← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته» (١). وأضر ما على المسلم الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور يغمض عينيه عن العواقب ويمشي الحال ويتكل على العفو فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنس بها، وعسر عليه فطامها ولو حضر رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام، وترك المألوف والمعتاد (٢). فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر، أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وخطواتها، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يُشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبدا الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه، خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس، وأحمقهم، وأقلهم

стр. 1822

عقلًا، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] (١). ومن فوائد محاسبة النفس: أولًا: الاطِّلاع على عيوب النفس، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته. ثانيًا: دليل على الخوف من الله والاستعداد للقائه. ثالثًا: تبين للمؤمن حقيقة الربح والخسران. رابعًا: محاسبة النفس في الدنيا تريح المؤمن يوم القيامة. خامسًا: فيه امتثال لأمر الله تعالى. سادسًا: تبعد عن الغفلة، والاستمرار في المعاصي، والذنوب. سابعًا: تعين المؤمن، وتساعده في استدراك ما نقص من الفرائض، والنوافل. ثامنًا: تثمر محبة الله ورضوانه. تاسعًا: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه، ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه، فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدًّا. عاشرًا: أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها

стр. 1823

والاسترسال معها (١). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1824

الكلمة الحادية والثمانون: الإمام عبد الله بن المبارك وشيء من أخباره الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وإمام من أئمة الهدى، نصر الله به الدين، وحفظ به السنة. قال عنه الذهبي: شيخ الإسلام وأمير الأتقياء في وقته، الحافظ الغازي عبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي، ولد سنة (١١٨ هـ)، وطلب العلم وهو ابن عشرين سنة، وأكثر من الترحال والتطواف في طلب العلم، وفي الغزو، وفي التجارة، والإنفاق على الإخوان في الله، وتجهيزهم معه إلى الحج، قال شعيب بن حرب: سمعت أبا أسامة يقول: ابن المبارك في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الناس، وكان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟ قال أشعث بن شعبة: قدم الرشيد الرقة فانجفل الناس خلف ابن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من [برج من] قصر الخشب، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم، قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بِشُرَطٍ وأعوان.

стр. 1825

قال محمد بن أعين: سمعت عبد الرحمن بن مهدي واجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: جالست الثوري وسمعت منه ومن ابن المبارك، فأيهما أرجح؟ قال: لو أن سفيان جهد على أن يكون يومًا مثل عبد الله لم يقدر، وقال سفيان الثوري: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام. وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة، وأمر عبد الله فما رأيت لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم النبي ﷺ ، وغزوهم معه. قال ابن المبارك: استعرت قلمًا بأرض الشام فذهبت على أن أرده، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه. واجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن الحسين فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف مع أصحابه. وقيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس.

стр. 1826

قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنه ثور منحور، أو بقرة منحورة من البكاء لا يجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه. وروى غير واحد أن ابن المبارك قيل له: إلى متى تكتب العلم؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد. وكان عبد الله غنيًّا شاكرًا كريمًا، قال سلمة بن سليمان: جاء رجل إلى ابن المبارك فسأله أن يقضي دينًا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل: كم الدين الذي سألته قضاءه؟ قال: سبع مئة درهم، وإذا عبد الله قد كتب له أن يعطيه سبعة آلاف درهم، فراجعه الوكيل وقال: إن الغلات قد فنيت، فكتب إليه عبد الله إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضًا قد فني، فأجز له ما سبق به قلمي. وكان يقول للفضيل: لولاك وأصحابك ما اتجرت، وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مئة ألف درهم. قال علي بن الفضيل: سمعت أبي يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل، والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا؟ قال: يا أبا علي إنما أفعل ذا لأصون وجهي، وأُكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، قال: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا. قال محمد بن عيسى: كان ابن المبارك كثير الاختلاف إلى

