← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

أ - إثبات اسمين لله تعالى من أسمائه الحسنى التي يُدعى بها. ب - أن هذين الاسمين الكريمين تضمنا صفتين عظيمتين، الأولى: السمع، الثانية: العلم. الفائدة التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ فيها من الفوائد: أ - إن الرؤيا الصالحة من الله. ب - رؤيا الأنبياء وحي من الله. ج - إن رؤية النبي ﷺ لهم كانت في المنام لا في اليقظة (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1612

الكلمة السابعة والأربعون: المعجزات والكرامات في غزوة بدر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فلقد كانت غزوة بدر من معارك الإسلام الفاصلة، وقد تجلَّت فيها الكثير من المعجزات والكرامات العظيمة، فمن ذلك: أولاً: سماع المشركين كلام النبي ﷺ وخطابه وهم أموات في القليب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي طلحة ﵁: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ (١) مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ، خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ (٢)، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ: «أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ »

стр. 1613

قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا» (١). ثانياً: تحديد مصارع القوم: روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كان عمر يحدثنا عن أهل بدر فقال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ، يَقُولُ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَؤُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ» (٢). ثالثاً: نزول المطر عليهم بالقدر الذي يحتاجونه من غير زيادة ولا نقصان: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁ وهو يحدث عن ليلة بدر: «أَصَابَنَا مِنَ اللَّيْلِ طَشٌّ مِنْ مَطَرٍ، فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرِ وَالْحَجَفِ - أي الترس - نَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو رَبَّهُ» (٣). قال ابن القيم ﵀: «أنزل الله في تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم، وكان على

стр. 1614

المسلمين طلاً طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل» (١). قال الشيخ محمد رشيد رضا: «لولا هذا المطر لما أمكن المسلمين القتال؛ لأنهم كانوا رجالة ليس فيهم إلا فارس واحد هو المقداد - كما تقدَّم - وكانت الأرض دهاساً تسيخ فيها الأقدام أو لا تثبت عليها» (٢). رابعاً: استجابة الله لدعاء نبيه على من كان يؤذيه بمكة من كفار قريش حتى قتلوا مع إخوانهم الكفرة ببدر: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ﵁ قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا (٣) وَدَمِهَا وَسَلَاهَا (٤) فَيَجِيءُ بِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ، حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ﵂ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1615

الصَّلَاةَ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»، ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ ابْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً» (١). خامساً: إعانة بعض المسلمين بالملائكة على أسر العدو: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁ وفيه: «فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَصِيرٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسِيرًا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أَسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ (٢) مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (٣) مَا أُرَاهُ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اسْكُتْ، فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: فَأَسَرْنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْعَبَّاسَ وعَقِيلًا وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ» (٤). وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم بدر: «هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَاسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَدَاةُ

стр. 1616

الْحَرْبِ» (١). وفي رواية: «عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» (٢) (٣). سادساً: إنزال النعاس عليهم: قال تعالى ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]. روى أبو يعلى في مسنده من حديث أبي طلحة ﵁ قال: «لَقَدْ سَقَطَ السَّيْفُ مِنِّي يَوْمَ بَدْرٍ لِمَا غَشِيَنَا مِنَ النُّعَاسِ. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]» (٤). قال ابن كثير: «يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أماناً أمَّنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم، وقلة عددهم ... إلخ» (٥). سابعاً: أن الله تعالى أراهم العدو أقل مما هم عليه: لتقوى قلوبهم على حربهم، ويشجعهم على مواجهتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُمُور (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤٤]. قال ابن جرير: «إذ يُري الله نبيه في منامه المشركين قليلاً، وإذ يريهم الله المؤمنين إذ لقوهم في أعينهم قليلاً، وهم كثير عددهم،

стр. 1617

ويقلل المؤمنين في أعينهم ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم» (١). ثامناً: اختصاص أبي بكر وعلي بكرامة من الله، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁ قال: «قِيلَ لِعَلِيٍّ وَلِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ: مَعَ أَحَدِكُمَا جِبْرِيلُ، وَمَعَ الْآخَرِ مِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَشْهَدُ الْقِتَالَ، أَوْ قَالَ: يَشْهَدُ الصَّفَّ» (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1618

