← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ» (١). سادساً: أن أهوال الآخرة من الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والنفخ في الصور، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان، مع شدتها وعظمتها، إِلَّا أن اللَّه بمنه وكرمه ولطفه يهونها على المؤمن التقي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُون (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُون (١٠٣)﴾ [الأنبياء]. قال بعض المفسرين: الفزع الأكبر النفخ في الصور، وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦١)﴾ [الزمر]. وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُون (٦٨)﴾ [الزخرف]. وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم]. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1332

الكلمة التاسعة والتسعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى﴾ الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾ [البقرة]. قال ابن جرير: «ليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدًا فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم وأقبل على طلب رضا اللَّه في دعائهم إلى ما بعثك اللَّه به من الحق فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتِّباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية والنصرانية ضد اليهودية ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة، وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل فالزم هدى اللَّه الذي لجميع الخلق إلى الألفة عليه سبيل» (١).

стр. 1333

قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾، أي قل: يا محمد إن هدى اللَّه الذي بعثني به هو الهدى يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾ فيه تهديد ووعيد للأمة من اتِّباع طرائق اليهود والنصارى والتشبه بهم بعد أن علموا القرآن والسنة عياذاً باللَّه من ذلك فإن الخطاب للرسول ﷺ والأمر لأمته. وذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تفسيره فوائد للآية الكريمة. أولاً: بيان عناد اليهود والنصارى فإنهم لن يرضوا عن أحد مهما تألفهم وبالغ في ذلك حتى يتبع ملتهم. ثانيا: الحذر من اليهود والنصارى فإن من تألفهم وقدم لهم تنازلات فإنهم سيطلبون المزيد ولن يرضوا عنه إلا باتِّباع ملتهم. ثالثاً: أن الكفار من اليهود والنصارى يتمنون أن المسلمين يكونون مثلهم في الكفر، حسداً لهم، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: ١٠٩]. قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: ٨٩]. رابعاً: استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] حيث أفرد الملة على أن الكفر ملة واحدة كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين (٦)﴾ [الكافرون]. فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار وكل منهم

стр. 1334

يرث قريبه سواء كان من أهل دينه أم لا لأنهم كلهم ملة واحدة. خامساً: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس ديناً بل هو هوى لقوله تعالى: ﴿أَهْوَاءهُم﴾ ولم يقل: ملتهم كما في أول الآية ففي الأول: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لأنهم يعتقدون أنهم على ملة ودين ولكن بين اللَّه تعالى أن هذا ليس بدين ولا ملة بل هوى وليسوا على هدى، إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى ابن مريم ولوجب عليهم جميعاً أن يؤمنوا بمحمد ﷺ . سادساً: أن العقوبات إنما تقع على العبد بعد أن يأتيه العلم وأما الجاهل فلا عقوبة عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وهذا الأصل يشهد له آيات متعددة منها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. سابعاً: إن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أشد ضلالة لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. ثامناً: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة ﴿هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾ والمعنى: إن كان معكم هدى اللَّه فأنتم مهتدون وإلا فأنتم ضالون. تاسعاً: أن البدع ضلالة لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِين (٢٤)﴾ [سبأ]. فليس بعد الهدى إلا الضلال ولقول النبي ﷺ :

стр. 1335

«كُلُّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ». (١) عاشراً: إن ما جاء إلى الرسول ﷺ سواء كان القرآن أوالسنة فهو علم فالنبي ﷺ كان أميًّا، لا يقرأ ولا يكتب كما قال اللَّه لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنبكوت: ٤٨]. ولكن اللَّه تعالى أنزل عليه هذا الكتاب حتى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النافع والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. الحادي عشر: أنه لا أحد يمنع ما أراد اللَّه من خير أو شر لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾. روى البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢). أي: لا ينفع ذا الجد أي الحظ والغنى حظه وغناه من اللَّه، فاللَّه محيط بكل شيء وقادر على كل شيء، ولا ينفع العبد إلا عمله الصالح. الثاني عشر: إن هذا التحذير في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١٢٠)﴾ موجهاً إلى

