الكلمة الخامسة والسبعون: خطر النميمة
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن النميمة من الذنوب العظيمة التي حذر الله ورسوله منها، وهي مرض عضال، وداء خبيث، يفسد في المجتمعات ويورث العداوة والبغضاء فيها، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَّهِين (١٠) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
قال ابن كثير: ﴿مَّشَّاء بِنَمِيم﴾: الذي يمشي بين الناس وَيُحَرِّشُ بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة (١).
والنميمة كما بيَّنها النبي ﷺ هي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ (٢) هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (٣).
стр. 1787
قال أبو السعادات: «الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»: أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس.
وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة (١).
والنمام متوعَّد بعدم دخول الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةَ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ - إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (٢).
قال ابن حجر: «القَتَّاتُ هو النَّمَّامُ، ووقع بلفظ: «نَمَّامٌ» في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم (٣)، وقيل: الفرق بين القتات والنمام، أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يتسمع من حيث لا يُعلم به ثم ينقل ما سمعه» (٤).
والنمام يعذب في قبره قبل يوم القيامة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى،
стр. 1788
أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» (١).
والنمام شر عباد الله، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ غَنَمٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ» (٢).
والفرق بين الغيبة والنميمة: أن الغيبة هي التكلم خلف إنسان مستور بما هو فيه مما يكرهه، أما النميمة فهي نقل كلام صادر عن الغير بغية الإفساد، وعلى ذلك تكون الغيبة صادرة عن المغتاب في الأصل، أما النميمة فهي كلام صادر عن الغير، وكذلك الغيبة قد تباح في بعض الأحيان لغرض شرعي، أما النميمة فلم ينقل جواز إباحتها أحد.
قال الذهبي ﵀: «النميمة من الكبائر، وهي حرام بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت على تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة، وقد أجاب عما يوهم أنها من الصغائر، وَهِيَ قَولُهُ ﷺ : «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»، بأن المراد ليس بكبير تركه عليهما أو ليس بكبير في زعمهما، ولهذا قيل في رواية أخرى: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ» (٣).
стр. 1789
قال ابن حجر: «وجه كونه أي (النم) كبيرة ما فيه من الإفساد، وما يترتب عليه من المضار، والحكم على ما هو كذلك بأنه كبير ظاهر جلي» (١).
قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم الغيبة، والنميمة في غير النصيحة الواجبة وفيه دليل على أنها من الكبائر» (٢).
قال الذهبي ﵀: «كل من حُملت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان: كذا وكذا؛ لزمه ستة أحوال:
الأول: ألا يصدقه لأنه نمام فاسق وهو مردود الخبر.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله ، فإنه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب.
الرابع: ألا يظن في المنقول عنه السوء لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
الخامس: ألا يحمله ما حُكي له على التجسس والبحث عن تحقق ذلك مصداقًا لِقَولِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.
السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته.
стр. 1790
وتكمن خطورة النمام في أنه يقل الاحتراز منه؛ لأنه يأتي في صورة الناصح المشفق، فإن صدقته تحقق حينئذ ما يريده النمام من الإفساد، قال ابن حزم: «من جاء إليك بباطل رجع من عندك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك فأجبته فرجع عنك بحق، فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله» (١).
والنمَّامون كثيرون ومن أشدهم خطرًا: طائفة جعلت مهنتها الوقيعة بين العلماء والحكام، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ ! قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ، قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا (٢).
وهذا المعنى الذي آثر ابن مسعود المصير إليه؛ جاء في حديث ضعَّفه بعض أهل العلم وجاء فيه: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ
стр. 1791
أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (١).
وطائفة أخرى أكل الحسد قلوبها، فلا تكاد ترى زوجين أو صديقين متآلفين إلا سعت للتفريق بينهما بالنميمة، كل ذلك في لباس النصح والإشفاق.
وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵀: أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم (١١)﴾، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا (٢).
قال الحسن البصري: من نَمَّ إِلَيكَ نَمَّ عَلَيكَ.
ومما تعالج به النميمة: أن يعلم النمام أنه معرض نفسه لسخط الله تعالى وعقوبته، وأنها تحبط الحسنات، وأن يتدبر المرء في عيوبه ويجتهد في التطهر منها، وأن يعلم أن تأذي غيره بالغيبة أو بالنميمة كتأذيه بها فكيف يرضى لغيره ما يتأذى به، قال الشاعر:
تَنَحَّ عَنِ النَّمِيمَةِ وَاجْتَنِبْهَا ... فَإِنَّ النَّمَّ يُحْبِطُ كُلَّ أَجْرِ
يُثِيرُ أَخُو النَّمِيمَةِ كُلَّ شَرٍّ ... وَيَكْشِفُ لِلخَلَائِقِ كُلَّ سِرِّ
الكلمة السادسة والسبعون: الفأل وحسن الظن بالله
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الفأل وحسن الظن بالله من الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يحافظ عليها، فإنها تعطيه دافعًا للعمل والتقدم إلى الأمام، فإن المتفائل عنده أمل أن يكون حاله في مستقبله خيرًا من يومه، وبأن يعوض فيه ما فاته، وأن يتجاوز العقبات والمحن، وأن يحقق المصالح والمنافع التي ليست في حوزته اليوم.
قال الماوردي: «الفأل فيه تقوية للعزم، وباعث على الجد، ومعونة على الظفر، فقد تفاءل رسول الله ﷺ في غزواته وحروبه (١)، والمراد بالتفاؤل انشراح قلب المؤمن، وإحسانه الظن، وتوقع الخير».
قال ابن الأثير: «التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفاءل بما يسمع من كلام فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طلب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته» (٢).
стр. 1794
وَالنَّبِيُّ ﷺ حُوصِرَ وَأُوذِيَ وَأُخرِجَ مِن بَلَدِهِ، وَقُتِلَ أَصحَابُهُ، وَمَاتَ لَهُ سِتَّةٌ مِنَ الوَلَدِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَتَفَاءَلُ وَيُعجِبُهُ الاِسمُ الحَسَنُ.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُعْجِبُنِي الْفَالُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَفَاءَلُ وَلَا يَتَطَيَّرُ، وَيُعْجِبُهُ الاِسْمُ الْحَسَنُ» (٢).
وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ (حَزْنًا) قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ» (٣).
وفي صلح الحديبية عندما جاء سهيل بن عمرو لمفاوضة المسلمين، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصحَابِهِ: «سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» (٤).
قال ابن عباس ﵄: الفرق بين الفأل والطيرة، أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء (٥)، فكذلك
стр. 1795
كرهت، قال الحليمي: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء الظن بالله تعالى، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمورٌ بحسن الظن بالله تعالى على كل حال» (١)، قال البغوي: «وإنما أحب النبي ﷺ الفأل لأن فيه رجاءَ الخير والفائدة، ورجاءَ الخير أحسن بالإنسان من اليأس وقطع الرجاء عن الخير» (٢). اهـ.
والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال (٣)، وقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى حسن الظن بالله تعالى.
روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (٤).
وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ » (٥).
قال العلماء: حسن الظن بالله تعالى، أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه (٦)، والذي يتأمل في أحوال الرسل ﵈، والصالحون
стр. 1796
من بعدهم يجد أنهم متفائلون في أحلك الظروف، والشدائد، فهذا موسى ﵇ ومن معه عندما لحق بهم فرعون وجنوده وأصبح البحر أمامهم، والعدو خلفهم كان متفائلًا ومحسنًا للظن بربه، قال تعالى حاكيًا عنه ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون (٦١) قَالَ كَلَاّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
وأم إسماعيل هاجر عندما تركها إبراهيم ﵇ في مكة مع ابنها إسماعيل، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعها هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم مضى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا (١).
وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، لما نزل الوحي على النبي ﷺ ورجع إليها خائفًا يقول: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي. قَالَتْ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (٢).
ونبينا محمد ﷺ كان من أعظم الناس تفاؤلًا وحسن ظن
فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ (١).
ومن التفاؤل الذي يُذكر في هذا المجال: ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففي سنة (٧٠٢ هـ) تحرك التتار لغزو بلاد الشام فأخبر ابن تيمية الناس والأمراء أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا، فيقال له: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، قال ابن القيِّم: وسمعته يقول ذلك، قال: فلما أكثروا عَلَيَّ قلت: لا تكثروا، كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام، قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو، وكان النصر حليف المسلمين، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين﴾ [الروم: ٤٧] (٢).
ومن ذلك أن الشيخ شمس الدين الذي تولى تربية السلطان محمد الفاتح العثماني ﵀ كان يأخذ السلطان محمدًا بيده ويمر به على الساحل ويشير إلى أسوار القسطنطينية التي تلوح في الأفق من بعيد شاهقة حصينة، ثم يقول له: أترى هذه المدينة التي تلوح في الأفق، إنها القسطنطينية، وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن رجلًا من أمته سيفتحها بجيشه ويضمها إلى أمة التوحيد، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ
стр. 1799
الْجَيْشُ» (١). ثم تفاءل الأمير الصبي وعقد العزم على أن يجتهد ليكون هو ذلك الفاتح الذي بشر به الصادق المصدوق ﷺ ، ولما جاء اليوم الموعود وتولى الخلافة شرع السلطان محمد الفاتح يفاوض الإمبراطور قسطنطين ليسلمه القسطنطينية، فلما بلغه رفض الإمبراطور تسليم المدينة قال بكل تفاؤل: حسنًا عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر، حاصر السلطان محمد الفاتح القسطنطينية واحدًا وخمسين يومًا، تعددت خلالها المعارك العنيفة وبعدها سقطت المدينة الحصينة التي استعصت على الفاتحين قبله، سقطت على يد بطل شاب له من العمر ثلاثة وعشرون عامًا.
ومن ذلك ما ذكره الشيخ المقرئ عبد الله بن أحمد ابن سعيد قال: «مرضت بدمشق مرضًا شديدًا، فجاءني ابن تيمية ﵀ وجلس عند رأسي وأنا مثقل بالحمى والمرض فدعا لي، ثم قال: جاءت العافية فما كان إلا أن قام، وإذا بالعافية قد جاءت، وَشُفِيتُ لوقتي» (٢).
ومن فوائد الفأل وحسن الظن بالله:
أولًا: يجلب السعادة والسرور إلى القلب، ويذهب عنه الهم
стр. 1800
والحزن، وهذا مطلوب شرعًا، ففي صحيح البخاري مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ» (١).
ثانيًا: فيه تقوية للعزائم، ومعونة على الظفر، وباعث على الجد والعمل، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]. وفي صحيح مسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (٢).
ثالثًا: فيه اقتداء بالسنة النبوية، فقد حثَّ النبي ﷺ على ذلك.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1801
الكلمة السابعة والسبعون: مواقف مؤثرة
من سيرة الإمام أحمد بن حنبل
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وإمام من أئمة الهدى، نصر الله به الدين، وحفظ به السنة، ولد سنة (١٦٤ هـ)، ونشأ يتيمًا، فقد مات والده وهو طفل صغير، وطلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان طوالًا أسمر شديد السمرة، تزوج وهو ابن أربعين سنة، قال أبو زرعة الرازي: كان يحفظ ألف ألف حديث «يعني مليون حديث»، ولما سُئل أبو زرعة عن ذلك قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
قال الذهبي: وهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فسر، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ ذلك (١).
إنه إمام أهل السنة والجماعة، شيخ الإسلام أحمد ابن
стр. 1802
محمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، ويُكنى بأبي عبد الله.
قال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل، ولا أعلم ولا أتقى، من أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن راهوية: أحمد حجة بين الله وخلقه.
قال الذهبي: كان أحمد عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التأله، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟ وكان مهيبًا في ذات الله، حتى قال أبو عبيد: ما هبت أحدًا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل.
وكان يجتمع في مجلس أحمد خمسة آلاف، أو يزيدون؛ نحو خمس مائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت، وسأله أحد أصحابه ذات يوم: إلى متى تستمر في طلب العلم وقد أصبحت إمامًا للمسلمين؟ فقال له: من المحبرة إلى المقبرة.
وكان ﵀ متفقهًا زاهدًا في الدنيا، قال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث، والفقه، والورع، والزهد، والصبر، وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط.
قال أحمد بن سنان: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه، وعرض عليه عبد الرزاق دراهم فلم يقبلها.
стр. 1803
قال المروذي: كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموت هان عَلَيَّ كل أمر الدنيا، إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل ما أعدل بالفقر شيئًا، ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر، وقال: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أُعرف، قد بُليت بالشهرة.
وكان تقيًّا، ورعًا متواضعًا، قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير.
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك، قال أخاف أن يكون هذا استدراجًا بأي شيء هذا؟ وقلت له: قدم رجل من طرسوس فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء، ادعوا لأبي عبد الله، وكنا نمد المنجنيق، ونرمي عن أبي عبد الله ولقد رمي عنه بحجر، والعلج على الحصن متترس بدرقة فذهب برأسه وبالدرقه، قال: فتغير وجه أبي عبد الله وقال: ليته لا يكون استدراجًا، قلت: كلا، ودخل عليه رجل وأثنى عليه وقال: جزاك الله عن الإسلام خيرًا؛ فاغتم وقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا، من أنا وما أنا؟
قال صالح بن أحمد: كان أبي إذا دعا له رجل يقول: الأَعمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا.
وقال المروذي: قلت لأحمد: كيف أصبحت؟ قال: كيف
стр. 1804
أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطلبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة.
قال المروذي: لما ذكر الإمام أحمد أخلاق الورعين فقال: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟ وهذا من تواضعه وإلا فهو إمام في ذلك.
وكان ﵀ من الصادعين بالحق والصابرين عليه، وقد ابتُلِيَ في ذلك، قال الذهبي: «الصدع بالحق عظيم يحتاج إلى قوة وإخلاص، قال: فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يُخْذَلُ، فمن قام بهما كاملًا فهو صدِّيق، ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، ليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله» (١).
قال علي بن المديني: أعز الله الدين برجلين: أبو بكر الصديق في حروب الردة، وأحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن.
قَالَ تَعَالَى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁
стр. 1805
قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ» (١).
لما حصلت فتنة خلق القرآن في عهد المأمون قال صالح: ثم امتحن القوم ووجه بمن امتنع إلى السجن، فأجاب القوم جميعًا إلا أربعة: أبي ومحمد بن نوح، والقواريري، والحسن بن حماد، ثم أجاب هذان وبقي أبي ومحمد في الحبس أيامًا، ثم جاء كتاب من طرسوس بحملهما مقيدين زميلين، وتوفي محمد بن نوح في الطريق، وصلى عليه الإمام أحمد.
قال عباس الدوري: سمعت أبا جعفر يقول: لما أُخذ أحمد إلى المأمون أُخبرت فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه، قال: يا أبا جعفر تعنيت، قلت: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لا بد من الموت فاتق الله ولا تجب، وجعل أحمد يبكي ويقول له: ما شاء الله، ثم قال: يا أبا جعفر أعد عَلَيَّ، فأعدت عليه وهو يقول: ما شاء الله.
قال إبراهيم بن عبد الله: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها، قال: يا أحمد إن
стр. 1806
يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا، فَقَوِيَ قلبي.
قال محمد بن إبراهيم: جعلوا يذاكرون أبا عبد الله بالرقةِ في التقية، وما رُوي فيها، فقال: كيف تصنعون بِحَدِيثِ خَبَّابٍ؟ «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَاسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ، أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» (١). فأيسنا منه، وقال: لست أبالي بالحبس؛ ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلًا بالسيف، إنما أخاف فتنة السوط، فسمعه بعض أهل الحبس فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سُرِّيَ عنه.
قال صالح بن أحمد: قال أبي: فلما صرنا إلى أذنه (٢) ورحلنا منها في جوف الليل وفتح لنا بابها إذا رجل قد دخل فقال: البشرى، قد مات الرجل - يعني المأمون -، قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه، وبقي أحمد محبوسًا بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه، وقد أمر بتعذيبه، وجلده بالسياط حتى أُغمي عليه عدة مرات، قال صالح: ثم خُلِّيَ عنه فصار إلى منزله، وكان مُكْثُهُ في السجن منذ أُخِذَ إلى أن ضرب: ثمانية وعشرين شهرًا.
ومن أخلاقه العظيمة: عفوه وتسامحه حتى مع أشد خصومه
стр. 1807
ممن عذبه، فمن ذلك أنه قال: كل من ذكرني ففي حِلٍّ إلا مُبْتَدِعًا، وقد جعلت أبا إسحاق - يعني المعتصم - في حِلٍّ، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مِسْطَحٍ، قال أبو عبد الله: وما ينفعك أن يُعذب أخاك المسلم بسببك؟ ولتعف، وتصفح فيغفر الله لك كما وعدك، وكان يقول لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز، قال عبد الوهاب الورَّاق: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية، ولا الإسلام مثله - يعني من شهد الجنازة -، حتى بلغنا أن الموضع مسح وحرز على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف - يعني مليون - وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع، والدروب، ينادون: من أراد الوضوء (١).
وكان وفاته لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول يوم الجمعة سنة (٢٤١ هـ)، ﵀ رحمة واسعة.
وجزاه عن الإسلام، والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1808
الكلمة الثامنة والسبعون: الرفق
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن من الأخلاق الجميلة والصفات الحميدة التي وصف الله بها نبيه محمدًا ﷺ الرفق.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» (١). وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (٢).
والرفق هو لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف، وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى التمهل في الأمور
стр. 1809
والتأني فيها، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: ومن أسمائه تعالى (الرفيق) في أفعاله وشرعه، ومن تأمل ما احتوى عليه شرعه من الرفق، وشرع الأحكام شيئًا بعد شيء وجريانها على وجه السداد، واليسر، ومناسبة العباد وما في خلقه من الحكمة، إذ خلق الخلق أطوارًا ونقلهم من حالة إلى أخرى بحكم وأسرار لا تحيط بها العقول، وهو تعالى يحب من عباده: أهل الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، والرفق من العبد لا ينافي الحزم، فيكون رفيقًا في أموره متأنيًا ومع ذلك لا يفوت الفرص إذا سنحت، ولا يهملها إذا عرضت (١).
قال ابن القيِّم:
وَهُوَ الرَّفِيقُ يُحِبُّ أَهْلَ الرِّفْقِ بَلْ
يُعْطِيْهِمُ بِالرِّفْقِ فَوْقَ أَمَانِ
والرفق من أفضل الأخلاق، وأجلها، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، فلا يكون في شيء إلا زيَّنه وجمَّله، وحسَّنه، ولا ينزع من شيء إلا شانه، وعابه وقبحه، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (٢).
ومن آتاه اللهُ الرِّفقَ فقد أعطاه خيرًا عظيمًا من الثناء الحسن، والتوفيق، وصلاح البال، وطمأنينة النفس، ونيل المطالب،
стр. 1810
وتحقيق المآرب، وفي الآخرة أجر عظيم، وثواب جزيل، ذلك بأن المتأني الذي يأتي الأمور بسكينة، ورفق اتباعًا لسنن الله في الكون، واتباعًا لنبيه محمد ﷺ ، فإنَّ من كان هذا هديه وطريقه؛ تيسر له الأمور، وبالأخص الذي يحتاج إلى أمر الناس، ونهيهم، وإرشادهم، فإنه مضطر إلى الرفق واللين.
وكذلك من آذاه الخَلْقُ بالأقوال البشعة، وصان لسانه عن مشاتمتهم ودافع عن نفسه برفق ولين، اندفع عنه من أذاهم ما لا يندفع بمقابلتهم بمثل مقالهم وفعالهم، ومع ذلك فقد كسب الراحة، والطمأنينة، والرزانة، والحلم، فما أطيب عيشه! وما أنعم باله! وما أقر عينه! (١).
وأخبر النبي ﷺ أن دخول الرفق على أهل بيت علامة خير، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ ارْفُقِي، فَإِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ» (٢).
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ من أكثر الناس رفقًا بأصحابه، روى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ مَالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ: ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا،
وَحَثَّ النَّبِيُّ ﷺ وُلَاةَ أُمُورِ المُسلِمِينَ عَلَى الرِّفقِ بِالرَّعِيَّةِ، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (١).
بل إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَّ أُمَّتَهُ عَلَى الرِّفقِ بِالحَيَوَانِ، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (٢).
الخلاصة: أنه ينبغي على المؤمن أن يكون رفيقًا في جميع شؤونه، رفيقًا في معاملة أهله، وأولاده، وإخوانه، وأصدقائه، وفي معاملة عامة للناس، يرفق بهم، ومن كان هذا حاله فالنفوس ترتاح له، والقلوب تأنس به، والصدور تنشرح له، ويحصل على محبة الناس، وينبغي أن يكون الرفق ملازمًا للمؤمن في بيته، وسوقه، ومسجده، وفي كل مكان يخالط فيه الناس، فإذا فعل ذلك فقد أُعطي خيرًا كثيرًا، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ» (٣).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1813
الكلمة التاسعة والسبعون: وقفات مع سورة قريش
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فمن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجة إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم والفوائد الجليلة سورة قريش، قَالَ تَعَالَى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْش (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْف (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
هذه السورة لها صلة بالسورة التي قبلها وهي سورة الفيل، إذ أن سورة الفيل بيان منة الله على أهل مكة بما فعل بأصحاب الفيل الذين قصدوا مكة لهدم الكعبة، فبين الله في هذه السورة نعمة أخرى كبيرة على أهل مكة وهي رحلة الشتاء والصيف.
قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْش﴾ والإلف بمعنى الجمع والضم، ويراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، أما في الشتاء فيتجهون نحو اليمن للمحصولات الزراعية فيه، وأما في الصيف فيتجهون إلى الشام؛ لأن غالب تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت في الصيف مع مناسبة الجو البارد، فهي
стр. 1814
نعمة من الله سبحانه على قريش في هاتين الرحلتين؛ لأنه يحصل منهما فوائد كثيرة ومكاسب تجارية، إضافة إلى أنهم يرجعون إلى بلدهم مكة آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم، بل من سار معهم أمن بهم، هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم، وصيفهم، وأما في حال إقامتهم، فكما قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت (٣)﴾ أرشدهم إلى شكر هذه النعم بعبادة رب البيت والمراد الكعبة، وهنا أضاف ربوبيته إليه، فقال: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْت﴾ وإضافة الربوبية إليه على سبيل التشريف والتعظيم (١).
أي: فليوحِّدُوه بالعبادة كما جعل لهم حرمًا آمنًا وبيتًا محرمًا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]. فلا يعبدوا صنمًا ولا ندًا ولا وثنًا، ومن استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف﴾: أي
стр. 1815
من بعد الجوع، وكان ﷺ يتعوذ بالله من الجوع.
روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ» (١). قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: «﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ وَذَلِكَ بِدَعوَةِ إِبرَاهِيمَ ﵇ حَيثُ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]» (٢).
قال ابن زيد: «كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم، ثم قرأ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]» (٣).
ومن فوائد السورة الكريمة:
أولًا: أن نعم الله على عباده كثيرة ومن أعظمها بعد الإيمان: الأمن والغذاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وقال تعالى ممتنًّا على عباده بنعمة الغذاء: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِه (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُم (٣١)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].
وقال تعالى ممتنًّا على عباده بنعمة الأمن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
الكلمة الثمانون: محاسبة النفس
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
قال ابن القيِّم: «دلت الآية على وجوب محاسبة النفس، فيقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدَّم ليوم القيامة من الأعمال، أَمِنَ الصالحات التي تنجيه؟ أم من السيئات التي توبقه؟ » (١).
قال الحسن البصري: «لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، ماذا أردتِ تعملين؟ وماذا أردتِ تأكلين؟ وماذا أردتِ تشربين؟ وإن الفاجر يمضي قدمًا قدمًا ما يعاتب نفسه» (٢).
قال الماوردي: «محاسبة النفس أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعاله نهارَه، فإن كان محمودًا أمضاه، وأتبعه بما شاكله، وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل» (٣).
стр. 1819
ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده.
فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته فينظر: هل العمل موافقٌ لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ أم لا؟ فإن كان موافقًا أقدم، وإن كان مخالفًا ترك، ثم ينظر: هل فعله خير له من تركه؟ أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني: تركه ولم يقدم عليه، ثم ينظر: فإن كان لله مضى، وإن كان للجاه، والثناء، والمال من المخلوق ترك.
أما النوع الثاني: فهو محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:
أولًا: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، وحق الله في الطاعة ستة أمور: الإخلاص لله في العمل، النصيحة لله فيه، متابعة الرسول ﷺ ، شهود مشهد الإحسان فيه، شهود منة الله عليه، شهود تقصيره فيه، بعد ذلك كله يحاسب نفسه هل وَفَّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟
ثانيًا: أن يحاسب نفسه على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية.
ثالثًا: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرًا من فعله.
رابعًا: أن يحاسب نفسه على أمر مباحٍ، أو معتادٍ، لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحًا، أو أراد به الدنيا
стр. 1820
وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر (١).
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: «حَاسِبُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهوَنُ عَلَيكُم فِي الحِسَابِ غَدًا، أَن تُحَاسِبُوا أَنفُسَكُمُ اليَومَ، وَتَزَيَّنُوا لِلعَرضِ الأَكبَرِ، يَومَئِذٍ تُعرَضُونَ لَا تَخفَى مِنكُم خَافِيَةٌ» (٢).
قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁: «سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ يَومًا وَقَد خَرَجتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا فَسَمِعتُهُ يَقُولُ وَبَينِي وَبَينَهُ جِدَارٌ وَهُوَ فِي جَوفِ الحَائِطِ: عُمَرُ بنُ الخَطَّابُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ بَخٍ، وَاللهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللهَ ابنَ الخَطَّابِ أَو لَيُعَذِّبَنَّكَ» (٣).
قال إبراهيم التيمي: «مَثَّلْتُ نفسي في الجنة: آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مَثَّلْتُ نفسي في النار: آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها، وأغلالها، فقلت لنفسي: أي نفسي أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي» (٤).
قال الغزالي: «عرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون
стр. 1821
بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته» (١).
وأضر ما على المسلم الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور يغمض عينيه عن العواقب ويمشي الحال ويتكل على العفو فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنس بها، وعسر عليه فطامها ولو حضر رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام، وترك المألوف والمعتاد (٢).
فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر، أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وخطواتها، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يُشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبدا الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه، خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس، وأحمقهم، وأقلهم
стр. 1822
عقلًا، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] (١).
ومن فوائد محاسبة النفس:
أولًا: الاطِّلاع على عيوب النفس، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته.
ثانيًا: دليل على الخوف من الله والاستعداد للقائه.
ثالثًا: تبين للمؤمن حقيقة الربح والخسران.
رابعًا: محاسبة النفس في الدنيا تريح المؤمن يوم القيامة.
خامسًا: فيه امتثال لأمر الله تعالى.
سادسًا: تبعد عن الغفلة، والاستمرار في المعاصي، والذنوب.
سابعًا: تعين المؤمن، وتساعده في استدراك ما نقص من الفرائض، والنوافل.
ثامنًا: تثمر محبة الله ورضوانه.
تاسعًا: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه، ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه، فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدًّا.
عاشرًا: أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها
الكلمة الحادية والثمانون: الإمام عبد الله بن المبارك وشيء من أخباره
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وإمام من أئمة الهدى، نصر الله به الدين، وحفظ به السنة. قال عنه الذهبي: شيخ الإسلام وأمير الأتقياء في وقته، الحافظ الغازي عبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي، ولد سنة (١١٨ هـ)، وطلب العلم وهو ابن عشرين سنة، وأكثر من الترحال والتطواف في طلب العلم، وفي الغزو، وفي التجارة، والإنفاق على الإخوان في الله، وتجهيزهم معه إلى الحج، قال شعيب بن حرب: سمعت أبا أسامة يقول: ابن المبارك في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الناس، وكان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟
قال أشعث بن شعبة: قدم الرشيد الرقة فانجفل الناس خلف ابن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من [برج من] قصر الخشب، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم، قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بِشُرَطٍ وأعوان.
стр. 1825
قال محمد بن أعين: سمعت عبد الرحمن بن مهدي واجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: جالست الثوري وسمعت منه ومن ابن المبارك، فأيهما أرجح؟ قال: لو أن سفيان جهد على أن يكون يومًا مثل عبد الله لم يقدر، وقال سفيان الثوري: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام.
وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة، وأمر عبد الله فما رأيت لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم النبي ﷺ ، وغزوهم معه.
قال ابن المبارك: استعرت قلمًا بأرض الشام فذهبت على أن أرده، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه.
واجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن الحسين فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف مع أصحابه.
وقيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس.