رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١). ومنها قوله ﷺ للمريض: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (٢).
سادساً: على المريض ألا ييأس من الشفاء، فالله على كل شيء قدير، قال تعالى: ﴿اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وأيوب ﵇ مكث في البلاء ثماني عشرة سنة ثم كشف الله عنه وشفاه (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1402
الكلمة العاشرة: الشفاعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالشفاعة. وتنقسم إلى قسمين:
١ - شفاعة باطلة.
٢ - شفاعة صحيحة.
الشفاعة الباطلة: هي ما يتعلق به المشركون في أصنامهم، حيث يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاء لهم عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]. وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (٣)﴾ [الزمر: ٣]. لكن هذه الشفاعة باطلة لا تنفع كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨].
الشفاعة الصحيحة: وهي التي جمعت شروطاً ثلاثة:
الأول: رضا الله عن الشافع، الثاني: رضاه عن المشفوع له، لكن الشفاعة العظمى في الموقف، عامة لجميع الناس من رضي عنهم ومن لم يرض عنهم، الثالث: إذنه في الشفاعة، والإذن لا
стр. 1403
يكون إلا بعد الرضا عن الشافع والمشفوع له. قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَاّ مِن بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. ولم يقل عن الشافع ولا المشفوع له ليكون أشمل. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَاّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]. والآية الأولى تضمنت الشروط الثلاثة، والثانية تضمنت شرطين، والثالثة تضمنت شرطاً واحداً.
وللنبي ﷺ شفاعات كثيرة:
الشفاعة الأولى: شفاعته ﷺ لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم بعد أن يعتذر عنها الأنبياء (آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، عليهم الصلاة والسلام) حتى تنتهي إليه، وهذه الشفاعة العظمى لا تكون لأحد أبداً إلا للرسول ﷺ وهي أعظم الشفاعات لأن فيها إراحة الناس من هذا الموقف العظيم والكرب والغم.
الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط ووقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض، ولكنهم إذا أتوا الجنة لا يجدونها مفتوحة حتى يشفع النبي ﷺ لهم أن يدخلوها. روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَاتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ». وفي آخر الحديث:
стр. 1404
«فَيَاتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ» (١).
الشفاعة الثالثة: وهي خاصة به ﷺ وهي لعمه أبي طالب فيشفع له في تخفيف العذاب. فقد ورد في الصحيحين من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : مَا أغْنَيتَ عَن عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ (٢) مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (٣).
الشفاعة الرابعة: شفاعته ﷺ فيمن استحق النار أن لا يدخلها وهي له ولسائر النبيين، والصديقين والمؤمنين، قال بعض أهل العلم: وهذه تُستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإن من لازم ذلك أن لا يدخل النار كما قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» (٤).
الشفاعة الخامسة: شفاعته ﷺ لأناس قد دخلوا النار أن يخرجوا منها وهي له ولسائر النبيين، والصِّدِّيقين وغيرهم، والأحاديث في هذا كثيرة ومتواترة. روى الترمذي في سننه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : «أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي،
стр. 1405
فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» (١)(٢).
وقد ذكر ابن أبي العز ﵀ في شرح العقيدة الطحاوية أنواعاً أخرى، فمن ذلك:
الشفاعة السادسة: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة.
الشفاعة السابعة: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.
الشفاعة الثامنة: الشفاعة في أقوام ليدخلوا الجنة بغير حساب، ولا عذاب وهم السبعون ألفاً.
ويُخرج الله أقواماً بغير شفاعة بل بفضله ورحمته، حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أصحاب النار. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ : شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ
الكلمة الحادية عشرة: تأملات في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه (١٩) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَة (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَة (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوه (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوه (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيم (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ غِسْلِين (٣٦) لَا يَاكُلُهُ إِلَاّ الْخَاطِؤُون (٣٧)﴾ [الحاقة: ١٩ - ٣٧].
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه (١٩)﴾ يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه بيمينه وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه ﴿اقْرَؤُوا كِتَابِيه﴾؛ لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة راجحة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵁ أنه سُئل عن النجوى، فقال:
стр. 1408
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين (١٨)﴾ [هود: ١٨]» (١).
قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه (٢٠)﴾ أي قد كنت موقناً في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ [البقرة: ٤٦].
قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (٢١)﴾ أي مرضية، قد رضوها ولم يختاروا عليها غيرها.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَة (٢٢)﴾ أي رفيعة قصورها، حسان حورها، ناعمة دورها، دائم حبورها، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ»، أُرَاهُ قَالَ: «وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» (٢).
стр. 1409
قوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَة (٢٣)﴾ قال البراء بن عازب ﵁: أي قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره.
قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة (٢٤)﴾ أي يُقال لهم ذلك تفضلاً عليهم وامتناناً وإحساناً، وإلا فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (٢٥)﴾ هذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أُعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله، فحينئذ يندم غاية الندم، فيقول: يا ليتني لم أوت كتابيه لأنه يُبشر بالنار.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه (٢٦)﴾ أي يا ليتني كنت نسياً منسياً كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ: ٤٠].
قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة (٢٧)﴾ قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها، وقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه منه.
قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (٢٨)﴾ أي لم يدفع عني مالي
стр. 1410
عذاب الله وبأسه، بل خلص الأمر إليَّ وحدي فلا معين لي ولا مجير.
قال تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (٢٩)﴾ أي ذهب واضمَحَلَّ فلم تنفع الجنود الكثيرة ولا العدد ولا الجاه العريض، بل ذهب كله أدراج الحياة، وفاتته بسببه المتاجر والأرباح، وحضر بدله الهموم والأحزان.
قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوه (٣٠)﴾ أي يأمر الله الزبانية أن تأخذه عنفاً من المحشر فتغله أي تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها أي تغمره فيها، قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُون (٧١) ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُون (٧٢)﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوه (٣٢)﴾ قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد النار، وقال ابن عباس ﵄: بذراع الملك، قال ابن عباس ﵄: فاسلكوه أي انظموه فيها بأن تدخل في دبره وتخرج من فمه ويُعلق فيها، فلا يزال يُعذب هذا العذاب الفظيع، فبئس العذاب والعقاب.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ جُمْجُمَةٍ (١) - أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الَارْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ
стр. 1411
رَاسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا» (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم (٣٣)﴾ أي كافراً معانداً لرسله رادًّا ما جاؤوا به.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين (٣٤)﴾ ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين، فلا يطعمهم من ماله ولا يحض غيره على إطعامهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيم (٣٥)﴾ أي قريب أو صديق يشفع له لينجو من عذاب الله أو يفوز بثواب الله كما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (١٨)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ غِسْلِين (٣٦)﴾ الغسلين: صديد أهل النار، وهو غاية في الحرارة، ونتن الريح، وقبح الطعم ومرارته.
قوله تعالى: ﴿لَا يَاكُلُهُ إِلَاّ الْخَاطِؤُون (٣٧)﴾ أي: الذين أخطؤوا الصراط المستقيم وسلكوا سبل الجحيم، فلذلك استحقوا العذاب الأليم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1412
الكلمة الثانية عشرة: الكبر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من الصفات المذمومة التي ذمها الله ورسوله صفة الكبر، قال الغزالي ﵀: «هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير» (١)، وقال بعضهم: «الكبر: هو استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من الفضائل والاستهانة بالناس واستصغارهم والترفع على من يجب التواضع له» (٢).
والتعريفان يصبان في معنى واحد.
«قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾: أي تميله وتُعرض به عن الناس تكبراً عليهم، والمرح: التبختر، وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَاّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب (٢٧)﴾ [غافر: ٢٧]».
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁
стр. 1413
أن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ (١) وَغَمْطُ النَّاسِ (٢)» (٣).
