رسول اللَّه ﷺ ، قال عنه عمر بن الخطاب: إنه ركن من أركان هذا الدين، وعند وفاته لم يبق موضع في جسده إلا وبه جرح مع رسول اللَّه ﷺ حتى انتهى منه ذلك إلى الفرج، بل إن صدره الذي يقابل به الأعداء أصبح كأمثال العيون من الضربات والطعنات وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة بشره النبي ﷺ بالجنة وهو على قيد الحياة.
إنه فارس الإسلام الزبير ابن العوام بن خويلد القرشي الأسدي ويكنى أبا عبد اللَّه، وله قرابة من النبي ﷺ من جهتين فأمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه ﷺ وأيضاً هو ابن أخي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ ، وصفه أهل السير بأنه كان رجلاً طويلاً، فارع الطول إذا ركب الفرس تخط رجلاه بالأرض، خفيف اللحية والعارضين، يميل إلى السمرة، وهذا الصحابي نموذج فريد للتضحية والبذل والنصرة لهذا الدين.
فمن مواقفه العظيمة ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: «مَن يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ؟ » فقال الزبير: أنا ثم قال: «مَن يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ؟ » فقال الزبير: أنا، ثم قال: «مَن يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ» فقال الزبير: أنا، ثم قال: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيرُ» (١). وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم: إن الزبير قال: لقد جمع لي رسول اللَّه ﷺ يومئذ أبويه، فقال: «فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (٢).
ومن مواقفه العظيمة كذلك ما حدث في فتح مصر عندما استعصت على جيش المسلمين ودام الحصار سبعة أشهر فتقدم وقال:
стр. 1262
أهب نفسي للَّه وللمسلمين فوضع سلماً وأسنده إلى جانب الحصن ثم صعد عليه وأمر بقية الجنود إذا سمعوا تكبيراته أن يجيبوه جميعاً، ثم رمى بنفسه في الحصن فلم يشعر الأعداء إلا والزبير داخل الحصن فبدأ يضرب بسيفه حتى وصل إلى الباب وفتحه وكبَّر المسلمون ودخلوا الحصن وكان الفتح الكبير.
وكان له موقف بطولي رائع في معركة اليرموك الشهيرة وكان عدد جيش الروم مائتي ألف مقاتل كما يذكر المؤرخون. روى البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: «أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ؟ » فقال: إني إن شددت كذبتم، فقالوا: لا تفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلاً، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير، قال عروة: وكان معه عبد اللَّه بن الزبير يومئذ، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس، ووكل به رجلاً (١).
ولما حدثت معركة الجمل قال لابنه عبد اللَّه كما في سنن الترمذي من حديث هشام بن عروة: ما مني عضو إلا وقد جُرح مع رسول اللَّه ﷺ حتى انتهى ذاك إلى فرجه (٢). قال علي بن زيد: أخبرني
стр. 1263
من رأى الزبير أن في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي (١).
وكان يوم بدر معتجراً بعمامة صفراء فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (٢).
وهذه منقبة عظيمة له ﵁ وأرضاه.
ومن مواقفه العظيمة التي تدل على شجاعته وقوته ما رواه البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج لا يُرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبو ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة (٣) فطعنته في عينه فمات، قال هشام: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطأت، فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول اللَّه ﷺ فأعطاه، فلما قُبض رسول اللَّه ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قُبض أبو بكر سألها إياه عمر فأعطاه إياها فلما قُبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها عبد اللَّه بن الزبير فكانت عنده حتى قُتل (٤).
ومن مواقفه أن الزبير ضرب يوم الخندق عثمان بن المغيرة
стр. 1264
بالسيف على مغفره (١)، فقطعه إلى القربوس (٢) فقالوا: ما أجود سيفك! فغضب الزبير يريد أن العمل ليده لا للسيف (٣) وكان ﵁ رجلاً غنياً كريماً ينفق ولا يبالي له من المماليك ألف مملوك كلهم يؤدي إليه الخراج، فكان لا يدخل بيته منها شيئاً يتصدق به كله.
في صحيح البخاري أنه قال لابنه عبد اللَّه يوم الجمل: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أُراني إلا سأقتل اليوم مظلوماً، وإن من أكبر همي لديني. قال عبد اللَّه: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بُني إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي قال: فواللَّه ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبتِ من مولاك؟ قال: اللَّه، قال: فواللَّه ما وقعت في كُربة من دَينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضِ عنه دينه فيقضيه (٤).
وكان قتله بعد معركة الجمل. ذكر أهل السير أنه انسحب من المعركة في مكان يقال له: وادي السباع (٥).
وأنشد يقول:
وَلَقْد عَلِمْتُ لَوْ أَنْ عِلْمِي نَافِعِي ... أن الحياةَ مِنَ المَمَاتِ قريبُ
فأدركه في الوادي رجل يقال له: عمرو بن جرموز وهو نائم في
стр. 1265
القائلة فهجم عليه فقتله، وقيل: إنه قتله وهو يصلي غيلة (١)، ثم أخد سيفه وذهب إلى علي لينال منزلة عنده فرفض علي أن يأذن له وقال: بشر قاتل ابن صفية بالنار، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًا وَإِنَّ الزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ حَوَارِيَّ» (٢)، ولما رأى علي سيف الزبير قال: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول اللَّه ﷺ .
