ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد (١٠٢)﴾ [هود] (١).
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِير (٤٨)﴾ [الحج].
وكم من المسلمين من يرفع يديه بالدعاء على هؤلاء الكفرة الظلمة؟ ! وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «دَعوَةُ المَظلُومِ تُحمَلُ عَلَى الغَمَامِ، وَتُفتَحُ لَهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُ : وَعِزَّتِي لَأَنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ» (٢).
قال الشاعر:
لا تَظْلِمَنَّ إِذَا ما كُنْتَ مقتدراً ... فالظلمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلى الندمِ
تنامُ عينُكَ والمظلومُ منتبهٌ ... يَدْعُو عليكَ وعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ
الوقفة الثالثة: إن المعاصي والذنوب سبب لهلاك الأمم والشعوب، قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٤٠)﴾ [العنكبوت].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ
стр. 1297
السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٩٦)﴾ [الأعراف].
روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إِذَا ظَهَرَ الرِّبَا وَالزِّنَا فِي قَريَةٍ فَقَد أَحَلُّوا بِأَنفُسِهِم عَذَابَ اللَّهِ» (١).
الوقفة الرابعة: أن على الدول الإسلامية أن تأخذ الدروس والعبر مما حصل لهذه الدول الكافرة، وأن تمنع الربا بشتى صوره وأشكاله عن البنوك والمؤسسات ومحلات التجارة وغيرها، وأن تشجع على إقامة المصارف الإسلامية فهي الحل الشرعي لكثير من المشاكل الاقتصادية ولذلك الآن في الغرب ينادون بتطبيق الأنظمة الإسلامية في البنوك لعلها أن تنقذهم مما هم فيه. يقول أحد عقلائهم وهو رئيس تحرير مجلة في الغرب: «أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة المالية إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حلت بنا الكوارث والأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري».
الوقفة الخامسة: أن الأيام دول، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» (٢) قال أبو البقاء الرندي:
стр. 1298
لكلِ شيءٍ إذَا مَا تَمَّ نُقْصانُ ... فَلا يُغَرُّ بطيب العَيْشِ إِنسانُ
هِيَ الأمُورُ كما شاهَدْتُها دُولُ ... من سَرَّهُ زمنٌ ساءَتْهُ أزْمَانُ
الوقفة السادسة: إن هؤلاء الكفار كانوا يتبجحون بقوة اقتصادهم وحرية التصرف لكل فرد منهم فأتاهم اللَّه من حيث لم يحتسبوا، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَاد (١٩٧)﴾ [آل عمران]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: هذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا وتنعمهم فيها وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب والملذات، وأنواع العز والغلية في بعض الأوقات فإن هذا كله متاع قليل ليس له ثبوت ولا بقاء بل يتمتعون به قليلاً ويعذبون عليه طويلاً وهذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه (١). اهـ.
الوقفة السابعة: أن على المؤمن أن يكون على يقين تام وعقيدة راسخة أن اللَّه يمحق الربا، وينصر دعوة المظلومين، وأن اللَّه ينصر دينه ويذل الكفر وأهله كما أخبر بذلك، سواء رأينا ذلك في حياتنا أم لم نره فقد يتأخر لحكمة إلاهية.
لأن البعض من الناس يشكك ويقول: عشرات السنين وهؤلاء الكفار يرابون ولم نر إلا مزيداً من القوة الاقتصادية، وعشرات السنين وهم يذبحون المسلمين بل ويتفننون في تعذيبهم ولم ينتقم اللَّه منهم، فأين دعوات المظلومين؟ ! فالجواب عن ذلك في قوله تعالى:
стр. 1299
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب (٣٨)﴾ [الرعد]. وكما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (١) وكما قال النبي ﷺ لأصحابه عندما شكوا إليه ما يجدون من تعذيب المشركين: «وَلَكِنَّكُم قَومٌ تَستَعجِلُونَ» (٢).
ونحن نرى العقوبات بأعيننا وقد تتبعها البشائر إن شاء اللَّه ويشفي اللَّه صدور قوم مؤمنين، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1300
الكلمة الرابعة والتسعون: وقفات مع أحداث غزة
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
فلا يزال إخواننا في غزة يخوضون معارك عنيفة مع اليهود عليهم لعائن اللَّه المتتابعة إلى يوم القيامة، وهم يسطرون ملحمة من أعظم الملاحم في التاريخ، أحفاد خالد وسعد وطلحة والزبير وصلاح الدين الأيوبي.
