رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا» (١)، فدلَّت هذه الرخصة على أن المبيت بمنى هذه الليالي واجب على غير السقاة والرعاة، ومثلهم من تدعو الحاجة إلى بقائهم في غير منى.
١١ - ثم يرمي الحاج الجمرات الثلاث في هذين اليومين بَعدَ الزَّوَالِ، وهذا الرمي واجب من واجبات الحج، ولا يجوز الرمي قبل الزوال لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَرْمِ إِلَّا بَعدَ الزَّوَالِ، ولو كان ذلك جائزًا لرمى قبل الزوال تيسيرًا على أمَّته، ولهذا قال ابنُ عُمَرَ ﵄ كما صحيح البخاري: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» (٢)، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ ﵄ يقول: «لَا تُرْمَى الْجِمَارُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ» (٣).
ويبدأ برمي الجمرة الصغرى وهي أبعد الجمرات عن مكة فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، ويكبر مع كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجز، ثم يتقدم قليلًا عن الزحام ويستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو الله تعالى بما أحب من دعاء، ثم يرمي الجمرة الوسطى ويقف بعدها للدعاء كما فعل في الأولى سواء، ثم يرمي الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة التي
стр. 1682
رماها يوم العيد كما في الجمرتين قبلها ولا يقف بعدها للدعاء.
ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في اليوم الأول تمامًا، ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق، فإن شاء تأخر في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار فيه بعد الزوال وهو أفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ ، وفيه زيادة عمل صالح وإن شاء تعجل في يومين فخرج من منى في اليوم الثاني عشر قبل الغروب، ومن عجز عن الرمي كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل، ونحوهم جاز أن يوكل من يرمي عنه، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وينبغي أن يكثر من التكبير والذكر في تلك الأيام والليالي، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ولقول النبي ﷺ : «أَيَّامُ التَّشرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ » (١).
١٢ - إذا أنهى الحاج جميع أفعال الحج السابقة وأراد الرجوع إلى بلده، فإنه لا يخرج من مكة حتى يطوف بالبيت طواف الوداع ويجعله آخر أموره قبل سفره وهو من واجبات الحج، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طاف للوداع عند خروجه، وَلِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ» (٢).
والترخيص للحائض في ترك طواف الوداع يدل على وجوبه،
الكلمة الثامنة والخمسون: فضائل مكة وحُرمَتها (١)
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الخالق لجميع المخلوقات فَضَّلَ بعضها على بعض واختار منها ما شاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨]. ومن الأماكن الفاضلة التي فَضَّلَهَا الله على غيرها مكة، البلد الأمين مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وهي البلد الذي أقسم الله به فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد (١) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد (٢)﴾ [البلد: ١ - ٢]. قال ابن كثير: هذا قسم من الله تعالى بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالًا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها، قال سبحانه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين (٣)﴾ [التين: ٣] (٢).
وقد وردت نصوص كثيرة في فضلها وحرمتها فمن ذلك:
أن فيها بيت الله العتيق أول بيت وضع للناس، قَالَ تَعَالَى:
стр. 1685
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ عَامًا» (١).
ومنها: أن الله جعلها حرمًا آمنًا لا يُسْفَك فيه دم، ولا تعضد به شجرة (٢)، ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه (٣)، ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَاذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا
стр. 1686
سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (١).
ومن فضائلها: ما ورد في فضل الصلاة في المسجد الحرام، فقد روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» (٢).
وقد بحث أهل العلم هنا مضاعفة الصلاة هل هي في الحرم كله؟ وهل سائر الحسنات كذلك؟ فأما المسألة الأولى، ففي الحديث السابق وهو قَولُهُ ﷺ : «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» (٣). ونصوص القرآن والسنة التي ذُكِرَ فيها المسجد الحرام إنما عُنِيَ به الحرم كله، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقَولِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]. وإنما أُسرِيَ به من بيت أم هانئ ﵂. ومن أدلة السنَّة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَانَ فِي الحُدَيبِيَةِ، كَانَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، دَخَلَ الحَرَمَ وَصَلَّى فِيهِ (٤).