قال ابن المديني: سمعت سفيان يقول: جاء ابن جرموز إلى مصعب بن الزبير يعني لما ولي إمرة العراق لأخيه الخليفة عبد اللَّه بن الزبير، فقال: أقدني بالزبير، فكتب في ذلك يشاور ابن الزبير فجاءه الخبر: أنا أقتل ابن جرموز بالزبير؟ ولا بشسع نعله.
قال الذهبي ﵀: أكل المعثَّر يديه ندماً على قتله واستغفر لا كقاتل طلحة، وقاتل عثمان، وقاتل علي (٣). قالت زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو في رثائه:
غَدَرَ ابنُ جُرموزٍ بفارس بُهْمَةٍ (٤) ... يَومَ اللقاءِ (٥) وكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ (٦)
يا عَمْرو لو نبَّهته لَوَجَدْته ... لا طائشاً (٧) رَعِش (٨) البنان ولا اليَدِ
стр. 1266
ثكلتك أمُّك إن ظَفِرتَ بِمِثْلِهِ ... فِيما مضَىَ ممّا ترُوحُ وتَغْتَدي
كم غمرةٍ (١) قَدْ خَاضَهَا لم يثنهِ ... عنها طِرادُك يا ابن فَقْع (٢) الفَدْفدِ (٣)
واللَّه ربِّك إن قتلت لَمُسِلماً ... حَلَّتْ عَلَيْكَ عقوبةُ المُتَعَمِّد
ولبعضهم:
إن الرَّزِية من تَضمَّن قَبْرَهُ ... وادِي السباعِ لِكُلِّ جَنب مَصْرعُ
لَمَّا أَتى خَبُر الزبيرِ تواضعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء]. وكان قتله كما قال البخاري وغيره: في رجب سنة ست وثلاثين من الهجرة وله أربع وستون سنة (٤).
رضي اللَّه عن الزبير، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رقيقاً.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1267
الكلمة الثامنة والثمانون: شرح اسم الله السميع
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١).
ومن أسماء اللَّه الحسنى التي وردت في كتابه: السميع، قال بعضهم: ورد ذكر اسم اللَّه السميع خمساً وأربعين مرة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٢٧)﴾ [البقرة]. وقال تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير (١)﴾ [المجادلة].
وسمعه تعالى نوعان:
الأول: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة الخفية والجلية وإحاطته التامة بها.
الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (٣٩)﴾ [إبراهيم].
стр. 1268
أي: مجيب الدعاء ومنه قول المصلي: سمع اللَّه لمن حمده، أي: أجاب اللَّه حمد من حمده ودعاء من دعاه كما قال النبي ﷺ : «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ» (١) وفي رواية: «يَسمَعِ اللَّهُ لَكُم» (٢) أي: يُجِبكُم، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول، وفي الحديث الذي رواه الترمذي في سننه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن دُعَاءٍ لَا يُسمَع» (٣).
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
أولاً: إثبات صفة السمع له سبحانه كما وصف اللَّه نفسه بذلك قال تعالى: ﴿سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار (١٠)﴾ [الرعد]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١)﴾ [الإسراء]. وإن سألت عن سمعه فهو السميع الذي قد كمل في سمعه فاستوى في سمعه سر القول وجهره وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق، ولا تشتبه عليه ولا يشغله منها سمع عن سمع ولا تُغَلِّطُه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين على الدوام، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات بل هي عنده كلها كصوت واحد كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة (٤). قال ابن القيم ﵀:
стр. 1269
وضَجِيجُ أصواتِ العبادِ يسمَعُهُ ... وَلَدَيْهِ لا يَتَشَابَهُ الصوتانِ
قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَان (٢٩)﴾ [الرحمن].
ثانياً: أن سمع اللَّه ليس كسمع أحد من خلقه فإن الخلق وإن وصُفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان]. إلا أن سمعهم وبصرهم ليس كخالقهم، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]. روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه تعليقاً عن عائشة ﵂ قالت: الحمد للَّه الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل اللَّه : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا فقال النبي ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ اربَعُوا عَلَى أَنفُسِكُم فَإِنَّكُم لَا تَدعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِباً وَلَكِن تَدعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً» (٢).
стр. 1270
ثالثاً: أن اللَّه قد أنكر على المشركين الذين ظنوا أن اللَّه لا يسمع السر والنجوى. روى البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي كثيرةٌ شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن اللَّه يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا، فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل اللَّه : ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآية (١). وكذا قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ [الزخرف: ٨٠].
