ونقل المنذر بن سعيد عن جارية للربيع أنه كان يدخل عليه الداخل وفي حجره المصحف فيغطيه (١)، وذكر ابن الجوزي أن داود بن أبي هند صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله، كان يأخذ غداءه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق.
قال الشافعي ﵀: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليَّ منه شيء (٢).
وقال الحسن ﵀: إن كان الرجل ليجمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليفقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركت أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 212
الكلمة الثالثة والأربعون: الولاء والبراء في الإِسلام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن الله افترض على المؤمنين عداوة المشركين وبغضهم، وهذه هي ملة إبراهيم ﵇، وهي ملة نبينا وملتنا، وقدوته، وقدوتنا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
وهو مبني على أصلين: الأول: إخلاص العبادة لله سبحانه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
الثاني: البراءة من الشرك والمشركين وإظهار عداوتهم. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَاّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وإذا كان واجبًا على المسلم أن يقول هذا لقومه الذين هو بين أظهرهم، فكونه واجبًا مع الكفار الأبعدين عنه، المخالفين له في جميع
стр. 213
الأمور أبين وأبين، فمن لم يحقق هذين الأصلين لا يصح له أن ينتسب إلى إبراهيم وملته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]. بل لقد حرم على المؤمن موالاة الكافرين ولو كانوا من أقرب الناس إليه. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وذكر الشيخ الإِمام محمد بن عبد الوهاب صورًا لموالاة الكفار في رسالته «أوثق عرى الإِيمان» فقال:
أحدها: التولي العام، الثاني: المودة والمحبة الخاصة، الثالث: الركون القليل. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥].
فإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق صلاة الله وسلامه عليه، فكيف بغيره. الرابع: مداهنتهم ومداراتهم، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. الخامس: طاعتهم فيما يقولون وفيما يشيرون، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]. السادس: تقريبهم في الجلوس والدخول على أمراء الإِسلام. السابع: مشاورتهم في الأمور. الثامن: استعمالهم في أمر من أمور المسلمين.
стр. 214
أي أمر كان إمارة أو عمالة، أو كتابة، أو غير ذلك. التاسع: اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين. العاشر: مجالستهم ومزاورتهم والدخول إليهم. الحادي عشر: البشاشة لهم والطلاقة. الثاني عشر: الإِكرام العام لهم. الثالث عشر: استئمانهم وقد خَوَّنَهُم الله، الرابع عشر: معاونتهم في أمورهم ولو بشيء قليل كبري القلم وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم.
الخامس عشر: مناصحتهم. السادس عشر: اتباع أهوائهم، السابع عشر: مصاحبتهم ومعاشرتهم، الثامن عشر: الرضى بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم. التاسع عشر: ذكر ما فيه تعظيم لهم كتسميتهم: سادات وحكماء. كما يُقال للطاغوت: السيد فلان، أَو يقال لمن يدَّعي علم الطب: الحكيم. ونحو ذلك. العشرون: السكن معهم في ديارهم، كما قال ﷺ : «مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ (١)» (٢).
وكما حرم سبحانه موالاة الكفار أعداء الدِّين، فقد أوجب موالاة المؤمنين ومحبتهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
ومن مظاهر موالاة المؤمنين:
أولاً: الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار
стр. 215
بالدين، فقد تبرأ النبي ﷺ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
ثانيًا: مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم. قال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
ثالثًا: النصح ومحبة الخير لهم، وعدم غشهم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 216
الكلمة الرابعة والأربعون: مقتطفات من سيرة سعد بن أبي وقاص ﵁ -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وأَشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، وفارس من فرسانها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، هذا الصحابي شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، فشهد بدرًا وأحدًا والخندق، وغيرها من معارك المسلمين الفاصلة، أسلم وعمره لم يتجاوز السابعة عشر عامًا، وكان من السابقين إِلى الإِسلام، يقول عن نفسه: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَاّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ (١)، وكان قائدًا لجيش المسلمين في معركة القادسية الشهيرة، وعلى يديه فتحت مدائن كسرى، وهو أول من أراق دمًا في سبيل الله، وأول من رمى بسهم في الإِسلام، وقد فدَاه النبي ﷺ بأبويه يوم أحد، عندما رأى شجاعته واستبساله في الدفاع عن النبي ﷺ ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.