стр. 1827

طرسوس؛ وكان ينزل الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، فقدم عبد الله مرة فلم يره فخرج في النفير مستعجلًا، فلما رجع سأل عن الشاب فقيل: محبوس على عشرة آلاف درهم، فاستدل على الغريم ووزن له عشرة آلاف وحلفه ألا يخبر أحدًا ما عاش، فَأُخْرِجَ الرجل وسَرَى ابن المبارك، فَلَحِقَه الفتى على مرحلتين من الرقة، فقال: يا فتى أين كنت لم أرك؟ قال: يا أبا عبد الله كنت محبوسًا بدين، قال: وكيف خلصت؟ قال: جاء رجل فقضى ديني ولم أَدْرِ، قال: فاحمد الله، ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبد الله. وكان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها، ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد فلا يزال ينفق عليهم، ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي، وأكمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة الرسول ﷺ فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرفها؟ فيقول: كذا وكذا، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو فيجصص بيوتهم، وأبوابهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام، عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسُرُّوا دعا بالصندوق، ففتحه ودفع إلى

стр. 1828

كل رجل منهم صرته عليها اسمه. ولما عوتب فيما يفرق من المال في البلدان دون بلده، قال: إني أعرف مكان قوم لهم فضل، وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه لحاجة الناس إليهم احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد ﷺ ، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بيت العلم. وهذه رسالة لكل تاجر أن ينفق من ماله للفقراء، والمحتاجين، وطلبة العلم، والمشاريع الخيرية، فإن في ذلك بركة وخير له في ماله، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نِعْمًا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» (١). وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (٢). وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (٣). ومن أقواله العظيمة ﵀ أنه كان يقول: رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ

стр. 1829

تُكَثِّرُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَثِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ. وقال أيضًا: مَنِ اسْتَخَفَّ بِالعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالأُمَرَاءِ ذَهَبَتْ دُنيَاهُ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالإِخْوَانِ ذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ. قال علي بن الحسن: سمعت ابن المبارك، وسأله رجل عن قرحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقال: عالجتها بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به، فقال له: اذهب، فاحفر بئرًا في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين، ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ. قال سويد بن سعيد: رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستسقى شربة ثم استقبل القبلة فقال: اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عَن جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (١) وهذا أشربه لعطش يوم القيامة، ثم شربه. قال محمد بن إبراهيم: أملى علي ابن المبارك سنة سبع وسبعين ومئة وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض من طرسوس: يَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا ... لَعَلِمْتَ أَنَّكَ فِي العِبَادَةِ تَلْعَبُ مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خَدَّهُ بِدُمُوعِهِ ... فَنُحُورُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ أَو كَانَ يُتعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ ... فَخُيُولُنَا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتعَبُ

стр. 1830

رِيحُ العَبِيرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرُنَا ... رَهَجُ السَّنابِكِ وَالغُبَارُ الأَطْيَبُ (١) وَلَقَد أَتَانَا مِن مَقَالِ نَبِيِّنَا ... قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لَا يُكْذَبُ لَا يَسْتَوِي غُبَارُ خَيلِ اللهِ فِي ... أَنْفِ امرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلهَبُ هَذَا كِتَابُ اللهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا ... لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيْتٍ لَا يُكْذَبُ فألفيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح. وقد رآه أحد أصحابه في المنام بعد وفاته فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي برحلتي في الحديث، عليك بالقرآن، عليك بالقرآن. وكانت وفاته سنة (١٨١ هـ) وله من العمر ثلاثة وستون عامًا، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا (٢). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1831

الكلمة الثانية والثمانون: فوائد الإيمان بالقضاء والقدر الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان، ففي حديث جبريل المخرج في صحيح مسلم: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (١). قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٢٢) لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو ابنِ العَاصِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (٢).

стр. 1832

يخبر تعالى في هذه الآيات الكريمات أن جميع ما يقع من المقادير والمصائب وغيرها في الأنفس والآفاق، كل ذلك قد كتب الله وقوعه قبل وجوده بمدد طويلة، وذلك لسعة علمه المحيط بكل شيء، ما كان وما يكون، ثم يبين تعالى أن في إخباره لنا بذلك حكمتين عظيمتين وفائدتين جليلتين: الأولى: ألا نحزن حين فوات شيء من الدنيا ومصالحها، إذ إن ما لم يقدر ينقطع الطمع فيه، والحزن والأسى عليه من الحمق، والله لا يريد لنا أن نقع في ذلك لما ينتج عن الحزن من الآثار السيئة على فكر المرء وتصرفاته. الثانية: أن الناس عند حدوث النعم ينقسمون إلى قسمين، فضعيف الإيمان بالقضاء والقدر يطير فرحًا، ويمتلئ فخرًا وكبرًا وكأنه والعياذ بالله لم يصدق بما حصل له، أما قوي الإيمان الذي يعلم أن تقدير الله سبق وجود هذه النعم فإنه لا يتغير عنده شيء لعلمه وإيمانه أن ما وقع كائن لا محالة فكما أن كتابته سبقت وجوده فكذلك إيمانه سبق وقوعه. وقوله تعالى في آخر الآية: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله ، لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ (١).