стр. 1336

رسول اللَّه ﷺ فكيف بمن دونه؟ ! فإن هذا التحذير يشمله وأولى، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا (٧٤) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]. الثالث عشر: أن ما عليه اليهود والنصارى من دين باطل منسوخ بشريعة الإسلام لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾ وهو الإسلام قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ولقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (١). حتى عيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد بل يحكم بشريعة الإسلام. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَن يَنزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَريَمَ حَكَماً مُقسِطاً فَيَكسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقتُلَ الخِنزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزيَةَ وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقبَلَهُ أَحَدٌ، وَحَتَّى تَكُونَ السَّجدَةُ الوَاحِدَةُ خَيرًا مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا»، ثم يقول أبو هريرة: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ

стр. 1337

مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء]» (١) (٢). والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1338

الكلمة المئة: صفات اليهود الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]. فأخبر جل وعلا أن اليهود من أشد الناس عداوة وحرباً على المسلمين كما أخبر أنهم يشعلون الفتن والحروب ضد المسلمين، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤]. واليهود لم يسلم من شرهم أحد بل إنهم تطاولوا على رب العالمين سبحانه فقالوا: بأن للَّه الولد، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُون (٣٠)﴾ [التوبة]. ومنها قولهم: بأن اللَّه فقير ونحن أغنياء، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق (١٨١)﴾ [آل عمران]. وبهذه الأقوال الكفرية الشنيعة وغيرها من الأعمال كالكذب

стр. 1339

على اللَّه والصد عن سبيله استحقوا غضب اللَّه ولعنته إلى يوم القيامة وجعل اللَّه منهم القردة والخنازير عقوبة لهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. وقد اشتهر اليهود بصفات ذميمة ذكرها اللَّه في كتابه عنهم وهذه الصفات متأصلة في جميع اليهود إلى يوم القيامة وعلى المسلم أن يكون على حذر منها. فمنها: الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٣١]، والتاريخ يشهد بنقضهم العهود والمواثيق فقد نقضوا العهد مع رسول اللَّه ﷺ وحاولوا قتله أكثر من مرة، وفي آخرها وضعوا له السم في الشاة وقدموها هدية فمضغ منها مضغة ثم مكث يعاني سنوات عديدة من هذا السم (١). وما يحصل لإخواننا في فلسطين أكبر شاهد على نقض العهود، واليهود لا تنفع معهم العهود والمواثيق والاتفاقيات، وإنما يعرفون لغة الشدة والقوة، ولذلك لما نقضوا العهد مع النبي ﷺ حاصرهم ﵊ ونزلوا على حكم سعد فأمر أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم الأموال، فقال النبي ﷺ : «لَقَد حَكَمتَ فِيهِم بِحُكمِ المَلِكِ» (٢).

стр. 1340

ومن صفاتهم الذميمة: أنهم قتلة الأنبياء ﵈ فقد قتلوا يحيى وزكريا وغيرهما من الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُون (١١٢)﴾ [آل عمران]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَو قَتَلَ نَبِيًّا» (١). ومن صفاتهم الذميمة: عصيانهم للَّه واعتدائهم على الخلق وأنهم لا يتناهون عن المنكرات فيما بينهم، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُون (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون (٧٩)﴾ [المائدة]. ومنها: أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون (٦٣)﴾ [المائدة]. ولذلك يحرص اليهود على السيطرة على البنوك والاقتصاد العالمي ليتحكموا في مصير الأمم والشعوب. ومنها: كتمان العلم الذي أمرهم اللَّه بتبليغه، قال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون (١٨٧)﴾ [آل عمران]. فأخبر جل

стр. 1341

وعلا أنهم يكتمون العلم اغتياظاً من إظهاره بعرض الدنيا الزائل. ومنها: الحسد، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ومنها: الجبن الشديد من مقاتلة المسلمين في ساحات المعارك قال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَاّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَاسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْقِلُون (١٤)﴾ [الحشر: ١٤]. وقال تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَاّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُون (١١١)﴾ [آل عمران]. قال ابن كثير: وهكذا وقع فإنهم يوم خيبر أذلهم اللَّه وأرغم آنافهم وكذلك من قبلهم يهود المدينة، بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة كلهم أذلهم اللَّه (١). اهـ وأكبر شاهد على ذلك من الواقع أنك تشاهد الطفل الفلسطيني ومعه الحجر يقابل الجندي اليهودي المدجج بالسلاح وهو يفر هارباً منه خوفاً على حياته. ومن صفاتهم الذميمة: نشر الفساد في الأرض ينشرون المخدرات والمسكرات ويُشيعون الفواحش والرذائل في أوساط الشعوب فهم تجار الرذيلة وسماسرة البغاء، ويسيطرون على الإعلام بقنواته الفضائية المتعددة التي تنشر الأفلام الإباحية الخليعة، وتنشر كذلك الكفر والإلحاد وتشكك المسلمين في عقيدتهم ودينهم فهم يسعون إلى الإفساد في الأرض بكل وسيلة يملكونها، وصدق اللَّه إذ يقول:

стр. 1342

﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين (٦٤)﴾ [المائدة]. ومنها: أنهم من أحرص الناس على الحياة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (٩٤) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمين (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون (٩٦)﴾ [البقرة]. ومعنى الآيات: أي: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء للَّه من دون الناس وأنكم أبناء اللَّه وأحباؤه وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم من أهل النار فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته كما يعرفون أبناءهم، وسميت هذه المباهلة تمنياً لأن كل محق يود لو أهلك اللَّه المبطل المناظر له، وكانت المباهلة بالموت لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء ما لهم بعد الموت وهم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم». عليهم لعائن اللَّه المتتابعة إلى يوم القيامة (١). قال ابن عباس ﵄: «لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه، وقال أيضاً: لو تمنى اليهود الموت لماتوا» (٢).

стр. 1343

ومنها: البخل، فهم قاتلهم اللَّه اتهموا اللَّه بالبخل، فعندما نزل قول اللَّه تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. قالوا: يا محمد افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فعاقبهم اللَّه بنفس الصفة الذميمة التي اتهموه بها، قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤]. لذلك اليهود من أشد الناس بخلاً وأقلهم إنفاقاً وبذلاً. ومنها: صفة الذل، قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. قال ابن جرير الطبري: «أُلزِمَ اليهود المكذبون لمحمد ﷺ الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها من بلاد المسلمين والمشركين، ﴿إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي: بعهد من اللَّه وعهد من الناس لهم والمراد بالحبل: السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان، تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام» (١). وهم الآن تحت حماية النصارى الأمريكان وهم في ذلة وإن ملكوا الأسلحة النووية، والطائرات، والدبابات المتطورة، وتفوقوا على المسلمين في القوة العسكرية، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٢١)﴾ [يوسف]. والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1344

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة دروس يومية (١٥٠) درسًا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين إعداد د. أمين بن عبد الله الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد «الجزء السادس»

стр. 1345

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين: أما بعد: فقد اطّلعت على الكتاب الموسوم بـ «الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة: دروس يومية» إعداد الشيخ الدكتور أمين ابن عبد اللَّه الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. والشيخ أمين معروف لديّ وهو من الدعاة المعروفين بالعلم والبصيرة، وقد سمعتُ عدداً من كلماته التي يلقيها في المساجد. ولما تصفّحتُ الكتاب وجدتُه منوعاً يشمل موضوعات متعددة في العقيدة والتفسير والحديث والفقه، وفي العلم، والوصايا، والأدعية والأذكار، وآداب الطعام، والمحرمات، وصيانة الأعراض واللباس، والمواعظ والرقائق والفضائل والأخلاق، وقضايا اجتماعية كقضية المرأة وغيرها وتوجيهات عامة وغيرها. ولا شكّ أن هذه الموضوعات شاملة لقضايا متعددة من أمور الدين، الناس بحاجة إليها، فهذه الكلمات مفيدة لعامة الناس، وهي مفيدة للدعاة والخطباء وأئمة المساجد يقرؤونها على الناس دروساً يومية.