الكلمة الثامنة والأربعون: غزوة بدر مشاهد وأحداث من أرض المعركة (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: كان يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة يوم بدر الأغر، اليوم الذي دارت فيه رحى الحرب بين حزب الله وحزب الشيطان، فحين أصبح النبي ﷺ وطلع الفجر نادى في أصحابه: «الصَّلَاةُ عِبَادَ اللَّهِ»، فصلى بهم صلاة الصبح، ثم حرَّضهم على القتال، وصف أصحابه صفوفاً، وألقى إليهم التوجيهات التي يلقيها القائد عادة إلى الجيش قبل اللقاء، بعد ذلك انصرف ﷺ إلى مقر القيادة، وهو العريش الذي بُني له، والذي يعتبر بمثابة غرفة العمليات اليوم، ينتظر إقبال جيش العدو، تاركاً له فرصة التفكير في مصير هذا اللقاء أو البدء بالقتال والبغي والاعتداء، حيث علم ﷺ أن البادي بالظلم مغلوب، وأن الباغي مهزوم، وأن المظلوم مُعان ومنصور (١). وكان النبي ﷺ قبل ذلك أمر بالآبار التي حول بدر فدفنت، ثم

стр. 1619

بنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه ومُليء ماءً، وكانت بدر مقراً لاجتماع الناس، وبها سوق من أسواق الجاهلية، وتقع على مفترق طرق، حيث يتوارد لها العرب من كل ناحية، وتبعد عن المدينة في وقتنا المعاصر مائة وثلاثة وخمسين كيلو متر تقريباً. بداية المعركة: خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلاً شرساً، سيئ الخلق، فقال: أُعَاهِدُ اللهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ، أَو لَأُهَدِّمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ؛ خَرَجَ إِلَيهِ حَمزَةُ بْنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، فَلَمَّا التَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَأَطَنَّ (١) قَدَمَهُ بِنِصفِ سَاقِهِ وَهُوَ دُونَ الحَوضِ، فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخُبُ (٢) رِجْلُهُ دَماً نَحوَ أَصحَابِهِ، ثُمَّ حَبَا إِلَى الحَوْضِ حَتَّى اقتَحَمَ فِيهِ، يُرِيدُ - زعم - أَنْ يَبِرَّ يَمِينَهُ، وَأَتْبَعَهُ حَمْزَةَ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الحَوْضِ (٣). ثم أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ فيهم حكيم بن حزام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعُوهُم»، فَمَا شَرِبَ مِنهُ رَجُلٌ يَومَئِذٍ إِلَّا قُتِلَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامْ فَإِنَّهُ لَم يُقتَل، ثُمَّ أَسلَمَ بَعدَ ذَلِكَ فَحَسُنَ إِسلَامَهُ، فَكَانَ إِذَا اجتَهَدَ فِي يَمِينِهِ قَالَ: لَا وَالَّذِي نَجَّانِي مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ (٤).

стр. 1620

وكانت المبارزة أول شيء بدئ فيه من القتال يوم بدر، وجرت العادة أنه لا يخرج للمبارزة إلا الشجعان من الرجال، وهذا ما حصل في بدر. قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيم (١٩)﴾ [الحج: ١٩]. روى البخاري في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). وروى البخاري بسنده عن علي ﵁ أنه قال: «فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ» (٣). وروى البخاري بسنده إلى أبي إسحاق، سَأَلَ رَجُلٌ البَرَاءَ وَأَنَا أَسمَعُ، قَالَ: أَشَهِدَ عَلِيٌّ بَدْراً؟ قَالَ: بَارَزَ وَظَاهَرَ (٤) (٥). وروى أبو داود من حديث علي ﵁ قال: «تَقَدَّمَ عُتْبَةَ ابْنَ رَبِيعَةَ وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ، فَنَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ، إِنَّمَا

стр. 1621

أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ»، فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ» (١). من مشاهد وأحداث المعركة: مقتل أبي جهل لعنه الله: وأبو جهل عمرو بن هشام ما هو إلا حلقة من حلقات الظلم والطغيان ضد الحق، فمثله كثير. إن فرعون موسى انتهى بالغرق، وقوم هود، وصالح، ولوط هلكوا، وكل ظالم متكبر لا بد أن ينتهي تلك النهاية المؤلمة. قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وانتهى أبو جهل، ورمي بالقليب بعد تلك الكبرياء التي أرادها للباطل على الحق، ولكن التاريخ البشري يشهد أن الحق هو الذي يبقى، وقديماً قيل: «دَوْلَةُ البَاطِلِ سَاعَةٌ، وَدَوْلَةُ الْحَقِّ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ» (٢). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: «بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ

стр. 1622

بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ»، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَكَانَا مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ، وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو ابْنِ الجَمُوحِ» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: «مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟ » فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، قَالَ: أَأَنْتَ أَبَو جَهْلٍ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بلِحْيَتِهِ، قَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أو رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ» (٢). قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلِزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَوْ غَيْرَ أَكَارٍ قَتَلَنِي (٣)،

стр. 1623

وفي رواية أخرى للبخاري: وَهَلْ أَعْمَدُ (١) مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ (٢). وقال أيضاً لابنِ مَسعُودٍ: لَقَدِ ارتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْباً يَا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ، وَسَأَلَ قَائِلاً: لِمَنِ الدَّائِرَةُ اليَومَ؟ قَالَ ابنُ مَسعُودٍ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (٣). ومن المشاهد والأحداث: قتل رأس الكفر أمية بن خلف: قُتل أمية بن خلف السيد المطاع على يد بلال الحبشي الذي طالما عذبه بمكة، تلك الأنات التي يطلقها بلال: أَحَدٌ، أَحَد، لم تذهب سدًى، إنها سياط في وجه الظلم الكالح في كل زمان ومكان، ويثأر بلال، ولكن الثأر لم يكن لنفسه، وإنما هو للحق الذي يحمله بين جنبيه، وينتهي العدوان، ويرى أهله مصيرهم، والعاقبة للمتقين. رحم الله بلالاً، فقد أعطى القدوة مرتين: الأولى: لتحمله العذاب والقهر في دين الله، فكان أقوى من الحديد، وأشد من الفولاذ. الثانية: إذاقته لأعداء الله كأس المَنِيَّةِ من يده، ليثبت للدنيا كلها، وللتاريخ البشري انتصار الحق والإيمان على الكفر والعدوان (٤). قال الشاعر: هَنِيئاً زَادَكَ الرَّحمَنُ خَيْراً ... لَقَدْ أَدْرَكْتَ ثَارَكَ يَا بِلَالُ

стр. 1624

ولقد أخبر النبي ﷺ أصحابه بقتل أمية بن خلف، فكان كما قال، روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: «كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا، بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ (١) حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا، خَلَّفْتُ لَهُمْ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا، وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا، فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ، فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ» (٢) (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1625

الكلمة التاسعة والأربعون: غزوة بدر مشاهد وأحداث من أرض المعركة (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: تقدم في الكلمة السابقة الحديث عن مشاهد وأحداث من غزوة بدر المباركة، ولا زال الحديث موصولاً في ذلك. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ»، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا»، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ (١) فَجَعَلَ يَاكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا

стр. 1626

كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ» (١). ومن المشاهد والأحداث: ما روى البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير ﵁ قال: «قَالَ الزُّبَيْرُ: لَقِيتُ يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ مُدَجَّجٌ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُكْنَّى أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالْعَنَزَةِ (٢) فَطَعَنْتُهُ فِي عَيْنِهِ فَمَاتَ. قَالَ هِشَامٌ: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ الزُّبَيْرَ قَالَ: لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي عَلَيْهِ، ثُمَّ تَمَطَّاتُ، فَكَانَ الْجَهْدَ أَنْ نَزَعْتُهَا، وَقَدْ انْثَنَى طَرَفَاهَا. قَالَ عُرْوَةُ: فَسَأَلَهُ إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلَهَا إِيَّاهُ عُمَرُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُبِضَ عُمَرُ أَخَذَهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا عُثْمَانُ مِنْهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَقَعَتْ عِنْدَ آلِ عَلِيٍّ، فَطَلَبَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث عروة ﵁ قال: «كَانَ فِي الزُّبَيْرِ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ، إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأُدْخِلُ أَصَابِعِي فِيهَا، قَالَ: ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَوَاحِدَةً يَوْمَ الْيَرْمُوكِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَقَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ حِينَ قُتِلَ

