الكلمة الثامنة والعشرون: الأخوَّة الإسلامية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن أقوى الروابط بين الناس الأخوَّة الإسلامية، فإنها تجمع بين المسلمين، وإن كانوا من أماكن متفرقة، وبلاد بعيدة، وجنسيات مختلفة، وقبائل شتى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال النبي ﷺ : «أَلَا لَا فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسوَدَ، وَلَا أَسوَدَ عَلَى أَحمَرَ إِلَّا بِالتَّقوَى» (١).
والأخوة الإسلامية لها حقوق وواجبات، منها:
أولاً: أن يكون المسلم نصيراً، ومعيناً لأخيه المسلم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢].
стр. 1507
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» (١).
ثانياً: أن لا يظلم المسلم أخاه بأيِّ نوعٍ من أنواع الظلم وإن قَلَّ، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبة الوداع: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ (٣) وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (٤).
ثالثاً: من لوازم الأخوَّة الإسلامية أن يرحم بعضهم بعضاً ويحب بعضهم بعضاً، وقد ضرب النبي ﷺ لذلك مثلاً في غاية البيان على أن الأخوة الإسلامية لا نظير لها في جميع العلاقات التي تربط الناس بعضهم ببعض.
ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ،
стр. 1508
إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (٢).
رابعاً: النصح: فينصح المسلم أخاه المسلم في أمر دينه ودنياه، ومن ذلك: تعليم الجاهل والمشورة عليه بالخير، والنصح له في ذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم أبوابه الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جرير ﵁ قال: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (٣). وهذه النصيحة هي التواصي بالحق الذي جاء في سورة العصر إذ يقول تعالى: ﴿وَالْعَصْر (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
خامساً: رد السلام عليه، وإجابة دعوته، وتشميته إذا عطس، وزيارته عند المرض، واتباع جنازته، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا
стр. 1509
دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (١).
سادساً: أن يحب المسلم لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٢).
وقد جاء في الكتاب والسنة الحث على الأمور التي تقوي الروابط بين المسلمين، وتجلب المودة، وتزيل الأحقاد، وتذهب سخائم النفوس، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٣).
وروى الترمذي في سننه من حديث المقدام بن معدي كرب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ» (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث صفوان بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَاسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» (٥).
стр. 1510
وفي التنزيل المبارك: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ... ﴾ [الحشر: ١٠].
وإخواننا في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، والشيشان، وكشمير، وغيرها من بلاد المسلمين يعانون من القتل، والتشريد، والتعذيب، وسلب الممتلكات، فندعو الله أن يكشف ما بهم من ضر، وأن يرد كيد الأعداء في نحورهم.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
قال ابن القيم ﵀: «المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال، ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن والخدمة، ومواساة بالنصيحة والإرشاد، ومواساة بالدعاء، والاستغفار لهم، ومواساة بالتوجع لهم، وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قويت، وكان رسول الله ﷺ أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فَلأَتبَاعِهِ من المواساة بحسب اتِّبَاعِهِم لَهُ» (٢).
والحنيفية السمحة ملة إبراهيم ﵇، وملة نبينا محمد ﷺ مبناها على أمرين:
أولهما: الإخلاص لله وثانيهما: الموالاة، والمعاداة فيه،
стр. 1511
فالمسلم أخو المسلم، وإن كان من أقصى الأرض، والكافر عدو، وإن كان من أمه وأبيه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. ووصف الله نبيه محمداً ﷺ وأصحابه فقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقد خالف هذا النهج القويم بعض المنتسبين للإسلام فأبعدوا المسلم وأقصوه، وقربوا الكافر وأدنوه، ومن ذلك ما يحدث في بعض الشركات والمؤسسات، فتكون المرتبة والراتب الأعظم للكافر، وإن كان المسلم أحسن أداءً، وأفضل عملاً، بل ربما جُعل الكافر رئيساً للمسلم .. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد بين تعالى أن هذا الفعل سبب لنشر الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1512
الكلمة التاسعة والعشرون: فوائد من قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
قال ابن كثير ﵀: «قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر (٥٤)﴾: أي بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال، والسعر، والسحب على النار على وجوههم مع التوبيخ والتقريع والتهديد» (١). اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «التقوى هي فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه» (٢).
قوله: ﴿جَنَّاتٍ وَنَهَر﴾ أي بساتين جامعة للأشجار، وسميت جنة لأنها تُجِنُّ من فيها أي تستره لكثرة أشجارها، وأغصانها، والأنهار التي تجري من تحتها أي من أسفلها وتحت القصور والأشجار على أربعة أصناف، ذكرها الله بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ
стр. 1513
آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم (١٥)﴾ [محمد: ١٥] (١).
قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر (٥٥)﴾ [القمر: ٥٥] أي في دار كرامة الله ورضوانه عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» (٢).
ومن فوائد الآيتين الكريمتين:
أولاً: أن التقوى سبب للفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣].
ثانياً: أن كلمة جنات، جاءت بصيغة الجمع، وهذا يدل على أنها أكثر من جنة، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أم حارثة ﵂ أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ
стр. 1514
كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ، قَالَ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى» (١).
ثالثاً: أن في الجنة أنهاراً، ولكنها تختلف عما في الدنيا اختلافاً عظيماً لا يمكن أن يدركه الإنسان، قال ابن عباس ﵄: «لا يشبه شيء في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء» (٢).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (٣).
رابعاً: أن الله تعالى وصف حال المتقين بأنهم في مقعد صدق، قال القرطبي: «﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: أي مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَاثِيمًا (٢٥) إِلَاّ قِيلاً سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]».
خامساً: إثبات قدرة الله تعالى على كل شيء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ٢٥٩]. روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود في قصة الرجل الذي هو
стр. 1515
آخر من يدخل الجنة، وجاء فيه أن الله تعالى يقول له: «أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا .. » وفي رواية البخاري: «وعَشْرَةُ أَمْثَالِهَا، قَالَ يَا رَبِّ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1516
الكلمة الثلاثون: قبول العمل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُون (٥٧) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون (٥٨) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُون (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون (٦٠) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
روى الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتٍ» (١).
ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ مع اجتهادهم في الأعمال الصالحة يخشون أن تحبط أعمالهم، وأَلَّا تُقبَل منهم لرسوخ علمهم وعميق إيمانهم، قال عبد الله بن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من
стр. 1517
أصحاب النبي ﷺ كلهم يخشى النفاق على نفسه ما منهم من أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل (١)، قال أبو الدرداء: لئن أستيقن أن الله تَقَبَّلَ مني صلاةً واحدةً أَحَبُّ إِلَيَّ من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِين﴾ [المائدة: ٢٧]» (٢).
قال علي ﵁: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا لقول الله تعالى: ». قال ابن عطية: «المراد بالتقوى: اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة». وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول، والختم بالرحمة عُلم ذلك بأخبار الله تعالى (٣).
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢]. قال الفضيل بن عياض: «﴿أَحْسَنُ عَمَلاً﴾: أخلصه وأصوبه، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة» (٤).
قال أهل العلم: إن العمل لا يُقبل إلا بشرطين:
الأول: أن يكون العمل موافقاً لما شرعه الله في كتابه، أو بَيَّنَهُ رسول الله ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ
стр. 1518
قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). أي مردود غير مقبول، وروى أبو داود والترمذي في سننهما من حديث العرباض ابن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٢).
ثانياً: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (٣).
ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «وعند أهل السُّنة والجماعة يُتقَبَّل العمل مِمَّن اتقى الله فيه، فَعَمِلَه خالصًا لله موافقًا لأمرِ الله، فمن اتقاه في عمل تَقَبَّلَهُ منه، وإن كان عاصيًا في غيره، ومَن لم يتقه فيه لم يُتَقَبَّله منه وإن كان مُطِيعًا في غيره» (٤)، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فلو كانت الحسنة لا تُقبل من صاحب السيِّئة لم تَمحُها.
стр. 1519
ولا ينبغي للمؤمن أن يحتقر العمل وإن كان قليلاً، فقد حَذَّرَ النبي ﷺ من ذلك فقال: «لَا تُحَقِّرَنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيئًا» (١)، فقد يُقبل هذا العمل ويكون سبباً لدخوله الجنة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» (٣).
قال ابن حجر: «ينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها» (٤).
وقد لا يُقْبَلُ العمل وإن كان كثيراً في نظر صاحبه، إما لِعُجبٍ، أو رياءٍ، أو غرورٍ، أو منةٍ صاحبت ذلك العمل، فكانت سبباً لِرَدِّهِ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وأعظم موانع قبول العمل: الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 1520
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين (٩١)﴾ [آل عمران: ٩١]. فمن تَعَبَّدَ لله بدين غير دين الإسلام فلن تقبل منه أعماله ولو كثرت، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
ومن أسباب قبول العمل: الدعاء، قال تعالى عن نبي الله إبراهيم: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].
ومنها الاستغفار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩].
وكان النبي ﷺ إذا فرغ من صلاته قال: «اسْتَغْفَرَ اللَّهَ» ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (١).
ومن علامات قبول العمل أن يتبع الحسنة بحسنة مثلها، كما قال بعض السلف: «الحسنة تقول أختي أختي، والمعصية تقول أختي أختي». ومصداق هذا في قوله ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: «عَليْكُم بِالصِّدقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ» (٢).
ومنها استشعار المؤمن لتقصيره في عمله ومنة الله عليه، وتوفيقه لهذا العمل، وأنه لولاه لما حصل، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا
стр. 1521
قُل لَاّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
ومنها أن يَحِسَّ العبد بلذة العبادة فتكون أنسه وراحته، كما قال ﷺ : «قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (١). وقد ذكر الله ذلك فقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِين﴾ [البقرة: ٤٥].
قال بعض أهل العلم: خفة الطاعة من آثار محبة المطاع وإجلاله، فإن قرة عين المحب في طاعة المحبوب، ففي الحديث: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٢). لما فيها من المؤانسة، ولذة القرب وأنس المناجاة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1522
الكلمة الحادية والثلاثون: بِرُّ الوالدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن بِرَّ الوالدين من أعظم الفرائض والواجبات، ولذلك قَرَنَهُ الله بعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
وأخبر النبي ﷺ أن بِرَّ الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن
стр. 1523
عمرو ﵄ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَاذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ » قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (١).
وفي رواية لأبي داود عنه قال: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: «ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» (٢).
قال جمهور العلماء: «يحرم الجهاد إذا امتنع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن» (٣). اهـ.
والوالد أوسط أبواب الجنة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ» (٤).
وأخبر النبي ﷺ بخسارة من أدرك أبويه عند الكبر فلم يدخلاه الجنة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (٥).
وقد ذكر الله عن أنبيائه أنهم كانوا بررة بوالديهم، قال
стр. 1524
تعالى عن نبي الله يحيى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم: ١٤]، وقال تعالى عن نبي الله عيسى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢].
والأم لها أعظم الحقوق بعد حق الله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ وبيَّن العلة في ذلك حثًّا للأولاد على الاعتناء بهذه الوصية، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي ضعفاً على ضعف، ومشقة على مشقة في الحمل، وعند الولادة، ثم حضنه في حجرها وإرضاعه قبل فطامه، فقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير﴾ [لقمان: ١٤] (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» (٢).
وروى النسائي وابن ماجه في سننهما من حديث معاوية ابن جاهمة ﵁: «أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنتُ أَرَدْتُ الجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَ: «وَيْحَكَ أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ ! »، قلت: نعم، قال: «ارْجِعْ فَبِرَّهَا .. » وفي آخر الحديث قال: «وَيْحَكَ الزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الجَنَّةُ» (٣).
стр. 1525
ولقد أوصى الله تعالى بصحبة الوالدين بالمعروف، وإن كانا كافرين، فقال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (١٥)﴾ [لقمان: ١٥]، وفي الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» (١).
ومهما قدم الولد من إحسان فلا يستطيع رد جميل الوالدين، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» (٢).
ورضا الله في رضا الوالدين، روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن عمرو ﵂ أن النبي ﷺ قال: «رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» (٣).
وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر لما فيه من عدم الوفاء ونكران الجميل، ويكفي أن النبي ﷺ قرنه بالشرك، وهو أعظم الذنوب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ثَلَاثًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» (٤).
стр. 1526
وعقوق الوالدين سبب لدخول العبد النار، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أُبَيِّ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ مِن بَعدِ ذَلِكَ، فَأَبعَدَهُ اللهُ وَأَسحَقَهُ» (١).
«وبر الوالدين يكون ببذل المعروف، والإحسان إليهما بالقول، والفعل، والمال، أما الإحسان إليهما بالقول: بأن يخاطبا باللين واللطف مستصحباً كل لفظ يدل على اللين والتكريم، وأما الإحسان بالفعل، بأن تخدمهما ببدنك ما استطعت من قضاء الحوائج، والمساعدة على شؤونهما، وتيسير أمورهما، وطاعتهما في غير ما يضرك في دينك أو دنياك، ثم الإحسان بالمال بأن تبذل لهما من مالك كل ما يحتاجان إليه طيبة به نفسك، منشرحاً به صدرك، غير متبع له بمنة، بل تبذله وأنت ترى أن المنة لهما في قبوله والانتفاع به» (٢).
ومن بر الوالدين بعد موتهما: الدعاء لهما، قال تعالى عن نبي الله نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٣).
ومنها الصدقة عنهما، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما
стр. 1527
من حديث عائشة ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» (١).
ومنها صلة أصدقائهما، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَاسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! إِنَّهُمُ الْأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ: صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1528
الكلمة الثانية والثلاثون: تأملات في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ... ﴾ الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
يقول تعالى آمراً رسوله أن يتوعد من آثر أهله، وقرابته، وعشيرته على الله ورسوله، وجهاد في سبيله: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: أي اكتسبتموها وحصلتموها، ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾: أي فسادها، ونقصها، وهذا يشمل جميع أنواع التجارات، والمكاسب، والأنعام، وغيرها، ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: أي تحبونها لطيبها وحسنها، أي إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: أي انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله، ولهذا قال: ﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ أي الخارجين عن
стр. 1529
طاعته، المُقَدِّمِينَ على محبة الله شيئاً من المذكورات، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله» (١).
روى البخاري في صحيحه من حديث زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْآنَ يَا عُمَرُ» (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ابن مالك ﵁، قال رسول الله ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ، وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (٣).
ومن فوائد الآية الكريمة:
أولاً: أن محبة الله ورسوله دليل على كمال الإيمان، وحسن الإسلام، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ
стр. 1530
الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١).
ثانياً: أن طاعة الله ورسوله مقدمة على الأهل، والمال، والولد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
ثالثاً: أن ترك الجهاد في سبيل الله والخلود إلى الأرض سبب لغضب الله ووقوع الذل على المسلمين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيل (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨].
روى الإمام أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (٢).
رابعاً: أن التكاسل عن الجهاد من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ
стр. 1531
بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُون (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٧].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (١).
خامساً: أن الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله سبب لنجاة العبد من عذاب الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون (١١)﴾ [الصف: ١٠ - ١١].
روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن ابن جبر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» (٢).
سادساً: أن الجهاد من أفضل الأعمال؛ ولذلك قرنه الله بمحبة الله ورسوله كما في الآية السابقة: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ
стр. 1532
الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (١).
سابعاً: أن فيها الترغيب في الجهاد والزهد في الدنيا، فإن الأهل والعشيرة والأموال والتجارات والمساكن، إنما هي متاع الدنيا الزائل، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآب (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1533
الكلمة الثالثة والثلاثون: تواضعه ﵊
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من الأخلاق الجميلة والخصال الحميدة التي حث عليها الشرع ورغب فيها التواضع، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين﴾ [الحجر: ٨٨].
والتواضع: هو خفض الجناح، ولين الجانب، ولا يكون فاعله محموداً إلا إذا فعله ابتغاء وجه الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فلو تواضع ليرفعه الله سبحانه لم يكن متواضعاً، فإنه يكون مقصوده الرفعة، وذلك ينافي التواضع» (١).روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (٢).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ» تنبيه على حسن القصد والإخلاص لله في تواضعه؛ لأن كثيراً من الناس قد
стр. 1534
يُظهر التواضع للأغنياء ليصيب من دنياهم، أو للرؤساء لينال بسببهم مطلوبه، وقد يُظهر التواضع رياء وسمعة، وكل هذه أغراض فاسدة، لا ينفع العبد إلا التواضع لله تقرباً إليه، وطلباً لثوابه وإحسانه إلى الخلق، فكمال الإحسان، وروحه الإخلاص لله» (١)(٢).
ونبينا محمد ﷺ إمام المتواضعين، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁: «أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ؛ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ»: فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا» (٣).
وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَتَاخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ» (٤).
وروى البغوي في شرح السنة من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «آكُلُ كَمَا يَاكُلُ العَبْدُ، وَأَجلِسُ كَمَا يَجلِسُ العَبْدُ» (٥).
وروى البغوي في شرح السنة من حديث عائشة ﵂، قال ﷺ : «يَا عَائِشَةُ لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِيَ جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَنِي مَلَكٌ إِنَّ
стр. 1535
حُجْزَتَهُ (١) لَتُسَاوِي الكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِن شِئْتَ نَبِيًّا عَبدًا، وَإِن شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبرِيلَ ﵇ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَن ضَعْ نَفْسَكَ، فَقُلتُ: نَبِيًّا عَبدًا ... » الحديث (٢).
ولما سُئلت عائشة ﵂: «هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَت: نَعَم، كَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُم فِي بَيْتِهِ» (٣).
وكان يقول: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
ولما جاءه رجل فقال: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇» (٥).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» (٦). وهذا من تواضعه، وإلا فقد ابتلي النبي ﷺ بما لم يُبتَلَ به أحد غيره.
стр. 1536
وفي الصحيحين من حديث أبي بردة قال: «أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا، فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَيْنِ» (١).
والتواضع من صفات أنبياء الله، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (٢).
وحث النبي ﷺ أمته على التواضع وخفض الجناح، روى مسلم في صحيحه من حديث عياض المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (٣).
قال أبو بكر الصديق ﵁: «وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع»، وقالت عائشة ﵂: «تُغْفِلُونَ أفضل العبادة التواضع».
ومن فوائد التواضع:
١ - أنه طريق موصل إلى الجنة.
٢ - إن الله يرفع قدر المتواضع في قلوب الناس، ويطيب ذكره في الأفواه، ويرفع درجته في الآخرة.
стр. 1537
٣ - أن التواضع المحمود يكون للمؤمنين، أما أهل الدنيا والظلمة فإن التواضع لهم ذل.
٤ - أن التواضع دليل على حسن الخلق وطيب المعشر.
٥ - أن التواضع صفة الأنبياء والمرسلين (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1538
الكلمة الرابعة والثلاثون: النسيان آفته، وفوائده
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] قال المفسرون: إنه الترك، والمعنى: ترك ما أُمر به، وقيل: من النسيان الذي يخالف الذكر.
روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الدَّيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ جَحَدَ آدَمُ ﵇، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ ذَارِئٌ (١) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ (٢)، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَمْ عُمْرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ، قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ أَزِيدَهُ مِنْ عُمْرِكَ، وَكَانَ عُمْرُ آدَمَ أَلْفَ عَامٍ، فَزَادَهُ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَكَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ، فَلَمَّا احْتُضِرَ آدَمُ، وَأَتَتْهُ الْمَلَائِكَةُ لِتَقْبِضَهُ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَقِيَ
стр. 1539
مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ عَامًا، فَقِيلَ: إِنَّكَ قَدْ وَهَبْتَهَا لِابْنِكَ دَاوُدَ، قَالَ: مَا فَعَلْتُ، وَأَبْرَزَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ» (١)، وفي رواية الترمذي: «وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ» (٢). وفي رواية: «فَمِنْ يَوْمِئِذٍ أُمِرَ بِالكِتَابِ وَالشُّهُودِ» (٣).
قال بعض أهل اللغة: «النسيان ضد الذكر، والحفظ، وهو ترك الشيء على ذهول وغفلة» (٤).
والنسيان أيضاً يُطلق على الترك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي لا تتركوا، وقال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٦].
قال ابن كثير: «أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك اليوم نعاملك معاملة من نسيك، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. فالجزاء من جنس العمل» (٥).
قال ابن جرير وغيره: «﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾، فكذلك اليوم ننساك، فنتركك في النار» (٦).
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ
стр. 1540
قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» (١).
والنسيان صفة نقص، ولذلك نزه الله عنها نفسه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
وقد رفع الله الحرج عن أمة محمد ﷺ فيما حصل لهم فيه نسيان، فعلمنا أن ندعو فنقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (٢).
وروى ابن ماجه في سننه من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٣).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» (٤).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
стр. 1541
«مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (١).
وآفة العلم النسيان، قال عبد الله بن مسعود ﵁: «إن لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان»، وقال الزهري: «آفة العلم النسيان وترك المذاكرة».
روى البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» (٢).
وينبغي للمؤمن أن يكون على استعداد دائمٍ للقاء ربه، وألا يكون في غفلة ونسيان، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]. والشيطان يُنسي المؤمن الخير والطاعة، قال نبي الله موسى فيما حكاه الله عنه: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين﴾ [يوسف: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾ [الأنعام: ٦٨].
من الفوائد:
أولاً: رحمة الله بعباده عامة، وبأمة محمد ﷺ خاصة، حيث عُفي لها عن النسيان.
стр. 1542
ثانياً: من ترك شيئاً من الواجبات نسياناً، رُفع عنه الإثم، وعليه أداؤه إذا ذكر.
ثالثاً: النسيان من صفات النقص، والله تعالى مُنَزَّهٌ عنه.
رابعاً: النسيان سبب لضياع الحقوق، وذهاب العلم، من أجل ذلك أمر الله بكتابة الحقوق، والإشهاد عليها، وأمر الرسول ﷺ بكتابة العلم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
روى الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ»، قُلْتُ: وَمَا تَقْييدُهُ؟ قَالَ: «كِتَابَتُهُ» (١).
خامساً: من صفات المؤمن أنه يذكر ذنوبه، ويتوب منها، ويذكر الحقوق فيؤديها، ومن صفات الظالم أنه ينسى الذنوب، ويضيع الحقوق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
سادساً: الخوف على العلم أن يُنسى من صفات الأنبياء والصالحين، ولما خاف النبي ﷺ من نسيان القرآن طمأنه ربه
стр. 1543
فقال: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦]. وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه﴾ [القيامة: ١٧].
سابعاً: نسيان القرآن ونحوه مذمة؛ ولذلك أرشد النبي ﷺ : «أَنْ لَا يَقُولَ المُؤْمِنُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ» (١).
ثامناً: النسيان من وسائل الشيطان، ومن فضائل الرحمن، والفرق بينهما: أن الذي من الشيطان؛ نسيان الذكر والقرآن والخير، وما إلى ذلك من الحقوق، والذي يحبه الرحمن؛ نسيان الأحقاد وإساءة الأقارب، والأصدقاء، وسائر المؤمنين.
تاسعاً: إن النسيان يأتي بمعنى الترك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
قال ابن جرير وغيره: «تركوا الله أن يطيعوه، ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته» (٢).
اللهم ذكرنا ما نُسِّينَا، وعلمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا يا كريم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1544
الكلمة الخامسة والثلاثون: تأملات في قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ... ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩) كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
«يبين تعالى حال الفريقين، ومصير الطائفيتن، فأما الذين يريدون العاجلة وهي الدنيا، فإن الله تعالى يعطيهم فيها ما يشاء، ثم مصيرهم في الآخرة إلى جهنم ذليلين، خائبين؛ لأنهم لم يرجوا ثواب الله تعالى، ولم يخافوا عقابه، وأما الذين يريدون الآخرة، ويسعون لها سعيها، وذلك بالأعمال الصالحة وهم مع ذلك مؤمنين بالآخرة، وحسن ثواب الله لمن آمن به، وعمل صالحاً، فهؤلاء يشكر الله سعيهم، فيعطيهم ما سألوا، ويُؤَمِّنُهُم مما خافوا، ويدخلهم الجنة برحمته وفضله، ثم أخبر تعالى أنه فضل بعض العباد على بعض في
стр. 1545
الدنيا بسعة الأرزاق، وقلتها، واليسر، والعسر، والعلم، والجهل، والعقل، والسفه، وغير ذلك من الأمور، ثم بين سبحانه أن الآخرة أكبر درجات، وأكبر تفضيلاً فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه، فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات، والسرور، والخيرات، ممن هو يتقلب في الجحيم، ويعذب العذاب الأليم، وقد حَلَّ عليه سخط الرب العظيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحداً عَدُّهُ» (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
أولاً: أن من أراد الدنيا وسعى لها، وترك الآخرة فلم يعمل لها، فإنه قد يُعطى سُؤْلَهُ، فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له عند الله نصيب، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
روى الإمام الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