← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

جانب كبير من بلاد الشام (وهم) معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب، وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم، ومن عامة الناس أيضاً في هذا الزمان، لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الإفرنج المخذولين على البلاد الساحلية، فلما جاءت أيام الإسلام انكشف حالهم وظهر ضلالهم، والابتلاء بهم كثير جداً» (١). اهـ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1647

الكلمة الثالثة والخمسون: التحذير من الغفلة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فمن الصفات المذمومة التي ذمها الله ورسوله: الغفلة، قال تعالى عن الكفار: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون (٧)﴾ [الروم: ٧]، وقال تعالى عن فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُون (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون (٧) أُوْلَئِكَ مَاوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (٨)﴾ [يونس: ٧ - ٨]. قال ابن فارس: «الغفلة غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له، وقد استعمل فيمن تركه إهمالاً وإعراضاً كما في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُون (١)﴾ [الأنبياء: ١]» (١). وقد نهى الله ﵎ نبيه عن الغفلة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].

стр. 1648

وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وقد تكون الغفلة عن الله عقوبة من الله للعبد على معصيته، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون (١٠٨)﴾ [النحل: ١٠٨]. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵄ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (١). قد يقول قائل: ما هي أسباب الغفلة حتى يجتنبها المؤمن؟ أقول: إن من هذه الأسباب: أولاً: الانقطاع الكثير عن زيارة القبور، وتذكر الموت والدار الآخرة: قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر (٢)﴾ [التكاثر: ١ - ٢]. قال ابن كثير ﵀: «أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُور (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]» (٢).

стр. 1649

روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ - يَعْنِي الْمَوْتَ -» (١). وروى مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (٢). فينبغي للمؤمن أن يكون على استعدادٍ للقاء ربه وألا يكون في غفلةٍ فإن أمامه أهوالاً وأموراً عظيمةً فهناك الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والنفخ في الصور، والبعث بعد الموت، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان، وغير ذلك من الأهوال العظيمة، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيد (٢٠) وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد (٢١) لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد (٢٢)﴾ [ق: ٢٠ - ٢٢]. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذَرٍّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ (٣) تَجْأَرُونَ (٤) إِلَى اللَّهِ» (٥).

стр. 1650

قال الشاعر: أَمَا والله لَوْ عَلِمَ الأنَامُ ... لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا ونَامُوا لَقَدْ خُلِقُوا لأَمْرٍ لَوْ رَأَتْهُ ... عُيُون قُلُوبِهِمْ تَاهُوا وَهَامُوا مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ ... وتَوْبِيخُ وأَهْوَالٌ عِظَامُ لِيَوْمِ الحَشْرِ قَدْ عَمِلَتْ رِجَالٌ ... فَصَلَّوا مِنْ مَخَافَتِهِ وصَامُوا ثانياً: الانغماس في المباحات، والانشغال بالدنيا وشهواتها وملذاتها والسعي في التجارات وجني الأرباح، روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ» (١). ثالثاً: الانقطاع عن مجالس الذكر وعدم المحافظة على الأذكار الشرعية في الصباح والمساء وعند دخول المسجد والخروج منه وعند الدخول إلى المنزل والخروج منه وغير ذلك من المواضع، قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِين (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. قال ابن القيم ﵀: «على قدر غفلة العبد عن الذكر يكون بعده عن الله» (٢)، وقال أيضاً: «إن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين، فليختر العبد أعجبها إليه وأولاها به،

стр. 1651

فهو مع أهله في الدنيا والآخرة» (١). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث يسيرة ﵂ وكانت من المهاجرات، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفَلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» (٢). رابعاً: الانقطاع عن بيوت الله وهجر صلاة الجماعة وقراءة القرآن، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (٣٦) رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠]. روى ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو ابن العاص ﵃ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ» (٣). والمراد بهذا الحديث صلاة الليل وتعاهد القرآن حتى لا يكون من الغافلين. الخلاصة: أن من أراد أن ينجو من الغفلة: فعليه تجنب الأسباب

стр. 1652

السابقة، والإكثار من ذكر الله حتى يكون من الذاكرين، ومن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1653

الكلمة الرابعة والخمسون: محظورات الإحرام الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن من أراد العمرة أو الحج فإن عليه أن يتجنب محظورات الإحرام، والمقصود بها الأشياء التي تحرم بالدخول في النسك، وهي: أولاً: إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره: وألحق به جمهور أهل العلم شعر بقية الجسد لأن كل ذلك أخذه من التَّرَفُّهِ، ومن الأَدِلَّةِ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما اللحية فإن حلقها حرام في حال الإحرام وغيره لما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (١). ثانياً: تقليم الأظافر: قال ابن المنذر في الإجماع، وأجمعوا على أن المُحْرِمَ ممنوعٌ من أَخْذِ أَظْفَارِهِ (٢)، وقال ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: «هو وضع

стр. 1654

الإحرام من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظافر ونحو ذلك» (١)، وألحقه جمهور العلماء بحلق الشعر بجامع التَّرَفُّهِ. ثالثاً: استعمال الطيب بعد الإحرام: فَيُمْنَعُ المُحْرِمُ من استعمال الطِّيبِ في بَدَنِهِ، أو ثوبه، لحديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين فيما يُمنع منه المحرم من اللباس وفيه: «وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» (٢)، وحديث ابن عباس ﵄ أن رجلاً كان مع النبي ﷺ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَاسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٣). فهذه الأحاديث تدل على أن المحرم لا يستعمل الطيب في حال إحرامه لأنه من الترفه، وله قبل الإحرام أن يستعمل الطيب في بدنه دون لباسه ولا يضره بقاء ذلك بعد إحرامه وهذا يدخل تحت قاعدة: «يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء»، ويدل لذلك حديث عائشة ﵂ قالت: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّه ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (٤). ولحديثها الآخر: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (٥).

стр. 1655

رابعاً: تغطية المحرم رأسه ووجهه بملاصق: للحديث السابق فيما يمنع المحرم من اللباس وفيه: «وَلَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ» (١)، وحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته ناقته وهو محرم قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَاسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٢). وأما الاستظلال بغير ملاصق كالشمسية، وسقف السيارة، أوالخيمة، أوغير ذلك فلا حرج فيه، ففي صحيح مسلم أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَبِلَالًا ﵄ كَانَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَثْنَاءَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (٣). ولحديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: أنه ﷺ نزل في القبة التي ضُربت له بنمرة حتى زاغت الشمس (٤). خامساً: لبس المخيط: فلا يجوز للذَّكَر أن يلبس مخيطاً على جملته، يعني على هيئته التي فُصِّلَ وَخِيطَ عَلَيهَا كالقميص، أو على بعضه كالفانلة والسراويل والخفين والجوربين لقول النبي ﷺ : «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ» (٥).

стр. 1656

إلا إذا لم يجد إزاراً جاز له لبس السراويل، وكذا من لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين من غير قطع لحديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَاراً فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (١). ويحرم على المرأة المحرمة أن تلبس مخيطاً لوجهها كالبرقع، والنقاب، أو ليديها، كالقفازين لقول النبي ﷺ : «لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» (٢)، والقُفَّازان هما ما يخاط أو ينسج من الصوف، أو القطن، أو غيرهما على قدر اليدين، ويُباح لها من المخيط ما سوى ذلك كالقميص والسراويل والخفين والجوارب ونحو ذلك، وكذلك يباح لها سدل خمارها على وجهها إذا احتاجت إلى ذلك بلا عصابة، وإن مس الخمار وجهها فلا شيء عليها لحديث فاطمة بنت المنذر أنها قالت: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» (٣). سادساً: قتل صيد البر: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].

стр. 1657

وهذه الآيات تدل على أن المحرم من حين دخوله في الإحرام بالحج أو العمرة إلى تحلله يجب عليه الامتناع من قتل صيد البر، بل لا يجوز له المساعدة في قتله ولا دلالة غير المحرم عليه، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ بَعضِ الصَّحَابَةِ فِي سَفَرٍ وَهُم مُحرِمُونَ، وَهُوَ غَيرُ مُحرِمٍ، فَرَأَوا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً، وَأَكَلُوا مِنهَا، وَفِيهِ: ثُمَّ قُلنَا: أَنَأكُلُ لَحْمَ صَيدٍ وَنَحنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ »، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» (١). سابعاً: عقد النكاح أو الخطبة: فلا يتزوج المحرم ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة ولا يخطب النساء، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ» (٢). ثامناً: وطء يوجب الغسل: لقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والرفث: هو الجماع كما في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فمن جامع قبل التحلل الأول متعمداً فسد نسكه. تاسعاً: المباشرة فيما دون الفرج قبل التحلل الأول بتقبيل أو غيره: وفي هذه الحالة لا يفسد نسكه ولكن قد ارتكب مُحَرَّماً ويجب

стр. 1658

عليه التوبة والاستغفار، وأوجب بعض أهل العلم الفدية عليه. ومن فعل إحدى المحظورات الخمس السابقة فإن حاله لا يخلو من ثلاث: الأول: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة، فهذا آثم وعليه الفدية. الثاني: أن يفعل المحظور لحاجة إلى ذلك، فعليه الفدية ولا إثم عليه، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث كعب بن عجرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ القَمْلُ، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ »، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (١). الثالثة: أن يفعل المحظور: إما جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً، فلا إثم عليه، ولا فدية لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢)،

стр. 1659

لكن متى زال العذر فعلم بالمحظور، أو ذكره، أو زال إكراهه، أو استيقظ من نومه وجب عليه التخلي عن المحظور فوراً. أما بقية المحظورات الأربعة الباقية فإنها تختلف بحسب كل حالة وهذه تراجع في كتب الفقه ففيها تفصيل ذلك (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1660

الكلمة الخامسة والخمسون: فضل العمرة وصفتها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فقد وردت أحاديث كثيرة تدل على فضل العمرة وأنها من مكفرات الذنوب، وأما وجوبها فقد اختلف أهل العلم في ذلك، ومن أدلة القائلين بالوجوب: ما رواه الإمام أحمد في مسنده وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (١). قال ابن خزيمة: قوله في الحديث: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ» بيانٌ أن العمرة واجبة كالحج، إذ ظاهر قوله «عَلَيْهِنَّ» أنه واجب إذ غير جائز أن يقال: «على المرء ما هو تطوع غير واجب» (٢). ومنها ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عمر ابن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ في سؤال جبريل إياه عن الإسلام فقال: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،

стр. 1661

وأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ، وتَحُجَّ وتَعْتَمِرَ، وتَغْتَسِلَ مِنَ الجَنَابَةِ، وأَنْ تُتِمَّ الوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْت» (١). ومما يدل على فضل العمرة ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (٢). ومنها ما رواه النسائي من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (٣). وصفة العمرة أن يُحْرِمَ المعتمرُ من الميقات سواء كان ذلك عن طريق البحر، أو الجو، أو البر، ومن كان من دون هذه المواقيت أَحْرَمَ من موضعه كأهل جدة أو بحرة أو غيرها. وإذا كان المعتمر عن طريق الجو وخشي من تجاوز الميقات أحرم قبله بمدة كافية ليتيقن أنه أحرم عند الميقات أو قبله، ويستحب له أن يغتسل كما يغتسل للجنابة ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته، ويلبس إزاراً ورداءً أبيضين، والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير ألا

стр. 1662

تتبرج بزينة، ثم يصلي الفريضة إن كان وقت فريضة، ليحرم بعدها، فإن لم يكن وقت فريضة ووافق صلاة التطوع أحرم بعدها. ثم إذا فرغ من الصلاة نوى الدخول في العمرة فيقول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ (١)، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمْرَةً ... ». يرفع الرجل صوته بذلك وتخفيه المرأة، فقد روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ» (٢). وروى ابن ماجه في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَربَعَةَ دَرَاهِمَ أَو لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حِجَّةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» (٣). ويستمر على هذه التلبية حتى تكون شعاره حتى يبدأ الطواف بالبيت، ثم يمسك عن التلبية ليتفرغ للاشتغال بأذكار الطواف والسعي وغيرها، ومن تيسر له الاغتسال قبل دخول مكة فإنه يستحب له ذلك، لما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث نافع عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ أَدنَى الحِلِّ أَمسَكَ عَنِ التَّلبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوَى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ

стр. 1663

أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ» (١). وله أن يدخل مكة من أي طريق شاء لقوله ﷺ : «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» (٢)، والنبي ﷺ دخلها من أعلاها لأن الداخل يأتي من قِبَلِ وَجْهِهَا، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ مَكَّةَ، دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة من جميع الجوانب، لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة اقتداء بالنبي ﷺ فإنه دخلها من وجهها من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلاة» (٤). ويستحب له إذا أراد الدخول للمسجد الحرام أن يقدم رجله اليمنى ويقول: «بِسْمِ اللهِ .. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ .. » (٥)، «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» (٦)، ويقول: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (٧).

стр. 1664

وهذا الدعاء يقال في جميع المساجد، ولم يثبت عن النبي ﷺ عند رؤية الكعبة دعاء خاص، فيدعو بما تيسر وإن دعا بدعاء أمير المؤمنين عمر ﵁: اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلَامُ، وَمِنكَ السَّلَامُ، فَحيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ (١)، فحسن لثبوته عنه. ثم يبادر إلى الحجر الأسود ويُقبله إن استطاع وإلا فيستلمه بيده أو عصا، وَيُقَبِّلُ ما استلمه منه، فإن شق ذلك فإنه يستقبل الحجر ويشير إليه بيده ويقول: «الله أكبر» وثبت عن ابن عمر موقوفاً عليه أنه كان يسمي ويكبر (٢)، ويجعل الكعبة عن يساره أثناء الطواف، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه من غير تقبيل، فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (٣)، فإن لم يتيسر فلا يزاحم عليه، ويسن له أن يستلمه بيمينه، فإن لم يستلمه فإنه يتركه ويمضي، ولا يشير إليه، ولا يكبر لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ . ولا تُقبَّل جدران الكعبة وبقية أركانها ولا تستلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «واتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين - الصحابة وأهل البيت وغيرهم - أنه لا يتمسح به ولا يقبله، بل ليس في الدنيا

стр. 1665

من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (١). ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبِّل الرجل أو يستلم ركني البيت اللَّذَين يليان الحَجَرَ ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين» (٢). وقد حُفِظَ عنه ﷺ أنه كان يقول بين الركنين اليماني والأسود: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٣). ثم يبدأ بالطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحِجْر سبعة أشواط من الحَجَرِ إلى الحَجَر شوط، يضطبع (٤) فيها كلها، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأول منها، من الحجر إلى الحجر، ويمشي في سائرها (٥)، وليس للطواف ذكر خاص، فله أن يقرأ من القرآن أو الذكر ما شاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وليس فيه ذكر محدود عن النبي ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية» (٦).

стр. 1666

فإذا فرغ من طوافه انطلق إلى مقام إبراهيم وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وصلى خلف المقام ركعتين، ويسن له أن يقرأ في الركعتين بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ في الركعة الأولى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ في الركعة الثانية (١)، فإذا فرغ من الصلاة ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصب على رأسه، فقد قال ﷺ عن زمزم: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وَهِيَ طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ» (٢)، ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيكبر ويستلمه على التفصيل المتقدم، لما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين: قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه (٣). ثم ينطلق ليسعى بين الصفا والمروة، فإذا دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيم (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]. ويقول: نبدأ بما بدأ الله به، ثم يصعد على الصفا فيستقبل الكعبة فيوحد الله ويكبره، فيقول: «اللهُ أَكْبَرْ، اللهُ أَكْبَرْ، اللهُ أَكْبَرْ (ثلاثاً) لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ

стр. 1667

وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ ... لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحْدَهُ (ثلاثاً) ... ويدعو بين ذلك» (١)، ثم يمشي إلى العَلَم (الموضوع) عن اليمين واليسار وهو المعروف بالميل الأخضر، ثم يسعى منه سعياً شديداً إلى العلم الآخر الذي بعده، لما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل وفيه: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطنِ الوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى» (٢). وقال بعض أهل العلم: إن المرأة لا يشرع في حقها الإسراع. ثم يمشي حتى يأتي المروة فيرتقي عليها ويصنع فيها ما صنع على الصفا من استقبال القبلة والتكبير والتوحيد والدعاء فهذا شوط، ثم يعود حتى يرقى على الصفا يمشي موضع مشيه، ويسعى موضع سعيه وهذا شوط ثان، وهكذا حتى يتم له سبعة أشواط، تبدأ بالصفا وتختم بالمروة، ويجوز أن يطوف بينهما راكباً لأن النبي ﷺ ابتدأ السعي ماشياً، فلما كثر عليه الناس ركب .. ويستحب له الإكثار من الذكر والدعاء بما تيسر ولو دعا في السعي بقوله: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ»، فحسن لثبوته عن بعض الصحابة (٣). فإذا انتهى من الشوط السابع على المروة قص شعر رأسه، أو

стр. 1668

حلق إذا كان بين عمرته وحجه فترة كافية يطول الشعر خلالها، ولا بد في التقصير من تعميم جميع جوانب الرأس، وأما المرأة فإنها تقصر من كل ضفيرة قدر أنملة، والأنملة هي رأس الأصبع. وبذلك تنتهي العمرة، وحل للمحرم ما حرم عليه بالإحرام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1669

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة دروس يومية (١٥٠) درسًا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين إعداد د. أمين بن عبد الله الشقاوي عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد «الجزء السابع»

стр. 1670

الكلمة السادسة والخمسون: شروط وجوب الحج الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وفريضةٌ من فرائضه العِظَام، وفضائله كثيرة ويجب على كل مسلم في العمر مرة واحدة. وقرَّر أهل العلم أن الحج يجب بخمسة شروط: الشرط الأول: الإسلام: فالكافر والمشرك لا يصح حجهما ولا يُمَكَّنُ من دخول المسجد الحرام، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: «أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (١). الشرط الثاني: العقل: فالمجنون لا يؤمر بالحج والعمرة ولا يصحان منه لو أتى بهما لفقده عقله، روى أبو داود في سننه مِن

стр. 1671

حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (١). الشرط الثالث: البلوغ: فلا يجب الحج على الصبي حتى يبلغ للحديث السابق، ولكن لو حج الصبي صح حجه ولا يجزئه عن حجة الإسلام، لِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امرَأَةً رَفَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» (٢)، وَلِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيهِ حِجَّةٌ أُخرَى، وَأَيُّمَا عَبدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيهِ حِجَّةٌ أُخرَى» (٣). قال الترمذي: «وقد أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك لا تجزي عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذلك المملوك إذا حج في رِقِّهِ ثم أُعْتِقَ فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلًا، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رِقِّهِ، وهو قول سفيان، الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» (٤). الشرط الرابع: كمال الحرية: فلا يجب الحج على المملوك،

стр. 1672

ولكنه لو حج فحجه صحيح، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، لِقَولِهِ ﷺ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ السابق: «وَأَيُّمَا عَبدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيهِ حِجَّةٌ أُخرَى» (١). الشرط الخامس: الاستطاعة: فالحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلًا بنص القرآن والسنة، والمراد بالمستطيع القادر ببدنه وماله لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فمن عجز عن الحج والعمرة لهرم أو مرض لا يُرجَى بُرؤُهُ، أو كان قادرًا ببدنه وليس عنده مال يحج به أو يعتمر لم يجبا عليه، ومن عجز ببدنه وعنده مال لزمه أن ينيب من يحج عنه ويعتمر. والنيابة في الحج والعمرة مشروعة لِحَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» (٢). وَلِحَدِيثِ الفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَن أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» (٣).

стр. 1673

ومن مات وهو لم يَحُجَّ وله مال، أُخرِجَ من تَرِكَتِهِ ما يُحَجُّ به عنه، ولغيره أن يحج عنه لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ ﵁، وفيه: أَنَّ امرَأَةً مَاتَتْ أُمُّهَا، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: «إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا» (١). وتزيد المرأة شرطًا سادسًا: وهو وجود محرمٍ أو زوجٍ يرافقها إلى الحج، لما جاء في الصحيحين مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلْ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا» (٢). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1674

الكلمة السابعة والخمسون: صفة الحج وواجباته الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فقد وردت النصوص الدالة على فضل الحج وأنه من مكفرات الذنوب، ومنها قَولُهُ ﷺ : «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (١)، والحج المبرور هو الذي يجتمع فيه ثلاثة أمور: الأول: الإخلاص لله ، والثاني: أن يكون وفق السنة لِقَولِهِ ﷺ : «لِتَاخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (٢)، والثالث: سلامته مما يفسده أو ينقصه. وصفته على سبيل الاختصار: ١ - إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، استحب للذين أحلوا بعد العمرة وهم المتمتعون أن يُحرِموا بالحج ضحى من محالِّهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، أما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول.

стр. 1675

أما الحجاج الذين قدموا إلى مكة اليوم الثامن، فلا بد أن يُحرِموا من الميقات، وهذا واجب من واجبات الحج، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (١). والمقصود بالإحرام: هو نية الدخول في النسك وهو ركن من أركان الحج، فمن ترك هذه النية لم ينعقد حجه، لِقَولِهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢). سواء كان الميقات عن طريق الجو، أو البحر، أو البر، ومن كان من دون هذه المواقيت أحرم من موضعه كأهل جدَّة، أو بحرة، أو غيرها، وإذا كان الحاج عن طريق الجو وخشي من تجاوز الميقات أحرم قبله بمدة كافية ليتيقن أنه أحرم عند الميقات أو قبله، ويستحب له أن يغتسل كما يغتسل للجنابة ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته، ويلبس إزارًا ورداءً أبيضين، والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير ألا تتبرج بزينة، ثم يصلي الفريضة إن كان وقت فريضة ليحرم بعدها، فإن لم يكن وقت فريضة، ووافق صلاة التطوع أحرم بعدها، ثم إذا فرغ من الصلاة نوى الدخول في الحج. ٢ - ثم يقول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ حَجًّا» يرفعُ

стр. 1676

الرجل صوته بالتلبية وتخفيه المرأة، ويسن الإكثار من التلبية ولا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة يوم العيد. ٣ - ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصر الرباعية إلى ركعتين ولا يجمع، والمكوث في منى اليوم الثامن سنة. ٤ - فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سار إلى عرفة فينزل بنمرة إن تيسر له إلى الزوال وإلا نزل بعرفة، فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، ثم تفرغ لذكر الله ودعائه يستقبل القبلة في ذلك ولو كان الجبل خلفه حتى تغرب الشمس، والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لأن الله قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾، فإن الإفاضة من عرفة إنما تكون بعد الوقوف وهو الركن الذي يفوت الحج بفواته لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ ﵁ قَالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (١). قَالَ ابنُ المُنذِرِ: «وَأَجمَعُوا عَلَى أَنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرضٌ، لَا حَجَّ لِمَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِهَا» (٢). وذكر أهل العلم أن مَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يوم التاسع وليلة

стр. 1677

العيد، فليس له حج وعليه أن يجعل نسكه عمرة ويقضي حجه. أَمَّا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إلى غروب الشمس لمن وقف بها نهارًا، فهو واجب من واجبات الحج، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: فِي صِفَةِ حِجَّتِهِ ﷺ وَفِيهِ: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ» (١)، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «لِتَاخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (٢). ٥ - فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة فصلى بها المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين ويبيت بها، فإذا صلى الفجر اشتغل بذكر الله ودعائه حتى يسفر جدًّا، والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج لأن الله قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والمشعر الحرام مزدلفة، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بات بها حتى أصبح ورخص للضعفة من النساء والصبيان بالإفاضة إلى منى في آخر الليل، والترخيص منه ﷺ لهم يدل على وجوب المبيت؛ لأنه لو لم يكن واجبًا لم يحتج فيه إلى الترخيص. ٦ - فإذا أسفر جدًّا سار إلى منى، فإذا وصل إليها بدأ برمي جمرة العقبة وهي أقرب الجمرات إلى مكة، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، كل حصاة فوق الحمصة قليلًا ويكبر مع كل حصاة بخشوع وتعظيم لله تعالى.

стр. 1678

والرمي يوم النحر قبل الزوال أو بعده إلى الليل لِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسْأَلُ يَومَ النَّحرِ بِمِنًى فَيَقُولُ: لَا حَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحَ لَا حَرَجَ، فَقَالَ رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ قَالَ: لَا حَرَجَ» (١). ٧ - فإذا فرغ من رميها نحر هديه، وهو شاة أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، وهو واجب على المتمتع والقارن، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإذا عجز عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويستحب أن يأكل من الهدي ويهدي ويتصدق، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾ [الحج: ٢٨]. ويمتد وقت الذبح على الصحيح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق، ويجوز له أن ينحر في أي مكان آخر من منى وكذلك في مكة، لِقَولِهِ ﷺ : «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ» (٢). ٨ - فإذا فرغ من نحر هديه حلق رأسه كله أو قصره، والحلق أفضل إلا المرأة فتقصر من رأسها بقدر أنملة، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِالرَّحمَةِ

стр. 1679

وَالمَغفِرَةِ لِلمُحَلِّقِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً (١). وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، يباح للمحرم كل شيء حُرِّم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمى هذا التحلل الأول، فإذا تحلل التحلل الأول استحب له أن يتطيَّبَ، لِقَولِ عَائِشَةَ ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (٢). ٩ - ثم ينزل إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [الحج: ٢٩]. ولما جاء في الصحيحين مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِندَمَا حَاضَتْ صَفِيَّةُ قَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ؟ قَالَ: فَلَا إِذًا» (٣). وفي رواية مسلم: «لَا بَاسَ انْفِرِي» (٤). فدل ذلك على أن هذا الطواف لا بدَّ منه وأنه حابس لمن لم يأتِ به، قال ابن قدامة: «وهو ركن من أركان الحج لا يتم إلا به لا نعلم فيه خلافًا، ولأن الله قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (٥) [الحج: ٢٩]. ولا يشرع الرمل والاضطباع في طواف الإفاضة فإنهما

стр. 1680

في طواف القدوم، ثم يسعى بعد ذلك سعي الحج إن كان متمتعًا لأن سعيه الأول لعمرته، وهذا سعي الحج وهو ركن من أركانه لقول النبي ﷺ : «اسْعَوْا، فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيكُمُ السَّعْيَ» (١). أما القارن والمفرد فليس عليه إلا سعي واحد، فإن كان قد سعاه بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة وإلا سعى بعد طواف الإفاضة، وبعد الطواف والسعي يتحلل الحاج التحلل الثاني فيحل له كل ما أَحَلَّ الله له قبل الإحرام حتى النساء. وخلاصة ما يفعل الحاج يوم العيد ما يلي: (رمي جمرة العقبة، نحر الهدي، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي)، والسنة أن يرتبها هكذا وإن لم يتيسر له فقدم بعضها على بعض فلا حرج. ١٠ - ثم يبيت بمنى ليالي أيام التشريق الثلاث للمتأخرين وليلتين للمتعجلين، لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ولِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاتَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشرِيقِ الثَّلَاثِ. وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة والرعاة، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ العَبَّاسِ ابنِ عَبدِ المُطَّلِبِ ﵁: «أَنَّهُ اسْتَاذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ» (٢)، وَلِحَدِيثِ عَاصِمِ بنِ عَدِيٍّ ﵁: «أَنَّ

стр. 1681

رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا» (١)، فدلَّت هذه الرخصة على أن المبيت بمنى هذه الليالي واجب على غير السقاة والرعاة، ومثلهم من تدعو الحاجة إلى بقائهم في غير منى. ١١ - ثم يرمي الحاج الجمرات الثلاث في هذين اليومين بَعدَ الزَّوَالِ، وهذا الرمي واجب من واجبات الحج، ولا يجوز الرمي قبل الزوال لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَرْمِ إِلَّا بَعدَ الزَّوَالِ، ولو كان ذلك جائزًا لرمى قبل الزوال تيسيرًا على أمَّته، ولهذا قال ابنُ عُمَرَ ﵄ كما صحيح البخاري: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» (٢)، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ ﵄ يقول: «لَا تُرْمَى الْجِمَارُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ» (٣). ويبدأ برمي الجمرة الصغرى وهي أبعد الجمرات عن مكة فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، ويكبر مع كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجز، ثم يتقدم قليلًا عن الزحام ويستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو الله تعالى بما أحب من دعاء، ثم يرمي الجمرة الوسطى ويقف بعدها للدعاء كما فعل في الأولى سواء، ثم يرمي الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة التي

стр. 1682

رماها يوم العيد كما في الجمرتين قبلها ولا يقف بعدها للدعاء. ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في اليوم الأول تمامًا، ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق، فإن شاء تأخر في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار فيه بعد الزوال وهو أفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ ، وفيه زيادة عمل صالح وإن شاء تعجل في يومين فخرج من منى في اليوم الثاني عشر قبل الغروب، ومن عجز عن الرمي كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل، ونحوهم جاز أن يوكل من يرمي عنه، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وينبغي أن يكثر من التكبير والذكر في تلك الأيام والليالي، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ولقول النبي ﷺ : «أَيَّامُ التَّشرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ » (١). ١٢ - إذا أنهى الحاج جميع أفعال الحج السابقة وأراد الرجوع إلى بلده، فإنه لا يخرج من مكة حتى يطوف بالبيت طواف الوداع ويجعله آخر أموره قبل سفره وهو من واجبات الحج، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طاف للوداع عند خروجه، وَلِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ» (٢). والترخيص للحائض في ترك طواف الوداع يدل على وجوبه،

стр. 1683

ومثل الحائض في ذلك النفساء، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَاضَتْ صَفِيَّةُ قَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّها أَفَاضَت يَومَ النَّحرِ، قَالَ: اخْرُجُوا» (١). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1684

الكلمة الثامنة والخمسون: فضائل مكة وحُرمَتها (١) الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الخالق لجميع المخلوقات فَضَّلَ بعضها على بعض واختار منها ما شاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨]. ومن الأماكن الفاضلة التي فَضَّلَهَا الله على غيرها مكة، البلد الأمين مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وهي البلد الذي أقسم الله به فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد (١) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد (٢)﴾ [البلد: ١ - ٢]. قال ابن كثير: هذا قسم من الله تعالى بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالًا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها، قال سبحانه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين (٣)﴾ [التين: ٣] (٢). وقد وردت نصوص كثيرة في فضلها وحرمتها فمن ذلك: أن فيها بيت الله العتيق أول بيت وضع للناس، قَالَ تَعَالَى:

стр. 1685

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ عَامًا» (١). ومنها: أن الله جعلها حرمًا آمنًا لا يُسْفَك فيه دم، ولا تعضد به شجرة (٢)، ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه (٣)، ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَاذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا
следующие страницы →