ففي هذا الحديث بيان أن الكبر على نوعين:
الأول: الاستكبار على الله وعلى دينه وعلى رسوله ﷺ ، كاستكبار فرعون وأمثاله ممن استنكف أن يكون عبدًا لله، قال تعالى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَاّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب (٢٧)﴾ [غافر: ٢٧].فإن نبي الله موسى دعاه إلى الهدى فاستكبر، وقال لقومه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات ٢٤ - ٢٥]. وجعله لمن بعده عبرة وآية، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُون (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢]. وهذا المصير هو مصير كل جبار ومعاند قبل فرعون وبعده، يشتركون كلهم في ذلك المصير المخزي كما اشتركوا في التكبر على الله وعلى رسوله، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُون (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِين (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٣ - ٣٥].
والكبرياء من خصائص الجبار سبحانه كما جاء في الحديث
стр. 1414
المخرج في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (١).
وأخبر النبي ﷺ أن الكبر من صفات أهل النار، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «احْتَجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ هَذِهِ: يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ هَذِهِ: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَرُبَّمَا قَالَ: أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف قال: الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَتَحَدَّثَا، ثُمَّ مَضَى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ هَذَا: يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ» (٣).
والمتكبرون شر خلق الله، ويُحشرون يوم القيامة وعلى وجوههم الذل والصغار، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ
стр. 1415
كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِين (٦٠)﴾ [الزمر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ (٤٥)﴾ [الشورى: ٤٥].
وروى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ» (١). وجاء في تفسيرها بأنها صديد أهل النار.
ومن هذا النوع أن يبلغ الإنسان الحق من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ فلا ينقاد له، بل يعرض عنه أنفةً واستكباراً، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وفي مثل هذا نزل قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وفي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ﵁: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (٢).
стр. 1416
النوع الثاني: التكبر على الخلق وقد مر بيانه بأنه غمط الناس: أي احتقارهم وازدراؤهم، وهذا إنما ينشأ عند أهل النقص والدناءة، فيريدون تعويض ذلك بإظهار ما ليسوا بأهله، وحينئذ ينشأ الكبر عندهم، ولهذا جاء التوجيه النبوي الكريم بالأمر بالتواضع قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (١).
قال الغزالي ﵀: «فالكبر آفة عظيمة هائلة، وفيه يهلك الخواص من الخلق، وقلما ينفك عنه العباد والزهاد والعلماء، فضلاً عن عوام الخلق، وكيف لا تعظم آفته وقد قال ﷺ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، وإنما صار حجاباً دون الجنة، لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر يغلق تلك الأبواب كلها، لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، وفيه شيء من الكبر، فما من خُلُقٍ ذميم إلا وصاحب الكبر مضطر إليه ليحفظ كبره، وما من خُلُقٍ محمودٍ إِلَّا وهو عاجز عنه خوفاً من أن يفوته عزه، فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه، والأخلاق الذميمة متلازمة، والبعض منها داع إلى البعض، وشر أنواع الكبر ما يمنع من الاستفادة من العلم، وقبول الحق، والانقياد له» (٢). اهـ.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن الكبر يشمل تزكية النفس والإعجاب
стр. 1417
بها عند الآخرين، والتكبر بالنسب، والمال، والجاه، والقوة، والجمال.
فصاحب النسب الشريف يتكبر على من ليس كذلك، وإن كان أرفع منه عملاً، والغني يتكبر بما له على الفقير، وصاحب المنصب يتكبر على من ليس كذلك، والمرأة الجميلة تتكبر على المرأة التي ليست كذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أوَ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1418
الكلمة الثالثة عشرة: الجنة والنار كأنها رأي العين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فقد خلق الله الجن والإنس ليعبدوه ويوحدوه ويطيعوه، ووعد من أطاعه بالجنة فضلاً منه، وتوعد من عصاه بالنار عدلاً منه.
والجنة والنار مخلوقتان، قال تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ» (١).
فالجنة ثواب أولياء الله المطيعين له ولرسله، والنار عقاب أعداء الله العاصين له ولرسله، ولا يظلم ربك أحداً، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها أو يعفو الله عنها.
وقد أخبر النبي ﷺ عن شدة حر هذه النار فقال: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» (٢) متفق عليه.
стр. 1419
وجهنم عظيمة مخيفة، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (١).
قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر: ٢٣]. وجهنم قعرها بعيد، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ » قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا» (٢).
والعصاة في النار على دركات، روى مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال عن النار: «مِنْهُمْ مَنْ تَاخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَاخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَاخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ (٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ تَاخُذُهُ إِلَى تُرْقُوَتِهِ» (٤)(٥). والحجزة مقعد الإزار.
روى البزار وأبو يعلى في مسنديهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَو كَانَ فِي هَذَا المَسجِدِ مِئَةُ (أَلفٍ) أَو يَزِيدُونَ، وَفِيهِ رَجُلٌ
стр. 1420
مِن (أَهلِ) النَّارِ فَتَنَفَّسَ فَأَصَابَ نَفَسُهُ، لَاحتَرَقَ المَسجِدُ وَمَن فِيهِ» (١).
وَ «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ يَلْبَسُ نَعْلَينِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ».
روى مسلم في صحيحه من حديث العباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (٢). وطعام أهل النار الضريع، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيع (٦)﴾ [الغاشية: ٦]. والضريع شجر ذو شوك عظيم قد بلغ غاية الحرارة والمرارة وقبح الرائحة، وكذلك الزَّقُّوم، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوم (٤٣) طَعَامُ الأَثِيم (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُون (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيم (٤٦)﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]. والزقوم: شجرة خبيثة المنظر، كريهة الرائحة، مرة الطعم.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث مجاهد: أَن الناسَ كانوا يطوفونَ وابنُ عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون (١٠٢)﴾، وَلَو أَنَّ قَطرَةً مِنَ الزَّقُومِ قَطَرَت لَأَمَرَّت عَلَى أَهلِ الأَرضِ عَيشَهُم، فَكَيفَ مَن لَيسَ لَهُم طَعَامٌ إِلَّا الزَّقُومُ؟ ! » (٣).
وكذلك طعامهم الغسلين: وهو صديد أهل النار، والقيح، والدم، والعرق.
стр. 1421
قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيم (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ غِسْلِين (٣٦) لَا يَاكُلُهُ إِلَاّ الْخَاطِؤُون (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٥ - ٣٧].
وشراب أهل النار الحميم الذي بلغ غاية الحرارة إذا قُرِّبَ من وجوههم شواها حتى يتساقط اللحم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩].
والماء المهل كالزيت المحروق أسود غليظ منتن، قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم (١٥)﴾ [محمد: ١٥]. وكذلك الغَسَّاق، قال تعالى: ﴿لَاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]. والغَسَّاق: قال ابنُ الأثير: الغساق: بالتخفيف والتشديد، ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم، وقيل: ما يسيل من دموعهم، وقيل: هو الزمهرير (١)، فهو باردٌ لا يُستطاعُ مِن برده، ولا يُواجَه مِن نتنه (٢)، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَو أَنَّ دَلوًا مِن غَسَّاقٍ يُهرَاقُ فِي الدُّنيَا، لَأَنتَنَ أَهلَ الدُّنيَا» (٣) فجهنم لها ألوان من العذاب، قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاق (٥٧) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاج (٥٨)﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨].
وأما الجنة فإن نعيمها يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، كما قال ابن عباس ﵄:
стр. 1422
لَيْسَ في الجَنَّةِ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الأَسْمَاءُ، هِيَ وَاللَّهِ نُورٌ يَتَلَالَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا، فِي دُورٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ. وَلَمَّا سُئِلَ ﷺ عَنْ صِفَةِ بِنَائِهَا، قَالَ: «لَبِنَةُ ذَهَبٍ وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، ومِلَاطُهَا (١) الْمِسْكُ الأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمْ لَا يَبْؤُسُ، ويَخْلُدُ لَا يَمُوتُ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ» (٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠]. وما أخفاه الله عَنَّا من نعيم الجنة عظيم لا تدركه العقول ولا تصل إلى كنهه الأفكار، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (٣).
وأول من يدخل هذه الجنة نبينا محمد ﷺ ، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (٤).