وهو أحد الستة الذين توفي النبي ﷺ وهو عنهم راض، قال عنه الذهبي: «الأمير أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص
стр. 217
مالك بن أهيب القرشي الزهري المكي، وله قرابة من النبي ﷺ ، فهو من بني زُهرة، وأُم النبي ﷺ آمنة بنت وهب زُهرية، وهي ابنة عم أبي وقاص» (١).
روى الترمذي في سننه من حديث جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امرُؤٌ خَالَهُ» (٢).
قالت عائشة بنت سعد: كان أبي قصيرًا دحداحًا، غليظًا، ذا هامة، وجاء في بعض الروايات أنه كان يميل إلى السمرة.
روى مسلم في صحيحه من حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَاكُلَ وَلَا تَشْرَبَ. قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا. قَالَ: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] إلخ الآية (٣).
وفي رواية أنه قال: يَا أُمَّهْ، تَعلَمِينَ واللهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِئَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا، مَا تَرَكْتُ دِيني هذا، فَإِنْ شِئْتِ فَكِلِي، وَإِنْ شِئْتِ لَا تَاكُلِيِ، فَأَكَلَتْ (٤).
وقد كانت لسعد مواقف عظيمة، تدل على شجاعته ونصرته لهذا الدين، فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من
стр. 218
حديث عائشة ﵂ قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة، فقال: «لَيْتَ رَجُلاً صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ» قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: «مَنْ هَذَا؟ » قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : «مَا جَاءَ بِكَ؟ » قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسُهُ، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام. قالت عائشة: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه (١)(٢).
ومنها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث قيس، قال: سمعت سعدًا ﵁ يقول: إِنِّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَاّ وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ الْبَعِيرُ أَوِ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ (٣). قال الشرَّاح: أي لجفافه ويبسه، وقد أبلى سعد في موقعة أحدٍ بلاء عظيمًا، فقد جاء عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ عن حديثهما. اهـ (٤).
وكانا يقاتلان عن النبي ﷺ أشد القتال، وكان ذلك في موقعة أحد، وكان سعد من أمهر رماة العرب.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (٥).
стр. 219
وهذا الحديث يدل على كفاءته العظيمة، ومنزلته عند النبي ﷺ ، ومن المواقف التي تدل على ورعه وتقواه أنه اعتزل الفتنة التي حدثت بين الصحابة، وجاء إليه أصحابه وقالوا: يا سعد ألا تشارك معنا في القتال؟ قال: لا، حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول هذا مؤمن وهذا كافر، وأنشد يقول:
لَا تَخْلِطَنَّ خَبيثَاتِ بِطِيَبةٍ ... وَاخْلَعْ ثِيَابكَ منْهَا وَانْجُ عُريَانًا
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَأَىهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ، وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ؟ ! فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» (١).
والمراد بالغني غني النفس، والخفي المنقطع إلى العبادة، والاشتغال بأمور نفسه لا يبغي منصبًا ولا شهرة.
قال الذهبي ﵀: اعتزل سعد الفتنة فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم، ولقد كان أهلا للإمامة كبير الشأن ﵁ (٢).
ولما احتضر قال ابنه مصعب: كان رأسه في حجري، فبكيت، فرفع رأسه إليَّ فقال: أي بني ما يبكيك؟ قلت: لمكانك وما أرى بك. قال: لا تبكِ فإن الله لا يعذبني أبدًا، وإِنِّي من أهل الجنة،
стр. 220
قال الذهبي: صدق والله فهنيئًا له (١).