стр. 1687
وأما المسألة الثانية: فقد وردت آثار عن السلف بالمضاعفة لجميع الأعمال الصالحة، ومن تأمَّل قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ [الحج: ٢٥]، أيقن أن تعظيم حرمة الحرم تدل على فضله، والمسألة طويلة البحث أشرت إليها إشارة.
ومنها: أن الله أخبر أنها أم القرى كما في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]. فالقرى كلها تبع لها وفرع عليها.
ومنها: أنها قبلة لأهل الأرض كلهم فليس على وجه الأرض قبلة غيرها، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٥٠].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أُسَامَةَ ابنِ زَيدٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ مِنَ البَيتِ، رَكَعَ فِي قُبُلِ البَيتِ رَكعَتَينِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» (١).
ومنها: الأمن لداخل الحرم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وهذا إما خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخُلف في خبره تعالى، وإما خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
стр. 1688
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون (٦٧)﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] (١).
ومنها: أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة دون سائر البقاع، لِقَولِهِ ﷺ كما في الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ ﵁: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَولٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (٢).
ومنها: أن الله اختارها لمناسك الحج وجعل القصد إليها عبادة تُرفَع بها الدرجات وتُمحَى بها السيئات، كما جاء في الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٣).
ومنها: أن مكة خير البلاد وأحبها إلى الله ورسوله ﷺ ، فقد روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (٤).
وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ
стр. 1689
رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَكَّةَ: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ! وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» (١).
ومنها: أن الله جعلها مسرى نبيه محمد ﷺ إلى السماء، قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١)﴾ [الإسراء: ١].
ومنها: أن الرحال لا تُشَدُّ للسفر إلى غير المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (٢).
ومنها: أن الله سبحانه أضاف البيت الحرام في مكة إلى نفسه، فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه لنفسه لكفى بهذه الإضافة فضلًا وشرفًا (٣).
ومنها: أن الله تعالى عطف القلوب إلى بيته الحرام وجعله مثابة للناس، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة:
стр. 1690
١٢٥]. أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا زيارة له، ازدادوا له اشتياقًا، قال الشاعر:
لَا يَرجِعُ الطَّرفُ عَنهَا حِينَ يَنظُرُهَا ... حَتَّى يَعُودَ إِلَيهَا الطَّرفُ مُشْتَاقًا
وكم أُنفق في حبه من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فَلِذ الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان؟ ! مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ويراه (١). اهـ.
ومما يدل على فضلها ومكانتها: ما جاء في المعاقبة على الهم بالسيئة فيها وإن لم تُفعَلْ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥].
قال الشيخ عبد الرحمن السِّعدي: «فمجرد الإرادة للظلم والإلحاد موجب للعذاب وإن كان غيره لا يعاقب العبد عليه إلا بعمل الظلم، وفي الآية الكريمة: وجوب احترام الحرم، وشدة تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها» (٢).
وكان لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فسطاطان: أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم، وفي هذا تحذير شديد
стр. 1691
لمن يرتكب المنكرات العظيمة والكبائر الموبقة في مكة كالربا، والزنا، واستعمال المخدرات ونشر القنوات الفضائية السيئة، والاستماع إلى الغناء .. وغير ذلك من المعاصي والمنكرات (١).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1692
الكلمة التاسعة والخمسون: فضائل المدينة وحُرمَتها
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن مدينة الرسول ﷺ طيبة الطيبة، مَأرِز الإيمان، ومُلتَقَى المهاجرين والأنصار، ومُتَنَزَّل جبريل الأمين على النبي ﷺ .
هذه المدينة المباركة قد شرَّفها الله وفضَّلها وجعلها خير البقاع بعد مكة، وقد وردت النصوص الكثيرة في فضلها، وحرمتها، ومكانتها، إخبارًا ودعاءً، وترغيبًا وترهيبًا (١).
فمنها: أن الله جعلها حرمًا، فقد روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا، مَا بَيْنَ مَازِمَيْهَا (٢)، أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلْفٍ» (٣).
стр. 1693
وحرم المدينة هو ما بين الحرتين شرقًا وغربًا وما بين عير إلى ثور يمنًا وشامًا، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ» (١).
وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ (٢)» (٣).
ومنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهَا طَيْبَةَ وَطَابَةَ، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ ﵂ فِي حَدِيثِ الجَسَّاسَةِ قَولُهُ ﷺ : «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ يَعْنِي الْمَدِينَةَ» (٤).
وفي رواية البخاري: «هَذِهِ طَابَةُ» (٥)، قال ابن حجر ﵀: «والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقها من الشيء الطيب وقيل: لطهارة تربتها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، قال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية، لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها» (٦).
وقد حدثني من سكن المدينة سنوات أنه لم يجد الروائح
стр. 1694
الكريهة التي توجد عادة في غيرها، كما حدثني أيضًا أنه لا يوجد بها الإزعاج والصخب الذي يوجد في المدن التي يكثر بها السكان، وأنه جرى بحث هذه المسألة مع بعض أهل المدينة، فكان مما قيل في تعليل ذلك اجتهادًا: إنه ربما كان من خصوصيتها وعظيم بركة أرضها امتصاص الأصوات المزعجة ليعم السكون والهدوء والطمأنينة، وممَّا حدثني أيضًا أن أرضها وجبالها يبدو للناظر إليها حسنًا، وجمالًا، وبهاءً لا يُرَى في غيرها.
ومنها: أن الإيمان يَأرِزُ إليها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَارِزُ (١) إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَارِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» (٢).
ومنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حثَّ على الصبر على لأوائها وشدتها، ووعد على ذلك أعظم الثواب.
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ: أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّةِ فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَاوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَاوَائِهَا فَيَمُوتَ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا» (٣).
стр. 1695
وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَاتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» (١).
قال ابن حجر: «والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حرم الرسول ﷺ وجواره، ومهبط الوحي، ومنزل البركات، لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفوائد الدينية بالعوائد الأخروية التي يُسْتَحْقَرُ دونها ما يجدونه من الحظوظ الغائبة العاجلة بسبب الإقامة في غيرها» (٢).
ومنها ما جاء عن النبي ﷺ أنه وصفها بأنها قَرْيَةٌ تَاكُلُ الْقُرَى، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَاكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (٣). والمراد بـ «تَاكُلُ الْقُرَى» أي: ينصر الله الإسلام بأهل المدينة ويفتح على أيديهم القرى، فتجلب الغنائم إلى المدينة ويأكل أهلها، وأضاف الأكل إلى القرية والمراد: أهلها (٤).
стр. 1696
ومنها: ما جاء عن النبي ﷺ من الدعاء لها بالبركة، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا» (١).
ومن المشهور لدى الكثيرين الذين انتقلوا إلى مكة أو المدينة من مدن أخرى: أن ما يصرفونه لا يكاد يبلغ النصف مما كانوا يصرفونه في المدن التي انتقلوا منها، فهذا أمر معلوم.
ومن فضائلها: أنه لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» (٢).
ومنها: أن في المدينة مسجد الرسول ﷺ وهو من المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (٣). والصلاة فيه مضاعفة، روى البخاري ومسلم في
стр. 1697
صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» (١).
ومنها: أن في المدينة مسجد قباء والصلاة فيه تعدل عمرة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَاتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءَ فَيُصَلِّيَ فِيهِ، كَانَ كَعَدْلِ عُمْرَةٍ» (٢).
ومنها: فضل الروضة الشريفة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (٣).
قال ابن حجر: «وفي الحديث إشارة إلى الترغيب في سكنى المدينة. وقوله: «رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»، أي: في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل من العبادة فيها المؤدية إلى الجنة، أو أن المراد روضة حقيقية بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة» (٤).
ومنها: أن فيها جبل أحد، روى البخاري ومسلم في
إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا (١)» (٢).
ومنها: أن من أراد أهلها بسوء أهلكه الله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةَ بِسُوءٍ، أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» (٣).
وفي رواية لمسلم: «وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ» (٤).
قال القاضي عياض: «قوله: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةَ بِسُوءٍ، أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ»، هذه الزيادة ترفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها وأن هذا حكمه في الآخرة، ويحتمل أن يكون المراد من أرادها في حياة النبي ﷺ بسوءٍ اضْمَحَلَّ أمره كما يَضْمَحِلُّ الرصاص في النار، فيكون في اللفظ تقديم وتأخير، ويؤيده قوله في الحديث: «كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»، ويحتمل أن يكون المراد: لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن سلطانه، ويذهبه عن قرب، كما انقضى من شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة، وهلاكه منصرفه عنها، ثم هلاك يزيد بن
стр. 1700
معاوية على إثر ذلك، وغيرهم ممن صنع مثل صنيعهم.
ويحتمل أن يكون المراد: من كادها اغتيالًا وطلبًا لغرتها في غفلة، فلا يتم له أمر بخلاف من أتى ذلك جهارًا، كما استباحها مسلم بن عقبة وغيره» (١). روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ السَّائِبِ بنِ خَلَّادٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا (٢)» (٣).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1701
الكلمة الستون: فوائد وحكم من سورة العاديات
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الله أنزل هذا القرآن لتدبره والعمل به، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وسورةُ العادياتِ من السور القصيرة التي تتكرر على أسماعنا كثيرًا ويحفظُهُا أكثرُ المسلمينَ، ويتأكدُ فهمُ معناها وما تضمنته من الحكم العظيمة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيد (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور (١٠) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِير (١١)﴾ [العاديات: ١ - ١١].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ الواو: واو القسم، والمقُسم به هو العادياتُ، وهي الخيلُ المسرعاتُ في سيرها، والضبح: صوتُ أجوافها عند جريها.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ أي: أنها تُوري النارَ إذا سارت ليلًا بانقداح النار بوقع حوافرها على الحجارة لقوتها وصلابتها.
стр. 1702
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ أي: الخيل تغير على العدو وقت الصباح.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ النقع: هو الغبار تثيره بحوافرها عند عَدْوِهَا، قال الشاعر:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ... وَأَسْيَافُنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَواكِبُهْ
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ أي: أنها تعدو بالفرسان حتى تنتهي بهم ميدان المعركة ومجتمع الجيوش، قال الشاعر:
فَوَسَطْنَ جَمْعَهُمُ وأَفْلَتَ حَاجِبٌ ... تَحتَ العَجاجَةِ فِي الغُبارِ الأَقْتَمِ
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد (٨)﴾ هذا هو جواب القسم، والكنود: الكفور الجحود لنعم الله، قاله ابن عباس، وقال الحسن: هو الذي يذكر المصائب وينسى النعم (١)، قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا الظَّالِمُ فِي فِعْلِهِ ... وَالظُّلْمُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ ظَلَمْ
إِلَى مَتَى أَنْتَ وَحَتَّى مَتَى ... تَشْكُو المُصِيبَاتِ وَتَنْسَى النِّعَمْ
وحال الإنسان شاهد عليه بذلك وإن أنكره بلسانه، والخير هو المال ومحبة الإنسان له شديدة كقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ٢٠].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور (٩)﴾ قال
стр. 1703
الزمخشري: هذه الكلمة وهي ﴿بُعْثِرَ﴾، مأخوذة من أصلين: البعث والنثر، فالبعث خروجهم أحياء، والنثر: الانتشار كنثر الحب، فهي تدل على بعثهم منتشرين (١)، كقوله ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِر ٧)﴾ [القمر: ٧]. وكقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث (٤)﴾ [القارعة: ٤].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور (١٠)﴾ قال الشيخ ابن سعدي ﵀: أي: ظهر وبان ما فيها من كمائن الخير والشر فصار السر علانية والباطن ظاهرًا (٢)، قال الشاعر:
وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ
إِذَا حُصِّلَتْ عِنْدَ الإِلَهِ الَحَصائِلُ
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِير (١١)﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: أي: يوم القيامة المتقدم ذكره في قوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور (٩)﴾. والخبير: هو الله تعالى، وهو أخص من العليم لأنه في ذلك يقع الجزاء على ما اشتملت عليه القلوب من الأسرار والخفايا التي لا يعلمها إلا هو، وقد جمع الله بينهما في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير (٣)﴾ [التحريم: ٣].
ومن فوائد السورة الكريمة وحكمها العظيمة:
أولًا: أَقْسَمَ الله تعالى بالخيل العاديات، والله لا يقسم إلا
стр. 1704
بعظيم من مخلوقاته التي تدل على عظمته، وفي ذكر الخيل وشدتها وسرعة عدوها واقتحامها ميادين المعارك تحت بوارق السيوف تنبيهٌ إلى فضلِ الجهاد وعظيمِ مكانته.
ثانيًا: الإشارة إلى إعداد الخيل للجهاد في سبيل الله، وفي الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وَفِي الحَدِيثِ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١).
ثالثًا: فيه إشارة أن ما يعانيه الفرسان المجاهدون في سبيل الله: من نقع الغبار الذي تثيره الخيل، محل عناية الله وحسن جزائه، قَالَ ﷺ : «لَا يَجتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» (٢).
رابعًا: الآيات الكريمة إشارة إلى العناية بالخيل واقتناء الجياد منها والاهتمام بتدريبها وتهيئتها لكل المهام التي يحتاج إليها فيها، ومن ذلك: تضميرها، والمسابقة بينها، وتحذيتها وقاية لها من الحفاء، وذكر القدح في الآية الكريمة يشير إلى ذلك، وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَابَقَ بَينَ الخَيلِ الَّتِي قَد أُضمِرَتْ فَأَرسَلَهَا مِنَ الحَفيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَينَ الخَيلِ الَّتِي لَم تُضْمَرْ فَأَرسَلَهَا مِن ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ (٣).
стр. 1705
خامسًا: أن الله خلق الإنسان وجعله محل الابتلاء، فطبعه على بعض الصفات الذميمة، وكلفه بالمجاهدة على التخلص منها وتهذيب نفسه من أوضارها، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].
سادسًا: في الآيات الكريمة إثبات البعث بعد الموت، وأن هذه الأجساد التي بليت في القبور وصارت ترابًا سوف يحييها الله ويجازيها على ما أضمرت قلوبها، فذلك حين ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلَاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
سابعًا: أن القلوب عليها مدار صلاح الإنسان وفساده، فإذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله (١).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1706
الكلمة الواحدة والستون: الكفر وأنواعه
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن أعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى الله عنه الشرك والكفر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
والكفر ضده الإيمان وهو جحد الدين الحق، وسمي كفرًا لأن فيه سترًا للحق وجحدًا له. والكفر قسمان: كفر أكبر مخرج من الملة، وكفر أصغر لا يخرج من الملة، والكفر الأكبر أنواع منها:
النوع الأول: كفر التكذيب: فمن كذَّب بالقرآن أو بشيء منه أو بسنَّة النبي ﷺ الثابتة عنه وهو يعلم، فهو كافر كفر أكبر يخرجه من ملة الإسلام ويحل دمه وماله، والدليل قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِين (٦٨)﴾ [العنكبوت: ٦٨].
وقد بيَّن تعالى في كتابه سبب هلاك الأمم السابقة وأنه
стр. 1707
تكذيبهم للرسل، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِين (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِين (١٤١)﴾ [الشعراء: ١٤١]. ومن كذَّب برسولٍ واحدٍ فقد كذَّب الرسل جميعًا، ولا يكون الإيمان بهم مقبولًا حتى يؤمن بجميعهم ولا يفرق بين أحد منهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
النوع الثاني: كفر الجحود (١): فالكافر عنده معرفة بالحق ويقين به، ولكن يجحده ظاهرًا إما كبرًا أو حسدًا أو طمعًا في رئاسة أو دنيا أو غيره، وعلى هذا غالب الكفار، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُون (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. فأخبر سبحانه أنها استيقنتها أنفسهم ولكن جحدوا ظلمًا وعلوًا أي من أجل الظلم والعلو على الناس، وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَونُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ [الإسراء: ١٠٢]. فعلم فرعون أن ما جاء به موسى هو الحق ولكنه يتظاهر بإنكاره ظلمًا وعلوًّا وإبقاءً على
стр. 1708
ملكه، ولهذا قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
والعقلاء يقرون جميعًا بأن هذا الخلق له خالق مدبر وأن فرعون لم يخلق شيئًا ولم يدبر شيئًا، فالذي حمله على ذلك الكبر والإبقاء على ملكه، ومثل ما حصل مع إبليس لعنه الله عندما أمره الله بالسجود لآدم رفض كبرًا وحسدًا لآدم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
النوع الثالث: كفر الشك والظن: بأن يكون شاكًّا فيما جاءت به الرسل ويظن أنهم على غير حق، وذلك كما في قصة الرجلين، فحكى الله عن أحدهما أنه قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦]. ثم حكى الله رد الآخر عليه وهو يحاوره قال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف: ٣٧].
النوع الرابع: كفر الإعراض: والمراد به الإعراض عن تعلم أصل الدين الذي لا يكون المرء مسلمًا حتى يتعلمه ويعمل به، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُون (٢٢)﴾ [السجدة: ٢٢]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُون﴾ [الأحقاف: ٣]. فسمَّاهم كافرين لإعراضهم عما أُنذِرُوا به.
النوع الخامس: كفر النفاق، والمقصود الاعتقادي، وهو على ستة أنواع:
تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به، أو بغض
стр. 1709
الرسول ﷺ أو بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ ، أو الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ ، فالمنافق في هذا القسم مؤمن الظاهر كافر الباطن، أما إيمانه الظاهر فإنه يشهد شهادة الحق، ويصلي، ويصوم، ويحج، ويجاهد، ويشارك المسلمين في شعائر الدين الظاهرة كما هو حال المنافقين في عهد النبي ﷺ ، وفي كل زمن يكون فيه الحق منصورًا، وأما كفره باطنًا فبما يخفيه من التكذيب بالحق، وإضمار العداوة لله ولرسوله وللمؤمنين، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُون (٣)﴾ [المنافقون: ١ - ٣]. أي: آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم، والمنافق إنما يظهر الإيمان نفاقًا من أجل أن يعيش مع المؤمنين لأنه لا يقدر على مجابهة المؤمنين ولا يقدر على مفارقتهم فاضطر إلى أن ينافق.
أما الكفر الأصغر: فهو إتيان الذنوب التي سمَّاها رسول الله ﷺ كفرًا ولم تصل إلى الكفر الأكبر، مثل قوله ﷺ كما في الصحيحين مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (١). فالمراد بالكفر هنا الكفر الأصغر لأن قتل المؤمن كبيرة من كبائر الذنوب لكنه لا يخرج به صاحبه من الإسلام، والدليل على ذلك: أن الله قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 1710
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. فأخبر عن المقتتلين بأنهم مؤمنون وأنهم إخوة، فدل على أن القتل بغير حق وإن كان كبيرة وجريمة عظيمة إلا أنه لا يخرج القاتل من الإيمان إلى الكفر ما لم يستحله.
ومثله كفر النعم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢] (١).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ، مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَاكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ» (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله مخلوقان من مخلوقات الله، ينجليان بأمره، وينكشفان بأمره ورحمته، فإذا أراد الله تعالى أن يخوف عباده من عقوبة معاصيهم ومخالفتهم، كسفهما باختفاء ضوئهما كله، أو بعضه، إنذارًا للعباد، وتذكيرًا لهم لعلهم يُحدِثُونَ توبةً فيقومون بما يجب عليهم من أوامر ربهم ويبتعدون عما حرم عليهم من نواهي الله ، ولذلك كثر الكسوف في هذا العصر فلا تكاد تمضي السنة حتى يحدث كسوف في الشمس أو القمر أو فيهما جميعًا وذلك لكثرة المعاصي والفتن في هذا الزمن، فلقد انغمس
стр. 1713
أكثر الناس في شهوات الدنيا، ونسوا أهوال الآخرة وأترفوا أبدانهم، وأتلفوا أديانهم، أقبلوا على الأمور المادية المحسوسة، وأعرضوا عن الأمور الغيبية الموعودة التي هي المصير الحتمي، والغاية الأكيدة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُون (٦٠)﴾ [الذاريات: ٦٠].
إن كثيرًا من أهل هذا العصر تهاونوا بأمر الكسوف، فلم يقيموا له وزنًا، ولم يحرك منهم ساكنًا وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وجهلهم بما جاء عن رسول الله ﷺ واعتمادهم على ما علم من أسباب الكسوف الطبيعية، وغفلتهم عن الأسباب الشرعية، والحكمة البالغة التي من أجلها يحدث الله الكسوف بأسبابه الطبيعية، فالكسوف له أسباب طبيعية يقر بها المؤمنون والكافرون، وله أسباب شرعية يقر بها المؤمنون وينكرها الكافرون، ويتهاون بها ضعيفوا الإيمان، فلا يقومون بما أمرهم به رسول الله ﷺ من الفزع إلى الصلاة والذكر والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق» (١). اهـ.
وينبغي للمؤمن عند حدوث الكسوف أن يفزع للأمور التالية:
أولًا: الصلاة على الصفة المتقدم ذكرها لِقَولِهِ ﷺ : «فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ» (٢). والسنة إطالة القراءة في الصلاة، فقد كانت قراءته ﷺ في الركوع الأول من الركعة الأولى
стр. 1714
قريبًا من سورة البقرة، والركوع الثاني من الركعة الأولى قريبًا من سورة آل عمران، وَتَقُولُ أَسمَاءُ ﵂: «فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ» (١).
وكذلك الركوع والسجود كان قريبًا من قراءته ﷺ كما في صحيح البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ» (٢).
ثانيًا: الذكر والدعاء والاستغفار، لِقَولِهِ ﷺ في الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ ﵁: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ» (٣). وفي رواية: «فَاذْكُرُوا حَتَّى يَنْجَلِيَا» (٤).
وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ» (٥).
ثالثًا: العتق والصدقة: روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَسمَاءَ ﵂ قَالَتْ: «لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ» (٦).
الكلمة الثالثة والستون: التفكير أحواله وفوائده
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل.
قال ابن القيِّم ﵀: «أصل الخير والشر من قبل التفكير، فإن الفكر مبدأ الإرادة، والطلب في الأخذ، والترك، والحب، والبغض، وأنفع الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أصل الأفكار ويليها أربعة، فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثانية دارت أفكار العقلاء ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه، وأمره ونهيه، وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما، وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة، فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها، وفي الدنيا وخستها وفنائها أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام
стр. 1717
الوقت، وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في واد، وبإزاء هذه الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر الخلق، كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أُعطي الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه، أو الفكر في الشهوات والملذات وطرق تحصيلها، أو الفكر فيما لم يكن لو كان كيف يكون؟ كالفكر فيما إذا وجد كنزًا أو ملك ضيعة ماذا يصنع؟ أو غيرها من الأفكار السفل» (١). اهـ.
ومراد ابن القيِّم ﵀ من الكلام السابق أن الفكر على قسمين: الأول فكر في أمور الدنيا، ويشتمل على أربعة أنواع هي: الأخذ، والترك، والحب، والبغض والثاني: فكر في أمور الآخرة، ويشتمل أيضًا على أربعة أنواع: الأخذ، والترك، والحب، والبغض.
- فالأخذ يكون لما في الدنيا والآخرة من الخير.
- والترك لما فيهما من الشر.
- والحب لما في الدنيا والآخرة من الأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة.
- والبغض لما فيهما من الأعمال السيئة، والأخلاق القبيحة.
فعلى هذه الأقسام الثمانية تدور أفكار الخلق جميعًا.
стр. 1718
خطوات التفكير:
١ - تدريب العقل على التفكير المثمر والمفيد، فإن كثيرًا من المشاريع والمخترعات العظيمة كانت بدايتها فكرة.
٢ - تدوين الأفكار والخواطر وعدم تأجيلها، ويشمل ذلك الأفكار الجزئية والتفصيلية، فإذا لم تدون هذه التفاصيل ضاع الوقت والجهد بلا فائدة.
٣ - إفراد كل فكرة مهمة بملف مستقل حتى تكتمل وتصبح واضحة، فالمرء قد يفكر في أكثر من موضوع في وقت واحد، وقد يتوقف تفكيره في موضوع ما برهة من الزمن لسبب أو لآخر ثم يعاود التفكير فيه.
٤ - عرض هذه الأفكار في مراحلها الأولى على أصحاب الشأن المتخصِّصين، فقد يكون لأحدهم أثرٌ مفيدٌ في توجيه الفكرة وتصحيحها أو تطويرها.
٥ - عدم الربط بين الفكرة وتنفيذها، فقد يأتي شخص بالفكرة وينفذها غيره.
٦ - عدم الربط بين التفكير ووقت التنفيذ أو مكانه، فقد تكون الفكرة ناجحة لكن الوقت أو الزمان غير مناسبين لتنفيذها، فلا يصح إهمالها فقد يحتاج إليها في يوم أو في بلد ما.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيرًا من القرارات التي لم تدرس ولم يفكر فيها تفكيرًا جيدًا كان مصيرها الفشل، وهذا يدل على
стр. 1719
أهمية التفكير في مراحله السابقة في أي قرار مشروع يتخذه المرء.
وذكر أحد الباحثين أن الدراسات تثبت أن الذين يفكرون تفكيرًا صحيحًا من أجل أمتهم ومن أجل القيام بالواجب عليهم لا يتجاوز (٢ %) فقط، وهذا رقم متدن للغاية، وأما (٩٨ %) الباقون فإن تفكيرهم في حدود المألوف في الأكل والشرب، والوظيفة، والزواج، والبيت، ونحو ذلك، وهذا يدل على خطورة التفكير وأهميته، فماذا لو كانت نسبة المفكرين تفكيرًا مفيدًا زاد على (٧٠ %) أو (٨٠ %) ثم أُتبع هذا التفكير بعمل مثمر، هل ستبقى الأمة على ما هي عليه اليوم؟
وهذا يستدعي من كل مسلم أن يقف مع نفسه وقفة جادة ليحاسبها، فينظر فيما قدمه لأمته منذ بلغ، وما أمضاه من قوته فيما ينفعها أو فيما يجب عليه فعله.
ومما يذكر في هذا المقام أن قيام دولة اليهود التي زُرِعَتْ في قلب الأمة كالخنجر المسموم، إنما بدأ بفكرة، أُتبعت بتخطيط وعمل دؤوب لتنفيذها وإخراجها إلى أرض الواقع، ففي المؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد ببازل السويسرية عام ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين ميلادية، وضع قادة اليهود مخططاتهم لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وبرغم أنهم يهود جبناء، إلا أنهم فكَّروا وخطَّطوا وعملوا وتآمروا، فحقَّقوا من الدنيا بعض ما خطَّطوا له، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، قَالَ عُمَرُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَشكُو إِلَيكَ جَلَدَ الفَاجِرِ
стр. 1720
وَعَجْزَ الثِّقَةِ» (١)(٢).
وينبغي للمسلمين أن يجتهدوا في وضع الخطط التي ترفع شأن الأمة ويعتز بها دينهم، فإنهم إن فعلوا ذلك مخلصين لله عملهم واجتهادهم فسيكون النجاح حليفهم بإذن الله ومعونته وتوفيقه، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.