стр. 1346

وإنني أوصي عموم المسلمين بقراءة هذا الكتاب والاستفادة منه، وأوصي أيضاً أئمة المساجد والخطباء والدعاة بالاستفادة من هذا الكتاب على شكل دروس يومية تقرأ على المصلين. والمؤلف - وفقه اللَّه - بذل جهده في اختيار الموضوعات المهمة، ودعمها بالأدلة من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين وأهل العلم المعتبرين، ورجع إلى كتب التفسير وكتب الفقه وكتب الحديث وكتب التاريخ والسِّير، فجاء هذا الكتاب - بحمد اللَّه - وافياً بالغرض نافعاً يجد فيه الباحث بغيته. وأسأل اللَّه أن ينفع بهذا الكتاب وبكلمات الشيخ أمين التي يلقيها في المساجد، وأن يجعلنا وإياه من الهداة المهتدين، وأن يرزقنا الإخلاص في العمل والصدق في القول، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه جواد كريم. وصلى اللَّه وبارك على عبد اللَّه ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين. كتبه عبد العزيز بن عبد الله الراجحي ١٢/ ٤ / ١٤٢٧ هـ

стр. 1347

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المكرم الأخ الدكتور أمين بن عبد اللَّه الشقاوي - وفقه اللَّه -: سلام اللَّه عليكم ورحمته وبركاته. وبعد: أشكركم على هديتكم كتاب (الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة) وقد تصفحت سفركم الجميل وألفيته من الكتب النافعة في بابه ومناسباً في وقتنا هذا لما اشتمل عليه من موضوعات تهم العامة والخاصة، وتقرب كثيراً من المعاني إلى الأفهام وتصلح حال كثير من الناس بأسلوب لطيف وتأصيل شرعي مستمد من الكتاب والسنة وأقوال السلف. وفقكم اللَّه وجعلكم مباركين أينما كنتم. ونفع بعلمكم ورزقنا وإياكم حسن القصد والعمل. كتبه ناصر بن سليمان العمر الاثنين ١٢ ربيع الأول ١٤٢٧ هـ

стр. 1348

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد اطلعت على كتاب «الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة» الذي ألفه أخونا الشيخ أمين بن عبد اللَّه الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية - وفقه اللَّه -، فوجدته كتاباً نافعاً مناسباً لعموم المسلمين، وبخاصة الدعاة والخطباء وأئمة المساجد، فقد ضمَّنه مؤلفه عشرة ومئة درس في موضوعات متعددة في العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والقضايا الاجتماعية والأسرية، وما يخص المرأة، وبعض القضايا المعاصرة، كما حرص المؤلف على تجنب الأحاديث الموضوعة والضعيفة ما أمكن، فنسأل اللَّه تعالى أن يجزل له المثوبة، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد. كتبه سعد بن عبد الله الحميد ٧ ربيع الأول ١٤٢٧ هـ

стр. 1349

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد استمعت إلى بعض الكلمات والدروس التي كان يلقيها الشيخ: أمين بن عبد اللَّه الشقاوي، وكانت هذه الدروس والكلمات مفيدة وقيِّمة، فهي جامعة ومختصرة مع الاعتناء بالأدلة من الكتاب والسنة، والنقل عن أهل العلم. وقد قام - وفقه اللَّه - بجمع هذه الكلمات والدروس في كتاب أسماه: (الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة)، وهي شاملة لكثير من قضايا الشريعة من: التوحيد، والعقيدة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتفسير، والحديث، وغير ذلك من القضايا والمسائل. فبارك اللَّه فيه ونفع به الإسلام والمسلمين. كتبه عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد

стр. 1350

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فهذا هو المجلد الثالث من كتاب الدرر المنتقاة يشتمل

стр. 1351

على الجزأين السادس والسابع، حيث يحتوي كل جزء على خمسة وخمسين كلمة وهو كسابقيه قد التزمت ألا أورد فيه من الأحاديث إلا ما صحح فليطمئن قراء كتابي الأفاضل إلى ذلك، مع أني قد يسرت للقارئ الكريم الوصول إلى مصادر الكتب إذا أحب الرجوع إليها. وقد ضبطت الأحاديث، وبعض الكلمات بالشكل ليتمكن القراء من القراءة الصحيحة، تلبية لطلبات قراء الكتاب. وإنني أشكر المشايخ الذين ساعدوني في هذا الكتاب ومنهم: شيخنا حمد بن عبد الله الجمعة، والشيخ غالب المطيري .. وغيرهم ممن لم يرغب بذكر اسمه. وأسأل اللَّه تعالى أن ينفع بهذا الكتاب جامعه وقارئه وناشره وسامعه، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يقبله إنه جواد كريم. والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف الرياض ١٨/ ١١ / ١٤٣٣ هـ

