من حديث ثوبان ﵁ أن حبراً من أحبار اليهود سأل الرسول ﷺ فقال: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ» (١).
ومن آثار الإيمان بهذا الحدث الغيبي العظيم:
أولاً: أن الله أخبر عباده بأهوال هذا اليوم - وهم في الدنيا - ليعلموا ما هم صائرون إليه، وليكونوا على بينة من أمرهم، وليستعدوا لذلك ويحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا، قال أحدهم:
وَلَو أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا
لَكَانَ المَوتُ غَايَةَ كُلِّ حَيٍّ
وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا
وَنُسأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيءٍ
وصدق الله إذ يقول: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَاد (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠].
أما المجرمون فيقولون: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].
ثانياً: أن الناس يذهلون من هول المحشر عن كل شيء. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيه (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيه (٣٧)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧].
ثالثاً: قدرة الله العظيمة على جمعهم وحشرهم في صعيد واحد
стр. 1367
ومحاسبتهم. قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِير (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر﴾ [القمر: ٥٠].
رابعاً: في يوم الحشر تظهر حقيقة الدنيا لأهلها وحقارتها. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥]. وقال عن المجرمين: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ عَشْرًا (١٠٣)﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٣].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1368
الكلمة الرابعة: من أسماء الله الحسنى (الحليم)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١) ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة الحليم، قال بعضهم ذكر هذا الاسم في كتاب الله إحدى عشرة مرة، قال تعال: ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيم (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيم (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
стр. 1369
وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (١).
قال ابن جرير: حليم ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم (٢)، وقال الخطابي: هو ذو الصفح، والأناة الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص. ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم، إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة والمتأني الذي لا يعاجل بالعقوبة، قال الشاعر:
لَا يُدْرِكُ المَجدَ أقوامٌ وإن كَرُمُوا
حتى يَذِلُّوا وإن عَزُّوا لأقوامِ
ويُشتَموا فترى الألوان مسفرةً
لا صفح ذُلٍّ ولكن صفحَ أحلاِ (٣)
قال ابن كثير: «حَلِيمٌ غَفُورٌ» أن يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر ويُنْظِر ويؤجِّل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر (٤).
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
أولاً: إثبات صفة الحلم لله وهي الصفح عن العصاة من العباد وتأجيل عقوبتهم لعلهم يتوبوا ويرجعوا.
ثانياً: سؤال المؤمن ربه بهذه الصفة العظيمة الحلم فيقول: يا حليم اعف عني، واصفح واستر.
стр. 1370
ثالثاً: حلم الله سبحانه على عباده وتركه المعاجلة لهم بالعقوبة (١).
قال الشاعر:
مَا أَحلمَ اللَّهَ عَنِّي حَيْثُ أَمْهَلَني ... وقَدْ تَمَادَيتُ في ذَنْبِي ويَسْتُرُنِي
«وإن سألت عن حلمه، فهو الحليم الذي قد كمل في حلمه، فله الحلم الكامل الذي وسع السماوات والأرض. وسع حلمه أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، بل يعافيهم ويمهلهم ليتوبوا فيتوب عليهم، إنه هو التواب الرحيم. وهو يتحبب إليهم بالنعم مع كمال غناه، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم. قال ﷻ : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥]» (٢).
قال ابن القيم ﵀:
وهو الحَلِيمُ فلا يُعَاجِلُ عَبدَهُ
بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِن عِصيَانِ (٣)
ولولا حلمه ومغفرته، لزلزلت السماوات والأرض من معاصي العباد. فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
стр. 1371
فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه وهما (الحليم والغفور) كيف تجد تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجُناة ومغفرته للعصاة، لما استقرت السماوات والأرض؟ (١).
وفي الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد، فيمسكهما بحلمه ومغفرته (٢).
رابعاً: حلم الله عظيم يتجلى في صبره سبحانه على خلقه، والصبر داخل تحت الحلم فكل حليم صابر، وقد جاء في السنة وصف الله تعالى بالصبر.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ أَحَدٌ، أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (٣).
وهو سبحانه أعظم العظماء، وملك الملوك، وأكرم الأكرمين وإحسانه فوق كل إحسان مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذب ويُعَافيه ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته ويقبل توبته إذا تاب إليه ويبدله بسيئاته حسنات، ويتلطف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله إليه ويأمرهم بأن يُلَيِّنُوا له القول ويرفُقُوا به، فأيُّ حلم أعظمُ من هذا؟ ! (٤).
