استيقظ من نومه جرى لسانه بتوحيد الله، وذكره، فكان جزاؤه أن تقبل صلاته وتستجاب دعوته، فكم فرجت به من هموم، وكم قضيت به من ديون، وكم صلحت به أحوال فاسدة، والموفق من وفقه الله.
قال ابن بطال ﵀: «وعد الله على لسان نبيه أن من استيقظ من نومه لهج لسانه بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك والاعتراف بنعمه يحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به بتسبيحه، والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعجز عن القدرة، إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به ويخلص نيته لربه » (١).
٩ - كراهية النوم على البطن: روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللهُ» (٢).
١٠ - التبكير في النوم: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» (٣).
قال ابن حجر ﵀: «لأن النوم قبلها قد يؤدي إلى إخراجها
стр. 1752
عن وقتها مطلقًا أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم عن صلاة الصبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام الليل، وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَضرِبُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: أَسَمَرًا أَوَّلَ اللَّيلِ، وَنَومًا آخِرَهُ؟ ! » (١)(٢).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1753
الكلمة التاسعة والستون: التحذير من الغيبة
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فلقد شاع بين كثير من المسلمين داء عظيم حذر الله ورسوله منه وهو مِعْوَلُ هَدْمٍ، يفرق بين الأحباب، ويُورث العداوة والبغضاء، ونص أهل العلم على أنه كبيرة من كبائر الذنوب (١)، وَقَلَّ من يسلم منه إلا من رحم الله، إنه الغيبة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (٢).
قال التهانوي: «الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرت نقصانًا في بدنه، أو في لبسه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، أو في ولده، أو في ثوبه، أو في
стр. 1754
داره، أو في دابته، قال: ولا تقتصر الغيبة على القول، بل تجري أيضًا في الفعل كالحركة والإشارة والكتابة» (١). اهـ.
وقد شبَّه الله تعالى الغيبة بأكل اللحم للإنسان الميت، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا فإن عقوبته أشدُّ من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَارْتَفَعَتْ رِيحُ جِيفَةٍ مُنْتِنَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ هَذِهِ رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ» (٢).
والمغتاب يعذب في قبره قبل يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ يَاتِينِي بِجَرِيدَةِ نَخْلٍ؟ قَالَ: فَاسْتَبَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ آخَرُ، فَجِئْنَا بِعَسِيبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ عَلَى هَذَا وَاحِدَةً، وَعَلَى هَذَا وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ سَيُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا كَانَ فِيهِمَا مِنْ بُلُولَتِهِمَا شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ فِي الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ» (٣)، وفي الصحيحين: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَالْآخَرُ كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ» (٤).
стр. 1755
قال ابن حجر: «والغيبة قد توجد في بعض صور النميمة، وهو أن يذكره في غيبته بما فيه مما يسؤوه قاصدًا بذلك الإفساد، فيحتمل أن تكون قصة الذي كان يعذب في قبره كذلك، ويحتمل أن يكون أشار إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الغيبة صريحًا كما في الحديث السابق، والظاهر اتحاد القصة ويحتمل التعدد» (١).
والمغتابون يعذبون يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَاكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» (٢).
وهذه الغيبة التي يتساهل بها كثير من الناس حتى أصبحت فاكهة المجالس هي عند الله عظيمة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم (١٥)﴾ [النور: ١٥].
روى أبو داود والترمذي في سننهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: تَعْنِي قَصِيرَةً؛ فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ، قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ
стр. 1756
إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» (١).
ومن أسباب هذه الغيبة مجاملة الأقران والرفاق ومشاركتهم فيما يخوضون فيه، وشفاء المغتاب غيظه بذكر مساوئ من يغتابه، والاستهزاء والسخرية واحتقار الآخرين، وحسد من يثني عليه الناس ويذكرونه بخير (٢).
قال النووي ﵀: «اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد، ولا باللسان، فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو كان من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر» (٣). اهـ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِين (٥٥)﴾ [القصص: ٥٥].
قال الغزالي ﵀: «كان الصحابة ﵃ يتلاقون بالبشر ولا يغتابون غائبًا ويرون ذلك أفضل الأعمال، ويرون خلافه عادة المنافقين» (٤)، وقال بعضهم: «أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة، ولكن في الكف عن أعراض الناس» (٥).
стр. 1757
قال البخاري ﵀: «أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا» (١).
قال الذهبي: «صدق ﵀، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا، وَقَلَّ أن يقول: فلان كذاب، أو: كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر؛ فهو متهم واه، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا، وهذا هو والله غاية الورع» (٢).
قال محمد بن أبي حاتم الوراق: «وسمعته يقول: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها» (٣).
وقد استثنى العلماء جواز الغيبة لستة أسباب، وهي كما قال النووي:
١ - التظلم: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني بكذا.
٢ - الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب: فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا
стр. 1758
فازجره عنه، ونحو هذا، ويكون مقصده التوصل إلى إزالة المنكر.
٣ - الاستفتاء: فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو زوجي فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك.
٤ - تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه:
منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين.
ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو معاملته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بِنِيَّةِ النصيحة.
ومنها إذا رأى متفقهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة.
ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحًا لها، وإما أن يكون فاسقًا أو مغفلًا، ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من صلح.
٥ - أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، وأخذ المكس وجباية الأموال، فيجوز ذكره بما يجهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب.
стр. 1759
٦ - التعريف: فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى، جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة النقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك لكان أولى (١).
فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء، وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة.
قال الجمهور من العلماء: «طريقُ المغتاب في توبته أن يُقلع عن ذلك، ويعزم على ألا يعود، وأن يتحلل من الذي اغتابه، وقال آخرون: لا يشترط أن يتحلله، فإنه إذا أعلمه بذلك ربَّما تأذى أشد مِمَّا إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، فتكون تلك بتلك» (٢).
تنبيه: من أعظم ما يردع المؤمن عن الغيبة، إضافة إلى الآيات والأحاديث المشهورة التي فيها الوعيد الشديد لمن وقع في الغيبة؛ أن يتذكر أنه يُهدي حسناته: من صلاة، وصوم، وحج، وغيرها إلى الذي اغتابه أو يتحمل أوزاره وذنوبه إذا لم تكفي حسناته التي ذهبت منه، وهذا هو أعظم الخسارة والإفلاس التي أخبر عنها النبي ﷺ .
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1760
الكلمة السبعون: تأملات في سورة النصر
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ (١) أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَاتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ (٢) فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ» (٣).
ومن سور القرآن العظيم التي تتكرَّر على أسماعنا سورة
تُلَوِّحُ بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيمانًا ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام» (١). اهـ.
وكان فتح مكة في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن المراد بالفتح فتح مكة كما في حديث عائشة السابق.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، قال القرطبي: «فإن قيل: فماذا يغفر للنبي ﷺ حتى يؤمر بالاستغفار؟ فقيل: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يقول في دعائه: رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، إنك على كل شيء قدير» (٢).
فكان ﷺ يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبًا، ويحتمل أن يكون بمعنى كن متعلقًا به، سائلًا راغبًا، متضرعًا على رؤية التقصير في أداء الحقوق، لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال، وقيل: الاستغفار تعبد يجب إتيانه،
стр. 1764
لا للمغفرة بل تعبدًا، وقيل: ذلك تنبيه لأمَّته، لكي لا يأمنوا ويتركوا الاستغفار، وقيل: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، أي: استغفر لأمَّتك (١).
قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، أي: على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم ويقبل توبتهم، وإذا كان ﷺ وهو معصوم يؤمر بالاستغفار فما الظن بغيره؟ ! روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ الأَغَرِّ المُزَنِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةَ» (٢).
قَالَ ابنُ عُمَرَ ﵄: «نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِمِنًى فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، فَعَاشَ بَعدَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ثَمَانِينَ يَومًا (٣)، ثُمَّ انتَقَلَ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعلَى».
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1765
الكلمة الواحدة والسبعون: أحوال الموتى والمحتضرين
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم (٨٣) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُون (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَاّ تُبْصِرُون (٨٥) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِين (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِين (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧].
المراد: ساعة الاحتضار، ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُون (٨٤)﴾ إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ بعلمنا وقدرتنا وملائكتنا، ولكن لا تبصرونهم (١).
قال ابن القيِّم ﵀: «إن الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلًا بها غيبًا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك من كمال حكمته وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبًا منه ويشاهدهم عيانًا ويتحدثون عنده ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة وإما من النار، وَيُؤَمِّنُونَ على دعاء الحاضرين بالخير أو الشر، وقد يسلمون على المحتضر ويرد عليهم تارة بلفظه وتارة بإشارته وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن
стр. 1766
من نطق ولا إشارة، وقد سُمِع بعض المحتضرين يقول: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بهذه الوجوه، وأخبرنا شيخنا عن بعض المحتضرين فلا أدري أشاهده أو أُخبر عنه أنه سُمع وهو يقول: عليك السلام ها هنا فاجلس، وعليك السلام ها هنا فاجلس» (١). اهـ.
وذكر ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: «أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت (ثلاث مرات) ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فَأَحَدَّ النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين، ثم قرأ الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض» (٢).
وقال فضالة بن دينار: حضرت محمد بن واسع وقد سُجِّيَ للموت فجعل يقول: مرحبًا بملائكة ربي ولا حول ولا قوة إلا بالله، وشممت رائحة طيبة لم أشم رائحة قط أطيب منها، ثم شَخَصَ بصره فمات، والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر وأبلغ (٣).
قال ابن القيم ﵀: «ولقد أخبر بعض الصادقين أنه حفر ثلاثة أَقْبُرٍ، فلما فرغ منها اضطجع ليستريح فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبرِ فقال أحدهما لصاحبه: اكتب
стр. 1767
فرسخًا في فرسخ - والفرسخ ثلاثة أميال وهو ما يساوي أربع كيلو ونصف تقريبًا - ثم وقفا على الثاني فقال: اكتب ميلًا في ميل، ثم وقفا على الثالث فقال: اكتب فِترًا في فتر، ثم انتبه فجيء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول، ثم جيء برجل آخر فدفن في القبر الثاني، ثم جيء بامرأةٍ مُتْرَفَةٍ من وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سمعه يقول فترًا في فتر - والفتر ما بين الإبهام والسبابة -».
وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرزيز الحراني: أنه خرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان، قال: فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور، فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كوز الزجاج (١)، والميت في وسطه، فجعلت أمسح عيني وأقول: أنا نائم أم يقظان؟ ثم الْتَفَتُّ إلى سور المدينة وقلت: والله ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، ثم دخلت البلد فسألت عن صاحب القبر؟ فإذا به مَكَّاس (٢) وقد توفي ذلك اليوم.
فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يريه ذلك، فإذا شاء الله سبحانه أن يُطْلِعَ على ذلك بعض عبيده أطلعه وَغَيَّبَهُ عن غيره، إذ لو اطَّلَعَ عليه العباد كلهم لزالت
стр. 1768
كلمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس.
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ» (١)(٢).
ومن أحوال المحتضرين أن أحدهم قيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها.
وقال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلًا عند الموت يلقن: لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه؟ فإذا هو مدمن خمر، فكان يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء حتى قبضت روحه (٣).
وفي صحيح مسلم مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (٤).
قال ابن كثير ﵀: «والذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان
стр. 1769
مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة» (١).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1770
الكلمة الثانية والسبعون: دروس وعبر من الهجرة النبوية
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
لقد كانت الهجرة النبوية الحدث الإسلامي الكبير الذي غير مجرى التاريخ، واللبنة الأولى لقيام الدولة الإسلامية المباركة، والمُتَأَمِّلُ في حدث الهجرة النبوية يجد الكثير من الدروس والعبر التي تستفيد منها الأجيال المسلمة إلى يوم القيامة.
روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَاتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ.
قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَاذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ،
يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلَانِي، إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلى الْمَدِينَةِ» (١).
من الدروس والعبر:
أولًا: إن الهجرة زمنًا ومكانًا وحيٌ من الله لنبيِّه ﷺ ، فقد روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بالْخُرُوجِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ » (٢).
وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ» (٣).
ثانيًا: التنظيم والتخطيط الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ما كان يكتنفها من صعاب وعقبات.
ثالثًا: حفظ الله لنبيه من أول بعثته إلى أن وصل إلى المدينة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وحكى الله تعالى قول نبيه لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي بَكرٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ
стр. 1774
النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ فَرَفَعْتُ رَاسِي فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَاطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا، قَالَ: اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ اثْنَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» (١).
رابعًا: لَمَّا عَفَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ، عَرَضَ عَلَيهُ سُرَاقَةُ المُسَاعَدَةَ وَقَالَ: هَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ بِإِبِلِي وَغَنَمِي فِي مَوضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا».
فحين يزهد الدعاة فيما عند الناس يحبهم الناس، وحين يطمعون في أموال الناس ينفر الناس منهم، وهذا درس بليغ للدعاة إلى الله.
خامسًا: أن الدور الذي قام به أبو بكر ﵁ في الهجرة يُعَدُّ مَنْقَبَةً كُبْرَى له، ويكفيه تكريمًا أن يذكر في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
سادسًا: قال ابن القيِّم ﵀: «في استئجار النبي ﷺ لعبد الله بن أريقط الدؤلي هاديًا في وقت الهجرة - وهو كافر - دليل على جواز الرجوع إلى الكافرين في الطب والأدوية والكتابة والحساب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرًا أن لا يوثق به في شيء أصلًا، فإنه لا شيء أخطر
стр. 1775
من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة» (١).
٧ - أن حكم الهجرة لم ينسخ بل هو باق إلى يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: «حَدَّثَهُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ» (٢)(٣).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1776
الكلمة الثالثة والسبعون: السواك
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فمن السنن المؤكَّدة التي غفل عنها كثير من الناس: السواك، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» (١).
والسواك طهارة لفم الإنسان مما يصيبه من بقايا الطعام، ومرضاة للرب، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٢).
وقد حثَّ النبي ﷺ أمَّته على السواك، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٣).
стр. 1777
وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ وَاثِلَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ» (٢).
ويتأكد السواك في مواضع عديدة منها:
أولًا: عند كل صلاة فرضًا كان أم نفلًا، لما تقدَّم مِن حَدِيثِ النبي ﷺ الذي وَرَدَ فيه: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٣).
ثانيًا: عند كل وضوء لِقَولِهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (٤).
ثالثًا: عند القيام من نوم الليل، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ الليلِ يَشُوصُ (٥) فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (٦).
رابعًا: عند دخول البيت، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ
قال الصنعاني: «قد ذكر في السواك زيادة على مائة حديث، فَوَاعَجَبًا لِسُنَّةٍ تأتي فيها الأحاديث الكثيرة ثم يهملها كثير من الناس، بل كثير من الفقهاء، فهذه خيبة عظيمة» (١). اهـ.
ومن أسباب حرص النبي ﷺ على كثرة استعمال السواك؛ أنه ﷺ كان يكره أن توجد منه الرائحة، وإن مما يؤسف له تفريط البعض في التنبه لهذا الأمر مما ينتج عنه أذى المحادث والمجالس، والمصلي بسبب النتن الذي يخرج من أفواه هؤلاء وخاصة المدخنين ومن يتناول الأطعمة ذات الروائح الكريهة، مع توفر وسائل التطهر وسهولة الحصول عليها. وعلى هؤلاء أن يعلموا أنه لا يحل لهم الصلاة في المساجد مع جماعة المسلمين فضلًا عن غيرها من المجالس والاجتماعات، قال النبي ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ - الثُّومِ - (وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ)، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (٢).
وأفضل أنواع السواك ما أخذ من شجر الأراك.
وقد قام باحثون بعمل أبحاث وتوصلوا إلى أن عصارة السواك تحتوي على مضادات طبيعية للبكتيريا المسببة لتسوس الأسنان، وأمراض اللثة، وأن الذين يستخدمون السواك أقل عرضة للإصابة
стр. 1780
بتسوس الأسنان وأمراض اللثة من الذين لا يستخدمونه ... وغيرها من الفوائد (١).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1781
الكلمة الرابعة والسبعون: وقفات مع سورة الفيل
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الله أنزل القرآن الكريم لتدبره والعمل به، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. ومن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجة إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم والفوائد الجليلة سورة الفيل.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل (٣) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيل (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّاكُول (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل (١)﴾ قال ابن كثير ﵀: «هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله، وأرغم أنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، وكانوا قومًا نصارى وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإِرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول:
стр. 1782
لم ننصركم «يا معشر قريش» على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد ﷺ خاتم الأنبياء» (١).
وقصة أصحاب الفيل على وجه الاختصار: أن ملك اليمن أبرهه أراد أن يصد الناس عن الحج إلى الكعبة فبنى بيتًا يشبه الكعبة، ودعى الناس إلى حجه، ليصدهم عن حج بيت الله، فغضب لذلك العرب، وذهب رجل منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملك اليمن بدلًا عن الكعبة، ولطخ جدرانه بالقذر، فغضب ملك اليمن غضبًا شديدًا، وعلم أن ذلك من فعل العرب، فقدم بجيش عظيم إلى مكة، وكان معه الفيلة، وفي طريقه بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نفيل بن حبيب الخثعمي، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز، ولما تهيأ أبرهه لدخول مكة وهيأ فيله (محمود) أكبر الفيلة وعبأ جيشه ووجهوا الفيل نحو مكة، أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود أو ارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين (٢) وأدخلوا محاجنهم في مَراقَه (٣) وبزغوه (٤) بها
стр. 1783
ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نُفيل ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة وجعل نفيل يقول:
أَيْنَ المَفَرُّ؟ وَالإِلَهُ الغَالِبُ
وَالأَشْرمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الغَالِبِ
وكان ذلك قبل بعثة النبي ﷺ بأربعين عامًا وكان بعض الذين شهدوا ذلك أحياء عند البعثة.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل (٢)﴾ أي: ألم يجعل الله تعالى مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة ضلالًا منهم أدى بهم إلى الهلاك؟
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل (٣)﴾ أي: جماعات متفرقة وهي طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا يصيب شيئًا إلا هشمه.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيل (٤)﴾ قالوا: هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم،
стр. 1784
فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري، وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّاكُول (٥)﴾ أي: كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، وقيل: المعنى صاروا كورق زرع قد أكلت منه الدواب وبقي منه التبن.
والمعنى أن الله أهلكهم ودمرهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح كما جرى لملكهم أبرهه، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات.
ومن فوائد السورة الكريمة:
أولًا: أن هذه نهاية كل طاغية يحارب الله ويستحل حرماته، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥]. وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]» (١).
ثانيًا: قدرة الله العظيمة، فهو القادر على كل شيء، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر (٥٠)﴾ [القمر:
الكلمة الخامسة والسبعون: خطر النميمة
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن النميمة من الذنوب العظيمة التي حذر الله ورسوله منها، وهي مرض عضال، وداء خبيث، يفسد في المجتمعات ويورث العداوة والبغضاء فيها، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَّهِين (١٠) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
قال ابن كثير: ﴿مَّشَّاء بِنَمِيم﴾: الذي يمشي بين الناس وَيُحَرِّشُ بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة (١).
والنميمة كما بيَّنها النبي ﷺ هي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ (٢) هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (٣).
стр. 1787
قال أبو السعادات: «الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»: أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس.
وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة (١).
والنمام متوعَّد بعدم دخول الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةَ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ - إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (٢).
قال ابن حجر: «القَتَّاتُ هو النَّمَّامُ، ووقع بلفظ: «نَمَّامٌ» في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم (٣)، وقيل: الفرق بين القتات والنمام، أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يتسمع من حيث لا يُعلم به ثم ينقل ما سمعه» (٤).
والنمام يعذب في قبره قبل يوم القيامة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى،
стр. 1788
أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» (١).
والنمام شر عباد الله، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ غَنَمٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ» (٢).
والفرق بين الغيبة والنميمة: أن الغيبة هي التكلم خلف إنسان مستور بما هو فيه مما يكرهه، أما النميمة فهي نقل كلام صادر عن الغير بغية الإفساد، وعلى ذلك تكون الغيبة صادرة عن المغتاب في الأصل، أما النميمة فهي كلام صادر عن الغير، وكذلك الغيبة قد تباح في بعض الأحيان لغرض شرعي، أما النميمة فلم ينقل جواز إباحتها أحد.
قال الذهبي ﵀: «النميمة من الكبائر، وهي حرام بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت على تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة، وقد أجاب عما يوهم أنها من الصغائر، وَهِيَ قَولُهُ ﷺ : «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»، بأن المراد ليس بكبير تركه عليهما أو ليس بكبير في زعمهما، ولهذا قيل في رواية أخرى: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ» (٣).
стр. 1789
قال ابن حجر: «وجه كونه أي (النم) كبيرة ما فيه من الإفساد، وما يترتب عليه من المضار، والحكم على ما هو كذلك بأنه كبير ظاهر جلي» (١).
قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم الغيبة، والنميمة في غير النصيحة الواجبة وفيه دليل على أنها من الكبائر» (٢).
قال الذهبي ﵀: «كل من حُملت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان: كذا وكذا؛ لزمه ستة أحوال:
الأول: ألا يصدقه لأنه نمام فاسق وهو مردود الخبر.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله ، فإنه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب.
الرابع: ألا يظن في المنقول عنه السوء لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
الخامس: ألا يحمله ما حُكي له على التجسس والبحث عن تحقق ذلك مصداقًا لِقَولِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.
السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته.
стр. 1790
وتكمن خطورة النمام في أنه يقل الاحتراز منه؛ لأنه يأتي في صورة الناصح المشفق، فإن صدقته تحقق حينئذ ما يريده النمام من الإفساد، قال ابن حزم: «من جاء إليك بباطل رجع من عندك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك فأجبته فرجع عنك بحق، فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله» (١).
والنمَّامون كثيرون ومن أشدهم خطرًا: طائفة جعلت مهنتها الوقيعة بين العلماء والحكام، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ ! قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ، قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا (٢).
وهذا المعنى الذي آثر ابن مسعود المصير إليه؛ جاء في حديث ضعَّفه بعض أهل العلم وجاء فيه: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