«مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (١).
وآفة العلم النسيان، قال عبد الله بن مسعود ﵁: «إن لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان»، وقال الزهري: «آفة العلم النسيان وترك المذاكرة».
روى البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» (٢).
وينبغي للمؤمن أن يكون على استعداد دائمٍ للقاء ربه، وألا يكون في غفلة ونسيان، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]. والشيطان يُنسي المؤمن الخير والطاعة، قال نبي الله موسى فيما حكاه الله عنه: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين﴾ [يوسف: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾ [الأنعام: ٦٨].
من الفوائد:
أولاً: رحمة الله بعباده عامة، وبأمة محمد ﷺ خاصة، حيث عُفي لها عن النسيان.
стр. 1542
ثانياً: من ترك شيئاً من الواجبات نسياناً، رُفع عنه الإثم، وعليه أداؤه إذا ذكر.
ثالثاً: النسيان من صفات النقص، والله تعالى مُنَزَّهٌ عنه.
رابعاً: النسيان سبب لضياع الحقوق، وذهاب العلم، من أجل ذلك أمر الله بكتابة الحقوق، والإشهاد عليها، وأمر الرسول ﷺ بكتابة العلم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
روى الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ»، قُلْتُ: وَمَا تَقْييدُهُ؟ قَالَ: «كِتَابَتُهُ» (١).
خامساً: من صفات المؤمن أنه يذكر ذنوبه، ويتوب منها، ويذكر الحقوق فيؤديها، ومن صفات الظالم أنه ينسى الذنوب، ويضيع الحقوق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
سادساً: الخوف على العلم أن يُنسى من صفات الأنبياء والصالحين، ولما خاف النبي ﷺ من نسيان القرآن طمأنه ربه
стр. 1543
فقال: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦]. وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه﴾ [القيامة: ١٧].
سابعاً: نسيان القرآن ونحوه مذمة؛ ولذلك أرشد النبي ﷺ : «أَنْ لَا يَقُولَ المُؤْمِنُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ» (١).
ثامناً: النسيان من وسائل الشيطان، ومن فضائل الرحمن، والفرق بينهما: أن الذي من الشيطان؛ نسيان الذكر والقرآن والخير، وما إلى ذلك من الحقوق، والذي يحبه الرحمن؛ نسيان الأحقاد وإساءة الأقارب، والأصدقاء، وسائر المؤمنين.
تاسعاً: إن النسيان يأتي بمعنى الترك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
قال ابن جرير وغيره: «تركوا الله أن يطيعوه، ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته» (٢).
اللهم ذكرنا ما نُسِّينَا، وعلمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا يا كريم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1544
الكلمة الخامسة والثلاثون: تأملات في قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ... ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩) كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
«يبين تعالى حال الفريقين، ومصير الطائفيتن، فأما الذين يريدون العاجلة وهي الدنيا، فإن الله تعالى يعطيهم فيها ما يشاء، ثم مصيرهم في الآخرة إلى جهنم ذليلين، خائبين؛ لأنهم لم يرجوا ثواب الله تعالى، ولم يخافوا عقابه، وأما الذين يريدون الآخرة، ويسعون لها سعيها، وذلك بالأعمال الصالحة وهم مع ذلك مؤمنين بالآخرة، وحسن ثواب الله لمن آمن به، وعمل صالحاً، فهؤلاء يشكر الله سعيهم، فيعطيهم ما سألوا، ويُؤَمِّنُهُم مما خافوا، ويدخلهم الجنة برحمته وفضله، ثم أخبر تعالى أنه فضل بعض العباد على بعض في
стр. 1545
الدنيا بسعة الأرزاق، وقلتها، واليسر، والعسر، والعلم، والجهل، والعقل، والسفه، وغير ذلك من الأمور، ثم بين سبحانه أن الآخرة أكبر درجات، وأكبر تفضيلاً فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه، فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات، والسرور، والخيرات، ممن هو يتقلب في الجحيم، ويعذب العذاب الأليم، وقد حَلَّ عليه سخط الرب العظيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحداً عَدُّهُ» (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
أولاً: أن من أراد الدنيا وسعى لها، وترك الآخرة فلم يعمل لها، فإنه قد يُعطى سُؤْلَهُ، فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له عند الله نصيب، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
روى الإمام الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ
стр. 1546
يَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (١).
ثانياً: أن التفاضل الحقيقي في الآخرة وليس في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١]. وقال تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].
روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّ أَعْلَاهَا الْفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ أَوْسَطَهَا الْفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ الْعَرْشَ عَلَى الْفِرْدَوْسِ، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا مَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» (٢).
ورواه أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الجَنَّةُ مِئَةُ دَرَجَةٍ مَا بَينَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِئَةِ عَامٍ»، وَقَالَ عَفَّانُ: «كَمَا بَينَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ» (٣).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ
стр. 1547
مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (١).
ثالثاً: أن النار دركات، كما أن الجنة درجات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
رابعاً: أن من أراد الآخرة وسعى لها سعيها، فإن الله يثيبه على ذلك في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [النحل: ٩٧].
روى مسلم في صحيحه من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1548
الكلمة السادسة والثلاثون: عيادة المريض
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من الأعمال الصالحة التي أمر الشارع بها، ورتب على ذلك الثواب العظيم عيادة المريض، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ: «أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظلُومِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِي (٢)» (٣).
وعيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه المسلم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»: قِيلَ: مَا هُنَّ يَا
стр. 1549
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (١).
وبيَّن النبي ﷺ أن عيادة المسلم لأخيه المريض طريق إلى الجنة، روى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا» (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «أي أنه يجني من ثمار الجنة مدة دوامه جالساً عند هذا المريض» (٣).
وأخبر النبي ﷺ أن عيادة المسلم لأخيه المريض سبب لصلاة الملائكة عليه، روى الترمذي في سننه من حديث علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً، إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً، إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّة» (٤). والغدوة ما بين الفجر وطلوع الشمس، والمراد أول النهار، والعشية من زوال الشمس إلى الغروب، والخريف أي بستان، وهو
стр. 1550
في الأصل الثمر المخروف، أي: المجتنى.
قال القاضي عياض: وعيادة المريض من الطاعات المرغب فيها، العظيمة الأجر، وقد جاء فيها هذا الحديث وغيره، وقد يكون من فروض الكفاية لا سيما المريض من الغرباء، ومن لا قائم عليهم ولا كافل لهم، فلو تُرِكَت عيادتهم لهلكوا، وماتوا ضراً، وعطشاً وجوعاً، فعيادتهم تطلع على أحوالهم ويتذرع بها إلى معونتهم وإعانتهم، وهي كإغاثة الملهوف، وإنجاء الهالك، وتخليص الغريق، ومن حضرها لزمته، فمتى لم يُعَادُوا لم يعلم حالهم في ذلك (١). اهـ.
ويُستحب للعائد أن يدعو للمريض بالرحمة والمغفرة، والتطهير من الذنوب، والسلامة والعافية.
وللنبي ﷺ دعوات ينبغي على العائد أن يدعو بها لأنها صدرت من المعصوم ﷺ وقد أوتي مجامع الكلم (٢).
فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: «لَا بَاسَ، طَهُورٌ (٣) إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (٤).
ومن دعواته أيضاً: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما
стр. 1551
من حديث عائشة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا: «بِاسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» (١).
ومنها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٢).
ومنها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لَهُ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا - ثَلَاثَ مِرَارٍ -» (٣).
وعلَّم النبي ﷺ عثمان بن أبي العاص عندما شكا إليه وجعاً، يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ: سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (٤).
ومن الأدعية التي أوصى بها النبي ﷺ عند عيادة المريض، ما روى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال:
стр. 1552
«مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» (١).
ومنها ما رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله ابن عمرو ﵄، قال النبي ﷺ : «إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا، أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى صَلَاةٍ» (٢).
ولعيادة المريض فوائد، فمن ذلك:
أولاً: الأجر العظيم من الله كما تقدَّم ذلك في الأحاديث السابقة.
ثانياً: تنشيط قوى المريض بزيارة من يحبه.
ثالثاً: الدعاء له وتفقُّد أحواله التي لا تتحقَّق بغير العيادة.
رابعاً: تُذَكِّرُ العَائدَ نعمةَ الله عليه بالعافية التي حُرِمَ غيرهُ منها.
خامساً: دعوته إلى الإسلام إذا كان من غير المسلمين، كما روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَاسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
стр. 1553
أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (١).
سادساً: في بعض الأحيان يحصل وصف لبعض الأدوية التي يحتاجها المريض، فيكون في ذلك نفع وفائدة له.
سابعاً: إدخال السرور إلى قلب المريض بذكر بعض البشائر والأخبار السارة. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمد ابن خالد عن أبيه عن جده وكان لجده صحبة، أنه خرج زائراً لرجل من إخوانه فبلغه شكاته، قال: فدخل عليه، فقال: أتيتك زائراً، عائداً، ومبشراً، قال: كيف جمعت هذا كله؟ قال: خرجت وأنا أريد زيارتك، فبلغتني شكاتُك، فكانت عيادة، وأُبشرك بشيء سمعته من رسول الله ﷺ قال: «إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ، لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلَاهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ، أَو فِي مَالِهِ، أَو فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ المَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ» (٢).
ثامناً: بث روح المودة، والمحبة والتآلف بين المجتمع، وذلك بمواساة المريض، وأهله وإشعارهم بأن المجتمع معهم يواسيهم، ويشاركهم ما هم فيه من تعب ومحنة.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1554
الكلمة السابعة والثلاثون: الرياء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن أعظم الذنوب عند الله الشرك به سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق (٣١)﴾ [الحج: ٣١].
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُون (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُون (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
قال ابن القيم ﵀: «وهذا الشرك بحر لا ساحل له، وقَلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير التقرب إلى الله تعالى فقد أشرك في إرادته، ونيته، والإخلاص: أن يخلص لله في أقواله، وأفعاله، ونيته، وإرادته، فإن هذه هي الملة الحنيفية، ملة إبراهيم ﵇ التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحدٍ غيرها، وهي حقيقة الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء» (١). اهـ.
стр. 1555
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جندب ابن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (١).
والرياء من الرؤية، وهو أن يحب الإنسان أن يراه الناس وهو يعمل العمل الصالح من أجل أن يمدحوه، والفرق بينه وبين السمعة، أن الرياء فيما يُرى من الأعمال التي ظاهرها لله وباطنها لغيره كالصلاة والصدقة، أما السمعة فهي لما يسمع من الأقوال التي ظاهرها لله والقصد منها لغير الله، كالقراءة، والذكر، والوعظ، وغير ذلك من الأقوال، وقصد المتكلم أن يسمع الناس كلامه فيثنوا عليه ويقولوا: هو جيد في الكلام والمحاورة، حسن الصوت في القرآن، إذ كان يُحسن صوته بالقرآن لأجل ذلك، أو بليغ في خطبته إذا كان يُحسن خطبته لأجل ذلك .. وهكذا (٢).
ومعنى راءى الله به، وسمَّع، قال بعض أهل العلم: إن الله يفضحه يوم القيامة، كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هند الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، رَاءَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ» (٣).
والرياء يحصل إما من أجل مدح الناس وثنائهم، أو فراراً من ذمهم، كأن يُحسن صلاته حتى لا يُقال: مُسرعٌ في صلاته، أو طمعاً مما
стр. 1556
في أيديهم، ويشهد لذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١).
«فقوله: (شَجَاعَةً): أي ليُذكر ويشتهر بالشجاعة، ويُقاتل حمية: أي من أجل الأهل، والعشيرة، والصاحب، ويحتمل أن يفسر القتال للحمية بدفع المضرة، ويقاتل رياء: أي ليرى مكانه، فمرجع الذي قبله إلى السمعة، ومرجع هذا إلى الرياء، وكلاهما مذموم» (٢).
والرياء هو الشرك الخفي، روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمود بن لبيد ﵁ قال: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُم وَشِركَ السَّرَائِرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ» (٣).
«وَإِنَّمَا سُمِّيَ الرِّيَاءُ شِركًا خَفِيًّا؛ لأن صاحبه يظهر عمله لله، وقد قصد به غيره أو شركه فيه، وزيَّن صلاته لأجله، والنيات والمقاصد وأعمال القلوب لا يعلمها إلا الله » (٤).
стр. 1557
والرياء شرك أصغر، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمود بن لبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّرْكُ الأَصغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى يَومَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعمَالِهِم: اذهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُم تُرَاؤُونَ فِي الدُّنيَا فَانظُرُوا هَل تَجِدُونَ عِندَهُم جَزَاءً؟ ! » (١). يعني أنه يبطل أعمال المرائين، وأنه يحيلهم على الذين رَاءَوهُم في الدنيا فيقال: انظروا هل يثيبونكم، أي أولئك الذين تزينتم عندهم ورَاءَيتُمُوهُم في الدنيا، هل تجدون عندهم ثواباً؟ ! قال الشاعر:
وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيعْرِفُ سَعْيَهُ
إِذَا حُصِّلَتْ عِنْدَ الإِلَهِ الحَصَائِلُ
والرياء سبب لدخول النار، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَاتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَاتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ
стр. 1558
أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (١).
قال ابن رجب: «أول من تُسعر به النار من الموحدين العباد المراؤون بأعمالهم، وأولهم العالم، والمجاهد، والمتصدِّق للرياء؛ لأن يسير الرياء شرك، ما نظر المرائي إلى الخلق بعمله إلا لجهله بعظمة الخالق» (٢).
وينبغي التنبه لأمرين:
الأول: أن سرور العبد عند ثناء الناس عليه وهو لا يقصد ذلك، لا يقدح في إخلاصه، ما دام بدأه بإخلاص، وخرج منه مخلصاً، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (٣).
قال ابن رجب: «إذا عمل العمل لله خالصاً ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر
стр. 1559
بذلك لم يضيره ذلك» (١).
الثاني: أن لا يترك المؤمن العمل من أجل الناس: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس إذا علم الله من قلبه أنه يفعل سراً لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء، ومفسدات الإخلاص» (٢).
الخلاصة:
أن الرياء مُحبط للأعمال، وسبب لمقت الله، ولعنته، وطرده، وأنه من كبائر المهلكات، ومن الشرك الأصغر الذي لا يُغفر لصاحبه إذا مات عليه، بل يعذب بقدره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. فجدير بالمسلم أن يُشَمِّرَ عَن سَاعِدِ الجِدِّ، وأن يجاهد نفسه بإزالته، وإخلاص العمل لله في أقواله، وأفعاله، وإرادته، وأموره كلها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1560
الكلمة الثامنة والثلاثون: تأملات في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي ﵀: «أي: ذكورهم، وإناثهم بعضهم أولياء بعض في المحبة، والموالاة، والانتماء والنصرة، ﴿يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو اسم جامع لكل ما عرف حسنه من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وهو كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة،
стр. 1561
والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة.
قوله: ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لا يزالون ملازمين لطاعة الله، ورسوله على الدوام.
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ أي: يدخلهم في رحمته ويشملهم بإحسانه ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم (٧١)﴾ أي: قوي قاهر مع قوته، فهو حكيم، يضع كل شيء موضعه اللائق به، الذي يُحمد على ما خلقه وأمر به، ثم ذكر ما أعد الله لهم من الثواب.
فقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ وهذه الجنة جامعة لكل نعيم وفرح، خالية من كل أذى وترح، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار الغزيرة، المروية للبساتين الأنيقة التي لا يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إلا الله تعالى، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قد زخرفت، وحسنت، وأعدت لعباد الله المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية، ما لا يتمنى فوقه المتمنون، حتى إن الله تعالى قد أعد لهم غرفاً في غاية الصفاء والحُسن يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فهذه المساكن الأنيقة التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس، وتنزع إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح لأنها في جنات عدن، أي إقامة لا يظعنون عنها ولا يتحولون منها، ورضوان من الله يُحِلُّهُ على أهل الجنة أكبر مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم، وهذا هو الفوز العظيم حيث حصلوا على كل مطلوب، وانتفى عنهم
стр. 1562
كل محذور - جعلنا الله معهم -» (١).
ومن فوائد الآيتين الكريمتين:
أولاً: أن من صفات المؤمنين أنهم متناصرون، ومتعاضدون فيما بينهم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (٢).
ثانياً: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (٣).
ثالثاً: عظم شأن الصلاة، والزكاة ومكانتهما العظيمة في الإسلام، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (٤).
رابعاً: أن طاعة الله ورسوله سبب لرحمة الله ، والفوز
стр. 1563
والفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون (٥٢)﴾ [النور: ٥٢].
خامساً: أن هذه المساكن الطيبة في جنات عدن حسنة البناء، طيبة القرار، وهي درجات، ففي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَينَ القَوْمِ وَبَينَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (١).
وروى ابن ماجه في سننه وأصله في الصحيح من حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّ أَعْلَاهَا الْفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ أَوْسَطَهَا الْفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ الْعَرْشَ عَلَى الْفِرْدَوْسِ، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا مَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» (٢). ورواه أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَينِ مَسِيرَةُ مِائَةُ عَامٍ» (٣).
سادساً: أن رضا الله عنهم أكبر، وأجلُّ وأعظم مما هم فيه من النعيم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ
стр. 1564
لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ! فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (١).
سابعاً: أن دخول المؤمنين الجنة، وخلودهم فيها، ورضا الله عنهم هو الفوز العظيم، لا ما يعده الناس فوزاً من حظوظ الدنيا، فإنه سرعان ما يزول، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِير (١١)﴾ [البروج: ١١].
روى البخاري في صحيحه من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: «لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ، وَكَانَ خَالَهُ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا: فَنَضَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَاسِهِ، ثُمَّ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» (٢)، وفي رواية في الصحيحين قال أنس ﵁: «أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا قَرَانَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا، أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1565
الكلمة التاسعة والثلاثون: التناقضات في حياة بعض الناس
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن النصوص الشرعية تحث المسلم على الاستقامة، والثبات على المنهج الصحيح، وتحذره من التناقض سواء كان ذلك في أقواله، أو أفعاله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]. قال بعض المفسرين: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئاً نقضته بعد إبرامه، وقال مجاهد وقتادة: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده (١)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١].
وهذا التناقض ليس من صفات المؤمن التقي، قال تعالى عن نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقال تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُون (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
стр. 1566
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة ابن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةَ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ (١) فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَانُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَامُرُنَا بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنتُ آمُرُكُم بِالمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنهَاكُم عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُم بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مِمَّنْ كَانُوا يَامُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟ ! » (٣).
قال الشاعر:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَاتِي مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَابْدَا بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ يُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى ... بِالْعِلمِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
ومن صور هذا التناقض ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَاتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ
стр. 1567
هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُم لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُم وَنَحْنُ لَا نَعلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخْوَانُكُم وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَاخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَاخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقوَامٌ: إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (١).
وهذه صورة من صور التناقض، يصلُّون آخر الليل ولكنهم ينقضون هذه الأعمال بانتهاك حرمات المسلمين.
ومن صوره كذلك النفاق، والمنافق ظاهرُ حالِهِ الصَّلَاحُ فهو يصلي، ويحج، ويجاهد، ويتصدق، ومع ذلك يبطن الكفر والحرب على الإسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون (١)﴾ [المنافقون: ١]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (١١٩)﴾ [آل عمران: ١١٩].
ومن صوره ما ذكره ابن القيم ﵀ حيث قال: «ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ، والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر الحرام وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ والاحتراز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، ينزل في النار بالكلمة الواحدة أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم
стр. 1568
ترى من رجل متورع عن الفواحش، والظلم، ولسانه يقطع، ويذبح في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي بما يقول» (١). اهـ.
وأسباب التناقض كثيرة، أذكر من ذلك:
١ - النفاق: فحتى لا ينكشف أمر المنافق ويفتضح يلجأ إلى النفاق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].
٢ - الرياء: روى البخاري في صحيحه من حديث زيد ابن عبد الله بن عمر عن أبيه: قَالَ أُنَاسٌ لِابنِ عُمَرَ: «إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُم خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا» (٢).
وروى ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمود بن لبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُم وَشِرْكَ السَّرَائِرِ»، قَالُوا: وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ» (٣).
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الرِّيَاءُ شِركًا خَفِيًّا؛ لأن صاحبه يظهر عمله لله، وقد
стр. 1569
قصد به غيره أو شركه فيه، وزيَّن صلاته لأجله، والنيَّات والمقاصد وأعمال القلوب لا يعلمها إلا الله (١).
٣ - ضعف الإرادة: فإذا كان الإنسان إرادته ضعيفة فإنه يتناقض، فنجده يعمل العمل، ثم بعد مدة يتراجع عنه، فعلى سبيل المثال: إذا كان يشرب الدخان، ثم نُصِحَ، وعلم بحرمته فيتركه زمناً طويلاً، ثم تجده يضعف شيئاً فشيئاً، حتى يرجع إليه.
٤ - الكبر: فترى أن بعض الناس يعمل أعمالاً كثيرة ولكن يأتي إلى عملٍ مُعَيَّن أمر به الشارع، فلا يفعله ويرى أن هذا يُنْقص من قدره، فعلى سبيل المثال: إذا نصح في إعفاء اللحية، أو تقصير الثياب قال: هذا صعب وكيف يكون حالي أمام الناس؟ مع أن سيد الأولين والآخرين كانت لحيته إلى صدره، وإزاره إلى نصف ساقه.
٥ - المجاملة للآخرين: تجد أن بعض الناس يجامل ولو على حساب الشرع، فقد يُطلَب منه أمر فيه مخالفة للشرع فيتنازل حياء، أو إرضاء للآخرين، قال تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِين (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
٦ - حب الشهرة والظهور: نجد أن بعض الناس يسأل عن الحكم الشرعي في مسألة معينة، فيهون من الأمر خشية سقوطه من أعين الناس، فالجماهير لا تريد الفتاوى المتشددة، وإنما تريد الفتاوى المتساهلة. قال عبد الله بن المبارك: قال لي سفيان: «إياك والشهرة، فما أتيت أحداً
стр. 1570
إلا وقد نهاني عن الشهرة» (١).
أما العلاج لهذا التناقض فيتلخص بالآتي:
١ - أن يعلم المرء أن التناقض ليس من صفات المؤمنين الصادقين، قال تعالى لنبيه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. ولم يقل: كما أردت، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. قال ابن كثير: يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك (٢).
روى مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الإِسلَامِ قَولًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ» (٣). والاستقامة: لزوم طاعة الله.
٢ - الصدق والإخلاص لله في الأعمال كلها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وفي الحديث: «إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ» (٤).
٣ - مجاهدة النفس والصبر على المشاق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
стр. 1571
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
٤ - أن يعلم المؤمن أن السعي إلى رضا الله سيؤدي إلى رضا الناس، روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنِ التَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1572
الكلمة الأربعون: مجالس الصحابة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فحديثنا في هذا اليوم عن مجالس الصحابة، وكيف حالهم إذا التقى بعضهم ببعض، فقد كانوا يتذاكرون الصيام، والقيام، وقراءة القرآن، وغيرها من الأعمال الصالحات.
ولننظر إلى أحوالنا وأحوالهم، فإذا التقى بعضنا ببعض فإن الحديث يكون عن أمور الدنيا، أما أولئك القوم فإن قلوبهم كانت متعلقة بالآخرة، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْر (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. روى الطبراني في الأوسط من طريق عبيد الله بن حصن قال: كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا الْتَقَيَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا عَلَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ سُورَةَ الْعَصرِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ (١)،
فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي (١).
فهذا الأثر يدل على هدي الصحابة حين يلقى بعضهم بعضاً فيتذاكرون الإيمان والأعمال وينتفع بعضهم من بعض. روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه من حديث حَنْظَلَةَ الأُسَيْدِيِّ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ، نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ كَأَنَّا رَايُ عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيراً، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنَّا كَذَلِكَ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْطَلَقْنَا، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا لَكَ يَا حَنْظَلَةُ؟ »، قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَايُ عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيراً، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الحَالِ الَّذِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ فِي مَجَالِسِكُم وَفِي طُرُقِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ» (٢).
والشاهد في هذا الحديث مراقبة الصحابة لأنفسهم، وتفقدهم لإيمانهم واستشارة بعضهم لبعض لاستصلاح النفوس، وتربيتها، ومداواة ما يجدونه من ضعف الإيمان، والتقصير في العمل ونحو ذلك.
ومن الأمثلة كذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث
стр. 1575
عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَانُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَاكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ سَلْمَانُ» (١).
وإن للعالم الرباني من التأثير والنفع لطلابه ومريديه أثراً بالغاً في تربية النفوس، وحثها على الخير، وإن مجلساً واحداً من هذه المجالس يبقى أَثَرُهُ وَنَفْعُهُ سِنِينَ، وقد ذكر ابن القيم حاله حينما أُدخل السجن مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، فقال: ومع ما كان فيه من ضيق السجن إلا أنه كان من أشرح الناس صدراً وأطيبهم عيشاً، وأنعمهم قلباً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا ضاقت بنا الأرض، واشتد بنا الكرب أتيناه فما هو إلا أن نسمع كلامه ونراه، حتى ينقلب ذلك قوة وثباتاً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من طيبها، وريحها ما استفرغ قواهم بطلبها والمسابقة إليها (٢). اهـ.
стр. 1576
فالعاقل الْكَيِّسُ هو الذي يحسب أرباحه وخسائره في هذه المجالس، فما وجد نفعه حرص عليه، وما سوى ذلك أعرض عنه، روى الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمَ تِرَةً (١)، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1577
الكلمة الحادية والأربعون: تفسير أواخر سورة البقرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد
قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ بالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (١). قيل: كفتاه أي دفعتا عنه الشر، والمكروه، وقيل: كفتاه من كل شيطان، فلا يقربه ليلته، وقيل: حسبه بها فضلاً وأجراً، ويحتمل من الجميع (٢).
стр. 1578
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦]، قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا، أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا، الْمُقْحِمَاتُ (٢)» (٣).
قال النووي: «أُرِيدَ بالمغفرة أنه لا يخلد صاحبها في النار لا أنه لا يعذب أصلاً، وإلا فقد جاء عذاب العصاة، أو المراد أنه يغفر لبعض الأمة الكبائر، وهو مخصوص بهذه الأمة» (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: «بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَاسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ
стр. 1579
مَلَكٌ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ» (١).
قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن كثير ﵀: «قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿الرَّسُولُ﴾ ثم أخبر عن الجميع فقال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾، فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء، والرسل، والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون، بَارُّونَ راشدون، مهديون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين» (٢).
قوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، سؤال للمغفرة والرحمة، واللطف، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾: أي: المرجع والمآب يوم الحساب.
قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ روى مسلم في صحيحه