стр. 1372
وقد أخبر سبحانه عن تأخيره لعقاب من أذنب من عباده في الدنيا، وأنه لو كان يؤاخذهم بذنوبهم لما بقي على ظهر الأرض أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون (٦١)﴾ [النحل: ٦١].
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي لأهلك جميع دواب الأرض تبعاً لإهلاك بني آدم، ولكن الرب يحلم، ويستر وينظر، إلى أجل مسمى، ولا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحداً (١).
وقد تحصل هذه العقوبة في الدنيا كما يحدث في بعض الدول الكافرة أو التي تماثلها في الفساد والانحلال من الفيضانات والأعاصير المدمرة والزلازل المهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد (٣١)﴾ [الرعد: ٣١].
خامساً: يجوز إطلاق صفة الحلم على الخلق، فقد وصف الله أنبياءه بذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. وقال تعالى حكاية عن قوم شعيب: ﴿نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد (٨٧)﴾ [هود: ٨٧]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث
стр. 1373
عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحكِي نَبِيّاً مِنَ الأَنبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَومُهُ فَأَدمَوهُ، فَهُوَ يَمسَحُ الدَّمَ عَن وَجهِهِ، وَيَقُولُ: «رَبِّ اغفِر لِقَومِي فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ» (١).
والحلم من الصفات العظيمة التي يريد الله من عباده أن يتحلوا بها. روى مسلم في صحيحه من حديث الأشج بن عبد القيس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ» (٢).
وكان النبي ﷺ من أكثر الناس حلماً. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ (٣).
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم (٤)﴾ [القلم: ٤].
والصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق تكون في الخالق سبحانه على قدر عظمته وجلاله وفي المخلوق بحسبه والله يحب من اتصف بهذه الصفات فهو حليم يحب الحلماء، وكريم يحب الكرماء، وصبور يحب الصابرين.
стр. 1374
قال القرطبي: فمن الواجب على من عرف أن ربه حليم على من عصاه، أن يحلم هو على من خالف أمره، فذاك به أولى حتى يكون حليماً فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سورة غضبه ويرفع الانتقام عن من أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعود الحلم له سجية، وكما تحب أن يحلم عنك مالِكُكَ، فاحلُم أنت عمَّن تملك لأنك متعبد بالحلم مثاب عليه (١).
قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين (٤٠)﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل (٤٣).
روى الخطيب في تاريخ بغداد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الحِلمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوَقَّهُ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1375
الكلمة الخامسة: تأملات في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيم (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٥].
قال أهل السير: بعدما انتهت معركة أُحد وحصل ما حصل من الابتلاء والتمحيص وقتل سبعون من أصحاب النبي ﷺ وكسرت رباعيته، وشُج رأسه، وسال الدم على وجهه، رجع المشركون من أُحد، قال أبو سفيان: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة
стр. 1376
ليريهم أن بهم قوة وجلداً على ما بهم من جراح وآلام طاعة لله ورسوله، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيم (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢] (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيم (١٧٢)﴾ قَالَت لِعُروَةَ: يَا ابنَ أُختِي كَانَ أَبَوَاكَ مِنهُم: الزُّبَيرُ وَأَبُو بَكرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَصَابَ يَومَ أُحُدٍ، وَانصَرَفَ عَنهُ المُشرِكُونَ خَافَ أَن يَرجِعُوا، قَالَ: مَن يَذهَبُ فِي أَثَرِهِم، فَانتَدَبَ مِنهُم سَبعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كَانَ فِيهِم أَبُو بَكرٍ وَالزُّبَيرُ (٢).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ وذلك أن النبي ﷺ وأصحابه لما سمعوا أن أبا سفيان قد جمع الجموع لقتالهم زادهم إيماناً وتصديقاً، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، أي أن الله كافينا نعم المولى ونعم النصير.
روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
стр. 1377
فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم (١٧٤)﴾ قال ابن كثير ﵀: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم بأس من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم لم يمسسهم سوء ما أضمر لهم عدوهم.
