← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فالعاقل الْكَيِّسُ هو الذي يحسب أرباحه وخسائره في هذه المجالس، فما وجد نفعه حرص عليه، وما سوى ذلك أعرض عنه، روى الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمَ تِرَةً (١)، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1577

الكلمة الحادية والأربعون: تفسير أواخر سورة البقرة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ بالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (١). قيل: كفتاه أي دفعتا عنه الشر، والمكروه، وقيل: كفتاه من كل شيطان، فلا يقربه ليلته، وقيل: حسبه بها فضلاً وأجراً، ويحتمل من الجميع (٢).

стр. 1578

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦]، قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا، أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا، الْمُقْحِمَاتُ (٢)» (٣). قال النووي: «أُرِيدَ بالمغفرة أنه لا يخلد صاحبها في النار لا أنه لا يعذب أصلاً، وإلا فقد جاء عذاب العصاة، أو المراد أنه يغفر لبعض الأمة الكبائر، وهو مخصوص بهذه الأمة» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: «بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَاسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ

стр. 1579

مَلَكٌ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ» (١). قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن كثير ﵀: «قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿الرَّسُولُ﴾ ثم أخبر عن الجميع فقال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾، فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء، والرسل، والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون، بَارُّونَ راشدون، مهديون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين» (٢). قوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، سؤال للمغفرة والرحمة، واللطف، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾: أي: المرجع والمآب يوم الحساب. قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ روى مسلم في صحيحه

стр. 1580

من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ... ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ: كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥٢)﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ قَالَ: «نَعَمْ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قَالَ: «نَعَمْ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قَالَ: «نَعَمْ» ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: «نَعَمْ» (١). قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي لا يكلف أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، وإحسانه إليهم.

стр. 1581

وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي من خير و ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (١). قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ أي إن تركنا فرضاً على جهة النسيان، أو فعلنا حراماً كذلك، ﴿أَخْطَانَا﴾: أي الصواب، جهلاً منا بوجهه الشرعي، روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢). وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية من قبلنا من الأغلال، والآصار التي كانت عليهم التي بعثت نبيك محمداً ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح. قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: من التكليف، والمصائب والبلاء، لا تَبتَلِنَا بما لا قِبَلَ لنا به. قوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ﴾ أي: فيما بيننا وبينك، مما تعلمه من تقصيرنا، وزللنا، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا

стр. 1582

تظهرهم على مساوئنا وأعمالنا القبيحة، ﴿وَارْحَمْنَآ﴾ أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر. قوله: ﴿أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ أي: أنت وَلِيُّنَا، وَنَاصِرُنَا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك، ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1583

الكلمة الثانية والأربعون: فضائل أم المؤمنين عائشة ﵂ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فهذه مقتطفات من سيرة أم المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ ، تزوجها النبي ﷺ وهي بنت سبع سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، أخبر النبي ﷺ أنها من أحب نسائه إليه، بل من أحب الناس إليه، ولم يتزوج بكراً غيرها، أنزل الله في براءتها قرآناً يُتلَى إلى يوم القيامة، ولم ينزل عليه الوحي في فراش امرأة سواها، وكان لها شرف خدمة النبي ﷺ وتمريضه في أيام حياته الأخيرة، فما أن نزل به المرض حتى كان يسأل عن ليلتها، وتوفي ورأسه في حجرها وبين سحرها ونحرها، وقُبض النبي ﷺ وهو راض عنها، ودُفن في بيتها. إنها الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، الطاهرة العفيفة عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة القرشي التيمي وأمها أم رومان الكنانية، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث هشام عن أبيه قال: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ: وَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ عَائِشَةُ، فَمُرِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَامُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا

стр. 1584

إِلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ، أَوْ حَيْثُ مَا دَارَ، قَالَتْ: فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا» (١). قال الذهبي ﵀: هاجر بعائشة أبواها، وتزوجها نبي الله قبل مهاجره بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد، وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهراً، وقيل: بعامين، ودخل بها في شوال سنة اثنين منصرفه ﵊ من غزوة بدر، وهي بنت تسع سنين، ولا أعلم في أمة محمد ﷺ بل ولا في النساء مطلقاً امرأة أعلم منها، وهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة، فهل فوق ذلك مفخر (٢). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي (٣) فَوَفَى (٤) جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ (٥) وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ

стр. 1585

بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لَأُنْهِجُ (١) حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَاسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ، وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (٢)، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَانِي فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» (٣). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» (٤).وفي رواية الترمذي: «إِنَّ هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (٥). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمرو ابن العاص ﵁ وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة أنه سأل النبي ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ»، فَقُلتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا» (٦). قال الذهبي ﵀: وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض،

стр. 1586

وما كان ﵇ ليحب إلا طيباً، وقال: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ» (١). فَأَحَبَّ أفضل رجل من أمَّته، وأفضل امرأة من أمَّته، فمن أبغض حَبِيبَي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله، وحبه ﵇ لعائشة كان أمراً مستفيضاً، ألا تراهم يتحرون بهداياهم يومها تقرباً إلى مرضاته (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا» (٤). قال الذهبي: «وهذا من أعجب شيء أن تغار ﵂ من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي ﷺ بعائشة بمُديدة، ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي ﷺ ، فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ ، لئلا يتكدر عيشهما، ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي ﷺ

стр. 1587

لها وميله إليها، فرضي الله عنها وأرضاها» (١). وقد أنزل الله براءتها بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، قال ابن حجر الهيتمي ﵀ بعد ما ذكر حديث الإفك -: «عُلِمَ من حديث الإفك المُشَارُ إليه أن من نَسَبَ عائشة إلى الزنا كان كافراً، وقد صرح بذلك أئمتنا وغيرهم، لأن في ذلك تكذيبًا للنصوص القرآنية، ومكذبها كافر بإجماع المسلمين، وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الروافض لأنهم ينسبونها إلى ذلك، قَاتَلَهُمُ اللهُ أنى يؤفكون» (٢). وقال الشيخ محمد بن سليمان التميمي نقلاً عن بعض أهل البيت: وأما قذفها الآن فهو كفر، وارتداد، ولا يكفي فيه الجلد؛ لأنه تكذيب لسبع عشرة آية في كتاب الله - كما مر - فيُقتل ردة، ومن يقذف الطاهرة الطيبة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين في الدنيا والآخرة كما صح ذلك عنه، فهو من ضرب عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين (٣). اهـ. وكان النبي ﷺ يحب عائشة كثيراً ولا يحب إلا طيباً، قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]. وقد نالت ﵂ شرف خدمته ﷺ وتمريضه في آخر أيامه. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: «مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِي

стр. 1588

وَيَوْمِي، بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ رَطْبٌ، فَنَظَرَ إِلَيهِ، فَظَنَنتُ أَنَّ لَهُ فِيهِ حَاجَةً، قَالَت: فَأَخَذْتُهُ فَمَضَغتُهُ، وَنَفَضْتُهُ، وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيهِ، فَاسْتَنَّ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُهُ مُسْتَنًّا قَطُّ، ثُمَّ ذَهَبَ يَرْفَعُهُ إِلَيَّ، فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذْتُ أَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ كَانَ يَدْعُو لَهُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ وَكَانَ هُوَ يَدْعُو بِهِ إِذَا مَرِضَ، فَلَمْ يَدْعُ بِهِ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ، فرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وقَالَ: «الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»، يَعْنِي وَفَاضَتْ نَفْسُهُ، فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا» (١). قال حسان بن ثابت ﵁ في مدح عائشة: حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبةٍ ... وتُصبح غَرثَى من لُحُوم الغَوافِل (٢) عَقِيلة (٣) حَيِّ مِن لُؤَيِّ بن غَالِبٍ ... كِرَام المَسَاعِي مَجْدُهُم غَيرُ زَائِل مُهَذَّبَةٌ (٤) قَدْ طَيَّب اللَّهُ خَيمها ... وطَهَّرَها مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلٍ فَإنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الذي قَدْ زَعمتُمُ ... فَلا رفَعَتُ سَوْطِي إلى أَنَامِلي (٥) وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ ونُصْرَتي ... لآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنُ المَحَافِلِ (٦)

стр. 1589

وكانت ﵂ عالمة بأنساب العرب، وأشعارها، فقيهة، يرجع إليها كبار الصحابة ويستفتونها، قال الزهري: لو جمع علم الناس كلهم وأمهات المؤمنين لكانت عائشة أوسعهم علماً، وكانت عالمة بالطب، قال هشام بن عروة: ما رأيت أحداً أعلم بالطب من عائشة، فقلت: يا خالة: ممن تعلمت الطب، قالت: كنت أسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه. وكانت من أكرم أهل زمانها، ولها في السخاء أخبار كثيرة، أرسل لها معاوية ﵁ مئة ألف درهم فما غربت شمس ذلك اليوم وعندها منه شيء (١). وكانت شديدة التواضع، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي مليكة: «أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتَاذَنَ عَلَى عَائِشَةَ قَبْلَ مَوْتِهَا وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ قَالَتْ: أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ، فَقِيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَتْ: ائْذَنُوا لَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ، قَالَتْ: بِخَيْرٍ إِنِ اتَّقَيْتُ، قَالَ: فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ، وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ، فَقَالَتْ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا» (٢). وقد دُفنت بالبقيع بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة وذلك في الليلة السابعة عشر من شهر رمضان بعد الوتر، فأمرت

стр. 1590

أن تُدفن من ليلتها، وقد أوصت عبد الله بن الزبير ابن أختها أسماء أن يدفنها مع صواحبها في البقيع، ونزل معها إلى القبر ولدا أختها أسماء، عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم وعبد الله ابنا أخيها محمد، وعبد الله ابن أخيها عبد الرحمن، وصلى عليها أبو هريرة وكان أميراً على المدينة لمروان بن الحكم، وكان عمرها آنذاك ثلاثة وستون عاماً وبضعة أشهر. رضي الله عن أم المؤمنين عائشة، وجزاها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1591

الكلمة الثالثة والأربعون: دروس وعبر من سيرة معاذ بن جبل ﵁ - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فهذه مقتطفات من سيرة عَلَمٍ من أعلام هذه الأمة، وبطلٍ من أبطالها، وعالمٍ من علمائها، الصحابي الجليل معاذ بن جبل ابن عمرو الأنصاري الخزرجي المدني البدري أبو عبد الرحمن، شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، كان من أفضل شباب الأنصار حلماً، وحياءً، وسخاءً، قال عبد الصمد بن سعيد: كان طويلاً، حسناً، جميلاً، قال المدائني: كان طوالاً حسن الشعر، عظيم العينين، أبيض، جعد قطط، وقد أسلم وعمره ثماني عشرة سنة، وشهد بدراً، وله عشرون أو إحدى وعشرون سنة (١)، روى معاذ أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، وبعثه أميراً على اليمن، ومات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي

стр. 1592

رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَعلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ" (١). وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل معاذ ومكانته العظيمة، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ" (٢). وروى الإِمام أحمد في مسنده من حديث راشد بن سعد وغيرهما قالوا: لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ سَرْغَ (٣) حُدِّثَ أَنَّ بِالشَّامِ وَبَاءً شَدِيدًا قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شِدَّةَ الوَبَاءِ في الشَّامِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَإِنْ سَألنِي رَبِّي : لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّه يُحشَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ العُلَمَاءَ نَبْذةً" (٤). وفي رواية الطبراني: "بِرَتْوَةٍ (٥) " (٦). وروى الحاكم في المستدرك من حديث مسروق قال: قرأت عند عبد الله ابن مسعود ﵁: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾

стр. 1593

[النحل: ١٢٠]، قَالَ: فَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذاً كَانَ أُمَّةً قَانِتاً، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيهِ، فَأَعَادَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الأُمَّةُ؟ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالقَانِتُ: الَّذِي يُطِيعُ اللهَ وَرَسُولَهُ" (١). وعن سهل بن أبي حتمة قال: كَانَ الَّذِينَ يُفْتُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ، وَزَيْدٌ (٢). وكان ﵁ من فقهاء الصحابة، روى الحاكم في المستدرك من حديث علي بن رباح، قال: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْحَلَالِ وَالحَرَامِ فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ (٣). وكان النبي ﷺ يحب معاذ كثيراً، فروى أبو داود في سننه من حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: "يَا مُعَاذُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (٤). ومرت الأيام، والسنون، ودنت ساعة الفراق بين الأحبة، وما أصعبها. روى الإِمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ

стр. 1594

قال: "يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي"، فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعاً (١) لِفِرَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ المَدِينَةَ، فَقَالَ: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيثُ كَانُوا" (٢)، وفي رواية أن النبي ﷺ قال "لَا تَبْكِ يَا مُعَاذُ، إِنَّ البُكَاءَ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٣). ولما حضرت معاذ الوفاة قال: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبَّ البَقَاءَ في الدُّنْيَا لِكَرْيِ الأَنْهَارِ، وَلَا لِغَرْسِ الأَشْجَارِ، وَلَكِنْ كُنْتُ أُحِبُّ البَقَاءَ لِمُكَابَدَةِ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ، وَلِظَمَإِ الهَوَاجِرِ في الحَرِّ الشَّدِيدِ، وَلِمُزَاحَمَةِ العُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ. وقد توفي ﵁ بمرض الطاعون في بلاد الشام، فروى الإِمام أحمد في مسنده من حديث أَبِي مُنِيبٍ الأَحْدَبِ قَالَ: خَطَبَ مُعَاذٌ بِالشَّامِ، فَذَكَرَ الطَّاعُونَ فَقَالَ: إِنَّهَا رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَقَبْضُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ. اللهُمَّ أَدْخِلْ عَلَى آلِ مُعَاذٍ نَصيبَهُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ. ثُمَّ نَزَلَ مِنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، فَقَالَ مُعَاذ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (٤).

стр. 1595

ومن الدروس والعبر المستفادة من سيرة هذا البطل، وأكتفي باثنتين منها: ١ - علو همته، وحرصه الشديد على تحصيل العلم، فما بين إسلامه ووفاته لا يتجاوز ست عشرة سنة، قال ابن حجر: عاش معاذ ثلاثاً وثلاثين سنة على الصحيح (١)، وقد بلغ فيها مبلغاً عظيماً حتى عُدَّ من كبار المُفتين من الصحابة ﵃، وهذا يدل على أنَّ الأعمار لا تقاس بالسنين وإنما بالإنجازات، وقد أنجز معاذ في سنوات ما لم ينجزه غيره في عشرات السنين. ٢ - شدته في الحق وفي تنفيذ أحكام الله على الكفرة، والمعاندين. روى الإِمام أحمد في مسنده من حديث أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الإِسْلَامِ مُنْذُ، قَالَ: أَحْسَبُهُ، شَهْرَيْنِ. فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَقَالَ: قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ: أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِيْنِهِ فَاقْتُلُوهُ أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ (٢). رضي الله عن معاذ، وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1596

الكلمة الرابعة والأربعون: فضائل غزوة بدر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فقد كانت غزوة بدر المعركة الأولى الفاصلة في التاريخ الإسلامي، فيها فرق الله بين الحق والباطل، وخذل الكفر وأهله، وقُتل فيها صناديد قريش ومجرميها، وهي الحدث الذي غير مجرى التاريخ، وكانت البوابة الأولى لغزوات متتابعة أدت في النهاية للفتح الكبير - فتح مكة - واندحار الكفر ورفعة الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]. وقد وردت نصوص كثيرة تبين فضل غزوة بدر وأهل بدر من القرآن والسنة، فمن ذلك: أولاً: تسمية الله لها بيوم الفرقان، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]. قال ابن كثير: ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويُسمى الفرقان لأن الله أعلى فيه كلمة الإيمان على

стр. 1597

كلمة الباطل وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه (١). ثانياً: نصر الله تعالى لهم بالرعب، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]. والنصر بالرعب من خصائص نبينا محمد ﷺ كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» (٢). ثالثاً: إمداد الله تعالى لهم بالملائكة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِين (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥]. روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ (٣)؛ فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ،

стр. 1598

فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ (١). رابعاً: فضل من شهد بدراً من الصحابة، والملائكة على غيرهم، روى البخاري في صحيحه من حديث معاذ بن رفاعة ابن رافع عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدر قال: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ » قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ، - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ (٢). خامساً: أن من قُتل منهم نال الفردوس الأعلى، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ؟ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ، قَالَ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى» (٣). قال ابن كثير: «وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا لم يكن في بحبحة (٤) القتال، ولا في حومة الوغى (٥)،

стр. 1599

بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التي هي أعلى الجنان، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا، فما ظنك بمن كان واقفاً في نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عدداً وعُدداً» (١). اهـ. سادساً: أن أهلها مغفور لهم، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ وأصله في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٢). قال ابن حجر: «وهي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم» (٣). سابعاً: رجاء النبي ﷺ لأهل بدر ألا يدخلوا النار، روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» (٤). ثامناً: إخباره ﷺ بأنه لولا أهل بدر لم يصلنا الإسلام، ولقضي عليه معهم، روى مسلم في صحيحه من حديث عمر

стр. 1600

ابن الخطاب ﵁ قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» (١). تاسعاً: أن الله أحل الغنائم لهذه الأمة في هذه الغزوة، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩]. روى الطيالسي في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ النَّاسُ إِلَى الغَنَائِمِ فَأَصَابُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الغَنِيمَةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدِ سُودِ (٢) الرُّؤُوسِ غَيْرَكُمْ»، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ (٣) إِذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً جَمَعُوهَا، وَنَزَلَتْ نَارٌ فَأَكَلَتْهَا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ﴾ إلى آخر الآيتين» (٤). عاشراً: إخباره تعالى عن نتيجة المعركة قبل بدئها، وذلك بالنصر للمؤمنين على الكافرين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ

стр. 1601

وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون (٨)﴾ [الأنفال: ٧ - ٨]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ: عَلَيْكَ الْعِيرَ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ. قَالَ: فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَكَ، قَالَ: «وَلِمَ؟ » قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1602

الكلمة الخامسة والأربعون: تأملات في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون ... ﴾ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فقد تقدَّم الحديث عن فضل غزوة بدر، وأهلها الذين شاركوا فيها، وسيكون الكلام في هذه الكلمة عن الآيات التي تحدثت عن خروج النبي ﷺ ومن معه إلى هذه الغزوة المباركة. قال تعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُون (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون (٨)﴾ [الأنفال: ٥ - ٨]. يقول الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ﴾ يا محمد إلى لقاء المشركين في بدر ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي يحبه، وقدره وقضاه، وإن كان المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج أنه يكون بينهم وبين

стр. 1603

عدوهم قتال، فحين تبين لهم أن ذلك واقع جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي ﷺ في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُون﴾ والحال أن هذا لا ينبغي منهم خصوصاً بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق ومما أمر الله به، ورضيه، فبهذه الحال ليس للجدل محل فيها؛ لأن الجدل محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إذا وضح وبان فليس إلا الانقياد والإذعان، هذا وكثير من المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم، وكذلك الذين عاتبهم الله انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم الله وَقَيَّضَ لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم. وكان أصل خروجهم أنهم يتعرضون لِعِيرٍ خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريشٍ إلى الشام، قافلة كبيرة، فلما سمع برجوعها من الشام ندب النبي ﷺ الناس، فخرج معه ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، معهم سبعون بعيراً يعتقبون عليها ويحملون عليها متاعهم، فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عِيرِهِم في عدد كثير، وعدة وافرة من السلاح، والخيل، والرجال، بلغ عددهم قريباً من الألف. فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين، إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير أي الجيش، فأحبوا العير لِقِلَّةِ ذاتِ يدِ المسلمين؛ ولأنها غير ذات الشوكة، ولكن الله تعالى أحَبَّ لهم وأراد أمراً أعلى مما أحبوا، أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم، ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ فينصر أهله، ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين﴾

стр. 1604

أي يستأصل أهل الباطل، ويُري عباده من نَصْرِهِ للحق أمراً لم يكن يخطر ببالهم. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أبما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه، ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أبما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون﴾ فلا يبالي الله بهم (١). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن كعب ﵁ قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يقول: «لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ» (٢). ومن فوائد الآيات الكريمات: أولاً: خروج النبي ﷺ وأصحابه من المدينة كان بالحق، وخروج المشركين من مكة كان بالباطل، ففي الأولين قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥]. وفي الآخرين قال: ﴿خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]. فَشَتَّانَ ما بين الفريقين. ثانياً: مع علمه ﷺ بأن خروجه كان بأمر ربه، إلا أنه كان يستشير أصحابه مراعاة منه ﷺ للطبيعة البشرية - فلينتبه دعاة الإسلام لهذا، وليقدموه للناس ليناً سهلاً.

стр. 1605

ثالثاً: في المؤمنين من هو كامل الإيمان يقدم الأوامر الشرعية ولا يبالي بما يخالفها، ومنهم من هو دون ذلك، له نظرة للأسباب المادية، وهذا الفريق لا ينبغي أن يُضْرب بالأوامر الشرعية بل يؤخذ بالمجادلة الحسنة حتى ينقاد إلى الحق بطيب نفس، ورغبة، يؤخذ هذا من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون (٥)﴾ [الأنفال: ٥]. رابعاً: أن اللفظ قد يطلق، ويراد به بعض معانيه، فالذين كرهوا لقاء العدو في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون (٥)﴾، لم يكن ذلك جبناً، ولا كراهية للموت، ولكنهم لم يكونوا يرون الدخول في معركة لم يستعدوا لها، ولم يحسبوا حسابها، وربما كانت النتائج أسوأ مما لو عادوا في هذه الحال، فلما تبين لهم الحق بعد المجادلة انساقوا إليه مسرعين. خامساً: فضل أصحاب بدر، وكمال إيمانهم، حيث انقادوا للنبي ﷺ لخوض المعركة مع قريش مع أن ذلك بالحسابات المادية والخطط العسكرية هو الإقدام على الموت، قال تعالى وهو يصوِّر ذلك أحسن وأبلغ تصوير: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُون (٦)﴾ [الأنفال: ٦]. سادساً: الوعد بالخير ممن طبيعته الوفاء من أخلاق القرآن لما في ذلك من راحة القلب واطمئنانه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ﴾ [الأنفال: ٧]. سابعاً: وعد الله أصحاب بدر إحدى الطائفتين، ولم يعين مع

стр. 1606

علمه بما سيكون ليكشف خفايا النفس البشرية، وذلك من مقتضيات حكمته جل وعلا. ثامناً: بذل جهد أكبر لتحصيل مقصود أعظم أولى من ضده، قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. تاسعاً: المقارنة بين المصالح والمفاسد، والموازنة بين الأمور مع بُعد النظر يتبين بها حقيقة الأشياء، وهذا ما جعل النبي ﷺ ، وأصحابه يقررون اللقاء مع العدو ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، وهي مصلحة، غير أن هذه المصلحة تتلاشى عند النظر إلى ما في اللقاء من المصالح، وإن كلف جهداً إذ إن إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإذلال الكفر؛ مصالح عظيمة لا يعدلها شيء، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون (٨)﴾ [الأنفال: ٧ - ٨]. عاشراً: يجب على المؤمنين أن يُقَدِّمُوا ما يريده الله على ما يريدون، فإنهم متى فعلوا ذلك أعطاهم ما يتمنون، وَبَلَّغَهُمْ ما لم يكونوا يحتسبون، وهذا ما وقع لأهل بدر، لَمَّا قَدَّمُوا ما يريده الله على ما يريدون. الحادي عشر: من الجرائم العظيمة أن يكره الإنسان ظهور الحق، أو سقوط الباطل، قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون﴾.

стр. 1607

الثاني عشر: عظمة البارئ وقدرته، إذ إن ما يريده يقع منه بكلمة، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾. وهذه الكلمة هي ما ذكره الله بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1608

الكلمة السادسة والأربعون: فوائد من قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ... ﴾ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فقد كان الكلام في الكلمة السابقة عن الآيات التي تتحدث عن خروج النبي ﷺ وأصحابه إلى بدر، ولا زال الحديث موصولاً في ذلك، قال تعالى: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيم (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُمُور (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤٢ - ٤٤]. من فوائد الآيات السابقة: الفائدة الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ

стр. 1609

الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ العدوة هي: طرف الوادي، والركب المراد به عير أبي سفيان، وهذا التصوير البليغ له من الفوائد: أ - بيان الحال لمن بعد، ولم يستطع الوقوف على موقع المعركة، فهذا الوصف العجيب يجعله كأنه يرى ويُشاهد. ب - قوله تعالى: ﴿الدُّنْيَا﴾ أي الأقرب إلى المدينة، و ﴿الْقُصْوَى﴾ أي الأبعد بالنسبة للمدينة، وبالتالي فهي الأقرب إلى مكة، والمعنى أن كل فريق يستطيع العودة إلى بلده، ليس بينه وبينها حائل يمنعه، ومع ذلك نفذت مشيئة الله بالتقاء الفريقين: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون﴾. الفائدة الثانية: قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾، قال الرازي: «لا شك أن عسكر الرسول ﷺ في أول الأمر كانوا في غاية الخوف، والضعف؛ بسبب القلة، وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدين عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضاً رملية تغوص فيها أرجلهم، وأما الكفار فكانوا في غاية القوة؛ بسبب الكثرة في العدد؛ وبسبب حصول الآلات، والأدوات؛ لأنهم كانوا قريبين من الماء؛ ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي، ولأن العير كانت خلف ظهورهم، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة. ثم إنه تعالى قلب القصة، وعكس القضية، وجعل الغلبة للمسلمين، والدمار على الكافرين، فصار ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البيانات على صدق محمد ﷺ فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر.

стр. 1610

الفائدة الثالثة: قوله تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾ إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البينة هذه المعجزة» (١). الفائدة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ يحتمل أن المراد بذلك الزمان، والمكان، ويحتمل أن المراد الزمان فقط، والثاني أرجح. الفائدة الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ فيه من الفوائد أن الله تعالى قدَّر الأشياء قبل وقوعها، وهو صريح قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢]. وهذه إحدى مراتب القدر التي يجب الإيمان بها. الفائدة السادسة: أن الأخذ بالأسباب المشروعة أمر مشروع، كل بحسبه، فإن الرب جل وعلا مع علمه بما سيقع، لم يمنعهم من أخذ الأسباب التي يرونها. الفائدة السابعة: قوله تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾، أراد كأن يظهر بوقوع هذه المعركة على هذا النحو، أن محمداً وأصحابه على الحق، وأن عدوهم على الباطل؛ إقامةً للحجة، وقطعاً للأعذار. الفائدة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيم﴾ فيها:

стр. 1611

أ - إثبات اسمين لله تعالى من أسمائه الحسنى التي يُدعى بها. ب - أن هذين الاسمين الكريمين تضمنا صفتين عظيمتين، الأولى: السمع، الثانية: العلم. الفائدة التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ فيها من الفوائد: أ - إن الرؤيا الصالحة من الله. ب - رؤيا الأنبياء وحي من الله. ج - إن رؤية النبي ﷺ لهم كانت في المنام لا في اليقظة (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1612

الكلمة السابعة والأربعون: المعجزات والكرامات في غزوة بدر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فلقد كانت غزوة بدر من معارك الإسلام الفاصلة، وقد تجلَّت فيها الكثير من المعجزات والكرامات العظيمة، فمن ذلك: أولاً: سماع المشركين كلام النبي ﷺ وخطابه وهم أموات في القليب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي طلحة ﵁: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ (١) مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ، خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ (٢)، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ: «أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ »

стр. 1613

قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا» (١). ثانياً: تحديد مصارع القوم: روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كان عمر يحدثنا عن أهل بدر فقال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ، يَقُولُ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَؤُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ» (٢). ثالثاً: نزول المطر عليهم بالقدر الذي يحتاجونه من غير زيادة ولا نقصان: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁ وهو يحدث عن ليلة بدر: «أَصَابَنَا مِنَ اللَّيْلِ طَشٌّ مِنْ مَطَرٍ، فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرِ وَالْحَجَفِ - أي الترس - نَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو رَبَّهُ» (٣). قال ابن القيم ﵀: «أنزل الله في تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم، وكان على

стр. 1614

المسلمين طلاً طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل» (١). قال الشيخ محمد رشيد رضا: «لولا هذا المطر لما أمكن المسلمين القتال؛ لأنهم كانوا رجالة ليس فيهم إلا فارس واحد هو المقداد - كما تقدَّم - وكانت الأرض دهاساً تسيخ فيها الأقدام أو لا تثبت عليها» (٢). رابعاً: استجابة الله لدعاء نبيه على من كان يؤذيه بمكة من كفار قريش حتى قتلوا مع إخوانهم الكفرة ببدر: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ﵁ قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا (٣) وَدَمِهَا وَسَلَاهَا (٤) فَيَجِيءُ بِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ، حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ﵂ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1615

الصَّلَاةَ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»، ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ ابْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً» (١). خامساً: إعانة بعض المسلمين بالملائكة على أسر العدو: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁ وفيه: «فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَصِيرٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسِيرًا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أَسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ (٢) مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (٣) مَا أُرَاهُ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اسْكُتْ، فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: فَأَسَرْنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْعَبَّاسَ وعَقِيلًا وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ» (٤). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم بدر: «هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَاسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَدَاةُ
следующие страницы →