رابعاً: إذا علم العبد أن ربه يسمع كل شيء لا تخفى عليه خافية فيسمع حركاته وسكناته حمله ذلك الاعتقاد على المراقبة للَّه سبحانه في جميع الأحوال وفي جميع الأمكنة والأزمنة، فيمسك عن كل قول لا يُرضي ربه، ويحفظ لسانه فلا يتكلم إلا بخير، قال تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
خامساً: أن اللَّه هو السميع الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الاضطرار ويكشف السوء ويقبل الطاعة، وقد دعا الأنبياء والصالحون بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم ويستجيب لدعائهم فإبراهيم وإسماعيل قالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٢٧)﴾ [البقرة]. ودعا زكريا أن يرزقه اللَّه ذرية صالحة: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (٣٨)﴾ [آل عمران]. فاستجاب اللَّه
стр. 1271
دعاءه ودعا يوسف ﵇ أن يصرف عنه كيد السوء ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٣٤)﴾ [يوسف].
سادساً: أن العبد إذا دعا ربه فسمع دعاءه سماع إجابة وأعطاه ما سأله وعلى حسب مراده ومطلبه أو أعطاه خيراً منه حصل له بذلك سرور يمحو من قلبه آثار ما كان يجده من وحشة البعد فإن للعطاء والإجابة سروراً وأنساً وحلاوة، وللمنع وحشة ومرارة، فإذا تكرر منه الدعاء، وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه، محا عنه آثار الوحشة، وأبدله بها أنساً وحلاوة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (١)(٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1272
الكلمة التاسعة والثمانون: تفسير سورة الزلزلة
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُم (٦) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (٨)﴾ [الزلزلة].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁ قال: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لَهُ: «اقْرَا ثَلَاثًا مِنْ ذَاتِ (الر)» فَقَالَ الرَّجُلُ: كَبِرَتْ سِنِّي، وَاشْتَدَّ قَلْبِي، وَغَلُظَ لِسَانِي، قَالَ: «فَاقْرَا مِنْ ذَاتِ (حم)» فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، فَقَالَ: «اقْرَا ثَلَاثًا مِنَ الْمُسَبِّحَاتِ»، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَلَكِنْ أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةً جَامِعَةً، فَأَقْرَأَهُ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَدًا، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ،
стр. 1273
أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ» (١).
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾، قال ابن عباس: أي: تحركت من أسفلها.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾، يعني: ألقت ما فيها من الموتى، قاله غير واحد من السلف وهذا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم (١)﴾ [الحج]. وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّت (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّت (٤)﴾ [الانشقاق]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «تَقِيءُ الأَرضُ أَفلَاذَ كَبِدِهَا، أَمثَالَ الأُسطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَيَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلتُ، وَيَجِيءُ القَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَت يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأخُذُونَ مِنهُ شَيئاً» (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾ أي: استنكر أمرها بعد ما كانت ساكنة ثابتة وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال وصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر اللَّه تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما فيها من الأموات من الأولين والآخرين وحينئذ استنكر الناس أمرها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار (٤٨)﴾ [إبراهيم].
стр. 1274
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾: أي: تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾: قال ابن عباس: أوحى لها أي أوحى إليها، قال ابن كثير: والظاهر أن هذا مضمن لمعنى أذن لها، وقال ابن عباس: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ قال: قال ربها: قولي، أي تكلمي بما حصل عليك من خير أو شر (١).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: أي يخرجون إلى موقف الحساب أشتاتاً: أي أنواعاً وأصنافاً ما بين شقي وسعيد، قال تعالى: ﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُم (٦)﴾: أي ليجازوا بما عملوا في الدنيا من خير أو شر، ولهذا قال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (٨)﴾.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الخَيلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجرٌ، وَلِرَجُلٍ سِترٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزرٌ» ثم سئل في آخر الحديث عن الحُمُر قال: «مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةَ الجَامِعَةَ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (٨)﴾» (٢).
والذرة هي أصغر النمل، فالنبي ﷺ بين في هذا الحديث أن هذه السورة جامعة ومبينة للخير والشر فمن عمل خيراً أراد به وجه اللَّه أُثيب عليه، ومن عمل شراً عوقب عليه يوم القيامة، وفي
стр. 1275
الصحيحين من حديث عدي مرفوعاً: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ فَمَن لَم يَجِد فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث صعصعة بن معاوية أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (٨)﴾ قال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها (٢).
ومن فوائد السورة الكريمة:
أولاً: أن الأرض تخبر يوم القيامة بما فعل الناس عليها، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَسمَعُ صَوتَ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنسٌ وَلَا شَيءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ» (٣).
ثانياً: أن الناس يوم القيامة يصدرون أشتاتاً، أي: جماعات متفرقين بحسب أعمالهم كل يتجه إلى مأواه؛ فأهل الجنة - جعلنا اللَّه منهم - يتجهون إليها، وأهل النار والعياذ باللَّه يساقون إليها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم].
ثالثاً: أن اللَّه تعالى يُري العباد أعمالهم يوم القيامة إن خيراً فخير وإن شراً فشر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعمَالُكُم
стр. 1276
أُحصِيهَا لَكُم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إِيَّاهَا، فَمَن وَجَدَ خَيراً فَليَحمَدِ اللَّهَ وَمَن وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفسَهُ» (١).