قال المفسرون: أعطاهم الله من الجزاء أربعة معان: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتِّباع رضوان الله، فرضي عنهم ورضوا عنه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾: أي يخوف أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة، فلا تخافوهم إن كنتم مؤمنين، أي إذا سول لكم وأوهمكم، فتوكلوا عليَّ والجؤوا إليَّ فإني كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ (٣٦)﴾ [الزمر: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦].
ومن فوائد الآيات الكريمات:
١ - أن المؤمن إذا كان في كرب وشدة فتوكل على الله وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فإن الله يكفيه ما أهمه ويصرف عنه كيد عدوه، وهذا ما حدث لإبراهيم ﵇ فإنه عندما أُلقي في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فكانت عاقبة ذلك ما ذكره الله بقوله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا
стр. 1378
وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. قال أبو العالية: لو لم يقل سلاماً لكان بردها أشد عليه من حرها (١)، وقال ابن عباس ﵄: لَو لَم يُتْبِع بَردُهَا سَلَاماً لَمَاتَ إِبرَاهِيمُ مِن شِدَّةِ بَردِهَا (٢).
وهذا يشبه ما حدث لإخواننا في غزة عندما حاصرهم اليهود بَرّاً وبحراً وجوّاً، وساعدهم النصارى والمنافقون وضيقوا عليهم الخناق، فقالوا: لن نركع ولا نستسلم إلا لله، حسبنا الله ونعم الوكيل، فكانت العاقبة للمؤمنين، ورد الله كيد اليهود في نحورهم ورجعوا خائبين لم يحققوا شيئاً مما أرادوا.
٢ - أن الله تعالى قذف في قلوب المشركين الرعب، حين سمعوا أن النبي ﷺ وأصحابه خرجوا لملاحقتهم، فانهزموا وعادوا خائبين.
والرعب من أقوى أسباب النصر، قال ﷺ : «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» (٣). وقد اختلف أهل العلم هل هو خاص بالرسول ﷺ أو يشمل ما يحصل لأعداء أتباعه إلى يوم القيامة، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وإذا كان الرعب يُلقى في قلوب الذين كفروا لإشراكهم، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَاوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِين (١٥١)﴾ [آل عمران: ١٥١]. فإن الأمن يُلقى في قلوب الذين آمنوا لتوحيدهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ
стр. 1379
أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وكلما كان الإنسان أشد إيماناً وتوحيداً كان أشد أمناً واستقراراً، وهذا شيء مجرب لأن من كان أشد إيماناً وتوحيداً كان أقوى توكلاً.
ومن أقوى أسباب الأمن ومصابرة الأعداء التوكل على الله، وبعض الناس يكون عنده قوة توكل على الله ويشفى بدون علاج بسبب قوة توكله، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حينما ذكر أن الدواء المحرم ليس ضروريّاً حتى يُقال: إن الدواء بالمحرم جائز للضرورة، قال: هذا ليس للضرورة لأن المريض قد يُشفى بدواء آخر، وقد يشفى بالقراءة، قال: وقد يشفى بقوة التوكل على الله (١). اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1380
الكلمة السادسة: صيام يوم عاشوراء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من فضل الله ورحمته بعباده أن يسر لهم مواسم خير يستكثرون فيها من الأعمال الصالحة، وخصها بمزيد من الفضل، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ » فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى
стр. 1381
يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما افترض رمضان قال ﷺ : «إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» (٢).
فهذه الأحاديث الشريفة تدل على أن يوم عاشوراء كان معظَّماً عند أهل الجاهلية، وكذلك اليهود والنصارى كما جاء ذلك في الأحاديث الأخرى، وقد دل حديث ابن عمر السابق أن صيامه كان واجباً أول الإسلام، فلما فُرض رمضان صار صومه مستحباً، والصحابة ﵃ كانوا يحرصون على صيامه تنفيذاً لأمر النبي ﷺ وكانوا يُصوِّمون أبناءهم الصغار تعويداً لهم على أداء العبادات منذ الصغر. كما قال الشاعر:
وَيَنشَأُ نَاشِئُ الفِتْيَانِ فِينَا ... عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ
وقوله ﷺ لليهود: «نَحنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنكُم»؛ لأن النبي ﷺ والذين معه أولى الناس بالأنبياء السابقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِين (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨]. فرسول الله ﷺ أحق بموسى من اليهود، لأن اليهود كفروا به وكفروا بعيسى وكفروا بمحمد ﷺ (٣).
стр. 1382
روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ»، قَالَ: فَلَمْ يَأتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (١).
وقد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن النبي ﷺ نقل صوم عاشوراء من العاشر إلى التاسع، وأن فضائل صيام عاشوراء صارت لتاسوعاء، كما استدل به جماهير العلماء على استحباب صوم التاسع مع العاشر لتحصل المخالفة لليهود والنصارى بذلك.
ومما ورد في فضل صيامه، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أنه سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي رَمَضَانَ (٣).
وينبغي التنبه لأمرين:
الأول: أنه يُسن الإكثار من صيام شهر الله المحرم؛ لأن النبي ﷺ
стр. 1383
قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» (١).
الثاني: أنَّ فضل عاشوراء يكون بصيامه للنصوص الواردة في ذلك، وأما ما ذكره بعضهم من فضل التوسعة على الأهل في يوم عاشوراء، واحتجوا على ذلك بحديث «مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ سَائِرَ السَّنَةِ». فهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ .
سُئل الإمام أحمد بن حنبل عنه فلم يره شيئاً، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وَرَوَوا في حديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ «أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ سَائِرَ السَّنَةِ». ورواية هذا كله عن النبي ﷺ كذب.
ولم يسن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئاً من شعائر السرور والفرح أو الحزن والترح، فأهل البدع يوسعون النفقات على العيال ويطبخون الأطعمة الخارجة عن العادة ويتخذونه عيداً، والرافضة يتخذونه مأتماً يقيمون فيه الأحزان والأتراح، وكلا الطائفتين جانبت الصواب، وكذلك لا يُستحب تخصيصه بأي عبادة غير الصيام (٢). اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1384
الكلمة السابعة: مكائد الشيطان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
«فإن الله ابتلى الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين، وصاحب لا ينام ولا يغفل عنه، يراه هو وقبيله من حيث لا يراه، يبذل جهده في معاداته في كل حال، ولا يدع أمراً يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه، ذلكم الشيطان الذي أخبرنا الله بعداوته لنا، وأكثر في كتابه من ذكر خدعه ومكائده وخطواته التي يستدرج بها الناس للخروج عن الصراط المستقيم وكرر قصته مع أبينا آدم ﵇ لتكون نصب أعيننا دائماً» (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين (١٧)﴾ [الأعراف: ١٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
قال البغوي ﵀: «أي: لا تسلكوا الطُّرُقَ التي يدعوكم إليها
стр. 1385
الشيطان، فإنه يُورِدُكُم موارِدَ العَطَبِ» (١).
ومن شره أنه يوسوس للعبد، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (٢) إِلَهِ النَّاس (٣) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس (٥)﴾ [الناس: ١ - ٥]. فذكر وسوسته أولاً ثم ذكر محلها ثانياً وأنها في صدور الناس.
والوسوسة أظهر صفات الشيطان، وأشدها شراً، وأقواها تأثيراً، وهي أصل كل معصية وبلاء، روى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً (٢) أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (٣).
ولهذا يعرض للناس في صلاتهم ليفسد عليهم عبادتهم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّاذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ » (٤).
стр. 1386
ومن شرِّهِ الإفساد بين المؤمنين بكل طريقة وحيلة، فقد نزغ بين يوسف ﵇ وإخوته، قال تعالى ذاكراً اعتراف نبي الله يوسف بما مَنَّ الله عليه: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠].
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (١). قال النووي: وهذا الحديث من معجزات النبوة، ومعناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتنة ونحوها (٢).
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» (٣).
والتحصن من الشيطان له طرق منها:
أولاً: الإخلاص: لما علم إبليس أنه لا سبيل على أهل الإخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال تعالى: ﴿قَالَ
стр. 1387
فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢) إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وقال تعالى في حق الصِّدِّيق يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين﴾ [يوسف: ٢٤]. فالإخلاص هو سبيل الخلاص من الشيطان، وأهل الإخلاص أعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله ومنعهم لله وحبهم لله وبغضهم لله.