وكانت وفاته سنة خمس وخمسين من الهجرة، في قصره بالعقيق، وأَوصى أن يُدفن في جبة صوف، وقال: لقيت المشركين فيها يوم بدر وإنما خبأتها لهذا اليوم، وعمره آنذاك ثمانية وسبعون عامًا، ودُفِنَ بالبقيع، رضي الله عن سعد وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 221
الكلمة الخامسة والأربعون: النهي عن الإِسراف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأَشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن الصفات المذمومة التي نهى الشارع عنها صفة الإِسراف:
قال الراغب: هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإِنسان وإِن كان ذلك في الإِنفاق أشهر (١).
وقال سفيان بن عيينة: ما أنفقت في غير طاعة الله سرف وإِن كان ذلك قليلاً (٢).
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
والإِسراف يتناول المال وغيره، قال تعالى محذرًا عباده من الإِسراف: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
قال بعض السلف: جمع الله الطب في نصف آية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ... ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
стр. 222
قال عطاء بن أبي رباح قال: نهوا عن الإِسراف في كل شيء (١).
قال ابن كثير: «أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن» (٢).
روى النسائي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» (٣)(٤).
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: «كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ» (٥).
وروى الترمذي في سننه من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (٦).
وفرَّقَ بعض العلماء بين التبذير والإِسراف الذي جاء النهي عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧]. فقالوا: «إن التبذير هو صرف الأموال في غير حقها، إما في المعاصي؛ وإما في غير فائدة لعبًا وتساهلاً بالأموال، أما الإِسراف
стр. 223
فهو الزيادة في الطعام والشراب واللباس في غير حاجة».
قال تعالى مادحًا عباده المقتصدين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
قال ابن كثير ﵀: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم، فلا يكفونهم، بل عدلاً خيارًا، وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا (١). اهـ.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وهذا هو التوسط المأمور به، لا بخل، ولا إمساك ولا إِسراف ولا تبذير، لكن بين ذلك، قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش ذامًا للبخل ناهيًا عن الإِسراف: لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، أي لا تكن بخيلاً منوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا، ولا تبسطها كل البسط، أي: ولا تسرف في الإِنفاق فتعطي فوق طاقتك؛ وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا، أَي فتقعد إن بخلت ملومًا يلومك الناس، ويذمونك، ويستغنون عنك، كما قال زهير بن أبي سُلمى في المعلقة:
وَمَنْ كَانَ ذَا مَالٍ فَيَبْخَلُ بِمَالهِ ... عَلى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَم
ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهي الدّابة التي عجزت عن السير. اهـ (٢).
قال علي بن أبي طالب ﵁: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت به فهو لك، وما أنفقت رياء وسمعة
стр. 224
فذلك حظ الشيطان (١).
وقال ابن الجوزي: العاقل يدبر بعقله معيشته في الدنيا، فإِن كان فقيرًا اجتهد في كسب وصناعة تكُفّه عن الذل للخلق، وقلل العلائق واستعمل القناعة، فعاش سليمًا من منن الناس عزيزًا بينهم، وإِن كان غنيًا فينبغي له أن يدبر في نفقته، خوفَ أن يفتقر فيحتاج إلى الذل للخلق ... » إلى آخر ما قال (٢).
وينبغي أن ينتبه لأمر، وهو أن الإِنفاق في الحق لا يُعَدُّ تبذيرًا، قال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًّا في غير حق كان مبذرًا (٣).
ومن الإِسراف الذي يقع فيه بعض الناس: الإِسراف في الولائم وحفلات الزواج وغيرها من المناسبات صغيرة أو كبيرة، حيث تقدم بها الأطعمة أكثر من الحاجة.
ومنها الإِسراف في استخدام نعمة الماء، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ (٤)» (٥).
وقد نهى النبي ﷺ المؤمن أن يزيد على وضوئه ثلاث مرات.
روى النسائي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء؟ فأراه الوضوء ثلاثًا، ثلاثًا، ثم قال: «هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ
стр. 225
أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ (١)».