رابعاً: أن فيها الحث على الأعمال الصالحة ولو كانت قليلة والبعد عن المعاصي وإن كانت صغيرة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا» (٢)(٣).
وكذلك الخير لا يحقر المسلم منه شيئاً. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (٤).
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء]. وكانت عائشة ﵂ تتصدق بعنبة وتقول كم فيها من مثقال ذرة (٥).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1277
الكلمة التسعون: شرح حديث: «اللَّهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك»
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
روى الإمام الترمذي في سننه من حديث ابن عمر قال: قلما كان رسول اللَّه ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: «اللَّهُمَّ اقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا يَحُولُ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مُصِيبَاتِ الدُّنيَا، وَمَتِّعنَا بِأَسمَاعِنَا وَأَبصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحيَيتَنَا، وَاجعَلهُ الوَارِثَ مِنَّا وَاجعَل ثَأرَنَا عَلَى مَن ظَلَمَنَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن عَادَانَا وَلَا تَجعَل مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا وَلَا تُسَلِّط عَلَينَا مَن لَا يَرحَمُنَا» (١).
قوله: «اقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا يَحُولُ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ» اقسِم: بمعنى قَدِّر، والخشية هي الخوف المقرون بالعلم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨]، والإنسان كلما خشي اللَّه
стр. 1278
منعته خشيته من اللَّه أن ينتهك محارم اللَّه، ولهذا قال: «مَا يَحُولُ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ».
قوله: «وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ»: يعني واقسم لنا من طاعتك ما تبلغنا به جنتك فإن الجنة طريقها طاعة اللَّه ، فإذا وُفق العبد بخشية اللَّه واجتناب محارمه والقيام بطاعته نجا من النار ودخل الجنة بطاعته.
قوله: «وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مُصِيبَاتِ الدُّنيَا»، اليقين هو أعلى درجات الإيمان لأنه إيمان لا شك معه ولا تردد، تتيقن ما غاب عنك كما تشاهد من حضر بين يديك، قال ابن مسعود: اليقين هو الإيمان كله؛ فإذا كان عند الإنسان يقين تام بما أخبر اللَّه تعالى من أمور الغيب فيما يتعلق باللَّه أو بأسمائه أو صفاته أو اليوم الآخر وغير ذلك وصار ما أخبر اللَّه به من الغيب عنده بمنزلة الشاهد فهذا هو كمال اليقين، والدنيا فيها مصائب كثيرة، لكن هذه المصائب إذا كان عند الإنسان يقين تام أنه يكفر بها من سيئاته ويُرفع بها من درجاته إذا صبر واحتسب الأجر من اللَّه، هانت عليه المصائب وسهلت عليه المحن مهما عظمت سواء كانت في بدنه أو في أهله أو في ماله. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً فقال رسول اللَّه ﷺ : «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكبَةِ يُنكَبُهَا أَوِ الشَّوكَةِ يُشَاكُهَا» (١).
стр. 1279
قوله: «مَتِّعنَا بِأَسمَاعِنَا وَأَبصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحيَيتَنَا»: أي اجعلنا متمتعين ومنتفعين بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أي بأن نستعملها في طاعتك.
قال ابن الملك: التمتع بالسمع والبصر إبقاؤهما صحيحين إلى الموت وإنما خص السمع والبصر بالتمتيع من الحواس لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة اللَّه وتوحيده إنما تحصل من طريقها لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات القرآنية وذلك بطريق السمع أو من الآيات الكونية في الآفاق والأنفس بطريق البصر، والإنسان إذا تمتع بهذه الحواس حصل على خير كثير وإذا افتقدها فاته خير كثير، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُون (٢٣)﴾ [الملك].
كان بعض العلماء قد جاوز المئة سنة وهو متمتع بقوته وعقله فوثب يوماً وثبة شديدة فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها اللَّه علينا في الكبر (١).
قوله: «وَاجعَلهُ الوَارِثَ مِنَّا»: واجعله أي المذكور من الأسماع والأبصار والقوة، (الوارث) أي الباقي بأن يبقى إلى الموت.
قوله: «وَاجعَل ثَأرَنَا عَلَى مَن ظَلَمَنَا». أي اجعلنا نستأثر وتكون لنا الأثرة على من ظلمنا بحيث تقتص لنا منه إما بأشياء تصيبه في الدنيا أو في الآخرة، قال تعالى: ﴿لَاّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَاّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [النساء]. وفي الصحيحين
стр. 1280
من حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ، فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللَّهِ حِجَابٌ» (١).
قوله: «وَانصُرنَا عَلَى مَن عَادَانَا»: من الأعداء وهم كثر من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين وغيرهم ومن أكبر أعدائنا وأشدهم ضرراً علينا الشيطان الذي حذرنا اللَّه منه فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير (٦)﴾ [فاطر]. وقال تعالى عن الكفار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى عن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون (٤)﴾ [المنافقون].