стр. 1833

ومن فوائد الإيمان بالقضاء والقدر: أولًا: الرضا واليقين بالعوض، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١١)﴾ [التغابن: ١١]. قال ابن كثير في تفسيرها: «أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله، وقدره فصبر، واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدًى في قلبه، ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أُخذ منه، أو خيرًا منه، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَقَالَ عَلْقَمَةُ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ فَيَعلَمُ أَنَّهَا مِن عِندِ اللهِ فَيَرضَى وَيُسَلِّمُ، وفي الحديث المخرج في صحيح مسلم مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (١)، قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ - يَعنِي يَسْتَرْجِعُ - يَقُولُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ» (٢). روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ اجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا

стр. 1834

مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ » (١). ثانيًا: انشراح الصدر، وسعادة القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال، قال عمر بن عبد العزيز: أصبحت وَمَا لِيَ سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. ثالثًا: الحصول على الأجر الكبير، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، قال أمير المؤمنين: نعم العدلان، ونعمت العلاوة؛ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون﴾ هذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا. رابعًا: غنى النفس، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» (٢).

стр. 1835

خامسًا: عدم الخوف من ضرر البشر، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١). سادسًا: الشجاعة والإقدام، فالذي يؤمن بالقضاء والقدر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأجل مقدر لا يزيد فيه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، لا يهاب الموت، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤]. قال الشافعي: وَمَنْ نَزَلَتَ بِسَاحَتِهِ المنَايَا فَلا أَرضُ تَقِيهِ وَلا سَماءُ سابعًا: عدم الندم على ما فات، والتحسر على الماضي، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (٢).

стр. 1836

ثامنًا: أن الخيرة فيما اختاره الله، فقد يقدر على المؤمن مصيبة فيحزن ولا يدري كم من المصالح العظيمة التي تحصل له بسببها وكم صُرف عنه من شرور، والعكس كذلك، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. قَالَ ابنُ عَونٍ: ارْضَ بِقَضَاءِ اللهِ مِن عُسْرٍ وَيُسْرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ لِهَمِّكَ، وَأَبلَغُ فِيمَا تَطلُبُ مِن أَمرِ آخِرَتِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ العَبدَ لَن يُصِيبَ حَقِيقَةَ الرِّضَا، حَتَّى يَكُونَ رِضَاهُ عِندَ الفَقرِ وَالبَلَاءِ، كَرِضَاهُ عِندَ الغِنَى وَالرَّخَاءِ؛ كَيفَ تَستَقضِي اللهَ فِي أَمرِكَ، ثُمَّ تَسخَطُ إِنْ رَأَيتَ قَضَاءً مُخَالِفًا لِهَوَاكَ؟ ! وَلَعَلَّ مَا هَوَيْتَ مِن ذَلِكَ، لَو وُفِّقَ لَكَ لَكَانَ فِيهِ هَلَاكُكَ، وَتَرضَى قَضَاءَهُ إِذَا وَافَقَ هَوَاكَ، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ عِلْمِكَ بِالغَيبِ؟ ! إِذَا كُنتَ كَذَلِكَ، مَا أَنْصَفْتَ مِن نَفسِكَ، وَلَا أَصَبْتَ بَابَ الرِّضَا. قَالَ ابنُ رَجَبٍ: وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ (١). تاسعًا: النجاة من النار، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى

стр. 1837

غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ» (١). عاشرًا: ذهاب الهم والغم والحزن. الحادي عشر: من الإيمان بالقدر الإيمان بكتابة المقادير قبل إيجادها، فإذا وُجِدت تبين مدى الإيمان بذلك، فَقَوِيُّ الإيمان لا يفرح بما أُوتي، ولا يحزن على ما فات، وعكسه بعكسه بهذا المعنى، وردت الآية الكريمة: ﴿لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1838

الكلمة الثالثة والثمانون: قضاء حوائج الناس الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فقد حث الشرع الحنيف على نفع الناس، وقضاء حوائجهم، والسعي إلى تفريج كرباتهم، وبذل الشفاعة الحسنة لهم، تحقيقًا لدوام المودة، وبقاء الألفة، وزيادة في روابط الأخوة، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمً﴾ [النساء: ١١٤]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ نَفعَ النَّاسِ مِن أَعظَمِ الأَعمَالِ وَالقُرُبَاتِ، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا

стр. 1839

جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ» (١). وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (٢). وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» (٣). قال النووي: «وفي هذا الحديث الحث على الصدقة، والجود، والمواساة، والإحسان إلى الرفقة، والأصحاب، والاعتناء بمصالح الأصحاب، وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج وأنه يُكْتَفَى في حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء وتحريضه من غير سؤال» (٤). وأبواب نفع الناس كثيرة: كقضاء ديونهم، أو الصدقة على الفقراء منهم، أو تفريج كربهم، أو الصلح بينهم، أو إدخال السرور عليهم، .. وغيرها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ

стр. 1840

سَعِيدِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ قَالَ: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (١). قال ابن القيِّم ﵀: «وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها، ومللها، ونحلها، على أن التقرب إلى رب العالمين، والبر والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه، بمثل طاعته والإحسان إلى خلقه» (٢). اهـ ونفع الناس، والسعي في كشف كروباتهم، من صفات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فالكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحاق ﵇ مع ما فعله إخوته به جهزهم بجهازهم ولم يبخسهم شيئًا منه، وموسى ﵇ لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين مستضعفتين، فرفع الحجر عن البئر وسقى لهما حتى رويت أغنامهما، وَأُمُّ المُؤمِنِينَ خَدِيجَةُ ﵂ تَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ،

стр. 1841

وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (١). وَكَانَ ﷺ إِذَا سُئِلَ عَن حَاجَةٍ لَم يَرُدَّ السَّائِلَ، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ؟ فَقَالَ: لَا» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: «إِنَّا وَاللهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، وَالْحَضَرِ، فكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا، وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا، وَيَغْزُو مَعَنَا، وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ» (٣). والصحابة ﵃ كانوا يسيرون على منهجه ﷺ ، فيخدمون الناس وينفعونهم، فأبو بكر الصديق ﵁ أسلم وله أربعون ألفًا، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذَّب في سبيل الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فهيرة، وزنبرة، والنهدية وابنتها، وجارية بن مؤمل، وأم عبيس، وعمر بن الخطاب كان يتعاهد الأرامل يسقي لهن الماء ليلًا، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل عليها طلحة نهارًا، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، وعثمان بن عفان اشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألف درهم، وجعلها للغني والفقير وابن السبيل،

стр. 1842

وجاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله تعالى قبل أن أرفعها إليك، فإن قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله وعذرتك، فَقَالَ عَلِيٌّ: اكْتُبْ حَاجَتَكَ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى ذُلَّ السُّؤَالِ فِي وَجْهِكَ، فَكَتَبَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيَّ بِحُلَّةٍ فَأُتِيَ بِهَا فَأَخَذَهَا الرَّجُلُ فَلَبِسَهَا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: كَسَوتَنِي حُلَّةً تَبلَى مَحَاسِنُهَا فَسَوفَ أَكسُوكَ مِن حُسنِ الثَّنَا حُلَلًا إِن نِلتَ حُسنَ ثَنَائِي نِلتَ مَكرُمَةً وَلَستُ أَبغِي بِمَا قَد قُلتُهُ بَدَلًا إِنَّ الثَّنَاءَ لَيُحيِي ذِكرَ صَاحِبِهِ كَالغَيثِ يُحيِي نِدَاهُ السَّهلَ وَالجَبَلَا لَا تَزهَدِ الدَّهرَ فِي خَيرٍ تُوَافِقُهُ فَكُلُّ عَبدٍ سَيُجزَى بِالَّذِي عَمِلَا قَالَ عَلِيٌّ: عَلَيَّ بِالدَّنَانِيرِ، فَأُتِيَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إِلَيهِ، فَقَالَ الأُصبُعُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ حُلَّةٌ وَمِائَةُ دِينَارٍ، قَالَ: نَعَم. قال الذهبي عن شيخ الإسلام ﵀ ابن تيمية: «وله محبون من العلماء، والصلحاء، ومن الجند، والأمراء، ومن التجار والكبراء وسائر العامة تحبه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه» (١). وذكر أحد المشايخ نقلًا عن كاتب الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ أن الشيخ كان يترك صيام النافلة في بعض الأيام ويقول: لأنه يضعفني عن القيام بحوائج الناس، فالصيام نفعه للشيخ

стр. 1843

والأعمال الأخرى المتعدية تنفع الناس. روى الطبراني في معجمه الكبير مِن حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (١). قَالَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ ﵁: مَا أَصْبَحتُ وَلَيسَ عَلَى بَابِي صَاحِبُ حَاجَةٍ إِلَّا عَلِمْتُ أَنَّهَا مِنَ المَصَائِبِ، فكانوا يعتبرون صاحب الحاجة هو المنعم المتفضل على صاحب الجاه والمال حين أنزل حاجتهُ به، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: ثَلَاثَةٌ لَا أُكَافِئُهُمْ: رَجُلٌ بَدَأَنِي بِالسَّلَامِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ لِي فِي المَجلِسِ، وَرَجُلٌ اغبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي المَشيِ إِلَيَّ إِرَادَةَ التَّسلِيمِ عَلَيَّ، فَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَا يُكَافِئُهُ عَنَّي إِلَّا اللهُ، قِيلَ: وَمَن هُوَ؟ قَالَ: رَجُلٌ نَزَلَ بِهِ أَمرٌ فَبَاتَ لَيلَتَهُ يُفَكِّرُ بِمَن يُنزِلُهُ ثُمَّ رَآنِي أَهلًا لِحَاجَتِهِ فَأَنزَلَهَا بِي. وليحذر صاحب المعروف من المن، فإنه يفسد العمل، ويوغر الصدر ويحبط الأجر، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. قال الشاعر: أَفسَدتَ بِالمَنِّ مَا أَسدَيتَ مِن حُسنٍ ... لَيسَ الكَرِيمُ إِذَا أَسدَى بِمَنَّانِ روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 1844

قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ». ذَكَرَ مِنْهُمْ: «الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ» (١). ومما ينبغي التنبيه عليه: أن تعليم الناس العلم الشرعي هو من أعظم النفع، فإن حاجتهم إلى العلم الشرعي أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ «(٢). وفي رواية: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ «(٣). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1845

الكلمة الرابعة والثمانون: ذم الجبن الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فمن الصفات المذمومة التي ذمها الله ورسوله (الجبن)، قال الفيروزآبادي: الجبن ضعف القلب عما يحق أن يُقوى فيه (١)، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنَ الجُبْنِ، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضِلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (٢). قال القاضي عياض: «وكذلك استعاذته ﷺ من الجبن والبخل لما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات، والقيام في حقوق الله، والغلظة على أهل المعاصي، وتغيير المنكرات، وأداء حقوق المال، إذ بشجاعة النفس المعتدلة يقيم الحقوق، وينصر المظلوم، وبسخاء النفس يؤدي حقوق المال، ويواسي منه ويلم به

стр. 1846

عند الضرورات شعث المساكين، ويؤدي واجب المضطرين» (١). وبيَّن النبي ﷺ أن الجبن من شر الصفات التي تكون في المرء، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ: شُحٌّ (٢) هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ» (٣). والجبن من صفات المنافقين، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. قال ابن كثير: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد: أي فإذا كان الأمن تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة، والنجدة وهم يكذبون في ذلك (٤). اهـ. قال الشاعر: أَفِي السِّلم أَعْيَارًا جَفَاءً وغِلْظَةً ... وَفِي الحَربِ أَمَثالُ النِّساءِ العَوارِكِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشجَعَ النَّاسِ وَأَقوَاهُم قَلبًا عِندَ لِقَاءِ العَدُوِّ، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: كُنَّا

стр. 1847

وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَاسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن الجميع يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى إن ذلك عامة ما تمدح به الشعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتذامون بالبخل، والجبن، ثم قال: ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم إلا بالشجاعة والكرم بيَّن الله أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨]» (٢). ومما يدل على أن الجبن مما ينافي مكارم الأخلاق ما رواه البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «بَيْنَا أنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ عَلِقَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» (٣). قال ابن حجر: «فيه ذم الخصال المذكورة وهي: البخل والكذب

стр. 1848

والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها» (١). قَالَ أَبُو الزِّنَادِ ﵀: «لَمَّا حَضَرَتْ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ الوَفَاةُ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ حَضَرْتُ كَذَا وَكَذَا، وَمَا فِي جَسَدِي شِبْرٌ إِلَّا وَفِيْهِ ضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ، أَو طَعنَةٌ بِرُمحٍ، أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ، وَهَا أَنَا أَمُوْتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوْتُ العِيْرُ، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الجُبَنَاءِ» (٢). قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: «إِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالجُبنَ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللهُ حَيثُ شَاءَ، تَجِدُ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ لَا يُبَالِي أَلَّا يَؤُوبَ إِلَى أَهلِهِ، وَتَجِدُ الرَّجُلُ يَفِرُّ عَن أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَتَجِدُ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ فَذَلِكَ الشَّهِيدُ». قال الشاعر: يَفِرُّ جَبَانُ القَومِ عَنِ ابنِ أُمِّهِ وَيَحْمِي شُجَاعُ القَومِ مَن لَا يُلَازِمُهُ ومن قصص الشجاعة التي تُذكر: ما حصل في غزوة بدر، قَالَ مُعَاذُ بنُ عَمرٍو ﵁: جَعَلْتُ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ شَانِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ فَقَطَعْتُ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي فَطَرَحَ يَدِي وَبَقِيَتْ مُعَلَّقَةً بِجِلْدَةٍ بِجَنْبِي، وَأَجْهَضَنِي عَنْهَا القِتَالُ، فَقَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي، وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي، وَضَعْتُ قَدَمِي عَلَيْهَا، ثُمَّ تَمَطَّاتُ عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا. قَالَ الذَّهَبِيُّ بَعدَ هَذِهِ القِصَّةِ: هَذِهِ وَاللهِ الشَّجَاعَةُ، لَا كَآخِرِ مَنْ

стр. 1849

خُدِشَ بِسَهْمٍ، يَنْقَطِعُ قَلْبُهُ، وَتَخُوْرُ قِوَاهُ (١). قيل لعبد الملك: من أشجع العرب في شعره؟ فقال: عباس ابن مرداس حين يقول: أَشُدُّ عَلَى الكَتِيبَةِ لَا أُبَالِي ... أَحَتْفِي كَانَ فِيهَا أَمْ سِوَاهَا وهذا أشجع بيت قالته العرب. وهذه أبيات في ذم الجبن، قال الشاعر: تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ ... لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَّدَمَا فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِن عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدَّمَا وقال آخر: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الحُرُوبِ نَعَامَةُ ... فَتْخَاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ هَلَّا بَرَزْتَ إِلَى غَزَالَةٍ فِي الوَغَى ... بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ وغزالة امرأة شبيب الخارجي، قال ابن كثير: كانت أيضًا شديدة البأس تقاتل قتالًا شديدًا يعجز عنه الأبطال من الرجال، وكان الحجاج يخاف منها أشد الخوف، حتى قال فيه بعض الشعراء وذكر البيتين (٢). ومن مفاسد الجبن: أولًا: أنه من صفات المنافقين التي ينبغي للمؤمن أن يترفع عنها.