стр. 1352

الكلمة الأولى: الصلاة على النبي ﷺ فضائلها، وفوائدها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن الله أرسل نبينا محمداً ﷺ رحمة للعالمين، ونجاة لمن آمن به من الموحدين، وإماماً للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، وشفيعاً في المحشر، أرسله الله على فترة من الرسل، فهدى به لأقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتوقيره ورعايته والقيام بحقوقه والصلاة عليه والتسليم، قال بعض العلماء: ومن خواصه ﷺ أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من الله على غيره، فهي خصيصة اختصه الله بها دون سائر الأنبياء (١). اهـ. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي العالية قال: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء»، وقال ابن عباس ﵄:

стр. 1353

«يُصَلُّونَ: يُبَرَّكُونَ» هكذا علقه البخاري عنهما (١). قال ابن كثير: «المقصود من الآية: أن الله أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً» (٢). وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي ﷺ منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» (٣). وروى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» (٤). وروى الترمذي في سننه من حديث أُبي بن كعب ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي، فَقَالَ: «مَا شِئْتَ»، قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ،

стр. 1354

قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» (١). قال ابن القيم ﵀: سُئل شيخنا ﵀ (٢) عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأُبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﷺ هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه ﷺ ، فقال: إن زدت فهو خير لك، فقال له: النصف، فقال: إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها، أي أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: إذاً تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك، لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ومن صلى الله عليه كفاه همه وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه ﵀ (٣). اهـ. ومن فوائد الصلاة على النبي ﷺ : أولاً: امتثال أمر الله . ثانياً: موافقته في الصلاة عليه، وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا عليه دعاء وسؤال وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف. ثالثاً: أنها ترفع الدرجات وتكفر السيئات كما وردت بذلك الأحاديث السابقة. رابعاً: أنه يرجى إجابة دعاء السائل إذا ختم بها، فبها يصعد الدعاء

стр. 1355

إلى رب العالمين. روى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس، أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ دُعَاءٍ مَحجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ » (١). خامساً: أنها سبب لكفاية العبد ما أهمه، ففي حديث أُبي السابق لما قال للنبي ﷺ أجعل لك صلاتي كلها، قال له إذاً تُكفى همك، ويُغفر ذنبك، ومن القصص في هذا الباب وهي كثيرة أن أحد الإخوان كان يعاني من مشكلات كثيرة مع زملائه، وفي بيته حمل هموماً وغموماً، فدُل على الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ فلازم ذلك، فتبدلت حاله إلى أفراح ومسرات في وقت قليل. سادساً: أن الصلاة عليه ﷺ من حقوقه على أمته مقابل الخير العظيم الذي حصل لهم بسببه. وأما صيغ الصلاة عليه، فهي كثيرة، أكتفي باثنتين منها: أولًا: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ﵁ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: بَلَى فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ الله ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله: كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى

стр. 1356

آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (١). ثانياً: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٢). أما المواطن التي يُصلى فيها على النبي ﷺ فهي كثيرة أذكر منها: ١ - بعد التشهد في جميع الصلوات، وهو ركن بعد التشهد الأخير عند جمع من أهل العلم. ٢ - في التشهد الأول وآخر القنوت. ٣ - في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية. ٤ - عند دخول المسجد، وعند الخروج منه. ٥ - عند اجتماع القوم، وقبل تفرقهم للحديث: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً (٣)، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (٤).

стр. 1357

٦ - عند الهم والشدائد وطلب المغفرة في الدعاء. ٧ - عند استفتاح الخطب للدروس وغيرها مقروناً بالثناء على الله تعالى وعند ختمها. ٨ - في أول النهار وآخره مع أذكار الصباح والمساء. ٩ - بعد الأذان وذلك من وسائل الشفاعة. ١٠ - عند ذكره ﷺ ، فقد جاء في الحديث: «الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (١). وغير ذلك من المواضع. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1358

الكلمة الثانية: تأملات في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وعملاً بالآية الكريمة لنستمع إلى آية من كتاب الله ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿كَلَاّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَد (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَد (٢٥) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٦) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [لفجر: ٢١ - ٣٠]. قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فيقول: ﴿كَلَاّ﴾ أي: حقاً ﴿إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا﴾ أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ [طه: ١٠٥]. وقوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ أي وقام الخلائق من قبورهم لربهم وجاء ربك يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولي العزم

стр. 1359

من الرسل واحداً بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذلك حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: أنا لها، فيذهب فيشفع عند الله ثم يجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً (١)، فيا له من موقف عظيم كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٥ - ٢٦]. قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (٢). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ﴾ أي: عمله وما كان أسلفه في قديم الدهر وحديثه، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾: أي: وكيف تنفعه الذكرى، يقول نادماً: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾: أي: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصياً، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ: ٤٠]. أما إذا كان طائعاً فإنه يود لو ازداد من الطاعات، روى الإمام

стр. 1360

أحمد في مسنده من حديث محمد بن أبي عميرة ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: «لَو أَنَّ عَبداً خَرَّ عَلَى وَجهِهِ مِن يَومِ وُلِدَ إِلَى أَن يَمُوتَ هَرِماً فِي طَاعَةِ اللهِ لَحَقِرَهُ ذَلِكَ اليَومَ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنيَا كَيمَا يَزدَادَ مِنَ الأَجرِ وَالثّوَابِ» (١). قوله تعالى: ﴿لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَد﴾ أي ليس أحد أشد عذاباً من تعذيب الله من عصاه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم (٥٠)﴾ [الحجر: ٥٠]. ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَد﴾ أي: ليس أحد أشد قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بربهم ، هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين فإنهم يُقَرَّنُون بسلاسل من نار ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد (٤٩) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّار (٥٠)﴾ [إبراهيم: ٤٩ - ٥٠]. وقال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوه (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوه (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم (٣٣)﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٣]. قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي: النفس الزكية والمطمئنة هي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: ارجعي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته، ﴿رَاضِيَةً﴾: أي: في نفسها مرضية، أي قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، كما قال تعالى: ﴿أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨].

стр. 1361

قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾: أي في جملة عبادي ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ». قَالَ: «فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ .. » ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: «ثُمَّ يَجْلِسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي القَبْرِ فَيُقَالُ لَهُ مِثْلَ مَا قِيلَ لَهُ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ» (١). وروى الطبراني في المعجم الكبير بسنده إلى سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم يُر على خلقه، فدخل نعشه ثم لم يُر خارجاً منه، فلما دُفن تُليت هذه الآية على شفير القبر ما يُدرى من تلاها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1362

الكلمة الثالثة: من مشاهد القيامة (الحشر وأهواله) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فمن أعظم أهوال يوم القيامة التي يجب على المؤمن الإيمان بها والاستعداد لها موقف الحشر. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِين (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُوم (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيم (٢٥) [الحجر: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُود (١٠٣)﴾ [هود: ١٠٣]. والله يحشر الناس ويجمعهم ليوم القيامة سواء من كان منهم في قبره، أو أكلته السباع، أو احترق، أو غرق في البحار، أو مات بأي ميتة كانت، قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. والله يحشر الخلائق جميعاً لا ينسى منهم أحداً، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ

стр. 1363

نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٤]. وهذه النصوص تدل على حشر الخلائق جميعاً الجن والانس والبهائم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَت (٥)﴾ [التكوير: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِير (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩]. وحرف إذا إنما يكون لما يأتي لا محالة (١). ويحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً أي غير مختونين كما ولدتهم أمهاتهم. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ! الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» (٢). وكل إنسان يُبعث على الحال التي مات عليها من التقوى والإيمان والكفر والعصيان، روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن

стр. 1364

النبي ﷺ قال: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (١). وفي الحديث: «الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ مُحرِمٌ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّياً» (٢)، وَ «الشَّهِيدُ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ وَجَرحُهُ يَثعَبُ، اللَّونُ لَونُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسكِ» (٣). والحشر مواقف: فمن ذلك أن الكفار يحشرون على وجوههم، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّاوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧]. وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ! » (٤). ومن ذلك أن الناس يُحشرون على طرائق. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنفٌ مُشَاةٌ، وَصِنفٌ رُكبَانٌ، وَصِنفٌ عَلَى وُجُوهِهِم»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِم؟ وَقَالَ عَفَّانُ: يَمْشُونَ - قَالَ: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُم عَلَى أَرْجُلِهِم قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُم عَلَى وُجُوهِهِم، أَمَا إِنَّهُم

стр. 1365

يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِم كُلَّ حَدَبٍ وَشَوكٍ» (١). ومنها أن المتقين يُحشرون على أحسن مركب. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]. أي عطاشاً، وقال جمع من المفسرين: إنهم يُحشرون - أي المتقين - على الإبل النجائب تكريماً لهم، ويُحشر الناس يوم القيامة على أرض غير هذه الأرض. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سهل ابن سعد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ (٢)، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ» قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ: «لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ» (٣). وأخبر النبي ﷺ أن الوقت الذي تبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات هو وقت مرور الناس على الصراط. روى مسلم في صحيحه

стр. 1366

من حديث ثوبان ﵁ أن حبراً من أحبار اليهود سأل الرسول ﷺ فقال: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ» (١). ومن آثار الإيمان بهذا الحدث الغيبي العظيم: أولاً: أن الله أخبر عباده بأهوال هذا اليوم - وهم في الدنيا - ليعلموا ما هم صائرون إليه، وليكونوا على بينة من أمرهم، وليستعدوا لذلك ويحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا، قال أحدهم: وَلَو أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا لَكَانَ المَوتُ غَايَةَ كُلِّ حَيٍّ وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا وَنُسأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيءٍ وصدق الله إذ يقول: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَاد (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠]. أما المجرمون فيقولون: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩]. ثانياً: أن الناس يذهلون من هول المحشر عن كل شيء. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيه (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيه (٣٧)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧]. ثالثاً: قدرة الله العظيمة على جمعهم وحشرهم في صعيد واحد

стр. 1367

ومحاسبتهم. قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِير (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر﴾ [القمر: ٥٠]. رابعاً: في يوم الحشر تظهر حقيقة الدنيا لأهلها وحقارتها. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥]. وقال عن المجرمين: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ عَشْرًا (١٠٣)﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٣]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1368

الكلمة الرابعة: من أسماء الله الحسنى (الحليم) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١) ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة الحليم، قال بعضهم ذكر هذا الاسم في كتاب الله إحدى عشرة مرة، قال تعال: ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيم (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيم (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ

стр. 1369

وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (١). قال ابن جرير: حليم ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم (٢)، وقال الخطابي: هو ذو الصفح، والأناة الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص. ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم، إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة والمتأني الذي لا يعاجل بالعقوبة، قال الشاعر: لَا يُدْرِكُ المَجدَ أقوامٌ وإن كَرُمُوا حتى يَذِلُّوا وإن عَزُّوا لأقوامِ ويُشتَموا فترى الألوان مسفرةً لا صفح ذُلٍّ ولكن صفحَ أحلاِ (٣) قال ابن كثير: «حَلِيمٌ غَفُورٌ» أن يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر ويُنْظِر ويؤجِّل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر (٤). ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم: أولاً: إثبات صفة الحلم لله وهي الصفح عن العصاة من العباد وتأجيل عقوبتهم لعلهم يتوبوا ويرجعوا. ثانياً: سؤال المؤمن ربه بهذه الصفة العظيمة الحلم فيقول: يا حليم اعف عني، واصفح واستر.

стр. 1370

ثالثاً: حلم الله سبحانه على عباده وتركه المعاجلة لهم بالعقوبة (١). قال الشاعر: مَا أَحلمَ اللَّهَ عَنِّي حَيْثُ أَمْهَلَني ... وقَدْ تَمَادَيتُ في ذَنْبِي ويَسْتُرُنِي «وإن سألت عن حلمه، فهو الحليم الذي قد كمل في حلمه، فله الحلم الكامل الذي وسع السماوات والأرض. وسع حلمه أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، بل يعافيهم ويمهلهم ليتوبوا فيتوب عليهم، إنه هو التواب الرحيم. وهو يتحبب إليهم بالنعم مع كمال غناه، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم. قال ﷻ : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥]» (٢). قال ابن القيم ﵀: وهو الحَلِيمُ فلا يُعَاجِلُ عَبدَهُ بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِن عِصيَانِ (٣) ولولا حلمه ومغفرته، لزلزلت السماوات والأرض من معاصي العباد. فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
следующие страницы →