وقد رأينا وسمعنا وقرأنا عن المآسي والقصص التي حدثت في غزة، ورأينا صور الجرحى والأشلاء الممزقة والإعاقات المستديمة، ورأينا البيوت وقد سويت بالأرض على أصحابها، والمساجد وقد هدمت على المصلين فيها، ورأينا الفساد والدمار والخراب الذي أحدثه اليهود في هذه المدينة، وصدق اللَّه حيث قال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين (٦٤)﴾ [المائدة].
مناظر يندى لها الجبين، وتتفطر منها القلوب، وتدمع لها العيون، مصائب عظيمة لو نزلت على الجبال لدكتها من هولها وعظمها، قال أبو البقاء الرندي:
فجائِعُ الدهرِ أنواعٌ مُنَوَّعَةٌ ... وللزمانِ مَسَرَّاتٌ وأحزانُ
стр. 1301
وللحوادثِ سُلوانٌ يُسهِّلُها ... ومَا لِمَا حلَّ بالإسلامِ سُلوانُ
وقال أيضاً:
لِمثْلِ هَذَا يَذُوبُ القَلْبُ مِنْ كَمَدٍ ... إِنْ كَانَ فِي القَلْبِ إِسلامٌ وإيمانُ
ومن الدروس والعبر المستفادة من هذا الحدث العظيم الذي حل بأمة الإسلام:
أولاً: أن حربنا مع اليهود حرب عقيدة ليست حرباً من أجل الوطن أو الحزب أو الحركة أو الأرض، أو غيرها، وإنما هي حرب بين الإسلام والكفر، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢].
ثانياً: أن ما نراه في هذه الأزمان من تكالب أمم الكفر من كل مكان واتحادهم ضد المسلمين، فبالأمس العراق وقبلها أفغانستان والشيشان والآن غزة إنما هو مصداق قول النبي ﷺ : «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فقال قائل: أَوِ من قلة نحن يومئذ؟ قال: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فقال قائل: يا رسول اللَّه وما الوهن؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» (١).
стр. 1302
قال ابن رجب الحنبلي: «ومن أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول ﷺ ترك ما كان عليه من جهاد أعداء اللَّه، فمن سلك سبيل الرسول ﷺ في الجهاد عز، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل» (١).
روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (٢).
قال أبو عبيدة الهروي: وقد تبتلى أمة الإسلام بتكالب الكفار واعتدائهم عليها، إما عقوبة لها على تقصيرها في طاعة ربها، أو ابتلاءً واختباراً لها، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤].
ثالثاً: يجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حكومات وشعوباً أن يناصروا إخوانهم المسلمين في غزة مادياً ومعنوياً، كُلٌّ بما يستطيع وأن يقفوا معهم في محنتهم، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢].
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ
стр. 1303
قال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» (١)، فكيف وهم مظلومون؟ !
ومن وسائل نصرتهم: الدعاء لهم بظهر الغيب أن اللَّه يثبتهم ويربط على قلوبهم، ويسدد سهامهم، ويذل اليهود ومن ناصرهم.
قال الشاعر:
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم
قَتْلَى وأَسْرَى فَمَا يَهْتَزُّ إِنسانُ
ماذا التقاطُعُ في الإسلام بينكُمُ
وأَنْتُم يا عبادَ اللَّهِ إخوانُ
ألَا نُفُوسٌ أَبِيَّاتٌ لها هِمَمٌ
أَمَا على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ
رابعاً: على المسلمين الأخذ بأسباب القوة والإعداد لذلك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وهو على المنبر يقول: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (٢).
وروى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لَن يُغْلَبَ اثنَا عَشَرَ أَلفاً مِن قِلَّةٍ» (٣).
ومن أعظم أسباب الخذلان: المعاصي والذنوب فإنها تخون العبد وهو أحوج ما يكون إلى نصر ربه، قال تعالى مبيناً سبب انهزام
стр. 1304
بعض المسلمين في إحدى الغزوات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيم (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥].
خامساً: أن الدعاء من أعظم أسباب النصر، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين (٩)﴾ [الأنفال: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وكان النبي ﷺ يدعو ربه ويستغيث به كلما نزل به كرب أو شدة كما في معركة بدر وغيرها.
