائتي ألف مقاتل كما يذكر المؤرخون. روى البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: «أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ؟ » فقال: إني إن شددت كذبتم، فقالوا: لا تفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلاً، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير، قال عروة: وكان معه عبد اللَّه بن الزبير يومئذ، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس، ووكل به رجلاً (١).
ولما حدثت معركة الجمل قال لابنه عبد اللَّه كما في سنن الترمذي من حديث هشام بن عروة: ما مني عضو إلا وقد جُرح مع رسول اللَّه ﷺ حتى انتهى ذاك إلى فرجه (٢). قال علي بن زيد: أخبرني
стр. 1263
من رأى الزبير أن في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي (١).
وكان يوم بدر معتجراً بعمامة صفراء فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (٢).
وهذه منقبة عظيمة له ﵁ وأرضاه.
ومن مواقفه العظيمة التي تدل على شجاعته وقوته ما رواه البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج لا يُرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبو ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة (٣) فطعنته في عينه فمات، قال هشام: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطأت، فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول اللَّه ﷺ فأعطاه، فلما قُبض رسول اللَّه ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قُبض أبو بكر سألها إياه عمر فأعطاه إياها فلما قُبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها عبد اللَّه بن الزبير فكانت عنده حتى قُتل (٤).
ومن مواقفه أن الزبير ضرب يوم الخندق عثمان بن المغيرة
стр. 1264
بالسيف على مغفره (١)، فقطعه إلى القربوس (٢) فقالوا: ما أجود سيفك! فغضب الزبير يريد أن العمل ليده لا للسيف (٣) وكان ﵁ رجلاً غنياً كريماً ينفق ولا يبالي له من المماليك ألف مملوك كلهم يؤدي إليه الخراج، فكان لا يدخل بيته منها شيئاً يتصدق به كله.
في صحيح البخاري أنه قال لابنه عبد اللَّه يوم الجمل: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أُراني إلا سأقتل اليوم مظلوماً، وإن من أكبر همي لديني. قال عبد اللَّه: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بُني إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي قال: فواللَّه ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبتِ من مولاك؟ قال: اللَّه، قال: فواللَّه ما وقعت في كُربة من دَينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضِ عنه دينه فيقضيه (٤).
وكان قتله بعد معركة الجمل. ذكر أهل السير أنه انسحب من المعركة في مكان يقال له: وادي السباع (٥).
وأنشد يقول:
وَلَقْد عَلِمْتُ لَوْ أَنْ عِلْمِي نَافِعِي ... أن الحياةَ مِنَ المَمَاتِ قريبُ
فأدركه في الوادي رجل يقال له: عمرو بن جرموز وهو نائم في
стр. 1265
القائلة فهجم عليه فقتله، وقيل: إنه قتله وهو يصلي غيلة (١)، ثم أخد سيفه وذهب إلى علي لينال منزلة عنده فرفض علي أن يأذن له وقال: بشر قاتل ابن صفية بالنار، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًا وَإِنَّ الزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ حَوَارِيَّ» (٢)، ولما رأى علي سيف الزبير قال: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول اللَّه ﷺ .
قال ابن المديني: سمعت سفيان يقول: جاء ابن جرموز إلى مصعب بن الزبير يعني لما ولي إمرة العراق لأخيه الخليفة عبد اللَّه بن الزبير، فقال: أقدني بالزبير، فكتب في ذلك يشاور ابن الزبير فجاءه الخبر: أنا أقتل ابن جرموز بالزبير؟ ولا بشسع نعله.
قال الذهبي ﵀: أكل المعثَّر يديه ندماً على قتله واستغفر لا كقاتل طلحة، وقاتل عثمان، وقاتل علي (٣). قالت زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو في رثائه:
غَدَرَ ابنُ جُرموزٍ بفارس بُهْمَةٍ (٤) ... يَومَ اللقاءِ (٥) وكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ (٦)
يا عَمْرو لو نبَّهته لَوَجَدْته ... لا طائشاً (٧) رَعِش (٨) البنان ولا اليَدِ