الكلمة الخامسة والثلاثون: وقفة مع آيات من كتاب الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى في سياق قصة آدم مع عدو الله إبليس: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
ذكر الله سبحانه في هذه الآيات حال من اتبع هداه وما له من الرغد وطيب الحياة في معاشه ومعاده، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، فتكفل الله لمن حفظ عهده علمًا وعملاً أن يحييه حياة طيبة، ويجزيه أجره في الآخرة، فقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وقال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
ثم بين سبحانه حال الفريق الآخر فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] أي كتابي، ولم يتبعه ويعمل بما فيه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال ابن كثير ﵀: (أي في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء
стр. 177
وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في رَيْبِهِ يتردد فهذا من ضنك المعيشة) (١). اهـ.
قال ابن القيم ﵀: «وفسرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ، والصحيح أنها تتناول معيشته في الدنيا، وحاله في البرزخ؛ فإنه يكون في ضنك في الدارين، وهو شدة وجهد وضيق، وفي الآخرة يُنسى في العذاب، وهذا عكس أهل السعادة والفلاح، فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب» (٢).
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]؛ اختلف المفسرون في ذلك: هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر؟ فمن قال: إنه من عمى البصيرة، استدل بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]، وغير ذلك من الآيات التي أثبتت لهم الرؤية في الآخرة.
والذين قالوا: إنه من عمى البصر؛ استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقد فصل في ذلك العلامة ابن القيم، وخلص إلى أن الحشر ينقسم إلى قسمين: الأول من القبور إِلى الموقف، والثاني من الموقف إلى النار.
стр. 178
فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون.
وعند الحشر الثاني: يحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا، فلكل موقف حال يليق به، ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته، والقرآن يصدق بعضه بعضًا (١): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
ثم أخبر سبحانه عن حال هذا المعرض يوم القيامة، وأنه يغشاه الذل والهوان فيتألم ويضجر من هذه الحال فيقول: رب لم حشرتني أعمى فيُجاب: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، أي: أن هذا هو عين عملك والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تُدان، فكما عميت عن ذكر ربك ونسيته ونسيت حظك منه، أعمى الله بصرك في الآخرة وتركك في العذاب.
ومن فوائد الآيات الكريمات:
بيان حال من أعرض عن ذكر الله في الدنيا، وأنه يعيش في ضلال وظلام، ويتخبط في الجهالة، وهو مع هذه الحالة يحسب أنه من المهتدين. وبسبب إعراضه عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله عاقبه بأن قيض له شيطانًا يصاحبه فيصده عن الحق، ويزين له طرق الضلال.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه وعاين هلاكه ندم (٢) فقال: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨].
ومنها أن من تمسك بهذا الذكر، وهو القرآن فإنه يسعد في الدنيا
стр. 179
والآخرة، وتحصل له الطمأنينة، وانشراح الصدر والشفاء من أمراض الأبدان والقلوب، والهداية إلى صراط الله المستقيم.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 180
الكلمة السادسة والثلاثون: وقفة مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
روى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفسِي، وَإِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَهلِي وَمَالِي، وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِن وَلَدِي، وَإِنِّي لأَكُونُ فِي البَيتِ فَأَذكُرُكَ فَمَا أَصبِرُ حَتَّى آتِيَكَ فَأَنظُرَ إِلَيكَ، وَإِذَا ذَكَرتُ مَوتِي وَمَوتَكَ عَرَفتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلتَ الجَنَّةَ رُفِعتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي إِذَا دَخَلتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أَلَاّ أَرَاكَ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيئًا حَتَّى نَزَلَ جِبرِيلُ ﵇ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ ... ﴾ (١).
стр. 181
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ ... ﴾، قال ابن كثير ﵀: أي من عمل بما أمره الله ورسوله وترك ما نهاه الله ورسوله، فإن الله يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء، ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصدِّيقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ» فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَلِمتُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ (٢).
قال ابن حجر: الرفيق الأعلى: هم المذكورون في سورة النساء في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ... ﴾ الآية (٣).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهِ وأَنَّكَ رَسُولُ اللِه، وَصَليْتُ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ زكَاةَ مَالِي، وَصُمْتُ شَهر رَمَضَانَ، فقال النبي ﷺ : «مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَومَ اَلْقِيَامَة هَكَذَا - وَنَصَبَ إِصْبَعيهِ - مَا
стр. 182
لَمْ يَعُقَّ واِلدَيه» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سَلْ»، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أَوَ غَيرَ ذَلِكَ؟ » قلت: هو ذاك، قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفسِكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ» (٢).
قال ابن كثير: وأعظم من هذا كله ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرها من طرق متواترة، عن جمع من الصحابة، أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال النبي ﷺ : «المَرءُ مَعَ مَن أَحَبَّ» قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث (٣)(٤).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ من الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (٥).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 183
الكلمة السابعة والثلاثون: شرح حديث: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ»
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١).
هذا الحديث اشتمل على حكم عظيمة، وجمل نافعة، ينبغي أن نقف عندها وقفة تأمل وتدبُّر، وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالة صغيرة اختصرت كلامه فيها في هذه الكلمة:
قوله: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ» يعني أن الله بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دُعي بالسيف، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وفيه إشارة إلى قرب
стр. 184
بعثته ﷺ من قيام الساعة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «بُعثِتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينِ» قال: وضم السبابة والوسطى (١).
وقوله: «حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» هذا هو المقصود الأَعظم من بعثته وبعثة الرسل من قبله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ بل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فما خلقهم إلا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم، على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وقوله: «وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» فيه إشارة إلى أن الله لم يبعثه بالسعي في طلب الدنيا ولا بجمعها واكتنازها، ولا الاجتهاد في السعي في أسبابها، وإنما بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف، ومن لازم ذلك أن يقتل أعداءه الممتنعين عن قبول دعوة التوحيد ويستبيح أموالهم، ويسبي نساءهم وذراريهم، فيكون رزقه مما أفاء الله من أموال أعدائه، فإِن المال إنما خلقه لبني آدم يستعينون به على طاعته وعبادته، فمن استعان به على الكفر بالله والشرك به، سلط الله عليه رسوله وأتباعه، فانتزعوه منه وأعادوه إلى من هو أولى به من أهل
стр. 185
عبادة الله وتوحيده وطاعته، ولهذا يسمى الفيء لرجوعه إلى من كان أحق به، ولأجله خُلِقَ.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، وهذا مما خص الله به محمدًا ﷺ وأمته، فإنه أحل لهم الغنائم.
قوله: «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» هذا يدل على أن العز والرفعة في الدنيا والآخرة بمتابعة أمر رسول الله ﷺ ؛ لامتثال متابعة أمر الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، فالذلة والصغار تحصل بمخالفة أمر الله، والمخالفون لأمر الله ورسوله ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
الأول: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره، كمخالفة الكفار وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول ﷺ فهم تحت الذلة والصغار، ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وضرب على اليهود الذلة والمسكنة لأن كفرهم بالرسول ﷺ كفر عناد.
الثاني: من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية، فله نصيب من الذل والصغار.
قال الحسن البصري: «إِنَّهُم وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، إِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَفِي قُلُوبِهِمْ، أَبَى اللهُ إِلَاّ أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ»، وقال الإِمام أحمد بن حنبل: اللهم أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية، قال الشاعر أبو العتاهية:
أَلَا إِنَّما التَّقْوى هِيَ العِزُّ والْكَرَمُ ... وِحُبُكَ لِلدُّنْيَا هَو الذلُ والسَّقَمُ
وَليْسَ عَلَى عبدٍ تَقِيٍ نَقِيصَةً ... إِذا حَقَقَ التَّقْوَى وَإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمَ
стр. 186
الثالث: من خالف أمره من أهل الشبهات؛ وهم أهل الأهواء والبدع، فكلهم لهم نصيب من الذل والصغار بحسب مخالفتهم لأوامره، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
وأهل البدع والأهواء كلهم مفترون على الله، وبدعتهم تتغلظ بحسب كثرة افترائهم عليه، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: «ومن أعظم ما حصل به الذل من مخالفته أمر الرسول ﷺ : ترك ما كان عليه من جهاد أعداء الله، فمن سلك سبيل الرسول ﷺ في الجهاد عز، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل».
روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (١).
ورأى النبي ﷺ سكة الحرث فقال: «مَا دَخَلَت دَارَ قَومٍ إِلَاّ دَخَلَهَا الذُّلُّ» (٢)، ... فمن ترك ما كان عليه النبي ﷺ من الجهاد مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة، حصل له الذل. فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟ ! (٣). اهـ.
قوله: «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، هذا يدل على أمرين:
стр. 187
أحدهما: التشبه بأهل الشر مثل أهل الكفر والفسوق والعصيان، وقد وبخ الله من تشبه بهم في شيء من قبائحهم، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٩٦].
وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بالمشركين وأهل الكتاب، فنهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعن حلق اللحى، وعن تسليم اليهود والنصارى وغيرها من النواهي.
الثاني: التشبه بأهل الخير والتقوى، فهذا حسن وهذا مندوب إليه، ولهذا يشرع الاقتداء بالنبي ﷺ في أقواله وأفعاله وأخلاقه، وذلك مقتضى المحبة الصحيحة، فإن المرء مع من أحب، ولا بد من مشاركته في أصل عمله وإن قصر المحب عن درجته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 188
الكلمة الثامنة والثلاثون: سورة التكاثر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا وتحتاج منا إلى تأمل وتدبُّر سورة التكاثر، قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ * كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ١ - ٨].
قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال ابن كثير: يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها (١).
روى مسلم في صحيحه من حديث مطرف عن أبيه عبد الله بن الشخير ﵁ قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَاّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ ! ».
وفي رواية له: «وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (٢).
стр. 189
قال الشاعر:
يا جَامِعَ المال في الدنيا لِوارثهِ ... هل أَنْت بالمَال بعد الموْت تَنْتَفعُ
لا تُمْسِك المال واسْتَرْضِ الإلَهَ بهِ ... فإنَّ حَسْبَك مِنه الريُّ والشَّبَعُ
وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ قال ابن القيم: «وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانًا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم بمنزلة الزائرين يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها غير مستقرين فيها. ودار القرار هي الجنة أو النار» (١).
وقوله: ﴿كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما هكذا ينبغي أن يُلهيكم التكاثر عن طاعة الله، وسوف تعلمون عاقبة تشاغلكم بالتكاثر، وكرر الجملة هنا لزيادة التأكيد، كما قال بعض المفسِّرين.
قال ابن القيم: وقيل: ليسَ تأكيدًا؛ بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر، وهذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس (٢).
وقوله: ﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أي لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة، ولكن عدم العلم الحقيقي صيركم إلى ما ترون.
وقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ﴾ هذا قسمٌ من الله تعالى بأَن عباده - مؤمنهم وكافرهم - سيشاهدون النار بأعينهم، ثم أكد هذا الخبر بأنه واقع لا محالة، وأَنّهم سيكونون متيقنين برؤية النار يقينًا لاشك فيه، ولكن الله ينجي المؤمنين منها، وقد جعل
стр. 190
سبحانه رؤيتهم لها ليعرفوا فضل الله عليهم بإنجائهم منها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].
وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر] أي: ليسألنكم الله يوم القيامة عن كل نعمة أنعم بها عليكم، كالأمن والصحة والسمع والبصر والعافية، وما يطعمه الإِنسان ويشربه، هل قمتم بشكرها وأديتم حق الله فيها ولم تستعينوا بها على معاصيه، أَم اغتررتم بها ولم تقوموا بشكرها فيعاقبكم على ذلك.
روى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ ». قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا». فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَيْنَ فُلَانٌ؟ ». قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ؛ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ، وَتَمْرٌ، وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ». فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» (١).
стр. 191
قال النووي في شرح الحديث: والسؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة (١).
وأما بالنسبة للكفار فإنه سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ » (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلعَبدِ يَومَ القِيَامَةِ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ (٣) وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» (٤).
روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسأل عنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ - يعني العبد - من النعيم أَنْ يُقَالَ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ ونرويكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟ » (٥).
قال ابن القيم: فللَّه ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرًا، وأشدها ترغيبًا في الآخرة، وتزهيدًا
стр. 192
في الدنيا، على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها وحسن نظمها، فتبارك من تكلم بها حقًّا، وبلغها رسوله عنه وحيًا (١). اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 193
الكلمة التاسعة والثلاثون: سورة الإِخلاص
الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وأَشهدُ أَن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أَن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإنّ الله أنزل هذا القرآن لتدبره والعمل به، قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وجعل فيه الشفاء والنور والهداية، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
ومن السور التي تتكرر على أسماعنا وتحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبُّر سورة الإِخلاص، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَنَسٍ ﵁: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى؛ فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ
стр. 194
النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَامُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ ! » فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. وفي رواية: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ (١) فَقَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ ». فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «اللهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ» (٣).
وكان النبي ﷺ يستشفي بهذه السورة مع غيرها من السور، والقرآن كله شفاء.
روى البخاري في صحيحه من حديث عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾؛ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَاسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٤).
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ قال ابن كثير: أي هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله ؛ لأنه الكامل
стр. 195
في جميع صفاته وأفعاله (١). اهـ.
وقوله: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، والعرب تسمي أشرافها الصمد، وقال أبو وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده.
وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليس له والد ولا ولد ولا صاحبة.
قال مجاهد: «ولم يكن له كفوًا أحد، أي: صاحبة». اهـ.
والمراد بالصاحبة: الزوجة، كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، أي هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه؟ ! تعالى وتقدَّس.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَاّ آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٤].
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (٢).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي
стр. 196
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ» (١).
ومن فوائد هذه السورة الكريمة:
أولاً: إثبات وحدانية الله جل وعلا والرد على اليهود، والنصارى الذين يجعلون له الولد، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
ثانيًا: أن هذه السورة اشتملت على اسم الله الأعظم الذي إذا سُئِلَ به أَعطى وإِذا دُعي به أجاب.
روى أبو داود في سننه من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِالاِسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (٢).
ثالثًا: استحباب قراءتها عند المبيت كما تقدم من فعله ﵊، وقراءتها أيضًا صباحًا ومساءً ثلاث مرات.
روى أبو داود في سننه من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ لَنَا،
الكلمة الأربعون: وقفة مع قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الآية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإِنّ الله أنزل هذا القرآن لتدبُّره والعمل به، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥].
قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ هنا الخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل من يتأتى خطابه، فهو مأمور بالبشارة إن كان الرسول ﷺ ، فكل من خلفه في العلم والدعوة فإنه يمكن أن يقول هذه البشارة، وهي الإخبار بما يسر، وهنا المُبشَّر هم المؤمنون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والمُبشَّر به جنات تجري من تحتها الأنهار، والمُبشِّر هو الرسول ﷺ ، والآمر بالتبشير هو الله تعالى.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: جمعوا بين الاستسلام الباطن، وهو الإِيمان، والاستسلامُ الظاهر، وهو العمل الصالح، وجمعوا بين الإِخلاص في القلب، وهو أمر باطن، والمتابعة للرسول ﷺ ، وهو أمر ظاهر، فالبشرى لمن جمع بين الأمرين.
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي: بساتين جامعة للأشجار،
стр. 199
وسميت جنة لأنها تجن من فيها، أي تستره لكثرة أشجارها وأغصانها.
والمراد هنا: دار النعيم التي أعدَّها الله للمتقين، والأنهار التي تجري من تحتها أي من أسفلها وتحت القصور والأشجار، وهي أربعة أصناف ذكرها الله بقوله: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] الآية (١).
وقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، لأنه يشبهه في اللون والحجم، ولكنهم إذا طعموه تبين لهم أنه غيره، وهذا من تمام لذة الآكلين إذا أتوا بالطعام أو بالثمر متشابهًا، ولكنه يختلف في الذوق، حيث صار هذا من تمام اللذة وكمال النعمة.
وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، قال مجاهد: مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَاسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٢).
стр. 200
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث زيد بن أرقم ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِئَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ».
فقال رجل من اليهود: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال: فقال له رسول اللَّه ﷺ : «حَاجَةُ أَحَدِهِم عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جِلْدِهِ فَإِذَا بَطْنُهُ قَدْ ضَمَر» (١).
وقوله: ﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فهو نعيم سرمدي أبدي.
ومن فوائد الآية الكريمة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في كتابه: من أحكام القرآن:
أَولاً: أنه ينبغي أن يبشر العامل بما يستحق من الثواب، لأن ذلك أبلغ في نشاطه ومثابرته على العمل.
ثانيًا: أن البشرى بالجنة لا تكون إلا لمن آمن وعمل صالحًا، فمجرد العقيدة لا تكفي للبشارة بالجنة؛ بل لا بد من إيمان وعمل، ولهذا يربط الله تعالى دائمًا الإِيمان بالعمل الصالح.
ثالثًا: أن في الجنة أنهارًا وثمارًا، ولكنها تختلف عما في الدنيا اختلافًا عظيمًا لا يمكن أن يدركه الإِنسان بحسه في الدنيا كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنَ
стр. 201
رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾» (١).
رابعًا: أن في الجنة أزواجًا مطهرة يتلذذ الإِنسان بهن، ويتمتع بهن كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٥ - ٥٦].
وهذا يدل على أنهم يتلذذون بهذه الزوجات في الجلوس على الأرائك والاتكاء عليها، مع تقديم الفواكه من الولدان والخدم.
خامسًا: أن أهل الجنة خالدون فيها، وقد بينت الآية الأخرى أن هذا الخلود خلود أبدي: قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف: ١٠٨] (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 202
الكلمة الحادية والأربعون: وقفة مع حديث وفاة أبي طالب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أَن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
عن سعيد بن المسيب عن أبيه ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ : «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ» فقال أبو جهل وعبد الله ابن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغبُ عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويُعيدُ له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : «أَمَا وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] (١).
وفي رواية أنه قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على
стр. 203
ذلك الجزع لأقررت بها عينك (١).
قال أبو طالب في شعره:
وَلَقَدْ عَلمْتُ بَأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنَ خَيرِأَدْيانِ البْرِيَّة دِينًا
لَوْلا الملامَةُ أوْ حذارِ مَسَبَّةٍ ... لوَجدْتني سمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن عبد الله ابن أبي أمية ابن المغيرة قد أسلم وحسن إسلامه في آخر حياته (٢)، أما أبو جهل الطاغية المعروف فقد قتل يوم بدر على الكفر.
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة من ذلك:
أولاً: أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين، ولا الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة ودخول الجنة والنجاة من النار.
روى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَاذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَاذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (٣).
قال ابن كثير ﵀: وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول اللَّه ﷺ والدفع عنه وعن أصحابه وما قاله فيه من الممادح والثناء وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها وما تضمنته من العيب والتنقص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تُدانى ولا
стр. 204
تسامى ولا يُمْكن عربيًا مُقاربتُها ولا معارضتها، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول اللَّه ﷺ صادق بار راشد ولكن مع هذا لم يقدر اللَّه له الإيمان، لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ولولا ما نهانا اللَّه عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه. ا. هـ (١).
وقد نهى تعالى نبيه والمؤمنين عن الاستغفار لمن مات مشركًا، ولو كان قريبًا أو حبيبًا، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣].
كما بين أن الاستغفار لهم لا ينفعهم ولا يقبله الله من صاحبه، قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠].
ثانيًا: إِن شفاعة النبي ﷺ لعمه اقتصرت بعد نزول الآيات الكريمات على تخفيف العذاب عنه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ» قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ (٢) مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (٣).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ
стр. 205
بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (١).
وفي رواية: «مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا» (٢).
ثالثًا: أن الشرك لا تنفع معه طاعة، ولا يَقْبلُ الله من صاحبه صرفًا ولا عدلاً ولا فرضًا ولا نفلاً، بل هو محبط لجميع الأعمال الصالحة كبيرها وصغيرها، هذا حكم الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وقال عن أنبيائه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٣).
رابعًا: أن المشرك لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، حتى لو كان هذا الشافع نبيًّا كريمًا أو وليًّا صالحًا.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي؟ ! فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْىٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟
стр. 206
فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ (١) مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ» (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُنزِلَ عَلَيهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ... لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا» (٣) .. الحديث.
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَاّ مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آَمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
خامسًا: الحذر من صحبة الأشرار، ففي الحديث أن أبا جهل وعبد الله ابن أبي أمية ما زالا يحرضان أبا طالب على الثبات على دينه حتى مات على الكفر وختم له بتلك الخاتمة السيئة.
وقد حثّ النبي ﷺ على اختيار الجليس الصالح، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (٤).
قال الشاعر:
عن المرء لا تسلْ وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 207
الكلمة الثانية والأربعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
قال القرطبي: ذهب جمهور المفسِّرين إِلى أن هذه الآية في صدقة التطوع؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإِظهار، وكذلك سائر العبادات الإِخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات (١). اهـ.
قال ابن كثير: وفي الآية دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإِظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية وإلا فالإسرار أفضل (٢). اهـ.
قال القرطبي: وهذا - أي إظهار الصدقة - لمن قويت حالته
стр. 208
وحسنت نيته وأمن من الرياء، وأما من ضعف عن هذه الرتبة فالسر له أفضل. اهـ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال ابن القيم: وتأمل تقييده تعالى الإِخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: وإن تخفوها فهو خير لكم، فإن من الصدقة ما لم يمكن إخفاؤه، كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر، أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس، وإقامته مقام الفضيحة وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى، وأنه لا شيء له؛ فيزهدون في معاملته ومعاوضته؛ وهذا قدر زائد من الإِحسان إليه لمجرد الصدقة مع تضمنه الإِخلاص .... إلى آخر ما قال (٢).
وقد مدح النبي ﷺ صدقة السر وأثنى على فاعلها، وأخبر أنه أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، ولهذا جعله سبحانه خيرًا للمنفق، وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإِنفاق من سيئاته؛ ولا تخفى عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم فإنَّه بما تعلمون خبير.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَاّ ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (٣).
وذكر النبي ﷺ صنفًا آخر يستحق ذلك التكريم، وهو الذي ذكر الله
стр. 209
خاليًا ففاضت عيناه.
روى أبو داود في سننه من حديث معاذ ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ» (١).
وروى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عبد الله بن جعفر: أن النبي ﷺ قال: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (٢).
قال العز بن عبد السلام في تفاوت فضل الإِسرار والإِعلان بالطاعات: فإن قيل: هل الإخفاء أفضل من الإعلان لما فيه من اجتناب الرياء أم لا؟ فالجواب أن الطاعات ثلاثة أضرب: أحدها ما شُرِعَ مجهورًا كالأذان والإِقامة والتكبير والجهر بالقراءة في الصلاة؛ والخطب الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وإقامة الجمعة والجماعات، وغير ذلك، فهذا لا يمكن إخفاؤه، فإن خاف فاعله الرياء جاهد نفسه في دفعه إلى أن تحضره نية الإِخلاص، فيأتي به مخلصًا كما شرع؛ فيحصل على أجر ذلك الفعل، وعلى أجر المجاهد لما فيه من المصلحة المتعدية.
الثاني: ما يكون إسراره خيرًا من إعلانه، كإسرار القراءة في الصلاة، وإسرار أذكارها، فهذا إسراره خيرٌ من إعلانه.
الثالث: ما يخفى تارة ويظهر أُخرى، كالصدقات، فإن خاف على
стр. 210
نفسه الرياء، أو عُرف ذلك منه كان الإِخفاء أفضل من الإِبداء لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] إلى آخر ما قال (١).
ومما تقدّم من الآيات والأحاديث يتبيَّن أنه ينبغي للمؤمن أن يخفي أعماله الصالحة عن الخلق، إلا التي يشرع إعلانها، فإن الذي يعمل لأجله لا تخفى عليه أعماله، وسيجزيه عليها أوفر الجزاء، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وليعلم العبد أنه لا ينفعه اطلاع الناس على ما يعمله؛ بل قد يضره إذا أحب ذلك.
وقد كان هدي السلف الصالح الحرص على إِخفاء الأعمال، وذلك لكمال إخلاصهم وصفاء نياتهم.
روى أبو داود في سننه من حديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: «مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ» فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللهِ (٢).
ونقل الذهبي في سير أعلام النبلاء أن علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره، يتبع به المساكين في الظلمة ويقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب.
وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من المدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل، وقال بعضهم: ما فقدنا صدقة السر حتى توفي علي (٣).
стр. 211
ونقل المنذر بن سعيد عن جارية للربيع أنه كان يدخل عليه الداخل وفي حجره المصحف فيغطيه (١)، وذكر ابن الجوزي أن داود بن أبي هند صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله، كان يأخذ غداءه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق.
قال الشافعي ﵀: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليَّ منه شيء (٢).
وقال الحسن ﵀: إن كان الرجل ليجمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليفقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركت أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 212
الكلمة الثالثة والأربعون: الولاء والبراء في الإِسلام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن الله افترض على المؤمنين عداوة المشركين وبغضهم، وهذه هي ملة إبراهيم ﵇، وهي ملة نبينا وملتنا، وقدوته، وقدوتنا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
وهو مبني على أصلين: الأول: إخلاص العبادة لله سبحانه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
الثاني: البراءة من الشرك والمشركين وإظهار عداوتهم. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَاّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وإذا كان واجبًا على المسلم أن يقول هذا لقومه الذين هو بين أظهرهم، فكونه واجبًا مع الكفار الأبعدين عنه، المخالفين له في جميع
стр. 213
الأمور أبين وأبين، فمن لم يحقق هذين الأصلين لا يصح له أن ينتسب إلى إبراهيم وملته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]. بل لقد حرم على المؤمن موالاة الكافرين ولو كانوا من أقرب الناس إليه. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وذكر الشيخ الإِمام محمد بن عبد الوهاب صورًا لموالاة الكفار في رسالته «أوثق عرى الإِيمان» فقال:
أحدها: التولي العام، الثاني: المودة والمحبة الخاصة، الثالث: الركون القليل. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥].
فإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق صلاة الله وسلامه عليه، فكيف بغيره. الرابع: مداهنتهم ومداراتهم، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. الخامس: طاعتهم فيما يقولون وفيما يشيرون، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]. السادس: تقريبهم في الجلوس والدخول على أمراء الإِسلام. السابع: مشاورتهم في الأمور. الثامن: استعمالهم في أمر من أمور المسلمين.
стр. 214
أي أمر كان إمارة أو عمالة، أو كتابة، أو غير ذلك. التاسع: اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين. العاشر: مجالستهم ومزاورتهم والدخول إليهم. الحادي عشر: البشاشة لهم والطلاقة. الثاني عشر: الإِكرام العام لهم. الثالث عشر: استئمانهم وقد خَوَّنَهُم الله، الرابع عشر: معاونتهم في أمورهم ولو بشيء قليل كبري القلم وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم.
الخامس عشر: مناصحتهم. السادس عشر: اتباع أهوائهم، السابع عشر: مصاحبتهم ومعاشرتهم، الثامن عشر: الرضى بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم. التاسع عشر: ذكر ما فيه تعظيم لهم كتسميتهم: سادات وحكماء. كما يُقال للطاغوت: السيد فلان، أَو يقال لمن يدَّعي علم الطب: الحكيم. ونحو ذلك. العشرون: السكن معهم في ديارهم، كما قال ﷺ : «مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ (١)» (٢).
وكما حرم سبحانه موالاة الكفار أعداء الدِّين، فقد أوجب موالاة المؤمنين ومحبتهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
ومن مظاهر موالاة المؤمنين:
أولاً: الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار
стр. 215
بالدين، فقد تبرأ النبي ﷺ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
ثانيًا: مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم. قال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
ثالثًا: النصح ومحبة الخير لهم، وعدم غشهم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.