← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الكلمة الثالثة والستون: التفكير أحواله وفوائده الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل. قال ابن القيِّم ﵀: «أصل الخير والشر من قبل التفكير، فإن الفكر مبدأ الإرادة، والطلب في الأخذ، والترك، والحب، والبغض، وأنفع الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أصل الأفكار ويليها أربعة، فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثانية دارت أفكار العقلاء ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه، وأمره ونهيه، وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما، وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة، فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها، وفي الدنيا وخستها وفنائها أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام

стр. 1717

الوقت، وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في واد، وبإزاء هذه الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر الخلق، كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أُعطي الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه، أو الفكر في الشهوات والملذات وطرق تحصيلها، أو الفكر فيما لم يكن لو كان كيف يكون؟ كالفكر فيما إذا وجد كنزًا أو ملك ضيعة ماذا يصنع؟ أو غيرها من الأفكار السفل» (١). اهـ. ومراد ابن القيِّم ﵀ من الكلام السابق أن الفكر على قسمين: الأول فكر في أمور الدنيا، ويشتمل على أربعة أنواع هي: الأخذ، والترك، والحب، والبغض والثاني: فكر في أمور الآخرة، ويشتمل أيضًا على أربعة أنواع: الأخذ، والترك، والحب، والبغض. - فالأخذ يكون لما في الدنيا والآخرة من الخير. - والترك لما فيهما من الشر. - والحب لما في الدنيا والآخرة من الأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة. - والبغض لما فيهما من الأعمال السيئة، والأخلاق القبيحة. فعلى هذه الأقسام الثمانية تدور أفكار الخلق جميعًا.

стр. 1718

خطوات التفكير: ١ - تدريب العقل على التفكير المثمر والمفيد، فإن كثيرًا من المشاريع والمخترعات العظيمة كانت بدايتها فكرة. ٢ - تدوين الأفكار والخواطر وعدم تأجيلها، ويشمل ذلك الأفكار الجزئية والتفصيلية، فإذا لم تدون هذه التفاصيل ضاع الوقت والجهد بلا فائدة. ٣ - إفراد كل فكرة مهمة بملف مستقل حتى تكتمل وتصبح واضحة، فالمرء قد يفكر في أكثر من موضوع في وقت واحد، وقد يتوقف تفكيره في موضوع ما برهة من الزمن لسبب أو لآخر ثم يعاود التفكير فيه. ٤ - عرض هذه الأفكار في مراحلها الأولى على أصحاب الشأن المتخصِّصين، فقد يكون لأحدهم أثرٌ مفيدٌ في توجيه الفكرة وتصحيحها أو تطويرها. ٥ - عدم الربط بين الفكرة وتنفيذها، فقد يأتي شخص بالفكرة وينفذها غيره. ٦ - عدم الربط بين التفكير ووقت التنفيذ أو مكانه، فقد تكون الفكرة ناجحة لكن الوقت أو الزمان غير مناسبين لتنفيذها، فلا يصح إهمالها فقد يحتاج إليها في يوم أو في بلد ما. ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيرًا من القرارات التي لم تدرس ولم يفكر فيها تفكيرًا جيدًا كان مصيرها الفشل، وهذا يدل على

стр. 1719

أهمية التفكير في مراحله السابقة في أي قرار مشروع يتخذه المرء. وذكر أحد الباحثين أن الدراسات تثبت أن الذين يفكرون تفكيرًا صحيحًا من أجل أمتهم ومن أجل القيام بالواجب عليهم لا يتجاوز (٢ %) فقط، وهذا رقم متدن للغاية، وأما (٩٨ %) الباقون فإن تفكيرهم في حدود المألوف في الأكل والشرب، والوظيفة، والزواج، والبيت، ونحو ذلك، وهذا يدل على خطورة التفكير وأهميته، فماذا لو كانت نسبة المفكرين تفكيرًا مفيدًا زاد على (٧٠ %) أو (٨٠ %) ثم أُتبع هذا التفكير بعمل مثمر، هل ستبقى الأمة على ما هي عليه اليوم؟ وهذا يستدعي من كل مسلم أن يقف مع نفسه وقفة جادة ليحاسبها، فينظر فيما قدمه لأمته منذ بلغ، وما أمضاه من قوته فيما ينفعها أو فيما يجب عليه فعله. ومما يذكر في هذا المقام أن قيام دولة اليهود التي زُرِعَتْ في قلب الأمة كالخنجر المسموم، إنما بدأ بفكرة، أُتبعت بتخطيط وعمل دؤوب لتنفيذها وإخراجها إلى أرض الواقع، ففي المؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد ببازل السويسرية عام ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين ميلادية، وضع قادة اليهود مخططاتهم لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وبرغم أنهم يهود جبناء، إلا أنهم فكَّروا وخطَّطوا وعملوا وتآمروا، فحقَّقوا من الدنيا بعض ما خطَّطوا له، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، قَالَ عُمَرُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَشكُو إِلَيكَ جَلَدَ الفَاجِرِ

стр. 1720

وَعَجْزَ الثِّقَةِ» (١) (٢). وينبغي للمسلمين أن يجتهدوا في وضع الخطط التي ترفع شأن الأمة ويعتز بها دينهم، فإنهم إن فعلوا ذلك مخلصين لله عملهم واجتهادهم فسيكون النجاح حليفهم بإذن الله ومعونته وتوفيقه، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1721

الكلمة الرابعة والستون: تأمُّلات في سورة الانفطار الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، ومن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجة إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم والفوائد الجليلة سورة الانفطار. وهذه السورة الكريمة تتحدث عن يوم القيامة وما فيه من أهوال، وأمور عظام تشيب لها الولدان. قَولُهُ تَعَالَى ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَت (١)﴾ [الانفطار: ١]، أي: انشقت السماء، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّت (٢)﴾ [الانشقاق: ١ - ٢]، قال بعض المفسرين: تشققت بأمر الله لنزول الملائكة كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٥ - ٢٦]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَت (٢)﴾ [الانفطار: ٢]، أي: تناثرت نجومها صغيرها، وكبيرها تنتثر، وتتفرق وتتساقط لأن العالم انتهى.

стр. 1722

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَت (٣)﴾ [الانفطار: ٣]، أي: فُجِّرَ بَعضُهَا على بعض وَمَلَأَتِ الأَرضَ، وهذه البحار تُشَكِّلُ ثلاثة أرباع الأرض تقريبًا أو أكثر، هذه البحار يوم القيامة تفجَّر ثم تسجَّر أي تشتعل نارًا عظيمة، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَت (٦)﴾ [التكوير: ٦]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت (٤)﴾ [الانفطار: ٤]، أي: أُخرِجَ ما فيها من الأموات. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت (٥)﴾ [الانفطار: ٥]، وذلك عند نشر الصحف المكتوب فيها جميع الأعمال، وذاك حين يقول الغافل: أين المفر؟ فيجاب: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَر (١٢) يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّر (١٣)﴾ [القيامة: ١٢ - ١٣]. والغرض من هذا تحذير العباد بأن أعمالهم محصاة عليهم، وستعرض على كل عبد صحيفة عمله ويقال له: ﴿اقْرَا كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم (٦)﴾ [الانفطار: ٦]، أي: ما الذي خدعك حتى أقدمت على معصية ربك الكريم الذي أوجدك من العدم وأحسن خلقك، وعلَّمك ما لم تكن تعلم، وفَضَّلَكَ على كثير من خلقه؟ ! فقابلت نعمه بالنكران، وإحسانه بالإساءة، فإن كان الذي غَرَّكَ شبابك فاعلم أن مصيره إلى الهرم، وإن كان الذي غَرَّكَ غناك فاعلم أن مصيره إلى زوال، وإن كان الذي غرك صحتك

стр. 1723

فاعلم أن مصيرها إلى سقم، والموت من وراء ذلك. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَك (٧)﴾ [الانفطار: ٧]، أي: جعلك سويًّا معتدل القامة منتصبًا في أحسن الهيئات والأشكال، فلو اجتمع الخلق كلهم وأرادوا أن يضعوا عين الإنسان في مكان أحسن من الذي خلقه الله عليه لم يجدوا، وكذلك الأنف والأذن والرجل وسائر الأعضاء، فصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم (٤)﴾ [التين: ٤]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَك (٨)﴾ [الانفطار: ٨]، يعني: أن الله رَكَّبَكَ في أي صورة شاء، فمن الناس من هو جميل ومنهم من هو قبيح ومنهم المتوسط، ومنهم الأبيض ومنهم الأحمر ومنهم الأسود ومنهم بين ذلك. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّين (٩)﴾ [الانفطار: ٩]، أي: بل إنما يحملكم على مواجهة الكريم، ومقابلته بالمعاصي، تكذيبٌ في قلوبكم بالمعاد، والجزاء، والحساب. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]، أي: أن كل إنسان عليه حفظة يكتبون أعماله، وهؤلاء الحفظة كرام عدول لا يظلمون أحدًا، فلا يكتبون عليه ما لم يعمل، ولا يتركوا كتابة شيء من أعماله الصالحة، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق: ١٨]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار: ١٢]: إما بالمشاهدة

стр. 1724

إن كان فعلًا، وإما بالسماع إن كان قولًا، بل إن عمل القلب يطلعهم الله عليه فيكتبونه، كما قال النبي ﷺ في الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: قَالَ اللهُ : «إذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا. وفي رواية: إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ» (١). قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣]: هم القائمون بحقوق الله، وحقوق عباده، الملازمون للبر في أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فهؤلاء جزاؤهم النعيم في القلب والروح والبدن في دار الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار القرار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ فِي الدُّنيَا لَجَنَّةً، مَن لَم يَدخُلْهَا لَم يَدخُلْ جَنَّةَ الآخِرَةِ» (٢). قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم (١٤)﴾ [الانفطار: ١٤]: الفجار هم الكفار لهم عذاب أليم في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّين (١٥)﴾ [الانفطار: ١٥]، أي: يوم الحساب والجزاء. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِين (١٦)﴾ [الانفطار: ١٦]، أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا

стр. 1725

يُجابون إلى ما يسألون من الموت، أو الراحة، ولو يومًا واحدًا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّين (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّين (١٨)﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٨]: هذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم، يعني: أي شيء أعلمك بيوم الدين؟ والمعنى: أعلم هذا اليوم وأقدره قدره. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩]، أي: لا يقدر أحدٌ على نفع أحدٍ ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِب لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا» (١). قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩]: فهو الذي يفصل بين العباد، ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فإن قال قائل: أليس الأمر لله تعالى في يوم الدين وفيما قبله؟ الجواب: أن الأمر لله تعالى يوم الدين وفيما قبله، لكن ظهور أمره في ذلك اليوم أكثر بكثير من

стр. 1726

ظهور أمره في الدنيا، ففي الدنيا يخالف الإنسان أوامر الله ويطيع أمر سيده، فلا يكون الأمر لله بالنسبة لهذا ولكن في الآخرة ليس فيه إلا أمر الله ، وهذا كقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار (١٦)﴾ [غافر: ١٦]. والملك لله في الدنيا وفي الآخرة، لكن في ذلك اليوم يظهر ملكوت الله وأمره، ويتبين أنه ليس هناك أمر في ذلك اليوم إلا لله » (١). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1727

الكلمة الخامسة والستون: الترغيب في الزواج الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن نعم الله علينا كثيرة متتابعة بتتابع الليل والنهار، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. ومن هذه النعم العظيمة نعمة الزواج وهو آية من آيات الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٢١)﴾ [الروم: ٢١]، وهو من سنن المرسلين، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. وَقَد تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكثَرَ مِنَ امرَأَةٍ، وَقَالَ: «إِنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١). وقال تعالى مُرَغِّبًا في النكاح: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ [النساء: ٣]. وقد حثَّ عليه الشارع، لما يترتَّب عليه من مصالح دينيَّة

стр. 1728

ودنيويَّة، فمن ذلك: أولًا: تكثير نسل أمة محمد ﷺ : فالأمة كلما كثرت حصل لها من العزة والهيبة ما لا يحصل لها في حال القلة، ولهذا امتن الله على بني إسرائيل بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٦]، وذكَّر شعيب قومه بذلك فقال سبحانه عنه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (١). ثانيًا: إحصان الزوجين: فالزواج حصن للرجل والمرأة من الوقوع فيما حرم الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» (٢). ثالثًا: أن الزواج ستر للزوجين ووقاية وجمال: قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 1729

رابعًا: أن المرأة سكن للرجل: قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، فكما أن الإنسان يتخذ المسكن ليستتر به ويتقي به الحر والبرد وغير ذلك، فإن الزوجة تكون سكنًا لزوجها يطمئن إليها ويجد في قربها الأنس والراحة. خامسًا: المودة والرحمة بين الزوجين: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٢١)﴾ [الروم: ٢١]. سادسًا: السعادة والإعانة على الطاعة، والخير: روى ابن حبان في صحيحه مِن حَدِيثِ سَعدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ» (١)، وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٢). سابعًا: سبب للغنى وكثرة الرزق: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، وقد كان بعض السلف ينصح من أصابته فاقة بالزواج لهذه الآية، قَالَ أَبُو بَكرٍ ﵁: «أَطِيعُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُم بِهِ مِنَ

стр. 1730

النِّكَاحِ، يُنْجِزْ لَكُم مَا وَعَدَكُم مِنَ الغِنَى» (١)، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: «رَغَّبَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّزوِيجِ، وَأَمَرَ بِهِ الأَحرَارَ وَالعَبِيدَ، وَوَعَدَهُم عَلَيهِ الغِنَى، فَقَالَ: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾» (٢). والناكح الذي يريد العفاف مُعَانٌ في نكاحه، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» (٣). ثامنًا: إنجاب الذرية الصالحة: قال تعالى عن زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ [آل عمران: ٣٨]. روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٤). وقال العلماء: إن التزوج مع الشهوة أفضل من نوافل العبادات لما يترتب عليه من المصالح الكثيرة، وقد يكون النكاح واجبًا في بعض الأحيان كما إذا كان الرجل قوي الشهوة ويخاف على نفسه من الحرام إن لم يتزوج، فهنا يجب عليه أن يتزوج لإعفاف نفسه وكفها عن الحرام، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ

стр. 1731

عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (١). والذي يُنْصَحُ به الشباب: التبكير بالزواج ما دام قادرًا عليه، تنفيذًا لوصية النبي ﷺ ، ولما فيه من الفوائد والمنافع العظيمة السابق ذكرها. صفات الزوجة التي ينبغي اختيارها: أولًا: أن تكون ذات خلق ودين: قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ﴾ [النساء: ٣٤]، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (٢). وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٣). وقد وصفت المرأة الصالحة في حديث رواه النسائي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» (٤).

стр. 1732

ثانيًا: أن تكون بكرًا: لقول النبي ﷺ في الصحيحين مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ » (١). لكن لو تزوج ثيبًا رغبة في الإحسان إليها أو لأي مصلحة يراها فهذا طيب، فقد جاء في الصحيحين أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجَابِرٍ ﵁: «هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ قَالَ جَابِرٌ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ» (٢). ثالثًا: أن تكون ودودة ولودة: كما روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (٣) (٤). قال بعضهم: يعرف ذلك بالنظر في حال أمها، وجدتها، وخالاتها، وعماتها، فإذا كن ولودات فهي في الغالب ستكون مثلهن. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1733

الكلمة السادسة والستون: وقفة مع سورة الكوثر الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن من سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجةٍ إلى تدبرها، ومعرفة ما فيها من الحكم والفوائد الجليلة سورة الكوثر، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر (٣)﴾ [الكوثر: ١ - ٣]. روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَنَسِ ابنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَغْفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِغْفَاءَةً، فَرَفَعَ رَاسَهُ مُتَبَسِّمًا، إِمَّا قَالَ لَهُمْ، وَإِمَّا قَالُوا لَهُ: لِمَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ حَتَّى خَتَمَهَا، قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيِهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ، يُخْتَلَجُ العَبْدُ مِنْهُم؛ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَهُ مِنْ أُمَّتِي! فَيُقَالُ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ » (١).

стр. 1734

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ الكوثر في اللغة العربية هو الخير الكثير، والنبي ﷺ أعطاه الله خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة، روى البخاري في صحيحه عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، قَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهَرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ» (١). وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَ أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ أَوْ طِيبُهُ - شَكَّ هُدْبَةُ - مِسْكٌ أَذْفَرُ» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْكَوْثَرُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ» (٣). والكوثر يصب منه ميزابان في حوض النبي ﷺ الذي يشرب منه المؤمنون يوم القيامة، فقد روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِندَمَا ذَكَرَ الحَوضَ قَالَ: «يَشْخَبُ فِيهِ

стр. 1735

مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَا» (١). قال ابن حجر: «الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصب في الحوض» (٢). قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾ أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم وصفه، فأخلص لربك صلاتك ونحرك واعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له كما قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. قال ابن جرير بعد ما ذكر الأقوال في تفسير قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾: والصواب قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والأضداد، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له، وخصَّك به من إعطائه إياك الكوثر (٣). وخصَّ هاتين العبادتين بالذكر؛ لأنهما أفضلُ العبادات وأَجَلُّ القربات، ولأن الصلاة تتضمَّن الخضوع في القلب والجوارح لله

стр. 1736

وتنقله في أنواع العبودية وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج المال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به (١). قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾، أي: إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى، والحق والبرهان الساطع، والنور المبين هو الأبتر، والأبتر قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال الذي لا ولد له ومن الدواب الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر (٢). اهـ. وكانت العرب تسمِّي من كان له بنون وبنات ثم مات البنون وبقي البنات أبتر، فيقال: إن العاص وقف مع النبي ﷺ يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت واقفًا؟ فقال: مع ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله ﷺ وكان من خديجة، فأنزل الله جل شأنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾، أي: المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. وقيل: إن قريشًا كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده: قد بتر فلان، فلما مات لرسول الله ﷺ ابنه القاسم بمكة، وإبراهيم بالمدينة؛ قالوا: بتر محمد فليس له من يقوم بأمره من بعده، فنزلت هذه الآية (٣).

стр. 1737

روى البزار في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ كَعبُ بنُ الأَشرَفِ مَكَّةَ، فَقَالَتْ لَهُ قَرَيشٌ: أَنتَ سَيِّدُهُم، أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا المُنصَبِرِ المُنبَتِرِ مِن قَومِهِ؟ يَزعُمُ أَنَّهُ خَيرٌ مِنَّا، وَنَحنُ أَهلُ الحَجِيجِ وَأَهلُ السِّدَانَةِ وَأَهلُ السِّقَايَةِ. فَقَالَ: أَنتُم خَيرٌ مِنهُ، قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾ (١). قال ابن كثير: وهو إسناد صحيح، وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره، وحاشا وكلا، فقد أبقى الله ذكره، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًّا على دوام الآباد إلى يوم الحشر، صوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد (٢). اهـ. وهذا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك (٤)﴾ [الشرح: ٤]. قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذِكرَهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَلَيسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بَها: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ (٣). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1738

الكلمة السابعة والستون: الاعتصام بالكتاب والسنة الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. قال ابن كثير ﵀: «﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ﴾ قِيلَ: بِعَهدِ اللهِ، وَقِيلَ: القُرآنُ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللهِ، وَقَالَ ابنُ مَسعُودٍ ﵁: هُوَ الجَمَاعَةُ» (١). قوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: أمرهم بالجماعة ونهاهم عن الفرقة. وقد وردت النصوص الكثيرة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (٢).

стр. 1739

والاعتصام بالكتاب والسنة هو التمسك بهما على فهم السلف الصالح وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. روى أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه في سننهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرقْ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي» (١). أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ ﵁: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلبَ مُحَمَّدٍ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ فَاصطَفَاهُ لِنَفسِهِ فَابتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعدَ قَلبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصحَابِهِ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ فَجَعَلَهُم وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَن دِينِهِ» (٢). ثُمَّ قَالَ: «مَن كَان مِنكُم مُستَنًّا فَليَستَنَّ بِمَن مَاتَ فَإِنَّ الحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيهِ الفِتنَةُ، أُولَئِكَ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا أَفضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَعمَقَهَا عِلمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اختَارَهُمُ اللهُ لِصُحبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ،

стр. 1740

فَاعرِفُوا لَهُم فَضلَهُم وَاتَّبِعُوهُم عَلَى آثَارِهِم وَتَمَسَّكُوا بِمَا استَطَعتُم مِن أَخلَاقِهِم وَسِيَرِهِم فَإِنَّهُم كَانُوا عَلَى الهُدَى المُستَقِيمِ» (١). وقد وردت النصوص الكثيرة التي تحث على التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون (٣)﴾ [الأعراف: ٣]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. والتمسك بالقرآن والسنة عصمة للعبد من الضلالة وهداية له، روى مسلم في صحيحه والحاكم في مستدركه مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» (٢) (٣). وروى الحاكم في المستدرك مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيئَينِ لَن تَضِلُّوا بَعدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم

стр. 1741

في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ ، ولا يتقدم بين يديه بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعًا لقوله، وعمله تبعًا لأمره، فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستنير فهذا أصل أهل السنة» (١). وقد دلت الأحاديث أن من تمسك بما كان عليه ﷺ ومن بعده من الخلفاء الراشدين كان من الناجين، روى أبو داود والترمذي في سننهما مِن حَدِيثِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢).

стр. 1742

وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِن بَعضِ أَهلِ الكُتُبِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ وَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» (١). ومن المعلوم أن نبي الله عيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد، وإنما يحكم بشريعة النبي ﷺ ، روى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» (٢). قال النووي: «قوله: وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، فالصواب في معناه أنه لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل منهم الجزية لم يكف عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل، هكذا قاله الإمام أبو سليمان الخطابي وغيره من العلماء» (٣).

стр. 1743

قال الإمام مالك: «لَا يَصلُحُ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا، وَمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ ». روى الطبراني في معجمه الكبير مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ﵁: «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى أُنَاسٍ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُونَ الصَّلَاةَ وَهُم حِلَقٌ، وَفِي كُلِّ حَلقَةٍ رَجُلٌ وَفِي أَيدِيهِم حَصَى، وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُم: سَبِّحُوا مِئَةً فَيُسَبِّحُونَ، كَبِّرُوا مِئَةً فَيُكَبِّرُونَ، هَلِّلُوا مِئَةً فَيُهَلِّلُونَ، فَقَالَ لَهُم: عُدُّوا سَيِّئَاتِكُم، فَأَنَا ضَامِنٌ أَن لَا يَضِيعَ مِن حَسَنَاتِكُم شَيءٌ، وَيحَكُم يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا أَسرَعَ هَلَكَتَكُم! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُم ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَم تَبلَ وَآنِيَتُهُ لَم تُكسَرْ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهدَى مِن مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوَ مُفْتَتِحُو بَابَ ضَلَالَةٍ؟ قَالُوا: وَاللهِ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، مَا أَرَدنَا إِلَّا الخَيرَ! قَالَ: وَكَم مِن مُرِيدٍ لِلخَيرِ لَم يُصِبْهُ؟ ! » (١). قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: «حِينَ تَبيَضُّ وُجُوهُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَتَسوَدُّ وُجُوهُ أَهلِ البِدعَةِ وَالفُرقَةِ» (٢). ومن فوائد الاعتصام بالكتاب والسنة: ١ - الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة للعبد من مضلات الفتن. ٢ - الاعتصام بالكتاب والسنة عصمة للعبد من الوقوع في الشهوات المحرمة.

стр. 1744

٣ - الاعتصام بالكتاب والسنة عزة للأمة، وقوة لها. ٤ - الاعتصام بالكتاب والسنة يكشف حيل الشيطان ومداخله. ٥ - الاعتصام بالكتاب والسنة دليل على صحة العقل، واستقامة الفطرة. ٦ - الاعتصام بالكتاب والسنة يثمر اطمئنان القلب، وراحة النفس. ٧ - الاعتصام بالكتاب والسنة عصمة من الوقوع في البدع ومحدثات الأمور. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1745

الكلمة الثامنة والستون: من آداب النوم الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الله تعالى جعل الليل سكنًا وراحة للناس، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]. والنوم وفاة بعدها حياة لمن شاء الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا استَيقَظَ مِن نَومِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (١). وللنوم آداب نبوية، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، فمن ذلك: ١ - إطفاء النار، والمصابيح، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا

стр. 1746

الْأَبْوَابَ» (١). والعلة في إطفاء النار والمصابيح: أن الفأرة ربما جرَّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت، كما جاء في الصحيحين مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» (٢). وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَانِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» (٣). وأما إغلاق الأبواب قبل النوم، فقد جاء في رواية مسلم مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» (٤). قال ابن دقيق العيد ﵀: «في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية، حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد، ولا سيما الشياطين، وأما قوله: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» فإشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد

стр. 1747

الشيطان عن الاختلاط بالإنسان، وخصه بالتعليل تنبيهًا على ما يخفى مما لا يُطَّلَعُ عليه إلا من جانب النبوة» (١). ٢ - تغطية الآنية: روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» (٢). ٣ - استحباب الوضوء قبل النوم: لما جاء في الصحيحين مِن حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّا وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَاتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» (٣). ٤ - نفض الفراش قبل الاضطجاع عليه والتسمية: كما جاء في الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ» (٤). وفي رواية مسلم: «وَلْيُسَمِّ اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا

стр. 1748

خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ» (١). ٥ - النوم على الشق الأيمن، ووضع اليد اليمنى تحت الخد: لِحَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ السَّابِقِ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّا وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ» (٢). وروى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ حَفصَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (٣). ٦ - قراءة بعض السور والأذكار قبل النوم: أذكر بعضًا منها: روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (٢)﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١)﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَاسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي مَسعُودٍ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ

стр. 1749

الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (١). وفي صحيح البخاري مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: في قصة الشيطان وجاء فيه: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَا آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» (٢). وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِندَ نَومِهِ: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» (٣). وفي سنن أبي داود مِن حَدِيثِ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْرَا ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» (٤). وفي صحيح البخاري مِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَن يَنَامَ قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وأَحْيَا، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (٥).

стр. 1750

٧ - استحباب الوضوء عند الجنابة قبل النوم: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ» (١). وإن اغتسل للجنابة فهو أفضل، فقد روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ أَبِي قَيسٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ، قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً» (٢). ٨ - ومن الآداب أن من استيقظ من النوم استحب له أن يقول هذا الذكر: روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عُبَادَةَ ابنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ (٣) مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (٤). وهذا حديث عظيم القدر، كثير المنافع لمن عَوَّدَ نفسه كلَّما

стр. 1751

استيقظ من نومه جرى لسانه بتوحيد الله، وذكره، فكان جزاؤه أن تقبل صلاته وتستجاب دعوته، فكم فرجت به من هموم، وكم قضيت به من ديون، وكم صلحت به أحوال فاسدة، والموفق من وفقه الله. قال ابن بطال ﵀: «وعد الله على لسان نبيه أن من استيقظ من نومه لهج لسانه بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك والاعتراف بنعمه يحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به بتسبيحه، والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعجز عن القدرة، إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به ويخلص نيته لربه » (١). ٩ - كراهية النوم على البطن: روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللهُ» (٢). ١٠ - التبكير في النوم: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» (٣). قال ابن حجر ﵀: «لأن النوم قبلها قد يؤدي إلى إخراجها

стр. 1752

عن وقتها مطلقًا أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم عن صلاة الصبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام الليل، وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَضرِبُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: أَسَمَرًا أَوَّلَ اللَّيلِ، وَنَومًا آخِرَهُ؟ ! » (١) (٢). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1753

الكلمة التاسعة والستون: التحذير من الغيبة الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فلقد شاع بين كثير من المسلمين داء عظيم حذر الله ورسوله منه وهو مِعْوَلُ هَدْمٍ، يفرق بين الأحباب، ويُورث العداوة والبغضاء، ونص أهل العلم على أنه كبيرة من كبائر الذنوب (١)، وَقَلَّ من يسلم منه إلا من رحم الله، إنه الغيبة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (٢). قال التهانوي: «الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرت نقصانًا في بدنه، أو في لبسه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، أو في ولده، أو في ثوبه، أو في

стр. 1754

داره، أو في دابته، قال: ولا تقتصر الغيبة على القول، بل تجري أيضًا في الفعل كالحركة والإشارة والكتابة» (١). اهـ. وقد شبَّه الله تعالى الغيبة بأكل اللحم للإنسان الميت، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا فإن عقوبته أشدُّ من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَارْتَفَعَتْ رِيحُ جِيفَةٍ مُنْتِنَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ هَذِهِ رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ» (٢). والمغتاب يعذب في قبره قبل يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ يَاتِينِي بِجَرِيدَةِ نَخْلٍ؟ قَالَ: فَاسْتَبَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ آخَرُ، فَجِئْنَا بِعَسِيبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ عَلَى هَذَا وَاحِدَةً، وَعَلَى هَذَا وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ سَيُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا كَانَ فِيهِمَا مِنْ بُلُولَتِهِمَا شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ فِي الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ» (٣)، وفي الصحيحين: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَالْآخَرُ كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ» (٤).

стр. 1755

قال ابن حجر: «والغيبة قد توجد في بعض صور النميمة، وهو أن يذكره في غيبته بما فيه مما يسؤوه قاصدًا بذلك الإفساد، فيحتمل أن تكون قصة الذي كان يعذب في قبره كذلك، ويحتمل أن يكون أشار إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الغيبة صريحًا كما في الحديث السابق، والظاهر اتحاد القصة ويحتمل التعدد» (١). والمغتابون يعذبون يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَاكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» (٢). وهذه الغيبة التي يتساهل بها كثير من الناس حتى أصبحت فاكهة المجالس هي عند الله عظيمة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم (١٥)﴾ [النور: ١٥]. روى أبو داود والترمذي في سننهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: تَعْنِي قَصِيرَةً؛ فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ، قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ
следующие страницы →