قال شيخ الإسلام ﵀: «فالله تعالى يبتلي عبده المؤمن ليطهره من الذنوب والمعايب، ومن رحمته بعبده المخلص أن يصرف عنه ما يغار عليه منه، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين﴾ (١). «فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا» (٢)، «فلما أخلص يوسف ﵇ لربه، صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، فالإخلاص هو سبيل الخلاص» (٣).
ثانياً: قراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، روى أبو داود في سننه من حديث أبي قتادة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلى أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وَهُمَا يُصَلِّيَانِ اللَّيلَ .. وجاء في آخر الحديث: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ النَّبِيُ ﷺ عَنْ سَبَبِ رَفعِ صَوتِهِ بِالقُرْآنِ، فَقَالَ: أُوقِظُ الْوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ (٤).
ثالثاً: قراءة سورة البقرة: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ
стр. 1388
يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (١).
رابعاً: قراءة آية الكرسي عند النوم: روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قصة قبضه على الشيطان .. وفي آخر الحديث علَّمه أن يقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، فلما أخبر أبو هريرة النبي ﷺ بذلك قال: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» (٢).
خامساً: قراءة المعوذتين: روى أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ أمره بقراءة المعوذتين وقال له: «يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (٣).
ومن المواضع التي ثبت في السنة أنها تُقرأ فيها: حين يصبح المؤمن، وحين يُمسي، وعند النوم، وأدبار الصلوات، والرقية بهما على المسحورين، والمرضى وغير ذلك.
سادساً: التهليل مائة مرة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ
стр. 1389
مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ» (١).
سابعاً: التسمية عند الخروج من البيت، وعند الجماع، وعند الدخول إلى الخلاء، وعند الطعام: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» (٢)(٣).
ثامناً: وهو من أهمها معرفة تفاصيل عداوته وطرق خداعه التي جاء بيانها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والاستعانة في ذلك بكتب أهل العلم الشارحة لهذه الأمور، ومنها: كتاب ابن القيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، وكتاب ابن الجوزي المسمى تلبيس ابليس .. وغيرها.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1390
الكلمة الثامنة: تأملات في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وعملاً بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آيتين من كتاب الله ونتدبر ما فيهما من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٦ - ٥٧]. يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصدَّ عن سبيله فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾؛ أي نُدخِلُهم فيها دخولاً يحيط بجميع أجرامهم كما قال تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُون (١٦)﴾ [الزمر: ١٦].
قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾: أي احترقت احتراقاً تاماً
стр. 1391
بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. أي ليدوم لهم، قال بعضهم: الحكمة من ذلك أن الجلد موضع الإحساس بالألم فإذا احترق لم يعد هناك ألم فيبدل لهم جلوداً غيرها، قال بعض المفسرين: إنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة حتى يذوقوا العذاب (١)، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ، مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ» (٣)، وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ (٤)، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مِثْلُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ» (٥).
قال النووي: «هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدورٌ لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به» (٦).
قوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾: أي لا يمتنع عليه ما
стр. 1392
يريد، حكيماً فيما يقضيه، ثم لما ذكر تعالى حال الأشقياء ذكر حال السعداء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: أي الذين آمنوا بمحمد ﷺ ، والقرآن، وجملة الكتب المرسلة، وبالقدر خيره وشره، وأطاعوا ربهم سندخلهم جنات، وهي البساتين الجامعة للأشجار تجري من تحتها الأنهار، أنهار الخمر واللبن والماء والعسل، ﴿خَالِدِينَ﴾: أي مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِير﴾ [البروج: ١١].
وقوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾: قال جمع من المفسرين: المطهَّرَة من طهرت من الحيض، والبول، والنفاس، والغائط، والمخاط، والبصاق، وكل قذر وأذى مما يكون في نساء الدنيا (١). وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ولَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يعني الخمار - عَلَى رَاسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً، مِنْ
стр. 1393
لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ (١)، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (٢).
وروى الدارمي في سننه من حديث زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ» (٣).
قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلا﴾: وصف سبحانه في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا (٣٥)﴾ [الرعد: ٣٥]. ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود. قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُود (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠]. وبيَّن في مواضع أخرى أنها ظلال متعددة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُون (٤١)﴾﴾ [المرسلات: ٤١]. وبيَّن في موضع آخر أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك. قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِؤُون (٥٦)﴾ [يس: ٥٦]. والأرائك جمع أريكة وهي السرير في الحجلة، والحجلة بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة.
وبيَّن تعالى أن ظل أهل النار ليس كذلك. قال تعالى: ﴿انطَلِقُوا
стр. 1394
إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُون (٢٩) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَب (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَب (٣١)﴾ [المرسلات: ٢٩ - ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَال (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيم (٤٢) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُوم (٤٣) لَاّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيم (٤٤)﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُود﴾» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1395
الكلمة التاسعة: الابتلاء بالمرض
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من حكمة الله تعالى أن يبتلي عبده المؤمن بأنواع البلاء، ومن هذا الابتلاء الذي يُبتلى به المرض، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَاب (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَاب (٤٢) وَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَاب (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب (٤٤)﴾ [ص: ٤١ - ٤٤].
قال ابن كثير ﵀: «هذه تذكرة لمن ابتلي في جسده، أو ماله، أو ولده، فله أسوة بنبي الله أيوب، حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب، حتى فرج الله عنه» (١). اهـ.
وقد يبتلى المؤمن بالمرض لتقصيره ببعض ما أمر الله به فيكون المرض تكفيراً لسيئاته، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ
стр. 1396
وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث زهير قال: أُخبرت أن أبا بكر ﵁ قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣] فكل سُوءٍ عملنا جُزِيْنَا به؟ فقال رسول الله ﷺ : «غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكرٍ، أَلَستَ تَمرَضُ؟ أَلَستَ تَنصَبُ؟ أَلَستَ تَحزَنُ؟ أَلَستَ تُصِيبُكَ اللَّاوَاءُ (١)؟ » قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَهُوَ مَا تُجزَونَ بِهِ» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (٣).
وروى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
قال بعض السلف: لولا المصائب لوردنا يوم القيامة مفاليس،
стр. 1397
وكان السلف يفرح أحدهم بالبلاء، كما يفرح أحدنا بالرخاء.
ومنها أن يكونَ المرض سبباً لرفع منزلة المريض في الآخرة، روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّّ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ المَنزِلَةُ عِندَ اللهِ فَمَا يَبلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَلَا يَزَالُ يَبتَلِيهِ بِمَا يَكرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ ذَلِكَ» (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ» (٢).
ونبينا محمد ﷺ سيد الأولين والآخرين، والمغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ابتلي بالمرض رِفعَةً لدرجاته، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسَسْتُهُ بيَديِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ»، فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَجَلْ» (٣).
بل إن النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه أُغمي عليه ثلاث مرات،
стр. 1398
قالت عائشة ﵂ كما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١).
وقد يُجمَعُ للمريض الأمران، فيكون المرض تكفيراً لسيئاته، ورفعة لدرجاته، وينبغي للمريض أن يتنبه لأمرين إذا تأملهما هانت عليه مصيبته وخفَّ همه وغمه:
١ - أن هذه المصيبة لم تكن في دينه؛ لأن المصيبة في الدين يجني صاحبها الآثام والعقوبات.
٢ - أن مصيبته أخفُّ وأهون من مصيبة غيره، فلو سأل أو نظر إلى من حوله من المرضى لرأى من هو أشد منه ألماً.
قال شريح: ما أصابتني مصيبة إلا حمدت الله تعالى عليها لأربع:
١ - أن الله رزقني الصبر عليها.
٢ - أن الله رزقني الاسترجاع عندها.
٣ - أن الله لم يجعلها أكبر منها.
٤ - أن الله لم يجعلها في ديني.
روى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ اجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 1399
ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (١).
ومن الوصايا التي يُوصى بها المريض:
أولاً: إحسان الظن بالله تعالى: وأن من أحسن ظنه بالله رزقه الله الراحة النفسية، وطمأنينة القلب، روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ خَيْراً فَلَهُ، وَإِنْ شَرًّا فَلَهُ» (٢).
ثانياً: الإكثار من ذكر الله ودعائه والإلحاح عليه في الدعاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
قال ابن حجر: إن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العقاقير الطبية، وأن تأثير ذلك وانفصال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجح بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل (٣). اهـ.
стр. 1400
ثالثاً: أن على المريض ألا يتعلق بالأسباب كالمستشفيات والأطباء، والواجب أن يكون تعلق القلب بالذي أنزل الداء ولا يرفعه إلا هو، فإنه سبحانه هو الشافي لا شفاء إلا شفاؤه، ولا يرفع المرض إلا هو، سواء كان مرضاً بدنياً أو نفسياً، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠]. وقال تعالى عن نبي الله أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِين (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
رابعاً: الصبر والاحتساب، وعدم الجزع والسخط، فإنه على قدر إيمان المؤمن يكون ابتلاؤه، روى الترمذي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (١).
خامساً: على المريض أن يرقي نفسه بالرقية الشرعية، كالفاتحة والمعوذتين وآية الكرسي، ومن الأدعية المأثورة قوله ﷺ : «اللَّهُمَّ
стр. 1401
رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١). ومنها قوله ﷺ للمريض: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (٢).
سادساً: على المريض ألا ييأس من الشفاء، فالله على كل شيء قدير، قال تعالى: ﴿اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وأيوب ﵇ مكث في البلاء ثماني عشرة سنة ثم كشف الله عنه وشفاه (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1402
الكلمة العاشرة: الشفاعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالشفاعة. وتنقسم إلى قسمين:
١ - شفاعة باطلة.
٢ - شفاعة صحيحة.
الشفاعة الباطلة: هي ما يتعلق به المشركون في أصنامهم، حيث يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاء لهم عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]. وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (٣)﴾ [الزمر: ٣]. لكن هذه الشفاعة باطلة لا تنفع كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨].
الشفاعة الصحيحة: وهي التي جمعت شروطاً ثلاثة:
الأول: رضا الله عن الشافع، الثاني: رضاه عن المشفوع له، لكن الشفاعة العظمى في الموقف، عامة لجميع الناس من رضي عنهم ومن لم يرض عنهم، الثالث: إذنه في الشفاعة، والإذن لا
стр. 1403
يكون إلا بعد الرضا عن الشافع والمشفوع له. قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَاّ مِن بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. ولم يقل عن الشافع ولا المشفوع له ليكون أشمل. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَاّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]. والآية الأولى تضمنت الشروط الثلاثة، والثانية تضمنت شرطين، والثالثة تضمنت شرطاً واحداً.
وللنبي ﷺ شفاعات كثيرة:
الشفاعة الأولى: شفاعته ﷺ لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم بعد أن يعتذر عنها الأنبياء (آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، عليهم الصلاة والسلام) حتى تنتهي إليه، وهذه الشفاعة العظمى لا تكون لأحد أبداً إلا للرسول ﷺ وهي أعظم الشفاعات لأن فيها إراحة الناس من هذا الموقف العظيم والكرب والغم.
الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط ووقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض، ولكنهم إذا أتوا الجنة لا يجدونها مفتوحة حتى يشفع النبي ﷺ لهم أن يدخلوها. روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَاتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ». وفي آخر الحديث:
стр. 1404
«فَيَاتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ» (١).
الشفاعة الثالثة: وهي خاصة به ﷺ وهي لعمه أبي طالب فيشفع له في تخفيف العذاب. فقد ورد في الصحيحين من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : مَا أغْنَيتَ عَن عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ (٢) مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (٣).
الشفاعة الرابعة: شفاعته ﷺ فيمن استحق النار أن لا يدخلها وهي له ولسائر النبيين، والصديقين والمؤمنين، قال بعض أهل العلم: وهذه تُستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإن من لازم ذلك أن لا يدخل النار كما قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» (٤).
الشفاعة الخامسة: شفاعته ﷺ لأناس قد دخلوا النار أن يخرجوا منها وهي له ولسائر النبيين، والصِّدِّيقين وغيرهم، والأحاديث في هذا كثيرة ومتواترة. روى الترمذي في سننه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : «أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي،
стр. 1405
فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» (١)(٢).
وقد ذكر ابن أبي العز ﵀ في شرح العقيدة الطحاوية أنواعاً أخرى، فمن ذلك:
الشفاعة السادسة: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة.
الشفاعة السابعة: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.
الشفاعة الثامنة: الشفاعة في أقوام ليدخلوا الجنة بغير حساب، ولا عذاب وهم السبعون ألفاً.
ويُخرج الله أقواماً بغير شفاعة بل بفضله ورحمته، حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أصحاب النار. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ : شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