وكان من دعائه ﷺ : «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» (١).
سادساً: أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة وهو من أفضل الأعمال وذروة سنام الدين لما يترتب عليه من إعلاء كلمة اللَّه، ونصر دينه، وقمع الكافرين والمنافقين والظالمين الذين يصدون الناس عن سبيله، ويقفون في طريقه، ولما يترتب عليه من إخراج العباد من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ
стр. 1305
يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ: بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (٢).
سابعاً: أن اليهود لن ينعموا بسلام وأمان، بل سيظلون في رعب وخوف إلى قيام الساعة مهما امتلكوا من الأسلحة النووية، وحمتهم دول الكفر، فالوعد الإلهي متحقق فيهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. قال ابن كثير: «ويقال: إن موسى ﵇ ضرب عليهم الخراج سبع سنين وقيل: ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكُلدانيين، ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم، وأخذهم منهم الجِزَى والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد ﷺ فكانوا تحت صغاره وذمته يؤدون الخراج والجِزَى. وقال جمع من المفسرين في الآية السابقة: يبعث اللَّه عليهم هذا الحي من العرب فيقاتلون من لم يسلم منهم ولم يعط الجزية، ومن أعطى منهم الجزية كان ذلك ذلة وصغاراً له، ثم يكون آخر أمرهم أنصار الدجال فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان» (٣).
وسأل رجل الشافعي ﵀ فقال: «يا أبا عبد اللَّه أيهما أفضل للرجل أن يُمكنَ فيشكر اللَّه ، أو يُبتلى فيصبر؟ فقال الشافعي: لا يُمكن حتى يُبتلى، فإن اللَّه ابتلى نوحاً وإبراهيم ومحمداً صلوات اللَّه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم اللَّه، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
تاسعاً: أن اليهود قد أصابهم القتل والجراح والرعب والخوف رغم تفوقهم في القوة العسكرية وذلك مصداق قول اللَّه تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ (١٠٤)﴾ [النساء: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. قال ابن كثير: أي إن كنتم قد أصابتكم جراح، وقُتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من هذا من قتل وجراح، وتلك الأيام نداولها بين الناس، أي نديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة (١). اهـ.
ولا يستوي الفريقان، قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، واللَّه مولانا ولا مولى لهم.
стр. 1308
عاشراً: أنه على الرغم من ضعف الإمكانيات العسكرية لإخواننا في غزة مقابل ترسانة اليهود العسكرية الضخمة واستخدامهم لجميع الأسلحة الممنوعة في أنظمة الدول الكافرة كالقنابل الفسفورية والعنقودية وغيرها، ودعم الدول الكبرى لهم في حربهم ضد المسلمين، وبالرغم من الحصار والبرد والجوع الذي يعاني منه إخواننا هناك، إلا أنهم منصورون بإذن اللَّه.
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1309
الكلمة الخامسة والتسعون: موقف الحساب
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
فإن من أعظم مواقف يوم القيامة التي يجب على المؤمن الإيمان بها والاستعداد لها: موقف الحساب، قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين (٤)﴾ [الفاتحة]. أي: الجزاء والحساب، والمقصود بالحساب أن يُوقف العباد بين يدي رب العالمين ويعرفهم بأعمالهم وأقوالهم التي عملوها في الدنيا وما كانوا عليه من إيمان وكفر واستقامة وانحراف، ويُعطى العباد كتبهم بأيمانهم إن كانوا صالحين، وبشمائلهم إن كانوا غير ذلك.
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُم (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢].
وروى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ»، فقلت: يا رسول اللَّه أليس قد قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
стр. 1310
يَسِيرًا (٨)﴾؟ ! فقال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ» (١).
قال النووي في شرحه للحديث: «معنى نوقش الحساب: استقصي عليه، قال القاضي: وقوله: «عُذِّب» له معنيان، أحدهما أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ، والثاني أنه مفض إلى العذاب بالنار، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: «هَلَكَ» مكان «عُذِّبَ» هذا كلام القاضي وهذا الثاني هو الصحيح ومعناه: أن التقصير غالب في العباد، فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن اللَّه تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء» (٢).
ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: «إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ»، قال: إن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منة اللَّه عليه في سترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنها في الآخرة (٣). اهـ.
واللَّه تعالى يحاسب كل إنسان بمفرده، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُون (٢٤)﴾ [الصافات]. روى مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا
стр. 1311
النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (١).
ومن المؤمنين من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ رأى أمته ومعهم سَبعُونَ أَلفاً يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، وَهُم الَّذِينَ لَا يَستَرقُونَ وَلَا يَكتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّروُنَ وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ (٢).
والحساب على مواقف منها:
عرض الأعمال على العباد، قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّر (١٣)﴾ [القيامة]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].
ومنها أن يُعطى العبد كتابه ويُقال له: حاسب نفسك، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (١٣) اقْرَا كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]. المقصود من الآية أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلاً ونهاراً، وصباحاً ومساءً، ثم يجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيداً، أو بشماله إن كان شقياً، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره، ثم يُقال له: اقرأ كتابك بنفسك لكي تعلم أنك لم تُظلم ولم يُكتب عليك إلا ما
стр. 1312
عملت لأنك ذكرت جميع ما كان منك ولا ينسى أحد شيئاً مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي.
ومنها إحضار الشهود على العبد كالرسل والملائكة وأمة محمد ﷺ والأعضاء، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار].
قال نابغة بني شيبان:
إنَّ مَنْ يَرْكَبُ الفَوَاحِشَ سِرًّا ... حِينَ يَخْلُو بِسِرِّهِ غيرُ خالِ
كَيْفَ يَخْلُو وَعِنْدَه كَاتِبَاهُ ... شاهدَاهُ وَرَبُّهُ ذُو الجلالِ
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَلقَى اللَّهَ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيتُ وَصُمتُ وَتَصَدَّقتُ وَيُثنِي بِخَيرِ مَا استطَاعَ، فَيَقُولُ: هَا هُنَا إِذًا، قَالَ: ثُم يُقَالُ لَهُ: الآنَ نَبعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفسِهِ: مَن ذَا الَّذِي يَشهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُختَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحمِهِ وَعِظَامِهِ: انطِقِي فَتَنطِقُ فَخِذُهُ وَلَحمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعذَرَ مِن نَفسِهِ، وَذَلِكَ المُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسخَطُ اللَّهُ عَلَيهِ» (١)، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا
стр. 1313
أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٦٥)﴾ [يس].
ومنها وزن الأعمال الحسنات والسيئات، فأما المؤمن فتوزن حسناته وسيئاته ليتبين مقدار ما عمله، قال تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يِظْلِمُون (٩)﴾ [الأعراف].
وأما الكافر فتوزن أعماله لإقامة الحجة عليه وتوبيخه وتقريعه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «يراد بالحساب عرض أعمال الكفار عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات؛ فإن أُريد بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم محاسبون، وإن أُريد به المعنى الثاني فإن قصد بذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر» (١). اهـ، وقال في موضع آخر: والنار دركات فإذا كان بعض الكفار أشد عذاباً من بعض لكثرة سيئاته وقلة حسناته كان الحساب لبيان مراتب العذاب لا لأجل دخولهم الجنة (٢) اهـ.
قال ابن كثير: وأما الكفار فتوزن أعمالهم وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم يقابل بها كفرهم لإظهار شقائهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق (٣). اهـ.
روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال:
стр. 1314
«إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِق، فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين (١٨)﴾ [هود]» (١).
ومن آثار الإيمان بهذا الحدث الغيبي العظيم:
أولاً: أن المؤمن إذا علم أنه سيقف بين يدي اللَّه ويحاسب حساباً دقيقاً استعد للقاء اللَّه وحاسب نفسه في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُون (١)﴾ [الأنبياء]. قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا وتهيؤوا للعرض الأكبر على اللَّه».
ثانياً: قدرة اللَّه العظيمة فهو يحاسب الخلائق جميعاً الجن والإنس مليارات البشر كل يحاسبه بنفسه، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون (٩٣)﴾ [الحجر].
ثالثاً: إن هذا الحساب دقيق، فيسأل العبد عن شركه وكفره، وعن الأنداد والشركاء الذين اتخذهم من دون اللَّه أولياء، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُون (٩٢) مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُون (٩٣)﴾ [الشعراء]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ
стр. 1315
الْمُرْسَلِين (٦٥)﴾ [القصص]. ويسأل عن صلاته، روى الطبراني في الأوسط من حديث عبد اللَّه بن قرط أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ فَإِن صَلَحَت صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِن فَسَدَت فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (١).
ويُسأل عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ ويُسأل عن سمعه وبصره وفؤاده، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا (٣٦)﴾ [الإسراء]. ويُسأل عن النعيم، ومن النعيم الشبع من الطعام والماء البارد والمركب الحسن وصحة الأبدان والزوجة والأولاد ورئاسة القوم، وغير ذلك من النعيم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم (٨)﴾ [التكاثر].
روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ أَن يُقَالَ لَهُ: أَلَم أُصِحَّ لَكَ جِسمَكَ؟ وَأَروِكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ؟ » (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلعَبدِ يَومَ القِيَامَةِ: أَلَم أُكرِمكَ، وَأُسَوِّدكَ (٣)، وَأُزَوِّجكَ، وَأُسَخِّر لَكَ الخَيلَ وَالِإبِلَ وَأَذَركَ تَرأَسُ
стр. 1316
وَتَربَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَفَظَنَنتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» (١).
ويُسأل عن العهود التي بينه وبين الناس، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولا (٣٤)﴾ [الإسراء].
قال الشاعر:
أَمَا واللَّهِ لَوْ عَلِمَ الأنامُ ... لِمَا خُلقُوا لَمَا هَجَعُوا ونَامُوا
لَقَدْ خُلقُوا لأَمْرٍ لَوْ رَأَتْهُ ... عُيونُ قُلوُبِهم تَاهُوا وهَامُوا
مَمَاتٌ ثُمَّ قبرٌ ثم حشرٌ ... وتوبيخٌ وأهوالٌ عِظَامُ
لِيَومِ الحشرِ قَدْ عَمِلَتْ رِجَالٌ ... فَصَلَّوا مِنْ مَخَافتِهِ وَصَامُوا
وأختم بهذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن اللَّه ﵎ أنه قال: «يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (٢)(٣).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1317
الكلمة السادسة والتسعون: شرح اسم من أسماء الله الحسنى: الوارث
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد،
قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء اللَّه الحسنى التي وردت في الكتاب العزيز: «الوارث» قال الزجاج: الوارث كل باق بعد ذاهب فهو وارث (٢)، وقال الحُليمي: الوارث معناه الباقي بعد ذهاب غيره (٣). قال تعالى: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُون (٢٣)﴾ [الحجر]. وقال تعالى عن نبي اللَّه زكريا: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِين (٨٩)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَاّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِين (٥٨)﴾
стр. 1318
[القصص]. قال ابن جرير ﵀: ونحن نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل (١)، وقال الزجاجي: اللَّه وارث الخلق أجمعين لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون، كما قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُون (٤٠)﴾ [مريم]. ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم (٢):
أولاً: اللَّه جل شأنه هو الباقي بعد فناء خلقه، الحي الذي لا يموت، الدائم الذي لا ينقطع، وإليه مرجع كل شيء ومصيره فإذا مات جميع الخلائق وزال عنهم ملكهم، كان اللَّه تعالى هو الباقي الحق المالك لكل المملوكات وحده، وهو القائل: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فيجيب سبحانه نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار (١٦)﴾ [غافر]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٢٧)﴾ [الرحمن]. وقال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
ثانياً: بين اللَّه تعالى لعباده أنه هو الوارث لما أهلك من القرى الظالمة التي كانت تعيش في أمن ودعة ورغد العيش حتى أصابهم الأشر والبطر فلم يقوموا بحق النعمة ولم يشكروا ربهم الذي وهبهم، قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَاّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِين (٥٨)﴾ [القصص].
стр. 1319
فقوله تعالى: ﴿لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَاّ قَلِيلاً﴾، أي إلا زماناً قليلاً إذ لا يسكنها إلا المارة يوماً أو بعض يوم، وبقيت شاهدة على مصرع أهلها وفنائهم وعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِين (٥٨)﴾ أي: منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وأموالهم بل كان اللَّه وحده الوارث لديارهم وأموالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُون (٤٠)﴾ [مريم].
قال أبو البقاء الرندي:
أَيْنَ الملوكُ ذوو التيجانِ مِنْ يَمَنٍ ... وأين منهم أكاليلُ وتيجانُ؟
وأين ما شادَه شدادُ في إرمٍ؟ ... وأين ما سَاسَهُ في الفرسِ ساسانُ؟
وأَيْنَ ما حَازَه قارونُ من ذهبٍ ... وأَيْنَ عادٌ وشدادٌ وقحطانُ؟
أتى على الكلِّ أمرٌ لا مردَّ لهُ ... حتى قَضَوا فكأن القومَ ما كانُوا
وصارَ ما كانَ مِن مُلكٍ ومِنْ مَلِكٍ ... كَمَا حَكَى عَنْ خَيالِ الطَّيفِ وَسنَانُ
ثالثاً: حث اللَّه عباده المؤمنين على النفقة في سبيله وذكرهم أنهم مستخلفون فيما عندهم من الأموال لا يملكونها حقيقة وإنما المال مال اللَّه، قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير (٧)﴾ [الحديد]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى،
стр. 1320
أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (١).
رابعاً: دعوة زكريا ﵇ ربه أن يهبه ولداً يكون من بعده نبياً وقد بلغ من الكبر عتيًّا وامرأته عاقر، وقد حكى اللَّه ذلك في كتابه قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِين (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. أي: ارزقني وارثاً من آل يعقوب يرثني.
خامساً: أن اللَّه تعالى هو الوارث فهو الذي يُورث الأرض من يشاء من عباده، قال تعالى عن نبي اللَّه موسى وهو يخاطب قومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين (١٢٨)﴾ [الأعراف].
وقال تعالى عن فرعون وقومه لما عصوا اللَّه وخالفوا أمره: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُون (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيم (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِين (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِين (٢٨)﴾ [الدخان]. وقال سبحانه عن بني إسرائيل: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين (٥)﴾ [القصص].
سادساً: أن اللَّه تعالى جعل الجنة ثواباً للمتقين وهو يورثهم إياها، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا
стр. 1321
بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأعراف]. وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم]. وقال تعالى عن المؤمنين بعدما ذكر بعضاً من صفاتهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (١١)﴾ [المؤمنون] (١).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1322
الكلمة السابعة والتسعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]
الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك لا وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال ابن كثير ﵀: «هذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات اللَّه وسلامه عليه، ولهذا جعله اللَّه تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥]. أي: صدقاً في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾، أي: فارضوه أنتم لأنفسكم فإنه الدين الذي أحبه اللَّه ورضيه وبعث به
стр. 1323
أفضل الرسل الكرام وأنزل به أشرف كتبه» (١).
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام أخبر اللَّه نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه اللَّه فلا ينقصه أبداً، وقد رضيَه فلا يسخطه أبداً، وقال ابن جريج وغير واحد: مات رسول اللَّه ﷺ بعد يوم عرفة بواحد وثمانين يوماً.
روى البخاري ومسلم من حديث طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾. قال عمر: «قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة» (٢).
وروى ابن جرير بسنده أن ابن عباس قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة (٣).
ومن فوائد الآية الكريمة:
أولاً: أن الدين قد كمل فلا يحتاج إلى زيادة أبداً فما يفعله
стр. 1324
أهل الضلالة من البدع إنما هو ابتداع في دين اللَّه واتهام لهذا الدين بالنقص، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١) فما من خير إلا والنبي ﷺ دل أمته عليه وما من شر إلا حذر أمته منه، قال أبو ذر: «لقد تركنا رسول اللَّه ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً» (٢).
ثانياً: أن اللَّه أتم على المؤمنين نعمه الظاهرة والباطنة، ومن أعظم هذه النعم بعث النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين (١٦٤)﴾ [آل عمران].
ثالثاً: أن اللَّه تعالى رضي للمؤمنين هذا الدين العظيم دين الإسلام بل إن اللَّه لا يقبل من الناس غيره، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَاب (١٩)﴾ [آل عمران].
فوجب على المؤمنين أن يرضوا بهذا الدين الذي رضيه اللَّه لهم، روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ
стр. 1325
قال: «مَن قَالَ حِينَ يَسمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالإِسلَامِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنبُهُ» (١).
رابعاً: أن أحكام هذا الدين وشرائعه قد كملت فلا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة، فعلى سبيل المثال ذكر اللَّه في كتابه اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار ونهانا عن موالاتهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. فلا يأتي أحد فيقول: إن الزمن قد تغير وأن اليهود والنصارى أصدقاء وبيننا وبينهم مصالح فلا بد من صداقتهم وأن هؤلاء ليسوا كأسلافهم من قبل، قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير (٧٣)﴾ [الأنفال].
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1326
الكلمة الثامنة والتسعون: النفخ في الصور
الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من أهوال الآخرة العظيمة التي يجب على المؤمن الإيمان بها والاستعداد لها: النفخ في الصور، قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف].
روى الترمذي في سننه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ قال: ما الصور؟ قال: «قَرنٌ يُنفَخُ فِيهِ» (١)، والنفخ في الصور أمر غيبي يكون عند نهاية الحياة الدنيا وبدء الحياة الآخرة فينفخ الملك إسرافيل في القرن بأمر اللَّه، فلا يبقى أحد من الخلق إلا مات إلا من استثناه اللَّه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَاّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون (٦٨)﴾ [الزمر].
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ ذكر ما يحدث في آخر الزمان فقال: «ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا
يَنسِلُون (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون (٥٢) إِن كَانَتْ إِلَاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُون (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٥٤)﴾ [يس]. ففي هذه الآيات والأحاديث المتقدمة يخبر اللَّه تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة فالنفخة الأولى تحدث وهي نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء اللَّه كما هو مصرح به في الآية السابقة، ثم يقبض اللَّه سبحانه أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً بالديمومة والبقاء ويقول: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ [غافر: ١٦] الذي قهر كل شيء وحكم بالفناء على كل شيء. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُون (٤٠)﴾ [مريم]. ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور مرة أخرى وهي النفخة الثانية نفخة البعث، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَاّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون (٦٨)﴾ [الزمر]. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج (٤٢)﴾ [ق].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما يهودي يعرض سلعته أُعطي بها شيئاً كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟
стр. 1329
فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهداً، فما بال فلان لطم وجهي؟ ! فقال: «لِمَ لَطَمتَ وَجهَهُ؟ » فذكره: فغضب النبي ﷺ حتى رئي في وجهه ثم قال: «لَا تُفَضِّلُوا بَينَ أَنبِيَاءِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَيُصعَقُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ أُخرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَن بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرشِ، فَلَا أَدرِي أَحُوسِبَ بِصَعقَتِهِ يَومَ الطُّورِ أَم بُعِثَ قَبلِي؟ ! » (١).
ومن آثار الإيمان بهذا الحدث الغيبي العظيم:
أولاً: إن المؤمن ينبغي له أن يكون على استعداد للقاء ربه وألا يكون في غفلة فإن أمامه أهوالاً وأموراً عظيمة فهناك الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والنفخ في الصور، والبعث بعد الموت، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان وغير ذلك من الأهوال، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُون (١) مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون (٢)﴾ [الأنبياء]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسَّمَّعُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ؟ » فقال أصحاب محمد: كيف نقول؟ قال: «قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا» (٢).
قال الشافعي:
стр. 1330
يومُ القيامةِ لا مالٌ ولا ولدٌ ... وضَمَّةُ القبرِ تُنْسِي لَيْلَةَ العُرسِ
ثانياً: أنه عند نفخة الصعق يذهل الناس عن كل شيء، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (٤٨) مَا يَنظُرُونَ إِلَاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَاخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُون (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُون (٥٠)﴾ [يس]. قال ابن كثير: أي على ما يملكونه فالأمر أهم من ذلك ولا إلى أهلهم يرجعون، فلا رجعة إلى الدنيا (١).
ثالثاً: قدرة اللَّه العظيمة على إماتة الخلق جميعاً بلحظة واحدة ثم إحيائهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر (٥٠)﴾ [القمر].
رابعاً: إن اللَّه وصف حال الناس عند خروجهم من الأجداث بأنهم مسرعين إجابة لدعوة الداعي، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُون (٤٣)﴾ [المعارج]. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُون (٥١)﴾ [يس]. والنسل هو الشيء السريع.
خامساً: العارفون باللَّه، المؤمنون بما سيكون من الأهوال العظيمة في الآخرة لا يغفلون عنها وهم منها مشفقون، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]. روى الترمذي في سننه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ
стр. 1331
قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ» (١).
سادساً: أن أهوال الآخرة من الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والنفخ في الصور، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان، مع شدتها وعظمتها، إِلَّا أن اللَّه بمنه وكرمه ولطفه يهونها على المؤمن التقي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُون (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُون (١٠٣)﴾ [الأنبياء]. قال بعض المفسرين: الفزع الأكبر النفخ في الصور، وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦١)﴾ [الزمر]. وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُون (٦٨)﴾ [الزخرف]. وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم].
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1332
الكلمة التاسعة والتسعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى﴾
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾ [البقرة]. قال ابن جرير: «ليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدًا فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم وأقبل على طلب رضا اللَّه في دعائهم إلى ما بعثك اللَّه به من الحق فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتِّباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية والنصرانية ضد اليهودية ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة، وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل فالزم هدى اللَّه الذي لجميع الخلق إلى الألفة عليه سبيل» (١).
стр. 1333
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾، أي قل: يا محمد إن هدى اللَّه الذي بعثني به هو الهدى يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾ فيه تهديد ووعيد للأمة من اتِّباع طرائق اليهود والنصارى والتشبه بهم بعد أن علموا القرآن والسنة عياذاً باللَّه من ذلك فإن الخطاب للرسول ﷺ والأمر لأمته.
وذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تفسيره فوائد للآية الكريمة.
أولاً: بيان عناد اليهود والنصارى فإنهم لن يرضوا عن أحد مهما تألفهم وبالغ في ذلك حتى يتبع ملتهم.
ثانيا: الحذر من اليهود والنصارى فإن من تألفهم وقدم لهم تنازلات فإنهم سيطلبون المزيد ولن يرضوا عنه إلا باتِّباع ملتهم.
ثالثاً: أن الكفار من اليهود والنصارى يتمنون أن المسلمين يكونون مثلهم في الكفر، حسداً لهم، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: ١٠٩].
قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: ٨٩].
رابعاً: استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] حيث أفرد الملة على أن الكفر ملة واحدة كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين (٦)﴾ [الكافرون]. فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار وكل منهم
стр. 1334
يرث قريبه سواء كان من أهل دينه أم لا لأنهم كلهم ملة واحدة.
خامساً: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس ديناً بل هو هوى لقوله تعالى: ﴿أَهْوَاءهُم﴾ ولم يقل: ملتهم كما في أول الآية ففي الأول: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لأنهم يعتقدون أنهم على ملة ودين ولكن بين اللَّه تعالى أن هذا ليس بدين ولا ملة بل هوى وليسوا على هدى، إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى ابن مريم ولوجب عليهم جميعاً أن يؤمنوا بمحمد ﷺ .
سادساً: أن العقوبات إنما تقع على العبد بعد أن يأتيه العلم وأما الجاهل فلا عقوبة عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وهذا الأصل يشهد له آيات متعددة منها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
سابعاً: إن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أشد ضلالة لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
ثامناً: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة ﴿هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾ والمعنى: إن كان معكم هدى اللَّه فأنتم مهتدون وإلا فأنتم ضالون.
تاسعاً: أن البدع ضلالة لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِين (٢٤)﴾ [سبأ]. فليس بعد الهدى إلا الضلال ولقول النبي ﷺ :
стр. 1335
«كُلُّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ». (١)
عاشراً: إن ما جاء إلى الرسول ﷺ سواء كان القرآن أوالسنة فهو علم فالنبي ﷺ كان أميًّا، لا يقرأ ولا يكتب كما قال اللَّه لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنبكوت: ٤٨]. ولكن اللَّه تعالى أنزل عليه هذا الكتاب حتى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النافع والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
الحادي عشر: أنه لا أحد يمنع ما أراد اللَّه من خير أو شر لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾. روى البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢).
أي: لا ينفع ذا الجد أي الحظ والغنى حظه وغناه من اللَّه، فاللَّه محيط بكل شيء وقادر على كل شيء، ولا ينفع العبد إلا عمله الصالح.
الثاني عشر: إن هذا التحذير في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾ موجهاً إلى