← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

«انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (١). تاسعاً: من السنة أن يصلي المسافر التطوع على دابته، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ» (٢). عاشراً: كان النبي ﷺ يحذر من السفر إلى بلاد الكفار، فروى الترمذي في سننه من حديث جرير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: وَلِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» (٣). وقد استثنى العلماء من ذلك: المجاهد في سبيل الله، أو السفر للدعوة إلى الله، أو لعلاج مرض، لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين، أو للتجارة، وكل ذلك مشروط بأن يكون مظهراً لدينه عالماً بما أوجب الله عليه، قوي الإيمان بالله، قادراً على إقامة شعائره مع أمن الفتنة، وللضرورة أحكامها. الحادي عشر: إذا ذهب المسافر إلى المتنزهات أو البراري عليه أن يُلزِمَ زوجته وبناته بالحجاب، وعليه أن يبتعد عن الأماكن المختلطة، أو التي تحتوي على مخالفات شرعية، وأن يحافظ على

стр. 1472

الصلاة في أوقاتها، ويأمر أهله بذلك، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. الثاني عشر: كان النبي ﷺ يَحُثُّ أُمَّتَهُ إذا نزل أحدهم منزلاً في سفره، أو غيره أن يقول: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (١). الثالث عشر: كان النبي ﷺ يأمر المسافر إذا قضى حاجته أن يعجل بالرجوع إلى أهله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» (٢). الرابع عشر: كان ﷺ ينهى أن يَطرُقَ الرجل أهله ليلاً إذا رجع من سفر، روى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ يَاتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا» (٤).

стр. 1473

وينبغي للمسافر أن يحرص على الدعاء، فإن دعوته مستجابة، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، ودَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1474

الكلمة الثانية والعشرون: من أهوال يوم القيامة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فمن أعظم أهوال يوم القيامة اجتماع الناس في المحشر وانتظارهم فصل القضاء بينهم، وموقفهم فيه طويل، وشديد ومفزع، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (٦)﴾ [المطففين: ٦]. قال ابن كثير ﵀: يقومون حفاة عراة غرلاً (١) (٢) في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى والحواس عنه (٣). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (٦)﴾ قال: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا،

стр. 1475

وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (١). ويكون عرق الناس في ذلك اليوم على قدر أعمالهم. روى مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ»، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ، قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا»، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ (٢). قال ابن أبي جمرة: فأشدهم في العرق الكفار ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار (٣). قال ابن حجر: ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنى الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض، وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعاً مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه، إن هذا مما يبهر العقول ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة أن ليس

стр. 1476

للعقل فيها مجال، ولا يُعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يُؤخذ بالقبول ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه، وحرمانه، وفائدة الإخبار بذلك أن ينتبه السامع فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنه وكرمه (١). وهذا الموقف مع شدته وكرب الناس فيه فهو أيضاً موقف طويل جدًّا مقداره خمسين ألف سنة. قال ابن كثير: وفي حديث أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون، وقيل: يقومون ثلاث مئة سنة، وقيل: يقومون أربعين ألف سنة، ويُقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾ [النبأ: ٣٨ - ٣٩]. روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَومٍ مَعْلُومٍ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُم إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ ... » الحديث (٢).

стр. 1477

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (١). وساق ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: يوم القيامة، قال ابن كثير: وهذا إسناده صحيح (٢). وكان النبي ﷺ يتعوذ من ضيق هذا اليوم وكربته. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ربيعة الجرشي ﵁ قال: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ وَبِمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُكَبِّرُ عَشْرًا، وَيُسَبِّحُ عَشْرًا، وَيُهَلِّلُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي» عَشْرًا، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّيقِ يَوْمَ الحِسَابِ» عَشْرًا» (٣). ومن ثمرات الإيمان بهذا الموقف العظيم: أولاً: أن المؤمن ينبغي أن يكون على استعداد للقاء ربه، وألَّا يكون في غفلة، فإن أمامه أهوالاً وأموراً عظيمة، فهناك

стр. 1478

الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والنفخ في الصور، والبعث بعد الموت، وعرصات يوم القيامة، والميزان، والصراط والنار، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُون (١)﴾ [الأنبياء: ١]. روى الترمذي في سننه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ» (١). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفخِ»، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُم: «قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا» (٢). ثانياً: أن الكفار وأصحاب المعاصي يُشَدَّدُ عليهم في ذلك اليوم. قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. وتقدم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن مانعي الزكاة يُعَذَّبُونَ، وأن هذه البهائم تَطَؤُهُم بِأَخفَافِهَا وَأَظلَافِهَا وتنطحهم بقرونها. ثالثاً: ومن البشائر أن أهوال الآخرة مع شدتها وكرباتها من القبر وظلماته، والنفخ في الصور، وعرصات يوم القيامة، والصراط وغيرها، أن الله بِمَنِّهِ وكرمه يخفِّفها على المؤمن. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ

стр. 1479

لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُون (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُون (١٠٣)﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]. قال بعض المفسرين: الفزع الأكبر: النفخ في الصور. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفِ يَومٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، يُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلَى المُؤمِنِينَ كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلغُرُوبِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ» (١). ومن البشائر أيضًا قول الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]، قال ابن عباس ﵄ ترجمان القرآن: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين، وكذا قال ابن مسعود ﵁ في قراءة له: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيم (٦٨)﴾، وقال سعيد بن جبير ﵀: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم قرأ الآية: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤] (٢). رابعاً: إنه في ذلك الموقف العظيم والناس في حر شديد، وبلاء عظيم لا يطاق، يُظِلُّ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّه سَبعَةً: «إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ،

стр. 1480

وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (١). خامساً: إنه ينبغي للمؤمن أن يكثر من الأعمال الصالحة ويخفيها عن الناس، كان عبد الله بن المبارك يأتي إلى ماء زمزم ويقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٢) وأنا أشربه لعطش يوم القيامة، ثم شرب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1481

الكلمة الثالثة والعشرون: تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ الآيات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (٣) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ أي خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية الله تعالى انكفافاً عن المحارم، فإن خوف الله أكبر علاماته أن يَحجِزَ صاحبه عن الذنوب. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع، ويُحضِرُونَ قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب؛ ولأنه لا بد أن يبين لهم معنًى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يُحدِثُ في قلوبهم رغبةً في الخير واشتياقاً إلى كرامة ربهم، أو وجلاً من العقوبات وازدجاراً من المعاصي، وكل هذا مما يزيد به الإيمان.

стр. 1482

قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون﴾ أي يعتمدون في قلوبهم على ربهم وحده لا شريك له في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن الله سيفعل ذلك، والتَّوَكُّل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي من فرائض ونوافل بأعمالها الظاهرة، والباطنة، كحضور القلب فيها الذي هو روح الصلاة ولبها. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون﴾ النفقات الواجبة كالزكوات والكفارات، والنفقة على الزوجات، والأقارب، وما ملكت أيمانهم، والمستحبة كالصدقة في جميع طرق الخير. قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي الذين اتصفوا بتلك الصفات هم المؤمنون حقًّا؛ لأنهم جمعوا بين الإسلام، والإيمان، بين الأعمال الظاهرة، والأعمال الباطنة، وبين العلم، والعمل. قوله تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ أي: درجاتٌ عاليةٌ في الجنة بحسب أعمالهم، ومغفرةٌ لذنوبهم، ورزقٌ كريمٌ وهو ما أعدَّ الله لهم في دار كرامته مما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ومن فوائد الآيات الكريمات: أولاً: أن البكاء من خشية الله هو شعار المؤمنين المتقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا

стр. 1483

عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (١). وقد كان النبي ﷺ كثير البكاء من خشية الله، وكذلك الصالحون من قبل ومن بعد، وقد توعد الله أصحاب القلوب القاسية بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. ثانياً: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ فيها التصريح بزيادة الإيمان، وقد صرح تعالى بذلك في مواضع أخرى، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح: ٤]. وقال تعالى: ﴿كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]. وتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضاً؛ لأن كل ما يزيد ينقص، فالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وجاء مصرحاً بنقصه كما في أحاديث الشفاعة في الصحيحين كقوله ﷺ : «يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ» (٢).

стр. 1484

ثالثاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فالإيمان ثلاثة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، وقد جمعت هاتان الآيتان ذلك كله، فعمل القلب: مما تقدم من التوكل وزيادة الإيمان وغيره، وعمل اللسان: ذكر الله وتلاوة القرآن، وعمل الجوارح: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (٣)﴾ [الأنعام: ٣]. رابعاً: الآيات تدل على أن من لم يزده سماع القرآن إيماناً زاده بعداً، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُون (١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٥]. خامساً: التوكل من خصال الإيمان العظام لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون﴾ [النحل: ٤٢]. سادساً: لطف الله بعباده، حيث ذكرهم بأن ما ينفقونه إنما هو من رزقه الذي أعطاهم، فكيف يبخلون بعد هذا؟ سابعاً: قد يكون من الناس من يدعي الإيمان، ولكن المؤمنين حقاً هم الذين اجتمعت فيهم تلك الصفات لقوله تعالى بعد ما ذكر صفاتهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. ثامناً: منازل المؤمنين درجات بعضها فوق بعض، ومنازل الكافرين دركات بعضها تحت بعض، لقوله تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد

стр. 1485

الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ، لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (١). تاسعاً: من فضل ثواب المؤمنين: قربهم من الله لقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾. عاشراً: أن المؤمنين قبل دخول الجنة يطهرون من النقائص والذنوب، لقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾. الحادي عشر: رزق المؤمنين في الجنة لا تبعة فيه مع سعته، وحسنه، ودوامه، لقوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ [الأنفال: ٤]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1486

الكلمة الرابعة والعشرون: فضائل الأعمال الصالحة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإنه ينبغي للمؤمن أن يكثر من الأعمال الصالحة، فإن العمر قصير والأجل قريب، وابن آدم لا يدري متى يُفَاجِئُهُ الأجل، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٨)﴾ [الأعراف: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ومن فضائل الأعمال الصالحة: الحياة الطيبة في الدنيا والفوز بالآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِير (١١)﴾ [البروج: ١١]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا

стр. 1487

أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٧)﴾ (١) [السجدة: ١٧]. ومنها ذهاب الخوف والحزن عنهم: ولو علم كثير من الناس ممن يعانون من الهمِّ، والقلق، والاكتئاب، والمشكلات الأسرية، ما للأعمال الصالحة من انشراح الصدر، ونعيم القلب لاستغنوا عن المستشفيات والعيادات النفسية، ولصلح حالهم واستقام أمرهم. ومنها محبة الله تعالى لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. أي محبةً ومودةً في قلوب عباده، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ» (٢). ومنها الدرجات والمنازل العالية في الجنة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ

стр. 1488

الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (١). ومنها رضوان الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة (٧) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ [التوبة: ٧٢]. ومنها سعة الرزق في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم (٥٠)﴾ [الحج: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق: ١١]. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» (٢). ومنها تكفير السيئات، وإصلاح البال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 1489

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُم (٢)﴾ [محمد: ٢]. أي يصلح شأنهم وحالهم مع أولادهم، وزوجاتهم، وفي أرزاقهم، وفي شئونهم كلها. ومنها إعطائهم الأجر تاماً ومضاعفته، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢].وقال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الأنعام: ١٦٠]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ : إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا» (١). ومنها الدخول في رحمة الله، والفوز بذلك، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِين (٣٠)﴾ [الجاثية: ٣٠]. ومنها الخروج من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (١١)﴾ [الطلاق: ١١]. ومنها الاستخلاف والتمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿وَعَدَ

стр. 1490

اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. ومنها الأجر الكبير والحسن غير المنقطع، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩]. وقال تعالى: ﴿قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف: ٢]. وقال تعالى: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون (٦)﴾ [التين: ٦]. ومنها زيادة الله تعالى لهم من فضله، وهدايته لهم، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِين (٤٥)﴾ [الروم: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد (٢٦)﴾ [الشورى: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم (٩)﴾ [يونس: ٩]. أي يزيدهم هداية، وتوفيقاً وأجراً في الدنيا والآخرة بما أعد لهم من الكرامة والنعيم (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1491

الكلمة الخامسة والعشرون: خطورة دور السينما الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فالحديث في هذا اليوم عن فتنة عظيمة، ومعصية كبيرة، يدعو إليها أصحاب الشهوات والملذات، ألا وهي افتتاح دور السينما، وسيكون الكلام فيها في العناصر التالية: المخالفات الشرعية، أقوال العلماء، شبهة والجواب عنها. فمن تلك المخالفات: أولاً: ما يتعلق بالعقيدة، وهو أخطر ما يكون، فهي تعرض صور الكفار وحضارتهم، وأحوال معيشتهم بطريقة تدعو إلى الإعجاب والميل لهم مع أن حياتهم حياة البهائم، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون (٧)﴾ [الروم: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُم (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وبالمقابل تزهِّد في أخلاق المسلمين، ولباسهم، وطرق معيشتهم، والاحتقار لعلماء الإسلام، وأبطال المسلمين، وتمثيلهم بالصور المنفرة، والمسلم مأمور بموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢].

стр. 1492

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوثَقَ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ، وتُبْغِضَ فِي اللَّهِ» (١). ثانياً: تصوير الاختلاط على أنه أمر عادي لا حرمة فيه، والإكثار من قصص الحب، والغرام والعشق بين الجنسين، ودعوة المرأة إلى خلع حجابها والتمرد على دينها وأهلها، ومعاشرة الرجال الأجانب دون حياء أو خجل، وهذا يؤدي إلى نشر الفاحشة والرذيلة في مجتمعات المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (١٩)﴾ [النور: ١٩]. ثالثاً: الغناء: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين (٦)﴾ [لقمان: ٦]. وأكثر المفسرين كابن عباس وابن مسعود فسروه بالغناء، وكان ابن مسعود يحلف بالله أن لهو الحديث هو الغناء (٢). وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. رابعاً: المعازف: وهي حرام بجميع أنواعها، وأشكالها. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 1493

«لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، والْخَمرَ والمَعَازِفَ» (١). فإخبار النبي ﷺ أنهم يستحِلُّونها معنى ذلك أنها في الأصل حرام. خامساً: أن عرض السينما في مكان عام مع ما فيها من المنكرات والمخالفات الشرعية السابق ذكرها يعتبر مجاهرة بالمعصية، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ» (٢). سادساً: آثارها السيئة على مرتاديها، ومنها تعليمهم طرق المكر والخداع، والسرقة وحياكة المؤامرات والقتل، وقد ذكرت الإحصائيات العالمية أن كثيراً من حالات القتل، والاغتصاب والطلاق، والخيانات الزوجية كانت بسبب أفلام العنف والجنس، السينمائية والتلفزيونية. أقوال العلماء فيها: قال الشيخ عبد الله بن حميد: «ومن أهم ما يجب المبادرة إلى رفعه وإزالته، أو دفعه وعدم إقراره هو وجود هذه السينما التي انتشرت في أكثر الأماكن، وما يُعرض فيها من صور خليعة، وأمراض أخلاقية فتاكة تقتل ما في الإنسان من رجولية، أو مروءة، أو ديانة، وإنها والله فخ نصبه لنا أعداؤنا ليُذهِبُوا ما فينا من حماسة أخلاقية امتاز المسلمون فيها على غيرهم، وقد أدركوا ما يريدون من كثير من أبناء المسلمين بسببها، فلا حول ولا قوة إلا بالله» (٣).

стр. 1494

وسُئلت اللجنة الدائمة: هل يجوز للمسلم أن يبني سينما ويدير أعماله بيده؟ فأجابت: «لا يجوز لمسلم أن يبني سينما، ولا أن يدير أعمال سينما له، أو لغيره لما فيها من اللهو المحرم؛ ولأن السينماءات المعروف عنها في العالم اليوم أنها تعرض صوراً خليعة، ومناظر فتانة، تثير الغرائز الجنسية، وتدعو للمجون، وفساد الأخلاق، وكثيراً ما تجمع بين نساء، ورجال غير محارم لهن» (١). وجاء في خطاب الملك فيصل ﵀ إلى وزير الإعلام: «وأما السينماء فلا يسمح لذويها بعرضها في أماكن عامة مطلقاً، ومَن يُقبَضْ عليه يُجَازَ بمصادرة الآلة، والأفلام، والسجن، والجلد (٢)» (٣). العنصر الثالث: شبهة والجواب عنها. قد يقول قائل: إن السينما التي تُعرض الآن ليس فيها إثارة جنسية ولا اختلاط واضح بين الرجال، والنساء، ومن الممكن أن تكون تحت ضوابط إسلامية. فالجواب عن ذلك: أن أهل الشر يتدرجون شيئاً فشيئاً، قد يتنازلون عن بعض الأمور حتى يحصلون بعد ذلك على ما يريدون، وهذا دَيْدَنَهُم دائماً، شيئاً فشيئاً حتى تصبح السينما عندنا كبقية الدول

стр. 1495

الأخرى تُعرَضُ بكل ما فيها من اختلاط بين الرجال، والنساء، وفسق، وإضاعة للصلوات، ومشاهد فاضحة .. وغير ذلك من الشرور والمفاسد مما ينكره كل مسلم عاقل يرجو الله والدار الآخرة، قال تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٧]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1496

الكلمة السادسة والعشرون: فوائد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... ﴾ الآية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُور (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. قال ابن كثير ﵀: «يخبر تعالى إخباراً عامًّا يعمُّ جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، ويتفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخراً كما كان أولاً، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة، وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم، وانتهت البَرِيَّةُ، أقام الله القيامة، وجازى الخلائق بأعمالها، جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها،

стр. 1497

كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحداً مثقال ذرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... ﴾» (١). ومن فوائد الآية الكريمة: أولاً: أن الإنسان مهما طال عمره في هذه الحياة، فإن الموت نهاية كل حي ومصيره، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون﴾ [الزمر: ٣٠]. قال الشاعر: كُلُّ ابنِ أُنْثَى وإنْ طَالَت سلامَتُهُ يَوْماً على آلةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ وقال آخر: الموتُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ فَلَيْتَ شِعْرِي بعد المَوْتِ مَا الدَّارُ روى الطبراني في معجمه الأوسط من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جَاءَ جِبرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحبِبْ مَنْ شِئْتَ، فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاعْلَم أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيلِ، وَعِزَّهُ استِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (٢). ثانياً: إن اللهَ لا يظلم الناس شيئاً، بل يُوَفِّيهم أجورَهم ويزيدُهم من فضله، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾

стр. 1498

[الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]. ثالثاً: أن الفوز الذي يحصل بالنجاة من النار، ودخول الجنة له من الأعمال سببٌ يُوصل إليه، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيَدُخَلَ الْجَنَّةَ، فَلتَأتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَليَأتِ إِلَى النَّاسِ، الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» (١). رابعاً: دلت الآية الكريمة على حقارة الدنيا وأنها متاعٌ زائلٌ فانٍ، وما يؤثرها على الآخرة الباقية إلا مبخوس الحظ، ضعيف العقل، قال الله تعالى عن هؤلاء: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُون (٦٠)﴾ [القصص: ٦٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث مستورد أخي بني فهر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ (وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ) فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ» (٢). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾ قال: هي متاعُ متروكةٍ أوشكت، والله الذي لا إله إلا هو، أن تَضْمَحِلَّ عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله.

стр. 1499

خامساً: أن الفوز الحقيقي هو دخول الجنة، والنجاة من النار، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُون (٢٠)﴾ [الحشر: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِين (١٦)﴾ [الأنعام: ١٦]. وقال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح: ٥]. سادساً: في الآية الكريمة إخباره تعالى - وهو حقٌّ وصدقٌ - أن الموت حقٌّ على كل نفس، فاليقين بذلك والإكثار من ذكره دأب الأكياس من المؤمنين؛ لأن ذلك يحملهم على الاستعداد له، وعدم الاغترار بالدنيا، والتخلص من الذنوب والسيئات، فروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ» (١). وروى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ» (٢). سابعاً: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

стр. 1500

تسلية للمؤمنين فيما يصيبهم في الدنيا، وما يصبرون عليه من فعل الخير، ومجاهدة النفس، والصبر على الأذى، والرضى بالقضاء، فإن الوفاء الأعظم إنما يكون يوم القيامة، وفيها أيضاً تحذير الكفار والظالمين والعاصين من عاقبة الإمهال، فإن الوفاء الأعظم إنما يكون يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون (٣)﴾ [الحجر: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار (٤٣)﴾ [إبراهيم: ٤٢]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1501

الكلمة السابعة والعشرون: البكاء من خشية الله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن البكاء من خشية الله دليلٌ على إيمان العبد وخوفه من الله، قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]. وقد أثنى الله على المؤمنين أصحاب القلوب الرقيقة، الذين لا يملكون أنفسهم من الدمع عند سماعِ آياتِ الرَّحمنِ، أو خوفِ فواتِ عملٍ صالحٍ يُحِبُّونَهُ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣].وقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَاّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُون (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].

стр. 1502

والبكاء من خشية الله سببٌ للاستظلال بعرش الرحمن، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ - ذَكَرَ منْهُم: - وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (١). والبكاء من خشية الله من أحب الأعمال إلى الله، روى الترمذي في سننه من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ، قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» (٢). والبكاء من خشية الله سببٌ للنجاة، روى الترمذي في سننه من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (٣). والبكاء من خشية الله من أسباب التحريم على النار، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» (٤). فقوله: «لَا يَلِجُ»: أي

стр. 1503

لا يدخل، «حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ»: كناية عن استحالة ذلك. من أسباب البكاء من خشية الله: ١ - ذكر الموت: روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ - يعني الْمَوْتَ -» (١). فإذا ذكر المؤمن الموت رقَّ قلبه، ودمعت عينه، وزهد في دنياه. ٢ - قراءة القرآن بتدبر، والاستماع إليه بخشوع: روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن الشِّخِّير ﵁ قال: «رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ البُكَاءِ» (٢). وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقْرَا عَلَيَّ القُرآنَ»، قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَاتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، رَفَعْتُ رَاسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَاسِي، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ (٣). ٣ - زيارة القبور، وتذكر الآخرة: روى الحاكم في المستدرك من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، فَإِنَّهُ يَرِقُّ القَلْبُ، وتَدّْمَعُ

стр. 1504

العَينُ، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» (١). وروى ابن ماجه في سننه من حديث البراء ﵁ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: «يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» (٢). فإذا كان النبي ﷺ يبكي حتى تبل دموعه الثرى وهو سيد الأولين والآخرين، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بنا نحن المذنبين المقصرين؟ نسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه ولطفه. وروى الترمذي في سننه من حديث هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: «كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ»، قَالَ: وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ» (٣). ٤ - التباكي: وهو منزلة دون البكاء وهو مجاهدة النفس في البكاء، قال ابن القيم ﵀ بعد ذكره أنواع البكاء: «وما كان منه مستدعًى متكلفاً وهو التباكي، وهو نوعان: محمود ومذموم،

стр. 1505

فالمحمود يُستجلَبُ لرقة القلب وخشية الله لا للرياء والسمعة، والمذموم: أن يجتلب لأجل الخلق، وقد قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: «أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا»، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ ﷺ » (١)» (٢). ولعل من أعظم أسباب جفاف العين، وعدم البكاء من خشية الله قسوة القلب، وما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب، بل ما خُلِقَتِ النار إلا لإذابة القلوب القاسية، قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. فعلى العبد أن يُذيب هذه القسوة بذكر الله، وزيارة القبور، وتذكر الموت والآخرة وأهوالها (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1506

الكلمة الثامنة والعشرون: الأخوَّة الإسلامية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أقوى الروابط بين الناس الأخوَّة الإسلامية، فإنها تجمع بين المسلمين، وإن كانوا من أماكن متفرقة، وبلاد بعيدة، وجنسيات مختلفة، وقبائل شتى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال النبي ﷺ : «أَلَا لَا فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسوَدَ، وَلَا أَسوَدَ عَلَى أَحمَرَ إِلَّا بِالتَّقوَى» (١). والأخوة الإسلامية لها حقوق وواجبات، منها: أولاً: أن يكون المسلم نصيراً، ومعيناً لأخيه المسلم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢].

стр. 1507

روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» (١). ثانياً: أن لا يظلم المسلم أخاه بأيِّ نوعٍ من أنواع الظلم وإن قَلَّ، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبة الوداع: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ (٣) وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (٤). ثالثاً: من لوازم الأخوَّة الإسلامية أن يرحم بعضهم بعضاً ويحب بعضهم بعضاً، وقد ضرب النبي ﷺ لذلك مثلاً في غاية البيان على أن الأخوة الإسلامية لا نظير لها في جميع العلاقات التي تربط الناس بعضهم ببعض. ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ،

стр. 1508

إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (٢). رابعاً: النصح: فينصح المسلم أخاه المسلم في أمر دينه ودنياه، ومن ذلك: تعليم الجاهل والمشورة عليه بالخير، والنصح له في ذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم أبوابه الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جرير ﵁ قال: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (٣). وهذه النصيحة هي التواصي بالحق الذي جاء في سورة العصر إذ يقول تعالى: ﴿وَالْعَصْر (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. خامساً: رد السلام عليه، وإجابة دعوته، وتشميته إذا عطس، وزيارته عند المرض، واتباع جنازته، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا

стр. 1509

دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (١). سادساً: أن يحب المسلم لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٢). وقد جاء في الكتاب والسنة الحث على الأمور التي تقوي الروابط بين المسلمين، وتجلب المودة، وتزيل الأحقاد، وتذهب سخائم النفوس، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٣). وروى الترمذي في سننه من حديث المقدام بن معدي كرب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث صفوان بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَاسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» (٥).

стр. 1510

وفي التنزيل المبارك: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ... ﴾ [الحشر: ١٠]. وإخواننا في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، والشيشان، وكشمير، وغيرها من بلاد المسلمين يعانون من القتل، والتشريد، والتعذيب، وسلب الممتلكات، فندعو الله أن يكشف ما بهم من ضر، وأن يرد كيد الأعداء في نحورهم. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). قال ابن القيم ﵀: «المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال، ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن والخدمة، ومواساة بالنصيحة والإرشاد، ومواساة بالدعاء، والاستغفار لهم، ومواساة بالتوجع لهم، وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قويت، وكان رسول الله ﷺ أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فَلأَتبَاعِهِ من المواساة بحسب اتِّبَاعِهِم لَهُ» (٢). والحنيفية السمحة ملة إبراهيم ﵇، وملة نبينا محمد ﷺ مبناها على أمرين: أولهما: الإخلاص لله وثانيهما: الموالاة، والمعاداة فيه،
следующие страницы →