стр. 1850

ثانيًا: أنه لا يؤخر أجلًا، ولا يقرب رزقًا، ونفعًا، قال تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. ثالثًا: أنه يدل على ضعف الإيمان، والتوكل على الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. رابعًا: أنه يؤدي إلى التقصير في أداء الواجبات، والقيام بحقوق الله، ومن أعظمها مجاهدة أهل الباطل، وتغيير المنكرات. خامسًا: أنه يورث الذل، وضيق الصدر، قال ابن القيِّم ﵀: «فإن الشجاع منشرح الصدر، ومتسع القلب، والجبان أضيق الناس صدرًا وأحصرهم قلبًا لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة إلا من جنس الحيوان البهيمي، وأما سرور الروح، ولذتها، ونعيمها، وابتهاجها، فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل» (١). اهـ سادسًا: أنه يؤدي إلى احتلال الأوطان، وسرقة الأموال، وانتهاك الحرمات. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1851

الكلمة الخامسة والثمانون: وقفات مع سورة الكافرون الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به فقال سبحانه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].ومن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجةٍ إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم والفوائد الجليلة سورة الكافرون. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم (٤) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦]. هذه السورة من السور العظيمة في كتاب الله، وقد وردت نصوص كثيرة في فضلها ومكانتها، وأنها تعدل ربع القرآن، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ عُدِلَتْ لَهُ بِرُبُعِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ: و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ عُدِلَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ» (١).

стр. 1852

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكثِرُ مِن قِرَاءَتِهَا، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ فِي رَكعَتَيِ الطَّوَافِ (١). وفي صحيح مسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكعَتَيِ الفَجرِ (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ فَرْوَةَ بنِ نَوْفَلٍ عَن أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «اقْرَا عِنْدَ مَنَامِكَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، قَالَ: ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» (٤). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْقِي نَفسَهُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، روى الطبراني في المعجم الصغير مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ

стр. 1853

العَقرَبَ لَا تَدَعُ مُصَلِّيًا وَلَا غَيرَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلحٍ وَجَعَلَ يَمسَحُ عَلَيهَا وَيَقرَأُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾» (١). قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش. قال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ قُرَيْشًا وَعَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْطُوهُ مَالًا، فَيَكُونَ أَغْنَى رَجُلٍ بِمَكَّةَ، وَيُزَوِّجُوهُ مَا أَرَادَ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَطَؤُوا عَقِبَهُ، فَقَالُوا: هَذَا لَكَ عِنْدَنَا يَا مُحَمَّدُ، وَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، فَلَا تَذْكُرْهَا بِسُوءٍ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خَصْلَةً وَاحِدَةً، فَهِيَ لَكَ وَلَنَا فِيهَا صَلَاحٌ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالُوا: تَعْبُدُ آلِهَتَنَا سَنَةً: اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَنَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ (٢). قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ولَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون (٢)﴾ يعني: من الأصنام والأنداد. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد (٣)﴾ وهو الله وحده لا شريك له. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم (٤)﴾ أي في المستقبل لا أعبد عبادتكم، أي لا أسلكها ولا أقتدي بها وإنما أعبد الله على

стр. 1854

الوجه الذي يحبه ويرضاه. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد (٥)﴾، أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣]، فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كانت كلمة الإسلام (لا إله إلا الله محمد رسول الله) أي لا معبود بحق إلا الله، ولا طريق إليه إلا بما جاء به رسول الله ﷺ ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. قَولُهُ تَعَالَى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين (٦)﴾، وهو كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُون (٤١)﴾ [يونس: ٤١]، وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]. قال البخاري: يُقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾: الكفر، ﴿وَلِيَ دِين﴾: الإسلام، ولم يقل: ديني لأن الآيات بالنون فحذف الياء، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهُوَ يَهْدِين﴾ [الشعراء: ٧٨] (١). ومن فوائد السورة الكريمة:

стр. 1855

أولًا: أن فيها الإخلاص لله في العبادة وعدم الإشراك به كما قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. ثانيًا: البراءة من الشرك والمشركين، كما قال تعالى عن نبي الله إبراهيم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. ثالثًا: أن الكفار يريدون من المسلمين التنازل والمداهنة في دينهم، ولكن على المسلمين الثبات والاستقامة كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون (٩)﴾ [القلم: ٩]، وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا (٧٤) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]. رابعًا: ظن البعض أن السورة منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يُقَرُّونَ على دينهم وهم أهل الكتاب، قال ابن القيِّم ﵀: «وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة وعمومها نص محفوظ، وهي من السورة التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم.

стр. 1856

ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرًا لهم، أو إقرارًا على دينهم أبدًا، فلم يزل رسول الله ﷺ من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم وعيب دينهم وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد لهم كل وقت، وفي كل ناد، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مضيًا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إن الآية اقتضت تقريرًا لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت براءته المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدًا فإنه دين باطل، فهو مختص بكم لا نشارككم فيه ولا أنتم تشاركوننا في ديننا الحق وهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار؟ حتى يَدَّعُوا النسخ أو التخصيص، أفنرى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾، بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده، وكذلك حكم هذه البراءة بين اتباع رسول الله ﷺ أهل سننه وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته: (لكم دينكم ولنا ديننا) لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم بل يقولون لهم هذا براءة منهم ومن بدعتهم، وهم مع هذا متنصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان» (١).

стр. 1857

خامسًا: عصمة الله لنبيه من الوقوع في عبادة الأصنام، وإجابة المشركين إلى اقتراحهم الباطل. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1858

الكلمة السادسة والثمانون: فضائل معاوية بن أبي سفيان الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فحديثنا اليوم عن صحابي جليل، وملك من ملوك الإسلام، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وهو أول من غزا البحر، قال عنه النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اجعَلهُ هَادِيًا مَهدِيًّا وَاهدِ بِهِ»، وهو خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول رب العالمين، وقد أسلم عام الفتح. إنه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية أبو عبد الرحمن القرشي الأموي المكي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة، وكان معاوية أبيض طويلًا جميلًا، حليمًا، وقورًا، سيدًا في قومه، كريمًا، عادلًا، شهمًا، قَالَ أَبَانُ بنُ عُثمَانَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ غُلَامٌ يَمشِي مَعَ أُمِّهِ هِندٍ فَعَثَرَ فَقَالَت: قُم لَا رَفَعَكَ اللهُ، وَأَعرَابِيٌّ يَنظُرُ فَقَالَ: لِمَ تَقُولِينَ لَهُ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَظُنُّهُ سَيَسُودُ قَومَهُ، قَالَت: ثَكِلْتُهُ إِن لَم يَسُدْ إِلَّا قَومَهُ. كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وتفرد فيهم بالسؤدد بعد يوم بدر، ثم لما أسلم حسن إسلامه، وكانت له مواقف شريفة،

стр. 1859

وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله، وما بعده (١). وكانت لهذا الصحابي الجليل فضائل عديدة عامة، وخاصة، أما العامة فهي التي وردت في فضائل الصحابة، ولا شك أن معاوية داخل في هذا الفضل، قال ابن القيِّم ﵀: «فما صحَّ في مناقب الصحابة على العموم ومناقب قريش، فمعاوية ﵁ داخل فيه» (٢). أما الأدلة الخاصة: فمنها دعاء النبي ﷺ له، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي عَمِيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (٣). ومن مناقبه: أنه أول من غزا البحر، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ عَن خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنتِ مِلْحَانَ ﵂ قَالَتْ: «نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، وجاء في آخر الحديث: فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ» (٤).

стр. 1860

هذا الحديث فيه منقبة لها وله ﵁: فإنه أول من غزا البحر في زمن عثمان بن عفان (١). وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ بِنتِ مِلْحَانَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: أَنْتِ فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ، فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا» (٢). ومعنى «أَوْجَبُوا»: أي: وجبت لهم الجنة. ومن مناقبه: أنه أحد كُتاب الوحي، ففي صحيح مسلم: «أَنَّ أَبَا سُفيَانَ وَالِدَ مُعَاوِيَةَ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةَ أُمُورٍ، مِنهَا: أَن يَجعَلَ مُعَاوِيَةَ كَاتِبًا، وَقَد أَجَابَهُ ﷺ » (٣). وفي مسند الإمام أحمد مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ كَاتِبَهُ» (٤). قال ابن كثير: صحب معاوية رسول الله ﷺ وكتب الوحي بين يديه مع الكُتَّاب (٥). ومن مناقبه: أنه خال المؤمنين، قال الإمام أحمد في السنَّة:
следующие страницы →