стр. 1423
وأول زمرة يدخلون الجنة جاء وصفهم في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتْفِلُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا (٢) مُرْدًا بِيضًا جِعَادًا مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا» (٣).
قال ابن القيم ﵀: «وفي هذا الطول والسن من الحكمة ما لا يخفى فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات لأنه أكمل سن القوة مع عظم آلات اللذة وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها، بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء» (٤).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي
стр. 1424
وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ (١) ظُفُرٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ بَدَا، لَتَزَخْرَفَتْ (٢) لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ (٣) السَّمَاوَاتِ وَالَأرْضِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشَّمْسِ، كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ» (٤).
ومكان هذه الجنة كما قال تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين (١٨)﴾ [المطففين: ١٨]. قال ابن عباس ﵄: الجنة، وقيل: عليون في السماء السابعة تحت العرش، وذكر بعض السلف آثاراً تدل على أن الجنة فوق السماء السابعة كما في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» (٥).
والجنة لا موت فيها، ولا هَمٌّ، ولا حزن، بل قال بعض أهل العلم: أهل الجنة لا ينامون لأن النوم أخو الموت، ولا يكون إلا من تعب، والجنة لا تعب فيها ولا نصب، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٥ - ٣٤].
стр. 1425
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣) [الأعراف: ٤٣]﴾» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قبل العرش» (٢).
والجنة درجات بعضها فوق بعض وأهلها متفاضلون بحسب منازلهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢١].
روى مسلم في صحيحه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ فَقَالَ
стр. 1426
فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ (١)، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾» [السجدة: ١٧].
أما حورها فإن الله تعالى قال عنهن: ﴿وَحُورٌ عِين (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُون (٢٣)﴾ [الواقعة ٢٢ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَانَاهُنَّ إِنشَاء (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة ٣٥ - ٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]. قال جمع من المفسرين: مطهرة من الحيض والبول، والنفاس، والغائط، والمخاط، وغير ذلك من الأقذار والأذى (٢). روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يعني الخمار - عَلَى رَاسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٣).
أما رؤية المؤمنين لربهم في الجنة ورضاه عنهم، فإن ذلك من أفضل النعم التي يكرم الله بها أهل الجنة، روى مسلم في
стр. 1427
صحيحه من حديث صهيب الرومي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ »، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ! فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (٢).
وبعد ما عرف المؤمن ما أعد الله للكفرة والعصاة من العذاب والنكال، وما أعده كذلك للمؤمنين المتقين من الكرامة والنعيم، فإنه يجب عليه أن يسعى لفكاك نفسه من النار، قال ﷺ : «اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (٣). والمسارعة بالطاعات والقربات لينال الدرجات العلى، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى
стр. 1428
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣].
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1429
الكلمة الرابعة عشرة: فوائد من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].وعملاً بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آية من كتاب الله ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُون (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِين (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦٠ - ٦٢].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾: قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه يتوفى عباده المؤمنين في منامهم بالليل وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. قال جمع من المفسرين: المراد وفاة النوم، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ
стр. 1430
الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا قام من النوم قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه بخلقه في ليلهم ونهارهم، وفي حال سكونهم وحال حركتهم كما قال تعالى: ﴿سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار (١٠)﴾ [الرعد: ١٠].
وكما قال تعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (٧٢)﴾ [القصص: ٤٢].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ أي: في النهار، و ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ أي: أجل كل واحد من الناس، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة، فيجازيكم على ذلك؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ أي: وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء،
стр. 1431
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة يحفظون بدن الإنسان كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ (١١)﴾ [الرعد: ١١]. وحفظة يحفظون عمله ويحصونه عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار: ١١ - ١٢]. وكقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد (١٧) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق: ١٧ - ١٨].
قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: الملائكة الموكلون بذلك، قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُون﴾: أي: في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سِجِّين، عياذاً بالله من ذلك.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، قيل: الملائكة، وقيل الخلائق كلهم يردون إلى الله يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِين (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُوم (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]. ولهذا قال: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِين﴾.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ
وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم (٧٩)﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].
ثانياً: أن المحتضر إما أن يبشر بالنعيم أو بالعذاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠]. قال بعض المفسرين: تبشرهم الملائكة ألا تخافوا مما تقدمون عليه في الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتموه من أهل ومال وولد، فنحن نخلفكم فيه.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق (٥٠ [الأنفال: ٥٠].
ثالثاً: الإيمان بالملائكة وهم على أصناف، منهم الموكلون بقبض الأرواح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون (١١)﴾ [السجدة: ١١]. وما يظنه بعض الناس من أن ملك الموت اسمه (عزرائيل) فليس بصحيح ولم يثبت بالكتاب والسنة.
رابعاً: أن القهار على الحقيقة هو الله وحده هو الذي قهر وغلب عباده أجمعين، حتى إن أعتى الخلق يتضاءل ويتلاشى أمام قهر الله وجبروته، فهذا الموت الذي كتبه على عباده لا يستطيع الخلق رده أو دفعه عن أنفسهم ولو أُوتوا من القوة
стр. 1434
والجبروت ما أُوتوا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وقال سبحانه للمنافقين: ﴿قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ [آل عمران: ١٦٨].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1435
الكلمة الخامسة عشرة: قوة الإرادة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن الصفات المحمودة التي حث عليها الشرع «قوة الإرادة» وهي تهيؤ القلب والعقل بشدة وعزم لإحداث الفعل أو تركه (١).
وهي قوة العزيمة التي تحمل صاحبها على استسهال الصعاب واقتحام الشدائد لنيل الغرض المطلوب، قال الشاعر:
لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَو أُدْرِكَ المُنَى ... فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرٍ
ولا تكون هذه الصفة إلا في الكُمَّلِ من الرجال أهل القوة والعزم، قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وأصحاب العزائم القوية يتحقق لهم ما يشبه المستحيل من غيرهم، قال المتنبي:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَاتِي العَزَائِمُ ... وتَاتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
ويَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا ... وَيَصغُرُ فِي عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
أما أصحاب الإرادات الضعيفة والعزائم الرخوة فإنه لا يكاد
стр. 1436
يتحقق لهم مراد، فكلما هموا بأمر ورأوا ما دونه من الصعاب والشدائد ارتخت عزائمهم وضعفت إرادتهم، وحال إيثارهم للراحة والدعة دون تحقيقه، قال الشاعر:
ومَنْ رَامَ العُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ ... أَضَاعَ العُمرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
تَرُومُ العِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيلًا ... يَغُوصُ البَحرَ مَنْ طَلَبَ الَّلآلِي
وقد أثنى الله تعالى في كتابه في غيرما موضع على أصحاب الإرادة القوية والعزيمة النافذة، فقال تعالى لنبيه ﷺ منبهاً له في الاقتداء بهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]. وبها أمر ربنا تعالى نبي الله يحيى ﵇ فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]. وَمِنْ قَبْلُ أَمَرَ نبيه موسى ﵇ حين أنزل عليه التوراة فقال: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]. وفي العموم يقول تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١].
وقد أخبرنا جل وعلا في قصة أبينا آدم أنه أدخله الجنة وأذن له في التمتع بما فيها من النعيم إلا شجرة واحدة نهاه عن الأكل منها، فوسوس له إبليس وخادعه حتى أضعف إرادته، وحل من عزيمته، فأكل منها، فكان جزاؤه أن أُخْرِجَ من دار النعيم والحبور والسرور، وأُهْبِطَ إلى دار الأحزان والنكد والهموم والغموم، وفي ذلك يقول ربنا : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
ولقد ضرب نبينا ﷺ أروع الأمثلة في قوة الإرادة ونفاذ العزيمة، فقد أتت قريش إلى أبي طالب عم النبي ﷺ فقالت: يا
стр. 1437
أبا طالب؛ أرأيت محمد يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي! إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم، فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله ﷺ ببصره (وفي رواية: فعلق رسول الله ﷺ ببصره) إلى السماء، فقال: «مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَرُدَّ ذَلِكَ مِنكُم عَلَى أَن تُشعِلُوا مِنهَا شُعلَةً - يعني: الشمس -» قال: فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخي قط، فارجعوا (١).
وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي ﷺ قال في صلح الحديبية: «يَا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقَد أَكَلَتهُمُ الحَربُ، مَاذَا عَلَيهِم لَو خَلَّوْا بَينِي وَبَينَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظهَرَنِي اللهُ عَلَيهِم، دَخَلُوا فِي الإِسلَامِ وَهُم وَافِرُونَ، وَإِنْ لَم يَفعَلُوا (٢)، قَاتَلُوا وَبِهِم قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُم عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللهُ لَهُ حَتَّى يُظهِرَهُ اللهُ لَهُ، أَو تَنفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ (٣)» (٤).
ومن مواقف أصحاب الإرادات القوية التي تُذكر وتُشكر، موقف
стр. 1438
الصديق ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ عندما ارتدت قبائل العرب ومنعوا الزكاة وأشرأَبَّ النفاق، قالت عائشة: فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهَاضَهَا - أي: لَكَسَرَهَا بَعدَ جَبرِهَا -، وقال كلمته المشهورة: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عَقَالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه (١).
ومن المشهور أيضاً موقف الإمام الجليل أحمد بن حنبل ﵀ في فتنة القول بخلق القرآن، وللعلماء والأخيار مواقف جليلة تطلب في مظانِّها من كتب التواريخ والتراجم.
تنبيهات:
الأول: الإرادة القوية؛ منها المحمود والمذموم، فالمذموم أن تكون في الإقدام على أمور لم يتحقق فيها رضا الله أو أغراض شرعية، والممدوح عكس ذلك وركناه الذي لا يقوم إلا بهما: التقوى والصبر، قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ [آل عمران: ١٨٦].
والتقوى لا بد أن تكون عن بصيرة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]. فالأبصار البصيرة في الدين الناتجة عن العلم والتقوى، والأيدي هي القوة.
الثاني: على من آتاه الله قوة الإرادة أن يعلم أن ذلك فضل من الله،
стр. 1439
المِنَّةُ له فيها وحده، فليشكر الله على ذلك وليعتمد عليه، بهذا جاء التوجيه الكريم للنبي ﷺ فقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين [آل عمران: ١٥٩].
الثالث: الحذر من التردد وغالباً ما يكون سببه نقص البصيرة، فإذا تحقق من الأمر الذي يريده فليعزم ولا يتردد، قال الشاعر:
إِذَا كُنتَ ذَا رَأيٍ فَكُن ذَا عَزِيمَةٍ ... فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأيِ أَن تَتَرَدَّدَا
وفي غزوة أُحد كان رأي النبي ﷺ البقاء في المدينة ومنازلة المشركين فيها، فلما أكثر عليه شباب الصحابة وعزم الخروج ولبس لامته للحرب، أُشير عليه بترك ذلك فأبى لما في التردد من فساد الأمور وضياع الرأي، فقال: «إِنَّهُ لَيسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأمَتَهُ (١) أَن يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1440
الكلمة السادسة عشرة: فضائل أم المؤمنين خديجة ﵂
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة أم المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ ، ولدت قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة، وكانت من أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً، حتى إذا بلغت عُرفت بالطاهرة لتركها ما كانت تفعله نساء الجاهلية، وكانت تاجرة ذات شرف ومال، وقد تزوجها النبي ﷺ وعمرها أربعون سنة، وسنه خمس وعشرون سنة، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت لفضلها ومكانتها عنده فإنها كانت نعم القرين، وقد ولدت له القاسم وبه كان يُكنى ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله، وكان يُلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فأدركن الإسلام فأسلمن، وهاجرن، إلا أن الوفاة أدركتهن في حياته سوى فاطمة، فقد ماتت بعده بأشهر، وهي أول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبَّتت جأشه، ومضت به إلى ابن عمها ورقة، وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، وهي من أفضل نساء الأمة، قال الذهبي ﵀: «كانت عاقلة جليلة