стр. 1627

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يَا عُرْوَةُ: هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ الزُّبَيْرِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِيهِ؟ قُلْتُ: فِيهِ فَلَّةٌ (١) فَلَّهَا يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: صَدَقْتَ، بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ (٢)، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى عُرْوَةَ. قَالَ هِشَامٌ: فَأَقَمْنَاهُ بَيْنَنَا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَأَخَذَهُ بَعْضُنَا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَخَذْتُهُ» (٣). قال الحافظ في الفتح: «قوله: صدقت بهن فلول من قراع الكتائب هذا شطر من بيت مشهور من قصيدة مشهورة للنابغة الذبياني، وأولها: كليني لِهَمِّ يَا أُمَيْمَة نَاصب ولَيلٍ أُقَاسِيه بِطِيءِ الكَوَاكِبِ ولا عَيْبَ فِيْهم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم بِهِنَّ فلُولُ مِن قِراعِ الكَتَائِبِ وهو من المدح في معرض الذم، لأن الفل في السيف نقص حسي لكنه لما كان دليلاً على قوة ساعد صاحبه، كان من جملة كماله» (٤). وفي رواية أخرى عن عروة ﵁ قال: «كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ» (٥). وروى البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير ﵁: «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لِلزُّبَيْرِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ: أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي إِنْ شَدَدْتُ كَذَبْتُمْ، فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى شَقَّ صُفُوفَهُمْ، فَجَاوَزَهُمْ وَمَا مَعَهُ أَحَدٌ، ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا،

стр. 1628

فَأَخَذُوا بِلِجَامِهِ، فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ، بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ عُرْوَةُ: كُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ، قَالَ عُرْوَةُ: وَكَانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ، وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلًا» (١). ومنها شجاعة حمزة ﵁: روى ابن إسحاق بسنده: «أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ مِنْكُمُ المُعَلِّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: ذَاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الأَفَاعِيلَ» (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث وحشي قال: «إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ» (٣). لقد انتهت معركة بدر بنصرٍ حاسمٍ للمسلمين، فقد قتلوا سبعين من قادة قريش وساداتهم وأسروا سبعين، وحصلت في هذه المعركة المعجزات والكرامات العظيمة التي أيد الله بها المؤمنين، وجاء دور الغنائم، فلقد خلفت قريشٌ الكثير منها، ومن هذه الغنائم أموال المهاجرين التي تركوها في مكة، وانتزعها المشركون منهم، وهذه الغنيمة التي حصلت للمسلمين هي فضلٌ من الله يعطيه لأوليائه إذ مكنهم من رقاب أعدائهم قتلاً وأسراً، ومن أموالهم غنيمةً طيبةً للمؤمنين.

стр. 1629

وكان انهزام القوم وتوليهم حين زالت الشمس عند الغروب من يوم الجمعة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْراً، فَالتَقَى النَّاسُ فَهَزَمَ اللهُ العَدُوَّ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي آثَارِهِمْ يُطَارِدُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَى المَغْنَمِ يَحُوزُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يُصِيبُ العَدُوُّ مِنهُ غَرَّةً، وجاء في آخر الحديث: فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (١)﴾» (١) (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1630

الكلمة الخمسون: اتباع الهوى الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فمن الخصال المذمومة التي تلقي بصاحبها في مهاوي الردى، وتعمي بصيرته، فيصبح لا يفرق بين حق ولا باطل، ولاخير وشر .. اتباع الهوى. قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. قال ابن كثير: «أي: مهما استحسن من شيء ورأه حسناً في هوى نفسه كان دينه ومذهبه (١) كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]». وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقد ذكر الله تعالى في كتابه حال هؤلاء المتبعين لأهوائهم، وأن الحال يصل بهم إلى أن يكونوا كالأنعام بل أضل، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٤٤) [الفرقان: ٤٤].

стр. 1631

وإن من اتباع الهوى ما يفعله بعض الناس من البحث عن الرُّخَصِ المخالفة للشرع والفتاوى الشاذة، وزلات العلماء، ويلوون أعناق النصوص من أجل ذلك، وإذا كانت النصوص توافق أهواءهم رضوا وسَلَّمُوا ولم يجادلوا، وقد ذكر الله في كتابه هذا الصنف فقال: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُون (٤٨) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِين (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٥٠)﴾ [النور: ٤٧ - ٥٠]. لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته، فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها هدم القوانين والدساتير جميعاً فالقانون المرعي - عنده في الحقيقة - هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب (١). والهوى يُعْمِي ويُصِمُّ صاحبه عن الحق، روى مسلم في صحيحه عن حذيقة بن اليمان ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا (٢)، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا (٣) نُكِتَ (٤) فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ

стр. 1632

فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا (١) كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا (٢)، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (٣). وقد نهى الله ﵎ نبيه عن اتباع الهوى، فقال سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾ [الشورى: ١٥]. وكان النبي ﷺ يتعوذ بالله من اتباع الهوى، فروى الترمذي في سننه من حديث قطبة بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ» (٤). وأخبر النبي ﷺ أن اتباع الهوى من المهلكات، روى البزار في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «المُهْلِكَاتُ ثَلَاثٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ المَرءِ بِنَفْسِهِ» (٥). قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُم: طُولُ الأَمَلِ، وَاتِّبَاعُ الهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ» (٦).

стр. 1633

وقد وردت أقوال كثيرة عن السلف تحذر من تتبع زلات العلماء، والأقوال الشاذة، قال سليمان التيمي: «لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله» (١)، وقال الإمام الأوزاعي: «من أخذ بنوادر العلماء (أي الأقوال النادرة) خرج من الإسلام» (٢)، وقال عمر ابن الخطاب ﵁: «ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ العَالِمِ، وَجِدَالُ المُنَافِقِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ» (٣)، وقال ابن حزم الأندلسي: «وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ » (٤) اهـ. وروى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: «دخلت على المعتضد بالله فدفع إِلَيَّ كتاباً فنظرت فيه فإذا قد جمع له من الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل واحد منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر - النبيذ - لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب» (٥). اهـ. وقد شدد العلماء في الإنكار على من تتبع الرخص وشواذ

стр. 1634

الأقوال، حيث وصفوه مرة بأنه شر عباد الله كما ذكر ذلك عبد الرزاق عن معمر (١)، وتارة وصفوه بالفسق كما نص عليه ابن النجار، فقال: يحرم على العامي تتبع الرخص ويُفسق به (٢)، وقال الغزالي: ليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع (٣). وبعض الناس إذا أراد أن يستفتي يسأل في كل مسألة من عُرِفَ بالتساهل فيها، والإفتاء بغير ما عليه جماهير العلماء، فإذا دُلَّ على العلماء الذين يفتون بالكتاب والسنة؛ قال: إن هؤلاء لا يعرفون إلا لغة التحريم، كل شيء عندهم حرام، فهذا وأمثاله اتخذوا دينهم لعباً ولهواً والله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، ولم يقل كما أردت، قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أن العامي لا يجوز له تتبع الرخص» (٤). قال محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» (٥). أما قول بعضهم: ضع بينك وبين النار مُطَوَّعٍ، فهذا القول لا يكون صحيحاً إلا بسؤال أهل العلم المعروفين بالتقوى، وأن يكون القصد

стр. 1635

من السؤال معرفة الحق والعلم الذي يرضي الله تعالى (١). ومن الأمثلة على تتبع زلات العلماء وترك ما قال به جمهور أهل العلم، ودلت عليه النصوص الصريحة: الذين يأخذون بقول من قال بإباحة الغناء، ويتركون من قال بتحريمه، كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وجماهير أهل العلم من المتقدمين، والمتأخرين. ومنهم: الذين يأخذون بقول من قال من المعاصرين بجواز حلق اللحية، ويتركون النصوص الصريحة التي وردت في الصحيحين وغيرها من الكتب الستة بالأمر بإعفائها، وهو قول جمهور أهل العلم من المتقدمين، والمتأخرين، بل لم يعرف حلق اللحية إلا في العصور المتأخرة. ومنهم: الذين يأخذون بقول من قال من المعاصرين بجواز إسبال الثياب من غير خيلاء، ويتركون النصوص الصريحة التي وردت في الصحيح وغيره بتحريم ما أسفل من الكعبين من الإزار. وما ذكرته غَيْضٌ مِن فَيضٍ، وَقَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، أسأل الله تعالى أن يرزقنا التجرد للحق، وأن يبعدنا عن اتباع الهوى، وأن يجعلنا ممن يسارعون إلى تنفيذ أمر الله ورسوله راضين مسلمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1636

الكلمة الواحدة والخمسون: الفقه في الدين وفضله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فقد وردت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تحث المسلم على التفقه في الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١). قال بعض أهل العلم: مَنْ لَمْ يُفَقَّهْ فِي الدِّينِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ اللَّهُ خَيْرًا. وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً

стр. 1637

أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَاسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (١). قال العلَّامة صدِّيق حسن خان ﵀: «والفقه في دين الله هو الفهم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وكان الفقيه في سلف هذه الأمة من اتصف بفهمها» (٢). اهـ. مختصراً. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا» (٣). ومن الفقه في الدين الوصول إلى الأجر العظيم بالعمل القليل، أو بمعنى آخر: معرفة الطرق للحصول على الأجر الجزيل، فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَاذِنِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: «أَوَ فَعَلْتِ؟ » قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» (٤). ففي هذا الحديث بيَّن النبي ﷺ لأم المؤمنين ميمونة أن العتق مع الفضل العظيم الذي ورد فيه إلا أن الأفضل منه أن تُعطي هذه الأمة

стр. 1638

لأخوالها فتخدمهم، فإن ذلك فيه صلة رحم. ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ عَنْ جُوَيْرِيَةَ أُم المُؤمنِين ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ » قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١). هذا الحديث يبيِّن أن أم المؤمنين جويرية ﵂ كانت تذكر الله من صلاة الصبح إلى وقت الضحى وهو وقت طويل، فأخبرها النبي ﷺ أنه بكلمات يسيرة لا تتجاوز دقائق معدودة قد حصل على أجر أعظم من أجرها في ذلك الوقت الطويل. ومنها ما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّه ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» (٢).

стр. 1639

الشاهد أن الذي أعاد الوضوء والصلاة عمل عملاً أكثر من صاحبه الذي لم يُعِدْ واقتصر على صلاة واحدة، ومع ذلك كان أعظم أجراً بإصابته السنة. وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن من مداخل الشيطان على المؤمن إشغاله بالمفضول على الفاضل، بمعنى أن هناك أعمالاً صالحة أجرها عظيم فيشغله بأعمال صالحة أخرى أقل أجراً من الأولى. ومن الفقه في الدين معرفة الفاضل وتقديمه على المفضول، ومن ذلك ورود عملان صالحان في وقت واحد، فمن الفقه تقديم ما يفوت وقته أو حاله على ما لا يفوت، وذلك كمن سمع الأذان وهو يقرأ القرآن فمن الفقه في الدين تقديم متابعة الأذان على القراءة لأن الأذان يفوت وقته، وقراءة القرآن يمكن تداركها. ومن ذلك تقديم ما نفعه مُتَعَدٍّ إلى الغير على ما نفعه قاصر على صاحبه، كتعليم العلم وتفضيله على العبادة، وفي الحديث: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» (١)، وقوله ﷺ : «فَضْلُ العِلْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ» (٢). ومن الفقه في الدين تقديم ما هو أساس لغيره وغيره يُبنى عليه، كتقديم طلب العلم على نوافل الصلاة والصيام وغيرها.

стр. 1640

ومن الفقه تقديم ما تنشط له النفس ويكون إقبالها على فعله أعظم، ومن ذلك إفطار يوم عرفة للحاج مع ما جاء في صيامه من الفضل. ومنه الاختيار المناسب للحال، قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. قال العلماء: إن صدقة السر أفضل، فإذا كان في إظهارها مصلحة كاقتداء الغير ونحوه كان الإظهار أفضل، وقس على ذلك موفقاً. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1641

الكلمة الثانية والخمسون: خطر الطائفة النصيرية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أعداء المسلمين من الكفار يمكرون ويخططون الليل والنهار للقضاء على الإسلام وأهله، ومن خططهم الخبيثة زرع الفرق الضالة في بلاد المسلمين حتى يضعفوا شوكتهم ويسيطروا على ثرواتهم ويبعدوهم عن دينهم وأخلاقهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. ومن هذه الفرق الباطنية التي غرسها الاستعمار في بلاد المسلمين فرقة النصيرية وهي من أخبث الفرق الباطنية، وسأذكر بعضاً من معتقداتها وأهدافها ونشأتها وخطرها على الإسلام والمسلمين للعلم والحذر. أما تعريف النصيرية: فهم اتباع محمد بن نصير النميري، وسميت بهذا الاسم نسبة إليه، وهم من غلاة الشيعة الذين أَلَّهُوا علي بن أبي طالب، وقد انبثقوا من الاثني عشرية الرافضة. نشأتها: لما توفي الحسن العسكري الذي تَدَّعِي الرافضة أنه إمامها الحادي عشر، اجتمع الغلاة من المنتمين إليه، وادَّعَوا أن له ولداً اختفى في سرداب بمنزل أبيه (سامراء) وأنه الإمام بعد أبيه، وخرج مجموعة من

стр. 1642

غلاة الشيعة كل يدَّعي أنه هو الواسطة بين هذا الإمام الغائب في السرداب في زعمهم وبين الشيعة، ومن هؤلاء: محمد بن نصير الذي سمي أتباعه فيما بعد بالنصيرية نسبة إليه، ونشأت النصيرية من ذلك الوقت. أسماؤها: كانوا يدعون بالنميرية، ثم اتخذوا اسم النصيرية منذ عهد شيخهم الخصي وكانوا يسمون أنفسهم المؤمنين، وفي فترة الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام تسموا بالعلويين. مواطنهم: يسكن النصيرية في جبال اللاذقية، وحماه، وحمص من سوريا، وفي لواء الإسكندرونة، وطرسوس، وأدنه أو أطنه (في تركيا حالياً) وفي كردستان وغيرها. طوائفهم: ينقسم النصيرية إلى أربع طوائف: ١ - الحيدرية: نسبة إلى حيدر لقب علي بن أبي طالب. ٢ - الشمالية: وهم يقولون إن علياً يسكن في الشمس، ويقال لهم: الشمسية. ٣ - الكلازية أو القمرية: ويعتقدون أن علياً يقيم في القمر. ٤ - الغيبية: يقولون إن الله تَجَلَّى ثم اختفى، والزمان الحالي هو زمان الغيبية، ويقررون أن الغائب هو الله الذي هو علي: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَاّ كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]. وليس بين هذه الطوائف اختلاف في أصول العقيدة الباطنية كتأليه علي والتناسخ والحلول، فالاختلاف بينهم في مَقَرِّهِ، بعضهم يجعل مَقَرَّهُ القمر، وبعضهم الشمس.

стр. 1643

أشهر رجالاتها: مؤسس المذهب النصيري هو محمد بن نصير النميري، ثم تولى المذهب بعده محمد بن جندب، ثم الحسين ابن حمدان الخصيبي الذي يعتبر الشيخ الأعظم عند النصيرية. عقائدهم الأساسية: تتلخص عقائدهم الأساسية فيما يلي: ١ - علي بن أبي طالب إله عندهم يسكن السحاب، والرعد صوته، والبرق ضحكه، وهم بهذا يعظمون السحاب، ومنهم من يعتقد أن علياً حال في القمر أو الشمس - كما مر -. ٢ - تناسخ الأرواح عندهم عقيدة من عقائدهم، فالذين لا يعبدون علياً يولدون في زعمهم من جديد على شكل إبل وحمير، أما المؤمن وهو عندهم من يعبد علياً فيتحول سبع مرات ثم يأخذ مكانه بين النجوم، ومن ينحرف منهم يولد من جديد حتى يتطهر أو يُكفر عن سيئاته. ٣ - إنكار البعث، والنشور، والجنة، والنار، والقول بقدم العالم كما يعتقد الدهرية الزنادقة. عبادتهم وأركان الإسلام عندهم: ١ - الشهادة هي أن تشير إلى صيغة (ع - م - س) وهي رمز لعلي، ومحمد وسلمان، وهي أشبه بعقيدة التثليث عند النصارى. ٢ - الصلوات الخمس عبارة عن خمس أسماء وهي علي، وحسن، وحسين ومحمد، وفاطمة، وذكر هذه الأسماء الخمسة على رأيهم يجزيهم عن الغسل من الجنابة، والوضوء وبقية شروط الصلاة، وواجباتها.

стр. 1644

٣ - الزكاة ويرمز لها بشخصية سلمان. ٤ - الصوم وهو حفظ السر المتعلق بثلاثين رجلاً من رجالهم تمثلهم أيام رمضان، وثلاثين امرأة من نسائهم تمثلهم ليالي رمضان. ٥ - الجهاد وهو صب اللعنات على الأعداء ويقولون: إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب ويليه في رتبة الإبليسية أبو بكر ثم عثمان ﵃ أجمعين .. إلى غير ذلك من المعتقدات الفاسدة. فضائح النصيرية: النصيرية يبيحون شرب الخمر والزنا، ولهم ليلة يختلط فيها الرجال والنساء، ويحبون (عبد الرحمن بن ملجم) قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويترضون عنه لزعمهم بأنه قد خلص اللاهوت من الناسوت وَيُخَطِّئُونَ من يلعنه. تاريخ النصيرية: حافل بالمؤامرات والمكائد للمسلمين، فقد كانوا مع الأعداء دائماً ضد المسلمين كما حصل في أيام التتار وغزو بلاد المسلمين، قال تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]. وقد رأينا وسمعنا وقرأنا عبر وسائل الإعلام ما يحصل لإخواننا أهل السنة في بلاد الشام من قتل، وسجن، وتعذيب، وانتهاك للحرمات، وتمزيق المصاحف، وضرب المساجد على أيدي النظام النصيري الحاقد، وما مجازر المسلمين في سجن تدمر وحماة وغيرها من بلاد الشام والتي قُتل فيها الآلاف من المسلمين؛ أكبر شاهد على جرائمهم الخبيثة، وحقدهم على الإسلام والمسلمين.

стр. 1645

وقد اتفق علماء الإسلام على كفر النصيرية، وأنه لا تجوز مناكحتهم، ولا تحل ذبائحهم، ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «هم أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والإفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر، ولا نهي، ولا ثواب، ولا عقاب، ولا جنة، ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ، ولا بملة من الملل السابقة، وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض، ولا يحل لأحد من المسلمين أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم، بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، ولا يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بأمر الله ورسوله، ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والتعاون على كشف شرهم، وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]» (٢). وقال في موضع آخر: «وهذه الطائفة الملعونة استولت على

стр. 1646

جانب كبير من بلاد الشام (وهم) معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب، وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم، ومن عامة الناس أيضاً في هذا الزمان، لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الإفرنج المخذولين على البلاد الساحلية، فلما جاءت أيام الإسلام انكشف حالهم وظهر ضلالهم، والابتلاء بهم كثير جداً» (١). اهـ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1647

الكلمة الثالثة والخمسون: التحذير من الغفلة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فمن الصفات المذمومة التي ذمها الله ورسوله: الغفلة، قال تعالى عن الكفار: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون (٧)﴾ [الروم: ٧]، وقال تعالى عن فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُون (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون (٧) أُوْلَئِكَ مَاوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٨)﴾ [يونس: ٧ - ٨]. قال ابن فارس: «الغفلة غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له، وقد استعمل فيمن تركه إهمالاً وإعراضاً كما في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُون (١)﴾ [الأنبياء: ١]» (١). وقد نهى الله ﵎ نبيه عن الغفلة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].

стр. 1648

وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وقد تكون الغفلة عن الله عقوبة من الله للعبد على معصيته، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون (١٠٨)﴾ [النحل: ١٠٨]. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵄ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (١). قد يقول قائل: ما هي أسباب الغفلة حتى يجتنبها المؤمن؟ أقول: إن من هذه الأسباب: أولاً: الانقطاع الكثير عن زيارة القبور، وتذكر الموت والدار الآخرة: قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر (٢)﴾ [التكاثر: ١ - ٢]. قال ابن كثير ﵀: «أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُور (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]» (٢).

стр. 1649

روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ - يَعْنِي الْمَوْتَ -» (١). وروى مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (٢). فينبغي للمؤمن أن يكون على استعدادٍ للقاء ربه وألا يكون في غفلةٍ فإن أمامه أهوالاً وأموراً عظيمةً فهناك الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والنفخ في الصور، والبعث بعد الموت، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان، وغير ذلك من الأهوال العظيمة، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيد (٢٠) وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد (٢١) لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد (٢٢)﴾ [ق: ٢٠ - ٢٢]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذَرٍّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ (٣) تَجْأَرُونَ (٤) إِلَى اللَّهِ» (٥).

стр. 1650

قال الشاعر: أَمَا والله لَوْ عَلِمَ الأنَامُ ... لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا ونَامُوا لَقَدْ خُلِقُوا لأَمْرٍ لَوْ رَأَتْهُ ... عُيُون قُلُوبِهِمْ تَاهُوا وَهَامُوا مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ ... وتَوْبِيخُ وأَهْوَالٌ عِظَامُ لِيَوْمِ الحَشْرِ قَدْ عَمِلَتْ رِجَالٌ ... فَصَلَّوا مِنْ مَخَافَتِهِ وصَامُوا ثانياً: الانغماس في المباحات، والانشغال بالدنيا وشهواتها وملذاتها والسعي في التجارات وجني الأرباح، روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ» (١). ثالثاً: الانقطاع عن مجالس الذكر وعدم المحافظة على الأذكار الشرعية في الصباح والمساء وعند دخول المسجد والخروج منه وعند الدخول إلى المنزل والخروج منه وغير ذلك من المواضع، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. قال ابن القيم ﵀: «على قدر غفلة العبد عن الذكر يكون بعده عن الله» (٢)، وقال أيضاً: «إن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين، فليختر العبد أعجبها إليه وأولاها به،
следующие страницы →