ومنها: الإِسراف في استخدام نعمة المال. روى البخاري في صحيحه من حديث خولة الأنصارية قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢) ويدخل في هذا الحديث الذين يسافرون إلى بلاد الكفار، فينفقون المبالغ الطائلة في تلك الرحلات، وهم بهذا جمعوا بين معصيتين الأولى: السفر إلى بلاد الكفار، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
روى الترمذي في سننه من حديث جرير ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» (٣).
الثانية: دعم اقتصاد هذه الدول الكافرة بهذه الأموال التي تنفق فيها.
روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ » (٤) الحديث. وغير ذلك من الصور.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 226
الكلمة السادسة والأَربعون: وقفة مع قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإِنَّ الله أَنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وعملاً بهذه الآية الكريمة فلنستمع إلى آية من كتاب الله تعالى، ولنتدبر ما فيها من العظات والحكم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، قال أمير المؤمنين علي ﵁: أدبوهم وعلموهم (١)، وقال قتادة ﵀: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأَن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به وتساعدهم عليه، فإِذا رأيتَ لله معصية زجرتهم عنها (٢).
وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها الذي يلقى فيها جثث بني آدم والحجارة، قال ابن مسعود: هي حجارة من الكبريت الأسود (٣).
стр. 227
وقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ قال الشيخ ابن سعدي: أي غليظة أخلاقهم، شديد انتهارهم، يفزعون بأصواتهم، ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر الله الذي حتَّم عليهم العذاب، وأَوجب عليهم شدة العقاب (١). اهـ.
وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، هذا مدح للملائكة وانقيادهم لأمر الله وطاعتهم له في كل ما أمرهم به.
ومن فوائد الآية الكريمة:
١ - أنه يجب على الرجل أن يأمر أهله بالمعروف ويحثهم عليه، وينهاهم عن المنكر ويزجرهم عنه؛ فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصيام، وسائر فرائض الإِسلام، ويحثهم على الأخلاق الجميلة؛ والآداب الحسنة، ويرغبهم في فضائل الأعمال، كقراءة القرآن، وتعلم العلوم النافعة، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] وقال عن إسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].
روى أبو داود في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (٢).
قال الفقهاء: وهكذا في الصوم، ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة، لكي
стр. 228
يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر (١).
وكذلك يجب عليه أن ينهاهم عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأفعال، فينهاهم عن الفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن، وعن قول الزور، وينهى نساءه وبناته عن التبرج والسفور، والخروج إلى الأسواق ومواقع الريب، وينهى جميع أهله ومن تحت يده عن مصاحبة الأشرار ومخالطتهم، والتشبه بالكفار والفساق، ويقطع عنهم الوسائل المفضية إلى غضب الله وسخطه، المشغلة عن رضاه وطاعته، كالقنوات الفضائية، والتلفاز، ونحوها من الوسائل التي تدعو إلى الرذائل ورديء الأخلاق.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» (٢).
٢ - عظم ما أعد الله لأَعدائه من العذاب والنكال، ففي هذه الآية أخبر تعالى أن حطب النار التي توقد بها: جثث بني آدم وحجارة من الكبريت الأسود، وأخبر في آية أخرى عن هولها وشدة عذابها فقال: ﴿كَلَاّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٨].
وقال أيضًا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * وَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٧ - ٢٩].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠].
стр. 229
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا» (٢).
٣ - إثبات وجود الملائكة وأنه يجب الإِيمان بهم وأنهم أصناف، فمنهم: خزنة النار الموكلون بتعذيب أهل النار وإهانتهم وأن عددهم كما ذكر الله تسعة عشر، قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] وإن كبير هؤلاء الملائكة ملك كريم اسمه مالك، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وأن الإِيمان بالملائكة وأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ركن من أركان الإِيمان الستة، قال تعالى: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
٤ - أن على المؤمن أن يقي نفسه من عذاب الله، وهذه الوقاية تكون ولو بأقل القليل من فعل الخير.
روى مسلم في صحيحه من حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ
الكلمة السابعة والأربعون: آفة السهر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن العادات السيئة التي ابتُلي بها كثير من الناس في هذه الأزمان السهر حتى ساعة متأخرة من الليل.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشاء، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: لأن النوم قبلها قد يؤدِّي إلى إخراجها عن وقتها مطلقًا، أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدِّي إلى النوم عن الصبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام الليل.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب الناس على ذلك ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخره (٢).
ومن مفاسد هذا السهر:
أولاً: أنه يؤدي إلى إضاعة صلاة الفجر، فيحرم المسلم نفسه من الأجر والثواب، ويعرضها لعقوبة الله، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
стр. 232
وقال تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
روى مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهْوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عمارة بن رويبة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» يَعْنِي: الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ (٢).
ثانيًا: أنه يؤدي إلى النوم عن قيام الليل، قال تعالى يذكر عباده المؤمنين المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، وقال أيضًا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
روى الحاكم في المستدرك من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (٣).
(ثالثًا): إضاعة الوقت فيما لا فائدة فيه، وهذا الوقت سيسأل عنه العبد يوم القيامة.
стр. 233
روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ » (١).
وهذا لمن كان سهره في المباح، أما إذا كان سهره على المحرمات كالنظر إلى القنوات الفضائية السيئة، أو التحدث في أعراض المسلمين، أو غير ذلك من المنكرات، فقد جمع إلى هذه القبائح إضاعة وقته فيما يغضب ربه .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: لا يجوز للمسلم أن يسهر سهرًا يترتب عليه إضاعته لصلاة الفجر في الجماعة أو في وقتها، ولو كان ذلك في قراءة القرآن أو طلبه العلم؛ فكيف إذا كان سهره على التلفاز أو لعب الورق أو ما أشبه ذلك؟ وهو بهذا العمل آثم، ومستحق لعقوبة اللَّه سبحانه، كما أنه مستحق للعقوبة من ولاة الأمر بما يردعه وأمثاله (٢).
(رابعًا): الأضرار الصحية التي تنتج عن السهر؛ فإن الله تعالى جعل الليل سكنًا للناس، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل: ٨٦] والنوم في الساعات الأولى من الليل لا يعوض، وقد استثنى العلماء السهر إذا كان في طاعة الله، وفيه مصلحة شرعية، كقيام الليل أو الدعوة إلى الله أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو طلب علم شرعي؛ أو السهر مع الضيف أو الزوجة.
стр. 234
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه قال: قال النبي ﷺ : «لا سَمَرَ بعدَ الصلاةِ - يعني العِشَاء الآخرة - إلا لأحد رَجُلَيْنِ مُصَلٍّ أو مُسافرٍ» (١).
لذا ينبغي على المؤمن أن يحرص على التبكير في نومه، حرصًا على تطبيق السنة، وتخلصًا من آفة السهر ومفاسده، وعليه أن يحرص على آداب النوم؛ كالنوم على طهارة والمداومة على الأذكار الشرعية قبل النوم، وغير ذلك من الآداب التي ذكرها أهل العلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 235
الكلمة الثامنة والأربعون: الحج وجوبه وفضله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال في خطبته: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» (٢).
وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁
стр. 236
قال: قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ عَبْدًا صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي المَعِيشَةِ، يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ، لَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ» (١).
فهذه الآيات والأحاديث المتقدمة، فيها بيان أن الحج ركن من أركان الإِسلام، وفريضة من فرائضه العظام.
والقول الراجح من كلام أهل العلم أن الحج يجب على الفور، فمن استطاع الوصول إلى البيت ولم يحج فهو على خطر عظيم، وما يدريه لعله يأتيه الأجل وهو لم يقض هذه الفريضة العظيمة.
عن عمر ﵁ أنه كان يقول: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَبْعَثَ رِجَالاً إلَى هَذِهِ الأَمْصَارِ، فَيَنْظُرُوا كُلَّ مَنْ لَهُ جَدَّةٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الفضل بن عباس ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «تَعْجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يعني الفريضة - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» (٤).
стр. 237
ومن فضائل الحج:
أولاً: أن الحج يهدم ما كان قبله من الذنوب، روى مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن العاص ﵁ في قصة إسلامه، وفيها: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ ! » قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ » قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ » (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢).
ثانيًا: أن الحج أفضل الأعمال بعد الإِيمان والجهاد، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ : سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيِمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» قِيَلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيِل اللهِ» قِيَلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجُّ مَبْرُوْرٌ» (٣).
ثالثًا: أن النفقة في الحج يضاعف الأجر لصاحبها كما يضاعف أجر المجاهد، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بُرَيْدَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِسَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ» (٤).
стр. 238
رابعًا: أن الحج إذا كان خالصًا لوجه الله، وموافقًا لسنة النبي ﷺ وكانت نفقته من كسب حلالٍ طيب فجزاؤه الجنة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُوْرُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَاّ الْجَنَّةُ» (١).
قال الشاعر:
إِذَا حجَجَت بِمَال أَصلُهُ دَنِسُ ... فما حجَجْت ولكن حجَّت العِيرُ
ما يَقْبَلُ اللَّهُ إلا كُلَّ طيبةٍ ... ما كُلُّ من حَج بيتَ اللَّه مَبْرُورُ
خامسًا: أن الحج والعمرة من أعظم أسباب الغنى.
روى النسائي في سننه من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالْذُّنُوْبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيَرُ خَبَثَ الْحَدِيْدِ» (٢).
سادسًا: أن اللَّه تعالى يباهي بالحجاج الملائكة.
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: إِنَّ رسول اللَّه ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَن يُعْتِقَ اللَّهُ عَبْداً مِن النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ » (٣).
سابعًا: أن من طاف بالبيت واستلم الحجر الأسود شهد له يوم القيامة. روى الترمذي في سننه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ
стр. 239
في الحجر: «وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍ» (١).
ثامنًا: أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه كما ثبت بذلك الحديث عن النَّبِيِّ ﷺ (٢).
تاسعًا: أن الحجاج وفد اللَّه روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «الغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالحَاجُّ وَالمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ» (٣).
وفضائل الحج ومنافعه الدينية والدنيوية كثيرة جدًّا، وقد أشار الله إليها بقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 240
الكلمة التاسعة والأربعون: نواقض الإِسلام العشرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فقد ذكر أهل العلم نواقض للإِسلام أي مفسدات، من فعلها خرج من دائرة الإِسلام إلى الكفر، نسأل الله السلامة والعافية، أذكرها للعلم بها والحذر منها.
أولاً: الشرك في عبادة الله، وهو أعظم ذنب عصي اللهُ به، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
وقال لقمان في وصيته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وله صور منها: أن يصرف العبد شيئًا من العبادة لغير الله، مثل النذر أو الذبح أو غير ذلك.
ثانيًا: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعًا، قال تعالى: ﴿أَلَا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ
стр. 241
اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
ثالثًا: من لم يكفِّر المشركين أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، لأن الله كفرهم في آيات كثيرة وأمر بعداوتهم لافترائهم الكذب عليه، ولا يحكم بإسلام المرء حتى يكفر المشركين، فإن توقف في ذلك أو شك في كفرهم مع تبينه فهو مثلهم.
أما من صحح مذهبهم واستحسن ما هم عليه من الكفر فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن الإِسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وهذا والى أهل الشرك فضلاً عن أن يكفرهم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه، وتمثيل ذلك بالذين يقولون: إن إنفاذ حكم الله في رجم الزاني المحصن أو قطع يد السارق لا يناسب هذا العصر الحاضر، لأن زماننا قد تغير عن زمن النبي ﷺ ، أو أن غيره من الأحكام مثله أو أفضل منه. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
قال ابن القيم ﵀:
واللَّهِ مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّها ... لَعَلَى سَبِيلِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَان
стр. 242
لَكِنَّمَا أَخْشَى انْسلاخَ الْقَلْبِ عَنْ ... تَحْكِيمِ هَذَا الْوَحْيِ وَالْقُرْآن
وَرِضَى بِآرَاءِ الرِّجَالِ وَخَرْصِهَا ... لَا كَانَ ذَاكَ بِمِنَّةِ الْمَنَّان
ومن ذلك أصحاب القوانين الوضعية، الذين جعلوها شرعًا ومنهاجًا يسيرون عليه، ويلزمون الناس به، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
الناقض الخامس: «من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ، ولو عمل به كفر» وهذا باتفاق العلماء، وقد نال المنافقون النصيب الأكبر من هذه الخصلة، وهم يعملون ببعض شرائع الإِسلام الظاهرة؛ ولكنهم في الخفاء يضمرون البغض والكراهية لشريعة الإِسلام وأَهلها، ويتربصون بهم الدوائر، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
وقد حكم الله على من كره شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ بالكفر والضلال، وأن أعمالهم باطلة مردودة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٨ - ٩].
فكل من كره ما أنزل الله فعمله حابط، وإن عمل بما كره، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].
الناقض السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو
стр. 243
عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]؛ فالاستهزاء بشيء مما جاء به الرسول كفر بإجماع المسلمين ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء كما لو هزل مازحًا.
وقد ذكر الله تعالى حال هؤلاء المستهزئين الساخرين بأشر ما ذكر به قومًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُون﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]. وقد نهى الله تعالى عن مجالسة هؤلاء المستهزئين وأن من جلس معهم فهو مثلهم، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
الناقض السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر.
قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
أما الصرف: فهو صرف الرجل عما يهواه، كصرفه مثلاً عن محبة زوجته إلى بغضها، والعطف عمل سحري كالصرف، ولكنه عطف
стр. 244
الرجل عما لا يهواه إلى محبته، والسحر محرم بجميع طرقه وفي جميع الشرائع.
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
الناقض التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇، فهو كافر؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فمن رغب الخروج عن شريعة النبي ﷺ ، أو ظن الاستغناء عنها، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وعيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد؛ بل يكون متبعًا لشريعة النبي ﷺ ، فشريعته ﵊ باقية إلى يوم القيامة، وعامة لجميع الناس؛ ولا يسع أحد الخروج عنها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
والمراد بالإِعراض هو الإِعراض عن تعلم أصل الدين الذي يكون به المرء مسلمًا.
قال ابن القيم ﵀: وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع، فذكرها ثم قال: وأما كفر الإِعراض فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول ﷺ -
стр. 245
لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة (١). اهـ.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجاد، والخائف؛ إلا المكره. قال تعالى: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه (٢). اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 246
الكلمة الخمسون: سوء الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وأَشهد أَن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأَشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ - فِيْمَا يَرَى النَّاسُ - عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلْ فِيْمَا يَرَى الْنَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيْمِهَا» (١).
قال ابن بطال: وفي تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا؛ فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء (٢).
لأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءِ الْخَاتِمَةِ شَدِيْدًا، يَقُوْلُ أَحَدُهُمْ: خَوْفُ الصَّالِحِيْنَ مِنْ سُوَءٍ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ كُلِّ خَطرَةٍ وَحَرَكَةٍ، وَيَقُوْلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا أَحَدٌ أَمِنَ عَلَى إِيْمَانِهِ أَلَاّ يُسْلَبَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَاّ سُلِبَهُ (٣)، وَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ سُفْيَانَ الْثَّوْرِيَّ ﵀ جَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَمِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ أُسْلَبَ
стр. 247
الإِيْمَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ (١).
فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنة.
قال ابن القيم ﵀: وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى (٢).
قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: ولسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسبابٌ ولها طرقٌ وأَبوابٌ، وأَعظمها الانكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها، والإِعراض عن الآخرة والإِقدام والجرأة على معاصي الله، وربما غلب على الإِنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية، وجانب من الإِعراض، ونصيب من الجرأة والإِقدام، فملك قلبه وسبى عقله، فربما جاءه الموت على ذلك، وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم ولله الحمد وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبيرة، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة (٣). اهـ.
وقد يظهر من المحتضر ما يدل على سوء الخاتمة، مثل النكول عن النطق بالشهادتين، ورفض ذلك، والتحدُّث بالسيئات والمحرمات، وإِظهار التعلُّق بها ونحو ذلك من أقوال وأفعال تدل على الإِعراض عن دين الله والتبرم لنزول قضائه (٤).
стр. 248
قال ابن القيم: وإذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة، عقوبة لهم على أعمالهم السيئة (١).
قال ابن رجب: وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة (٢). اهـ.
وقد ذكر بعض أهل العلم أسبابًا ينشأ عنها سوء الخاتمة:
أولاً: التسويف بالتوبة، والاستمرار في المعاصي، والتهاون في فعل الواجبات، ويضمر بعضهم أنه سيتوب ولكن متى؟ يقول الأعزب: حين أتزوج، والطالب: حين أتخرج، والفقير: حين أتوظف، ويقول الصغير: حين أكبر. وهكذا يحدد كل واحد موعدًا لتوبته فيقال لهؤلاء جميعًا: من يضمن لكم بلوغ هذه الآمال، أما تخشون أن تخترمكم المنايا قبل وصولها، ثم لو وصلتم إليها هل تضمنون أن توفقوا للتوبة وقد قضيتم الأعمار في الغواية والضلال، والشهوات المحرمة التي غالبًا ما تكون سببًا لانقلاب القلوب وانتكاسها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ثم بين
стр. 249
سبب هذا الانقلاب فقال: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي بسبب رد الحق أول ما جاءهم، ثم قال: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقد ذم الله قومًا طالت آمالهم حتى ألهتهم عن العمل للدار الآخرة، ففاجأهم الأجل وهم غافلون. قال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢ - ٣].
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِيْ طَالِبٍ ﵁: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: طُولَ الأَمَلِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَإِنَّهُ يُنْسِي الآخِرَةَ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ (١).
ثانيًا: حب المعصية، فإن الإنسان إذا داوم على المعاصي ولم يسارع إلى التوبة منها ألفها قلبه فاستولت على تفكيره في اللحظات الأخيرة من عمره، فيموت عليها، ويبعث عليها.
روى مسلم في صحيحه من حديث جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (٢).
قال ابن كثير: والذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الأيمان، فيقع في سوء الخاتمة (٣).
قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر، فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب
стр. 250
فإنها هي التي أوقعته، وآخر حضرته الوفاة، فقيل له: قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء حتى قبضت روحه.
وقيل لآخر عند موته: قل لا إله إلا الله، فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها، والقصص في هذا كثيرة (١).
قال ابن قدامة ﵀: وإذا عرفت معنى سوء الخاتمة فاحذر أسبابها، وأعد ما يصلح لها، وإياك والتسويف بالاستعداد فإن العمر قصير، وكل نفس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك؛ لأنه يمكن أن تخطف فيه روحك، والإِنسان يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه (٢).
فعلى العبد أن يلزم نفسه بالطاعة والتقوى، وأن ينأى بنفسه عما حرم الله، وأن يبادر بالتوبة من المعاصي، وأن يلح في دعاء الله أن يختم له بالخاتمة الحسنى، وأن يحسن الظن بربه ، روى مسلم في صحيحه من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُوْلُ: «إِنَّ قُلُوْبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ شَاءَ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوُبِ صَرِّفْ قُلُوْبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.