واللَّه تعالى ناصرنا عليهم جميعاً، قال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِين (١٥٠)﴾ [آل عمران].
قوله: «وَلَا تَجعَل مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا»: المصائب تكون في مال الإنسان أو بدنه أو مسكنه أو أهله فيمرضون أو يموتون أو غير ذلك وأعظم مصيبة هي مصيبة الدين وهي على قسمين إما أن يبتَلَى بالمعاصي كأكل الحرام واعتقاد السوء أو يبتَلَى بما هو أعظم من ذلك كالشرك والكفر والنفاق وما أشبه فهذه مهلكة مثل الموت للبدن.
قوله: «وَلَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا»: أي لا تجعل طلب المال والجاه أكبر قصدنا وهمنا، بل اجعل أكبر قصدنا مصروفاً
стр. 1281
في عمل الآخرة.
«وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا»: أي لا تجعلنا حيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أمور الدنيا بل اجعلنا متفكرين في أحوال الآخرة، والمبلغ: أي الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب فيقف عنده.
روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (١).
قوله: «وَلَا تُسَلِّط عَلَينَا مَن لَا يَرحَمُنَا»: أي لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظلمة أو لا تجعل الظالمين علينا حاكمين، فإن الظالم لا يرحم الرعية (٢)(٣).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1282
الكلمة الواحدة والتسعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: ٢١]
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاء وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَاّ عَذَابًا (٣٠)﴾ [النبأ].
يذكر اللَّه في هذه الآيات الكريمات أحوال الأشقياء وما يحصل لهم من النكال والعذاب السرمدي في نار جهنم فيقول: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾: أي: مرصدة ومعدة للطاغين، وجهنم اسم من أسماء النار التي لها أسماء كثيرة وسميت بهذا الاسم لأنها ذات جهمة وظلمة بسوادها ومقرها أعاذنا اللَّه منها.
وقد أعدها اللَّه من الآن فهي موجودة كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (١٣١)﴾ [آل عمران]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ » قال: قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ
стр. 1283
حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا» (١).
وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ رأها - أي النار - حين عُرضت عليه في صلاة الكسوف، ورأى النار فيها امرأة تعذب في هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (٢).
قوله تعالى: ﴿لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)﴾: الطاغون جمع طاغ والطغيان تجاوز الحد كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة (١١)﴾ [الحاقة]. والمراد بالطاغين الذين تجاوزا حدود اللَّه استكباراً على ربهم، ومآباً: أي مرجعاً يرجعون إليه ومسكناً يصيرون إليه.
قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ أي: باقين فيها أحقاباً أي مدداً طويلة وقد وردت آيات كثيرة تدل على أنها مدد أبديه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقا (١٦٨) إِلَاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَاّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ [الأحزاب].
قوله تعالى: ﴿لَاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾: نفى اللَّه عنهم البرد الذي تكون به برودة ظاهر الجسد، والشراب الذي تكون به برودة داخل الجسد فإنهم إذا عطشوا واستغاثوا يغاثون بماء كالمهل، قال تعالى:
стр. 1284
﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف]. وقال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم (١٥)﴾ [محمد]. وقال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيم (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُود (٢٠)﴾ [الحج]. فمن كان حاله كذلك فإنهم لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً يطفئ حرارة بطونهم، قال بعض السلف:
عَجِبْتُ للنارِ كَيْفَ نَامَ هَارِبُهَا
وَعَجِبْتُ للجنَّةِ كيفَ نامَ طالِبُها
قوله تعالى: ﴿إِلَاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾: الحميم هو الماء الحار الذي انتهى حره وحموه.
وغساقاً: هو شراب منتن الرائحة شديدة البرودة، قال جمع من المفسرين: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه فهم يذوقون العذاب من ناحيتين الحرارة، والثاني البرودة فإذا اجتمعت الحرارة والبرودة كان ذلك زيادة في مضاعفة العذاب عليهم، قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاق (٥٧) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاج (٥٨)﴾ [ص: ]. أي ولهم أصناف وألوان من العذاب نسأل اللَّه العافية.
قوله تعالى: ﴿جَزَاء وِفَاقًا (٢٦)﴾، يقول تعالى: هذا العقاب الذي عوقب به الكفار في الآخرة فعله بهم ربهم جزاء لهم على أفعالهم وأقوالهم السيئة التي كانوا يعملونها في الدنيا، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾: أي لا يؤملون أن
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، قَالَ: «وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (١).
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَاّ عَذَابًا (٣٠)﴾: هذا الأمر للإهانة والتوبيخ يقال لهم: ذوقوا عذاب النار فلن نخففه عنكم بل لا نزيدكم إلا عذاباً في قوته، قال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (١٦)﴾ [الطور]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور (٣٦)﴾ [فاطر].
قال العلماء: إن هذه الآية أعظم آية في الترهيب.
قال عبد اللَّه بن المبارك يصف هذه النار:
وَطَارَتِ الصُّحُفُ فِي الأيْدِي مُنَشَّرَةً ... فِيها السرائرُ والأخبارُ تطلعُ
فكيفَ سَهْوك والأنباء واقعةٌ ... عَمَّا قَليلٍ ولا تَدْرِي بِمَا يقعُ
أفِي الجنانِ وفوزٍ لا انقطاعَ لهُ ... أمِ الجحيمِ فما تُبقي ولا تدعُ
تَهْوِي بساكِنِها طَوْراً وترفَعُهم ... إذا رَجَوا مَخرَجاً من غَمِّهَا قُمِعُوا
طَاَل البكاءُ فلمْ ينفعْ تضرعُهُمْ ... هيهاتَ لا رِقةٌ تُغنِي ولا جَزَعُ
لينفع العلمُ قبل الموتِ عالِمَهُ ... قَدْ سأَلَ قومٌ بها الرُّجْعَى فما رَجَعُوا
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1287
الكلمة الثانية والتسعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَاسًا دِهَاقًا (٣٤) لَاّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ].
بعد أن ذكر تعالى حال الأشقياء ذكر حال المتقين السعداء ليكون المرء على بصيرة من أمره وبيّنة في دينه، فإن استقامة العبد في عبادته لربه لا تتم حتى يكون راجياً لرحمة ربه خائفاً من عذابه. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: ينبغي أن يكون الإنسان في عبادته لربه بين الخوف والرجاء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾ قال ابن عباس والضحاك متنزهاً، وقال مجاهد وقتادة: فازوا فنجوا من النار (١). والمتقون
стр. 1288
هم الذين اتقوا عقاب اللَّه وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقد أخبر اللَّه عن هذا الفوز بأنه عظيم، فقال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح].
وأخبر سبحانه أن هذا الفوز كبير فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِير (١١)﴾ [البروج].
قوله تعالى: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢)﴾: حدائق جمع حديقة، أي: بساتين أشجارها عظيمة وكثيرة ومنوعة، وأعناباً: جمع عنب وهي من جملة الحدائق لكنه خصصها بالذكر لشرفها.
قوله تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾: جمع (١) كاعب وهي الناهد، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: كواعب أي: أن [ثُدُيَّهن نواهد] ليست متدلية إلى أسفل لأنهن أبكار عُرُب أتراب (٢).
و﴿أَتْرَابًا (٣٣)﴾ أي: في سن واحدة لا تختلف إحداهن عن الأخرى كما في نساء الدنيا.
كما في قوله تعالى «في سورة الواقعة»: ﴿إِنَّا أَنشَانَاهُنَّ إِنشَاء (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة].
قوله تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾: أي: كأساً ممتلئة والمراد هنا الخمر.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ
стр. 1289
مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].
وخمر الآخرة ليست كخمر الدنيا يصيب الإنسان الصداع والقيء منها، فقد نفى اللَّه تعالى عنها ذلك، قال تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُون (١٩)﴾ [الواقعة].
قوله تعالى: ﴿لَاّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾ [النبأ]: أي لا يسمعون لغواً أي كلاماً باطلاً لا خير فيه ولا كذابًا: أي ولا كذباً فلا يكذبون ولا يُكذب بعضهم بعضاً، قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَاثِيمًا (٢٥) إِلَاّ قِيلاً سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة]. وقال سبحانه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (٤٧)﴾ [الحجر].
قوله تعالى: ﴿جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا (٣٦)﴾: أي أنهم يُجزون بهذا جزاء من اللَّه على أعمالهم الحسنة التي عملوها في الدنيا، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم]. وحساباً: أي كافياً وافراً شاملاً، تقول العرب: أعطاني فأحسبني أي كفاني ومنه حسبي اللَّه أي أن اللَّه كافيني.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾. يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وأنه رب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما وأنه الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾ أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وكقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ
стр. 1290
لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥].
