يتحقق لهم مراد، فكلما هموا بأمر ورأوا ما دونه من الصعاب والشدائد ارتخت عزائمهم وضعفت إرادتهم، وحال إيثارهم للراحة والدعة دون تحقيقه، قال الشاعر:
ومَنْ رَامَ العُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ ... أَضَاعَ العُمرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
تَرُومُ العِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيلًا ... يَغُوصُ البَحرَ مَنْ طَلَبَ الَّلآلِي
وقد أثنى الله تعالى في كتابه في غيرما موضع على أصحاب الإرادة القوية والعزيمة النافذة، فقال تعالى لنبيه ﷺ منبهاً له في الاقتداء بهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]. وبها أمر ربنا تعالى نبي الله يحيى ﵇ فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]. وَمِنْ قَبْلُ أَمَرَ نبيه موسى ﵇ حين أنزل عليه التوراة فقال: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]. وفي العموم يقول تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١].
وقد أخبرنا جل وعلا في قصة أبينا آدم أنه أدخله الجنة وأذن له في التمتع بما فيها من النعيم إلا شجرة واحدة نهاه عن الأكل منها، فوسوس له إبليس وخادعه حتى أضعف إرادته، وحل من عزيمته، فأكل منها، فكان جزاؤه أن أُخْرِجَ من دار النعيم والحبور والسرور، وأُهْبِطَ إلى دار الأحزان والنكد والهموم والغموم، وفي ذلك يقول ربنا : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
ولقد ضرب نبينا ﷺ أروع الأمثلة في قوة الإرادة ونفاذ العزيمة، فقد أتت قريش إلى أبي طالب عم النبي ﷺ فقالت: يا
стр. 1437
أبا طالب؛ أرأيت محمد يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي! إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم، فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله ﷺ ببصره (وفي رواية: فعلق رسول الله ﷺ ببصره) إلى السماء، فقال: «مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَرُدَّ ذَلِكَ مِنكُم عَلَى أَن تُشعِلُوا مِنهَا شُعلَةً - يعني: الشمس -» قال: فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخي قط، فارجعوا (١).
وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي ﷺ قال في صلح الحديبية: «يَا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقَد أَكَلَتهُمُ الحَربُ، مَاذَا عَلَيهِم لَو خَلَّوْا بَينِي وَبَينَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظهَرَنِي اللهُ عَلَيهِم، دَخَلُوا فِي الإِسلَامِ وَهُم وَافِرُونَ، وَإِنْ لَم يَفعَلُوا (٢)، قَاتَلُوا وَبِهِم قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُم عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللهُ لَهُ حَتَّى يُظهِرَهُ اللهُ لَهُ، أَو تَنفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ (٣)» (٤).
ومن مواقف أصحاب الإرادات القوية التي تُذكر وتُشكر، موقف
стр. 1438
الصديق ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ عندما ارتدت قبائل العرب ومنعوا الزكاة وأشرأَبَّ النفاق، قالت عائشة: فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهَاضَهَا - أي: لَكَسَرَهَا بَعدَ جَبرِهَا -، وقال كلمته المشهورة: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عَقَالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه (١).
ومن المشهور أيضاً موقف الإمام الجليل أحمد بن حنبل ﵀ في فتنة القول بخلق القرآن، وللعلماء والأخيار مواقف جليلة تطلب في مظانِّها من كتب التواريخ والتراجم.
تنبيهات:
الأول: الإرادة القوية؛ منها المحمود والمذموم، فالمذموم أن تكون في الإقدام على أمور لم يتحقق فيها رضا الله أو أغراض شرعية، والممدوح عكس ذلك وركناه الذي لا يقوم إلا بهما: التقوى والصبر، قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ [آل عمران: ١٨٦].
والتقوى لا بد أن تكون عن بصيرة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]. فالأبصار البصيرة في الدين الناتجة عن العلم والتقوى، والأيدي هي القوة.
الثاني: على من آتاه الله قوة الإرادة أن يعلم أن ذلك فضل من الله،
стр. 1439
المِنَّةُ له فيها وحده، فليشكر الله على ذلك وليعتمد عليه، بهذا جاء التوجيه الكريم للنبي ﷺ فقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين [آل عمران: ١٥٩].
الثالث: الحذر من التردد وغالباً ما يكون سببه نقص البصيرة، فإذا تحقق من الأمر الذي يريده فليعزم ولا يتردد، قال الشاعر:
إِذَا كُنتَ ذَا رَأيٍ فَكُن ذَا عَزِيمَةٍ ... فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأيِ أَن تَتَرَدَّدَا
وفي غزوة أُحد كان رأي النبي ﷺ البقاء في المدينة ومنازلة المشركين فيها، فلما أكثر عليه شباب الصحابة وعزم الخروج ولبس لامته للحرب، أُشير عليه بترك ذلك فأبى لما في التردد من فساد الأمور وضياع الرأي، فقال: «إِنَّهُ لَيسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأمَتَهُ (١) أَن يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1440
الكلمة السادسة عشرة: فضائل أم المؤمنين خديجة ﵂
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة أم المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ ، ولدت قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة، وكانت من أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً، حتى إذا بلغت عُرفت بالطاهرة لتركها ما كانت تفعله نساء الجاهلية، وكانت تاجرة ذات شرف ومال، وقد تزوجها النبي ﷺ وعمرها أربعون سنة، وسنه خمس وعشرون سنة، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت لفضلها ومكانتها عنده فإنها كانت نعم القرين، وقد ولدت له القاسم وبه كان يُكنى ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله، وكان يُلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فأدركن الإسلام فأسلمن، وهاجرن، إلا أن الوفاة أدركتهن في حياته سوى فاطمة، فقد ماتت بعده بأشهر، وهي أول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبَّتت جأشه، ومضت به إلى ابن عمها ورقة، وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، وهي من أفضل نساء الأمة، قال الذهبي ﵀: «كانت عاقلة جليلة
стр. 1441
دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان النبي ﷺ يُثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، حتى إن عائشة كانت تقول: «ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة من كثرة ذكر النبي ﷺ لها» (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أَتَى جِبرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُول الله: هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَا ﵍ مِنْ رَبِّهَا، وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» (٢). والقصب: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف، والصخب: اختلاط الأصوات، والنصب: التعب.
قال السهيلي: «وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني قصب اللؤلؤ - لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها لم ترفع صوتها على النبي ﷺ ولم تتعبه يوماً من الدهر، فلم تصخب عليه يوماً ولا آذته أبداً» (٣).
قال ابن إسحاق: «تتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلاك أبي طالب وخديجة، وكانت خديجة وزيرة صدق، أبوها يجتمع مع النبي ﷺ في جده الرابع قُصي بن كلاب، وأمها تجتمع مع النبي ﷺ في جده الثامن لؤي بن غالب، وكانت ذات مال، فعرضت على النبي ﷺ
стр. 1442
أن يخرج في مالها إلى الشام، فخرج مع مولاها ميسرة، فلما قدم باعت خديجة ما جاء به فأضعف، فرغبت فيه، فعرضت نفسها عليه، فتزوجها وأصدقها عشرين بكرة» (١)(٢).
ومن مواقفها العظيمة ﵂: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ....
ثم قال في آخر الحديث: فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ »، قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأتِ
стр. 1443
رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ (١).
ومن مواقفها العظيمة أنها شاركت النبي ﷺ في السراء والضراء، ودخلت معه في حصار الشِّعب الذين اشتد عليهم فيه الجوع والعطش حتى ذكر بعض أهل العلم أنهم أكلوا أوراق الشجر، وفي السنة التي خرجوا فيها من الشِّعب توفيت خديجة.
وكانت ﵂ من أفضل نساء الأمة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال: سمعت علياً بالكوفة وهو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ» (٢).
ومن حب النبي ﷺ لخديجة ووفائه لها، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ: «إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ» (٣). وفي رواية في الصحيح: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا» (٤).
стр. 1444
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: اسْتَاذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَالَةَ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»، فَغِرْتُ فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءَ الشِّدْقَيْنِ (١)، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا (٢). وفي رواية: «مَا أَبدَلَنِي اللهُ خَيراً مِنهَا، قَد آمَنَت بِي إِذ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتنِي إِذ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتنِي بِمَالِهَا إِذ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ وَلَدَهَا إِذ حَرَمَنِي أَولَادُ النِّسَاءِ» (٣).
وكانت وفاتها بعد بعثة النبي ﷺ بعشر سنين في شهر رمضان، وقيل: بثمان، وقيل: بسبع، فأقامت معه خمساً وعشرين سنة، ودُفنت بالحجون (٤)، ويُذكر بالسير عام الحزن، لشدة حزن النبي ﷺ على فراق زوجته الوفية خديجة، رضي الله عن أم المؤمنين خديجة، وجزاها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1445
الكلمة السابعة عشرة: تأملات في قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وعملاً بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آية من كتاب الله ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
قال ابن كثير ﵀: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً أي في الضلالة هالكاً حائراً فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه ووفقه لاتباع رسله، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، أي: يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به، والنور هو القرآن وقيل الإسلام، وكلاهما صحيح».
قوله: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾: أي الجهالات، والأهواء، والضلالات المتفرقة ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾: أي: لا يهتدي إلى منقذ
стр. 1446
ولا مخلص مما هو فيه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ النُّورُ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ» (١). كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].وكما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِير (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّور (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُور (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلَا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُور (٢٢)﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
قيل: المراد بهذا المثل: رجلان معنيَّان؛ عمر بن الخطاب، وهو الذي كان ميتاً فأحياه الله، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله، والصحيح: أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر (٢). اهـ.
ومن فوائد الآية الكريمة:
١ - إن هذا النور الذي يحصل عليه المؤمن إنما هو نور الإيمان والطاعة، قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ
стр. 1447
وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨].
٢ - إن هذا النور يُحرَم منه المنافق والكافر لكفرهم وإجرامهم، قال تعالى: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّور﴾ [النور: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣].
٣ - إن هذا النور الذي يعطيه الله للمؤمن ليس خاصًّا بالدنيا، بل هو في الدنيا، وفي قبره، ويوم القيامة، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» (١). قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١٢)﴾ [الحديد: ١٢].
روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ عندما ذكر حال المؤمنين يوم القيامة قال: «فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورًا مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى
عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (١).
٥ - إن الله تعالى هو نور السماوات والأرض وما فيها، ويهب نوره لمن يشاء، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾ [النور: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]. فإذا جاء ﵎ يوم القيامة للفصل بين عباده أشرقت بنوره الأرض، وليس إشراقها يومئذ بشمس ولا قمر، فإن الشمس تُكَوَّرُ، والقمر يُخسَفُ، ويذهب نورهما (٢).
قال ابن القيم ﵀: «وهذه الظلمات ضد الأنوار التي يتقلب فيها المؤمن، فإن نور الإيمان في قلبه، ومدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، ومشيته في الناس نور، وكلامه نور، ومصيره إلى نور، والكافر بالضد، ولما كان النور من أسمائه الحسنى وصفاته كان دينه نوراً، ورسوله نوراً، وكلامه نوراً، وداره نوراً يتلألأ، والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين ويجري على ألسنتهم، ويظهر على وجوههم، وكذلك لما كان الإيمان واسمه المؤمن لم يعطه إلا أحب خلقه إليه، وكذلك الإحسان صفته وهو يحب المحسنين وهو الذي جعل من يحبه من خلقه كذلك، وأعطاه من هذه الصفات ما شاء وأمسكها عمن يبغضه وجعله على أضدادها، فهذا عدله وذلك فضله والله ذو الفضل العظيم» (٣).
стр. 1450
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ : إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (١).
٦ - أن المؤمن كلما ازداد من الأعمال الصالحة والطاعات والقربات كان نوره أعظم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يدعو في صلاته بالليل فيقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا» (٢). وفي رواية لمسلم: «وأَعْطِنِي نُورًا» (٣).
٧ - أن النور صفة من صفات الله تعالى، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «حِجَابُهُ النُّورُ» (٤).
«وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تُطيقُ المخلوقات كلها الثبوت لنور وجهه لو تَبَدَّى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السماوات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم - التي
стр. 1451
عرضها السماوات والأرض وسعتها لا يعلمه إلا الله - من نوره، فنور العرش، والكرسي، والجنات من نوره، فضلاً عن نور الشمس، والقمر، والكواكب» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1452
الكلمة الثامنة عشرة: من أسماء الله الحسنى (الحفيظ والحافظ)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١) ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب العزيز (الحفيظ والحافظ)، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ﴾ [هود: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ﴾ [سبأ: ٢١].
وأما الحافظ فقد ورد في قوله تعالى: ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ [يوسف: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون (٩)﴾ [الحجر: ٩].
قال الخطابي: هو الحافظ يحفظ السماوات والأرض وما فيهما لتبقى مدة بقائها فلا تزول ولا تَندَثِرُ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ
стр. 1453
مَّارِد﴾ [الصافات: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٩)﴾ [فاطر: ٤١]. وهو سبحانه يحفظ عبده من المهالك ومن مصارع السوء كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١]. أي بأمره، ويحفظ على الخلق أعمارهم ويُحصي عليهم أقوالهم ويحفظ أولياءه فيعصمهم عن مُواقَعَةِ الذنوب ويحرسهم من مكائد الشيطان ليسلموا من فتنته وشرِّه (١).
ومن آثار الإيمان بهذين الاسمين العظيمين:
أولًا: أن الحافظ لهذه السماوات السبع والأرضين وما فيها هو الله وحده لا شريك له، وهو سبحانه يحفظ السماء أن تقع على الأرض، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وقال سبحانه: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥].
ثانياً: أن الله سبحانه يحفظ أعمال عباده فلا يضيع منها شيئاً ويوافيهم بها يوم الحساب، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا» (٢). وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩]. وقد وَكَّلَ بهذه الأعمال حَفَظَةً كِراماً من الملائكة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١)
стр. 1454
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. ولا يسقط من الصحف شيئاً ولو صغر، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
ثالثاً: أن الله تعالى هو الذي يحفظ العبد من الشرور والآفات ويحفظه من عقابه وعذابه إن هو حفظ حدود الله واجتنب محارمه، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ [النساء: ٣٤]. فبحفظهن لدين الله، ولحفظهن بالغيب حقوق أزواجهن من عرض، أو مال، أو ولد، أو غير ذلك حفظهن الله، روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ» (١).
رابعاً: مدح الله سبحانه الذين يحفظون حقوقه وحدوده، فقال بعدما ذكر بعضاً من صفاتهم: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيب (٣٣)﴾ [ق: ٣٢ - ٣٣]. ومما يلزم المؤمن حفظه رأسه، وبطنه، وحفظ الرأس يدخل فيه حفظ السمع، والبصر، واللسان، من المحرمات، وحفظ البطن يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على مُحَرَّمٍ، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقد جمع الله ذلك كله في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾
стр. 1455
[الإسراء: ٣٦]. ويدخل في حفظ البطن حفظه من إدخال الحرام إليه من المأكولات والمشروبات. ومما يجب حفظه من المَنهِيَّاتِ حفظ اللسان والفرج، قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ فَقْمَيهِ وَفَرْجَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١).
خامساً: أن من أعظم ما يجب على المسلم حفظه من حقوق الله (التوحيد) فإن من حفظ هذا الحق حفظه الله يوم القيامة وأَمَّنَهُ من عذابه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال لمعاذ: «هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ »، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» (٢).
وبالجملة فإن المؤمن مأمور بحفظ دينه أجمع، وكلما كان المؤمن لدينه أحفظ كان حفظ الله له أعظم، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا
стр. 1456
بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
سادساً: أن المحفوظ هو ما حفظه الله وشاء له أن يُحفظ، وأما من شاء الله أن يضيع أو يتغير فإنه ضائع لا محالة، وقد تَكَفَّلَ الله بحفظ كتابه العزيز من التغيير، والتبديل إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون (٩)﴾ [الحجر: ٩] (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1457
الكلمة التاسعة عشرة: مقتطفات من سيرة عبد الله بن مسعود ﵁
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة عَلَمٍ من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، هذا الصحابي كان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد كلها، ولازم النبي ﷺ ، وكان صاحب نعليه وطهوره، وسواكه، ووساده (١)، وسره، وحدث عن النبي ﷺ بالكثير، وبعد الهجرة آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ، وقال عن نفسه: لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وقال أيضاً: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أُنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لأتيته (٢)، وقال أيضاً: والله لقد أخذت مِنْ فِيْ رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب
стр. 1458
النبي ﷺ أني مِنْ أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم (١).
إنه الإمام الحبر فقيه الأمة عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي المكي المهاجري أبو عبد الرحمن، حليف بني زهرة، كان ﵁ رجلاً نحيفاً قصيراً، شديد الأدمة (٢)، قال عنه الذهبي: كان معدوداً في أذكياء العلماء، وقد روى عبد الله الكثير من الأحاديث عن النبي ﷺ .
وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تبين فضله ومكانته العظيمة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى ﵁ قال: «قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ فَمَكَثْنَا حِينًا ومَا نَرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ» (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن ابن يزيد ﵁ قال: سَأَلْنَا حُذَيْفَةَ عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ وَالْهَدْيِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى نَاخُذَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: مَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي الأحوص ﵁ قال: «شَهِدْتُ أَبَا مُوسَى وَأَبَا مَسْعُودٍ حِينَ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتُرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ فَقَالَ: إِنْ قُلْتَ ذَاكَ، إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ
стр. 1459
لَهُ إِذَا حُجِبْنَا وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث علقمة قال: دَخَلْتُ الشَّامَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا، فَرَأَيْتُ شَيْخًا مُقْبِلًا فَلَمَّا دَنَا قُلْتُ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اسْتَجَابَ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: أَفَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ، وَالْوِسَادِ، وَالْمِطْهَرَةِ، أَوَ لَمْ يَكُنْ فِيكُمُ الَّذِي أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَوَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، كَيْفَ قَرَأَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ فَقَرَاتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَاهُ إِلَى فِيَّ، فَمَا زَالَ هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يَرُدُّونِي (٢).
وكان ﵁ من فقهاء الصحابة وقرائهم، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، - فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ» (٣).
وقد حَصَّلَ ﵁ علماً كثيراً بملازمة النبي ﷺ ، فروى البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الْحِجَابُ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ» (٤).
стр. 1460
ومما يدل على علمه وأمانته ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁ قال: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟ » قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ، قَالَ: «فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ؟ » فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ، فَمَسَحَ ضَرْعَهَا فَنَزَلَ لَبَنٌ، فَحَلَبَهُ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: «اقْلِصْ»، فَقَلَصَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ: فَمَسَحَ رَاسِي وَقَالَ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ» (١).
وقال عمر ﵁: كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْماً (٢).
وكان الصحابة ﵃ يتعجبون من دقة ساقيه، فأخبر النبي ﷺ بمنزلته عند ربه، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ » قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (٣).
وكان مستجاب الدعوة، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله ﵁: أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَدْعُو، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَدْعُو، فَقَالَ: «سَلْ تُعْطَهْ»، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا
стр. 1461
لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ، جَنَّةِ الْخُلْدِ (١).
ومن أقواله العظيمة: أنه كان يقول: «حَبَّذَا المَكرُوهَانِ: المَوتُ وَالفَقرُ، إِن كَانَ الفَقرُ إِن فِيهِ الصَّبرُ، وَإِن كَانَ الغِنَى إِن فِيهِ لَلعَطفُ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا وَاجِبٌ» (٢).
ومنها أنه كان يقول إذا قعد: «إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، من زرع خيراً يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شراً يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مِثلُ ما زرع، لا يَسبقُ بطيء بحظه، ولا يُدرِكُ حريص ما لم يُقدَّر له، فمن أُعطي خيراً، فالله أعطاه، ومن وُقي شراً، فالله وقاه، المُتَّقُون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة» (٣).
وكان يقول: «من أراد الآخرة أضرَّ بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضرَّ بالآخرة، يا قوم فأَضروا بالفاني للباقي».
وكان يقول: «إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً، ليس في عمل آخرة ولا دنيا».
ولما مرض عبد الله عاده عثمان فقال: «مما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطاء، قال: لا حاجة لي فيه» (٤).
стр. 1462
قال ابن حجر، وعند البخاري في تاريخه بسند صحيح من حديث ابن ظهير، قال: «جاء نعي عبد الله بن مسعود إلى أبي الدرداء، فقال: ما ترك بعده مثله» (١). قال عبيد الله بن عبد الله: مات بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنين وثلاثين من الهجرة (٢).
رضي الله عن عبد الله بن مسعود، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1463
الكلمة العشرون: فوائد من قوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُون﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُون (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٨٢)﴾ [التوبة: ٨١ - ٨٢].
قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى ذامّاً للمنافقين المتخلِّفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه، وكرهوا أن يجاهدوا معه بأموالهم، وأنفسهم في سبيل الله، وقالوا: أي بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر، وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا: ﴿تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾، فقال تعالى: قل لهم نار جهنم التي تصيرون إليها لمخالفتكم أشد حراً مما فررتم منه من الحر، بل أشد حراً من النار في الدنيا لو كانوا يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول ﷺ في سبيل الله في الحر ليتقوا به حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الآخر: كالمستجير
стр. 1464
من الرمضاء بالنار» (١).
ثم قال سبحانه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ قال ابن عباس ﵄: «الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا، وصاروا إلى الله استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً» (٢).
ومن فوائد الآية الكريمة:
أولاً: أن المنافقين في كل عصر وزمان دَيدَنُهُم تثبيط المؤمنين عن الجهاد، وأداء الطاعات مهما كانت يسيرة، كما قال تعالى: ﴿وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ [آل عمران: ١٦٨].
ثانياً: أن الله ذم المنافقين ليس بقعودهم عن الجهاد فقط، ولكن بفرحهم أيضاً بهذا التخلف، فإن الفرح بالمعصية أعظم من المعصية.
ثالثاً: أن الله قَدَّمَ الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في هذه الآية، وفي آيات أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ [التوبة: ٤١]. قال العلماء: وذلك لأهمية المال في دعم الجهاد، ولا يمكن أن يقوم الجهاد بدون مال.
стр. 1465
رابعاً: دلَّت الآية الكريمة أن الفقيه هو الذي يتقي البلاء الأكبر بالأصغر، والمنافقون لما كانوا لا يفقهون عكسوا ذلك بفرارهم من حر الرمضاء إلى حر جهنم، وفي هذا المعنى يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
فنار جهنم أشد وحرها أعظم من حر الدنيا، بل هي أضعاف نار الدنيا، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ، جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ»، قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا» (١).
خامساً: أن من الكفار والعصاة من يرتكبون المعاصي والذنوب، وهم يضحكون، ويلعبون، ولكن هذا الضحك ينقلب يوم القيامة بكاء وحسرات، روى الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن قيس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهلَ النَّارِ لَيَبكُونَ، حَتَّى لَو أُجرِيَتِ السُّفُنُ فِي دُمُوعِهِم لَجَرَت، وَإِنَّهُم لَيَبكُونَ الدَّمَ - يعني مكان الدمع -» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1466
الكلمة الحادية والعشرون: من أحكام السفر وآدابه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن الإنسان بطبعه يحتاج إلى السفر في أرض الله لقضاء مصالحه الدينية والدنيوية، والسياحة في الأرض والتأمل في عجائب المخلوقات مما يزيد العبد إيماناً ويقيناً بربه، قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]. وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور (١٥)﴾ [الملك: ١٥] (١).
قال الشافعي مادحاً للسفر وحاثًّا عليه:
سافر تَجد عِوضاً عَمنْ تُفارقهُ
وانْصَبْ فَإنَّ لَذِيد العيش في النصبِ
إني رَأيتُ وقُوفَ الماءِ يُفْسِدُهُ
إنْ سَالَ طَابَ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِب
والشمسُ لو بَقِيَت في الفُلكِ دَائِمَةً
لمَلَّها الناسُ مِنْ عُجم ومِنْ عَرَبِ
وقد وردت السنة النبوية ببعض الآداب الشرعية التي ينبغي للمسافر أن يلتزم بها، فمن ذلك:
أولاً: الاستخارة الشرعية قبل السفر، فيستخير في موعد السفر ووجهته، روى البخاري في صحيحه والترمذي والنسائي
عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» (١). وفي رواية لمسلم: «كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الحَوْرِ بَعدَ الكَوْرِ - وَهُوَ الرُّجُوعُ مِنَ الِاستِقَامَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ إِلَى النَّقصِ -، وَدَعوَةِ المَظلُومِ» (٢).
ثالثًا: أن يحرص أيضاً على الذكر عند الركوب فقد روى الترمذي في سننه من حديث علي بن ربيعة قال: شهدنا علياً أُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: «بِاسمِ اللهِ» ثَلَاثًا، فلما استوى على ظهرها قال: «الحَمدُ للهِ» ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ» ثَلَاثًا، و «اللهُ أكْبَرُ» ثَلَاثًا، «سُبحَانَكَ إِنِّي قَد ظَلَمتُ نَفسِي فَاغفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ» ثم ضحك، قلت: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثم ضحك، فقلت من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: «إِنَّ رَبَّكَ لَيَعجَبُ مِن عَبدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغفِر لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ غَيرُكَ» (٣).
رابعاً: كان النبي ﷺ إذا ودَّعَ أصحابه في السفر يقول لأحدهم: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ» (٤). والسنة أن يرد
стр. 1469
عليه المسافر فيقول: «أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» (١).
خامساً: استحباب الخروج يوم الخميس، روى البخاري في صحيحه من حديث كعب بن مالك ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (٢).
ويُستحب أن يكون أول النهار أو بالليل لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث صخر الغامدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» (٣)، ولما رواه أبو داود في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» (٤).
سادساً: استحباب طلب الرفقة الصالحة وتأميرهم على أنفسهم واحداً يطيعونه، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» (٥). وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «الرَّاكِبُ
стр. 1470
شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» (١).
قال الألباني ﵀: «ولعل الحديث أراد السفر في الصحاري والفلوات التي قلما يرى المسافر فيها أحداً من الناس، فلا يدخل فيه السفر اليوم في الطرق المعبدة الكثيرة المواصلات. والله أعلم» (٢). اهـ.
وروى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» (٣).
سابعاً: استحباب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها، روى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلنَا سَبَّحْنَا» (٤).
ثامناً: كان النبي ﷺ ينهى المرأة أن تسافر لوحدها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ:
стр. 1471
«انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (١).
تاسعاً: من السنة أن يصلي المسافر التطوع على دابته، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ» (٢).
عاشراً: كان النبي ﷺ يحذر من السفر إلى بلاد الكفار، فروى الترمذي في سننه من حديث جرير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: وَلِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» (٣).
وقد استثنى العلماء من ذلك: المجاهد في سبيل الله، أو السفر للدعوة إلى الله، أو لعلاج مرض، لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين، أو للتجارة، وكل ذلك مشروط بأن يكون مظهراً لدينه عالماً بما أوجب الله عليه، قوي الإيمان بالله، قادراً على إقامة شعائره مع أمن الفتنة، وللضرورة أحكامها.
الحادي عشر: إذا ذهب المسافر إلى المتنزهات أو البراري عليه أن يُلزِمَ زوجته وبناته بالحجاب، وعليه أن يبتعد عن الأماكن المختلطة، أو التي تحتوي على مخالفات شرعية، وأن يحافظ على
стр. 1472
الصلاة في أوقاتها، ويأمر أهله بذلك، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
الثاني عشر: كان النبي ﷺ يَحُثُّ أُمَّتَهُ إذا نزل أحدهم منزلاً في سفره، أو غيره أن يقول: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (١).
الثالث عشر: كان النبي ﷺ يأمر المسافر إذا قضى حاجته أن يعجل بالرجوع إلى أهله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» (٢).
الرابع عشر: كان ﷺ ينهى أن يَطرُقَ الرجل أهله ليلاً إذا رجع من سفر، روى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ يَاتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا» (٤).
стр. 1473
وينبغي للمسافر أن يحرص على الدعاء، فإن دعوته مستجابة، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، ودَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1474
الكلمة الثانية والعشرون: من أهوال يوم القيامة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن أعظم أهوال يوم القيامة اجتماع الناس في المحشر وانتظارهم فصل القضاء بينهم، وموقفهم فيه طويل، وشديد ومفزع، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (٦)﴾ [المطففين: ٦].
قال ابن كثير ﵀: يقومون حفاة عراة غرلاً (١)(٢) في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى والحواس عنه (٣).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (٦)﴾ قال: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا،
стр. 1475
وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (١).
ويكون عرق الناس في ذلك اليوم على قدر أعمالهم. روى مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ»، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ، قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا»، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ (٢).
قال ابن أبي جمرة: فأشدهم في العرق الكفار ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار (٣).
قال ابن حجر: ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنى الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض، وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعاً مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه، إن هذا مما يبهر العقول ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة أن ليس