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ أي: لا أحد يتكلم لا الملائكة ولا غيرهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَاّ هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه]. وقد اختلف المفسرون بالمراد بالروح فقيل: إنهم بنو آدم، وقيل: جبريل كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين (١٩٤)﴾ [الشعراء]. وقيل: القرآن وقيل: ملك من الملائكة يقدر بجميع المخلوقات، وقيل غير ذلك ورجح جمع من المفسّرين أنه جبريل ﵇. ﴿إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ﴾: أي بالكلام وقال قولاً صواباً وذلك بالشفاعة إذا أذن اللَّه لأحد أن يشفع شفع فيما أُذن له فيه على حسب ما أذن له.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (١).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾. أي الكائن المتحقق لا محالة، فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً. قال القرطبي: أي مرجعاً بالعمل الصالح كأنه إذا عمل خيراً رده إلى اللَّه وإذا عمل شراً عده منه وننظر إلى هذا المعنى في قوله ﷺ : «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ
стр. 1291
فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» تأدباً مع اللَّه (١)(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ]. أي تعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها قديمها وحديثها كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]. وكقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّر (١٣)﴾ [القيامة]. وجاء في وصف هذا العذاب بأنه قريب فكل ما هو آت فهو قريب، قال بعض المفسّرين: إنه يشمل عذاب الآخرة والموت والقيامة لأن من مات فقد قامت قيامته فإن كان من أهل الجنة رأى مقعده من الجنة وإن كان من أهل النار رأى مقعده من النار (٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾: أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدنيا تراباً ولم يكن خُلق ولا خرج إلى الوجود وذلك حين عاين عذاب اللَّه ونظر إلى أعماله الفاسدة. قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة، وقيل: إنما يود ذلك حين يحكم اللَّه بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العادل الذي لا يجور حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني تراباً فتصير تراباً فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ (٤)، وذكر ابن جرير في تفسيره آثاراً عن الصحابة
стр. 1292
منهم عبد اللَّه بن عمر وأبي هريرة ﵁: أن اللَّه تعالى يقتص بين هذه البهائم يوم القيامة ثم يقول لها بعد ذلك: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ (١).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1293
الكلمة الثالثة والتسعون: وقفات مع الأزمة المالية العالمية
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
فإن من الذنوب العظيمة والجرائم الشنيعة التي حرمها اللَّه ورسوله ولعن فاعلها: الربا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: لعن رسول اللَّه ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: «هُم سَوَاءٌ» (١).
وروى البخاري في صحيحه حديث سمرة بن جندب ﵁ في رؤيا النبي ﷺ وجاء فيه: «أَتَانِي اللَّيلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انطَلِق، وَإِنِّي انطَلَقتُ مَعَهُمَا، فَأَتَينَا عَلَى نَهرٍ - حسبت أنه كان يقول: - أَحمَرَ مِثلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهرِ رَجُلٍ سَابِحٌ يَسبَحُ، وِإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهرِ رَجُلٌ قَد جَمَعَ عِندَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسبَحُ مَا يَسبَحُ، ثُمَّ يَأتِي ذَلِكَ الَّذِي قَد جَمَعَ الحِجَارَةَ، فَيَفغَرُ لَهُ فَاهُ، فَيُلقِمُهُ
стр. 1294
حَجَراً، فَيَنطَلِقُ يَسبَحُ، ثُمَّ يَرجِعُ إِلَيهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلقَمَهُ حَجَراً، قَالَ: قُلتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَا: أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيتَ عَلَيهِ يَسبَحُ فِي النَّهرِ وَيُلقَمُ الحِجَارَةَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا» (١).
ومن صور الربا المحرم، شراء الأسهم الربوبية، أو إيداع الأموال في البنوك، وأخذ الزيادة الربويّة التي يسمونها فوائد، أو الاقتراض من البنوك، ورد المبالغ إليها مع الزيادة الربوية، أو البطاقات الائتمانية التي تعطى للعميل لشراء الأغراض مقابل رسوم سنوية، وتسدّد قيمتها خلال فترة محدودة فإن تأخر حاملها عن السداد تحسب عليه فائدة عن كل يوم تأخير أو غير ذلك من الصور.
وبناء على ما تقدم فإن ما حدث من الأزمة المالية العالمية وما نتج عنه من إفلاس شركات، وبنوك عالمية، في الدول الكافرة وأمام هذا الحدث العظيم فإنا نحتاج إلى وقفات:
الوقفة الأولى: أن ما حصل من انهيارات اقتصادية، وأزمات مالية في تلك الدول إنما هو بسبب الربا الذي حرمه اللَّه ورسوله ولعن فاعله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. والمحق بمعنى الإزالة أي يزيل الربا والإزالة يحتمل أن تكون إزالة حسية أو إزالة معنوية فالإزالة الحسية أن يسلط اللَّه على المرابين ما
стр. 1295
يتلف به أموالهم والمعنوية أن ينزع منه البركة فلا يستفاد منه (١). روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «الرِّبَا وَإِن كَثُر فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ إِلَى قُلٍّ» (٢).
قال الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀. وبذلك يعلم كل من له أدنى بصيرة أن البنوك الربوية ضد الاقتصاد السليم، وضد المصالح العامة، ومن أعظم أسباب الانهيار والبطالة ومحق البركات وتسليط الأعداء وحلول العقوبات المتنوعة والعواقب الوخيمة، فنسأل اللَّه أن يعافي المسلمين من ذلك وأن يمنحهم البصيرة والاستقامة على الحق (٣).
الوقفة الثانية: أن ما أصاب هؤلاء الكفار إنما هو عقاب إلهي لما فعلوه من ظلم وجرائم ضد المسلمين كما حصل في أفغانستان، والعراق، وفلسطين والصومال، وغيرها من الدول، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون (٣٦)﴾ [الأنفال]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد (٣١)﴾ [الرعد].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ».
стр. 1296
ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد (١٠٢)﴾ [هود] (١).
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِير (٤٨)﴾ [الحج].
وكم من المسلمين من يرفع يديه بالدعاء على هؤلاء الكفرة الظلمة؟ ! وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «دَعوَةُ المَظلُومِ تُحمَلُ عَلَى الغَمَامِ، وَتُفتَحُ لَهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُ : وَعِزَّتِي لَأَنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ» (٢).
قال الشاعر:
لا تَظْلِمَنَّ إِذَا ما كُنْتَ مقتدراً ... فالظلمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلى الندمِ
تنامُ عينُكَ والمظلومُ منتبهٌ ... يَدْعُو عليكَ وعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ
الوقفة الثالثة: إن المعاصي والذنوب سبب لهلاك الأمم والشعوب، قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٤٠)﴾ [العنكبوت].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ
стр. 1297
السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٩٦)﴾ [الأعراف].
روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إِذَا ظَهَرَ الرِّبَا وَالزِّنَا فِي قَريَةٍ فَقَد أَحَلُّوا بِأَنفُسِهِم عَذَابَ اللَّهِ» (١).
الوقفة الرابعة: أن على الدول الإسلامية أن تأخذ الدروس والعبر مما حصل لهذه الدول الكافرة، وأن تمنع الربا بشتى صوره وأشكاله عن البنوك والمؤسسات ومحلات التجارة وغيرها، وأن تشجع على إقامة المصارف الإسلامية فهي الحل الشرعي لكثير من المشاكل الاقتصادية ولذلك الآن في الغرب ينادون بتطبيق الأنظمة الإسلامية في البنوك لعلها أن تنقذهم مما هم فيه. يقول أحد عقلائهم وهو رئيس تحرير مجلة في الغرب: «أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة المالية إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حلت بنا الكوارث والأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري».
الوقفة الخامسة: أن الأيام دول، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» (٢) قال أبو البقاء الرندي:
стр. 1298
لكلِ شيءٍ إذَا مَا تَمَّ نُقْصانُ ... فَلا يُغَرُّ بطيب العَيْشِ إِنسانُ
هِيَ الأمُورُ كما شاهَدْتُها دُولُ ... من سَرَّهُ زمنٌ ساءَتْهُ أزْمَانُ
الوقفة السادسة: إن هؤلاء الكفار كانوا يتبجحون بقوة اقتصادهم وحرية التصرف لكل فرد منهم فأتاهم اللَّه من حيث لم يحتسبوا، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَاد (١٩٧)﴾ [آل عمران]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: هذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا وتنعمهم فيها وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب والملذات، وأنواع العز والغلية في بعض الأوقات فإن هذا كله متاع قليل ليس له ثبوت ولا بقاء بل يتمتعون به قليلاً ويعذبون عليه طويلاً وهذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه (١). اهـ.
الوقفة السابعة: أن على المؤمن أن يكون على يقين تام وعقيدة راسخة أن اللَّه يمحق الربا، وينصر دعوة المظلومين، وأن اللَّه ينصر دينه ويذل الكفر وأهله كما أخبر بذلك، سواء رأينا ذلك في حياتنا أم لم نره فقد يتأخر لحكمة إلاهية.
لأن البعض من الناس يشكك ويقول: عشرات السنين وهؤلاء الكفار يرابون ولم نر إلا مزيداً من القوة الاقتصادية، وعشرات السنين وهم يذبحون المسلمين بل ويتفننون في تعذيبهم ولم ينتقم اللَّه منهم، فأين دعوات المظلومين؟ ! فالجواب عن ذلك في قوله تعالى:
стр. 1299
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب (٣٨)﴾ [الرعد]. وكما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (١) وكما قال النبي ﷺ لأصحابه عندما شكوا إليه ما يجدون من تعذيب المشركين: «وَلَكِنَّكُم قَومٌ تَستَعجِلُونَ» (٢).
ونحن نرى العقوبات بأعيننا وقد تتبعها البشائر إن شاء اللَّه ويشفي اللَّه صدور قوم مؤمنين، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1300
الكلمة الرابعة والتسعون: وقفات مع أحداث غزة
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
فلا يزال إخواننا في غزة يخوضون معارك عنيفة مع اليهود عليهم لعائن اللَّه المتتابعة إلى يوم القيامة، وهم يسطرون ملحمة من أعظم الملاحم في التاريخ، أحفاد خالد وسعد وطلحة والزبير وصلاح الدين الأيوبي.
وقد رأينا وسمعنا وقرأنا عن المآسي والقصص التي حدثت في غزة، ورأينا صور الجرحى والأشلاء الممزقة والإعاقات المستديمة، ورأينا البيوت وقد سويت بالأرض على أصحابها، والمساجد وقد هدمت على المصلين فيها، ورأينا الفساد والدمار والخراب الذي أحدثه اليهود في هذه المدينة، وصدق اللَّه حيث قال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين (٦٤)﴾ [المائدة].
مناظر يندى لها الجبين، وتتفطر منها القلوب، وتدمع لها العيون، مصائب عظيمة لو نزلت على الجبال لدكتها من هولها وعظمها، قال أبو البقاء الرندي:
فجائِعُ الدهرِ أنواعٌ مُنَوَّعَةٌ ... وللزمانِ مَسَرَّاتٌ وأحزانُ