ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرًا لهم، أو إقرارًا على دينهم أبدًا، فلم يزل رسول الله ﷺ من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم وعيب دينهم وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد لهم كل وقت، وفي كل ناد، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مضيًا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إن الآية اقتضت تقريرًا لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت براءته المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدًا فإنه دين باطل، فهو مختص بكم لا نشارككم فيه ولا أنتم تشاركوننا في ديننا الحق وهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار؟ حتى يَدَّعُوا النسخ أو التخصيص، أفنرى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾، بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده، وكذلك حكم هذه البراءة بين اتباع رسول الله ﷺ أهل سننه وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته: (لكم دينكم ولنا ديننا) لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم بل يقولون لهم هذا براءة منهم ومن بدعتهم، وهم مع هذا متنصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان» (١).
стр. 1857
خامسًا: عصمة الله لنبيه من الوقوع في عبادة الأصنام، وإجابة المشركين إلى اقتراحهم الباطل.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1858
الكلمة السادسة والثمانون: فضائل معاوية بن أبي سفيان
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فحديثنا اليوم عن صحابي جليل، وملك من ملوك الإسلام، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وهو أول من غزا البحر، قال عنه النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اجعَلهُ هَادِيًا مَهدِيًّا وَاهدِ بِهِ»، وهو خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول رب العالمين، وقد أسلم عام الفتح.
إنه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية أبو عبد الرحمن القرشي الأموي المكي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة، وكان معاوية أبيض طويلًا جميلًا، حليمًا، وقورًا، سيدًا في قومه، كريمًا، عادلًا، شهمًا، قَالَ أَبَانُ بنُ عُثمَانَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ غُلَامٌ يَمشِي مَعَ أُمِّهِ هِندٍ فَعَثَرَ فَقَالَت: قُم لَا رَفَعَكَ اللهُ، وَأَعرَابِيٌّ يَنظُرُ فَقَالَ: لِمَ تَقُولِينَ لَهُ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَظُنُّهُ سَيَسُودُ قَومَهُ، قَالَت: ثَكِلْتُهُ إِن لَم يَسُدْ إِلَّا قَومَهُ.
كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وتفرد فيهم بالسؤدد بعد يوم بدر، ثم لما أسلم حسن إسلامه، وكانت له مواقف شريفة،
стр. 1859
وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله، وما بعده (١).
وكانت لهذا الصحابي الجليل فضائل عديدة عامة، وخاصة، أما العامة فهي التي وردت في فضائل الصحابة، ولا شك أن معاوية داخل في هذا الفضل، قال ابن القيِّم ﵀: «فما صحَّ في مناقب الصحابة على العموم ومناقب قريش، فمعاوية ﵁ داخل فيه» (٢).
أما الأدلة الخاصة: فمنها دعاء النبي ﷺ له، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي عَمِيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (٣).
ومن مناقبه: أنه أول من غزا البحر، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ عَن خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنتِ مِلْحَانَ ﵂ قَالَتْ: «نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، وجاء في آخر الحديث: فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ» (٤).
стр. 1860
هذا الحديث فيه منقبة لها وله ﵁: فإنه أول من غزا البحر في زمن عثمان بن عفان (١).
وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ بِنتِ مِلْحَانَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: أَنْتِ فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ، فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا» (٢). ومعنى «أَوْجَبُوا»: أي: وجبت لهم الجنة.
ومن مناقبه: أنه أحد كُتاب الوحي، ففي صحيح مسلم: «أَنَّ أَبَا سُفيَانَ وَالِدَ مُعَاوِيَةَ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةَ أُمُورٍ، مِنهَا: أَن يَجعَلَ مُعَاوِيَةَ كَاتِبًا، وَقَد أَجَابَهُ ﷺ » (٣).
وفي مسند الإمام أحمد مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ كَاتِبَهُ» (٤).
قال ابن كثير: صحب معاوية رسول الله ﷺ وكتب الوحي بين يديه مع الكُتَّاب (٥).
ومن مناقبه: أنه خال المؤمنين، قال الإمام أحمد في السنَّة:
стр. 1861
سائل يقول: «أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين؟ قال: نعم معاوية أخو أم المؤمنين حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ورحمهما، وابن عمر أخو حفصة زوج النبي ﷺ ورحمهما» (١).
ومنها: أنه شهد مع رسول الله ﷺ حُنَينًا، والطائف، وتبوك، وحج معه حجة الوداع.
ومنها: أن عمر ﵁ ولَّاه على الشام، وأمَّره عثمان ﵁ على الشام عشرين سنة فضبطه، ولم يعرف عنه عجز، ولا خيانة.
قال الذهبي: حسبك بمن يؤمره عمر، ثم عثمان على إقليم، وهو ثغر فيضبطه ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألَّم مرةً منه وكذلك فليكن الملك، وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيرًا منه بكثير وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه، ورأيه، وله هنات وأمور والله الموعد. وكان محببًا إلى رعيته، عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك (٢).
стр. 1862
ومنها: أنه من خير الملوك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوَّة، وكان في ملكه من الرحمة والحلم، ونفع المسلمين ما يُعْلَم أنه كان خيرًا من مُلْكِ غيره» (١).
وقال ابن أبي العز الحنفي: «وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين» (٢). وكان ﵁ من دهاة العرب، وقد اشتهر بالحكمة والحلم والمروءة، وسياسة الأمور.
فمن أقواله العظيمة أنه كَانَ يَقُولُ: المُرُوءَةُ فِي أَربَعٍ: العَفَافُ فِي الإِسلَامِ، وَاستِصلَاحُ المَالِ، وَحِفظُ الإِخوَانِ، وَحِفظُ الجَارِ، وَقَالَ أَيضًا: أَفضَلُ النَّاسِ مَن عَقَلَ وَحَلُمَ، وَمَن إِذَا أُعطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا غَضِبَ كَظَمَ، وَإِذَا قَدِرَ غَفَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَنجَزَ، وَإِذَا أَسَاءَ استَغفَرَ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِمُعَاوِيَةَ: مَن أَسْوَدُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَسخَاهُم نَفْسًا حِينَ يُسأَلُ، وَأَحسَنُهُم فِي المَجَالِسِ خُلُقًا، وَأَحلَمُهُم حِينَ يُستَجهَلُ.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان معاوية يتمثَّل بهذه الأبيات كثيرًا:
فَمَا قَتَلَ السَّفَاهَةَ مِثلُ حِلمٍ ... يَعُودُ بِهِ عَلَى الجَهلِ الحَلِيمُ
فَلَا تَسفَهْ وَإِن مُلِئتَ غَيظًا ... عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ الفُحشَ لَومُ
стр. 1863
وَلَا تَقطَع أَخًا لَكَ عِندَ ذَنبٍ ... فَإِنَّ الذَّنبَ يَغفِرُهُ الكَرِيمُ
وكتب معاوية إلى نائبه زياد: إِنَّهُ لَا يَنبَغِي أَن نَسُوسَ النَّاسَ سِيَاسَةً وَاحِدَةً، بِاللِّينِ فَيَمرَحُوا، وَلَا بِالشِّدَّةِ فَتَحمِلَ النَّاسَ عَلَى المَهَالِكِ، وَلَكِن كُن أَنتَ لِلشِّدَّةِ، وَالفَظَاظَةِ، وَالغِلظَةِ، أَكُنْ أَنَا لِلِّينِ وَالأُلفَةِ وَالرَّحمَةِ، فَإِذَا خَافَ خَائِفٌ وَجَدَ بَابًا يَدخُلُهُ (١).
وسُئل الإمام أحمد عن رجل انتقص معاوية، وعمرو بن العاص: أيقال له: رافضي؟ قال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا له داخلة سوء (٢)، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» (٣).
قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: «مَن شَتَمَ أَحَدًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَبَا بَكرٍ، أَو عُمَرَ، أَو عُثمَانَ، أَو عَلِيًّا، أَو مُعَاوِيَةَ، أَو عَمرَو بنَ العَاصِ، فَإِنْ قَالَ: كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ وَكُفرٍ قُتِلَ، وَإِنْ شَتَمَهُمْ بِغَيرِ هَذَا مِن مُشَاتَمَةِ النَّاسِ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا» (٤).
وأما ما حصل بين معاوية وعلي من قتال، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين، إما مصيبين
стр. 1864
لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح، مغفور لهم خطؤهم، وما كان لهم من السيئات - وقد سبق لهم من الله الحسنى - فإن الله يغفر لهم: إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة» (١) كَمَا قَالَ ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِينَ بَقِيتُ فِيهم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٢).
وقال ابن قدامة المقدسي: «ومن السنَّة تولي أصحاب رسول الله، ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم» (٣). قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ (٤)» (٥).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1865
الكلمة السابعة والثمانون: من مشاهد القيامة
القنطرة بين الجنة والنار
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فقد روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» (١).
قَولُهُ ﷺ : «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ»: أي: بعدما ينجون من الصراط الذي يمرون عليه بحسب أعمالهم، قال القرطبي: «هؤلاء المؤمنون هم الذين علم الله أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم» (٢). اهـ، لأنه إذا استنفذ القصاص حسناتهم لم يبق لهم حسنات يدخلون بها الجنة.
стр. 1866
وقال ابن حجر: «لعل أصحاب الأعراف منهم على القول المرجح وهم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وخرج من هذا صنفان من المؤمنين: من دخل الجنة بغير حساب، ومن أوبقه عمله» (١).
قَولُهُ ﷺ : «فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»: القنطرة هي جسر مقوس مبني فوق النهر يُعبر عليه (٢).
قد يقول قائل: كيف القنطرة وكيف يكون القصاص فيها، وهل هناك قصاص آخر غير القصاص الذي في عرصات يوم القيامة؟ الجواب عن ذلك: أن هذه أمور غيبية نؤمن بها ولا نطلب العلم بكيفيتها، فلا نعلم كيفية الصراط وحقيقته، ولا القنطرة، وكيف يحبسون عليها؟ فحقائق الآخرة لا يعلمها إلا الله، وسيدرك الناس ذلك يوم القيامة إذا رأوا هذه الأمور وعاينوها.
قال ابن كثير: «القنطرة تكون بعد مجاوزة النار، فقد تكون هذه القنطرة منصوبة على هول آخر مما يعلمه الله، ولا نعلمه نحن. والله أعلم» (٣).
قال ابن حجر: «وقد اختلف العلماء هل القنطرة هي طرف الجسر الذي على متن جهنم أو هي جسر مستقل، ورجح القرطبي الثاني» (٤).
стр. 1867
قَولُهُ ﷺ : «فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ»: قال الشيخ ابن عثيمين: «وهذا القصاص غير القصاص الأول الذي في عرصات القيامة؛ لأن هذا قصاص أخص لأجل أن يذهب الغل، والحقد، والبغضاء التي في قلوب الناس فيكون هذا بمنزلة التنقية، والتطهير، وذلك لأن ما في القلوب لا يزول بمجرد القصاص، فهذه القنطرة التي بين الجنة والنار لأجل تنقية ما في القلوب حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل» (١). كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «النفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التي ليس فيها من الخبث شيء، فإن ذلك موجب للفساد أو غير ممكن، بل إذا كان في النفس خبث طهرت، وهذبت حتى تصلح لسكنى الجنة، والتهذيب التخليص كما يهذب الذهب فيخلص من الغش، يشير إلى قَولُهُ ﷺ : «حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا» فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا الذنوب، فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط» (٢). اهـ
فإذا دخل المؤمنون الجنة توجهوا إلى قصورهم ومنازلهم فرحين بما أعطاهم الله، يعرفون مواضعها، ويستدلون على مكانها أكثر مما يستدلون على بيوتهم في الدنيا.
стр. 1868
ومن فوائد الحديث:
١ - عدل الله التام: فلا يدخل المؤمن الجنة وله مظلمة عند أخيه، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ أُنَيْسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ [بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ] قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَاتِي اللهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١). بل حتى البهائم يقتص من بعضها البعض، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٢).
٢ - أنه يجب على المؤمن أن يحرص على براءة ذمته من حقوق الآخرين وأن يتحلل منهم قبل يوم القيامة حيث لا درهم، ولا دينار، وإنما هي الحسنات والسيئات، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ
الكلمة الثامنة والثمانون: الإيمان بالملائكة ﵈
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فمن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالملائكة وهو ركن من أركان الإيمان الستة، والملائكة عالم مخلوقون من نور، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» (١).
والملائكة عباد الله، مكلفون بالعبادة، وهم خاضعون لله أتم الخضوع، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فنؤمن بأسماء من علمنا بأسمائهم ونؤمن بوظائف من علمنا بوظائفهم، وهم أجساد، بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاث، وأربعة، وأكثر من ذلك، خلافًا لمن قال: إنهم أرواح.
قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [فاطر: ١]. وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ﵁:
стр. 1871
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ» (١). وهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يملون، ولا يتعبون، يقومون بعبادة الله وطاعته والتقيد بأوامره بلا كل ولا ملل، ولا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك، قال تعالى في وصفهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُون (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]، ومعنى لا يفترون: أي لا يَضْعُفُونَ عن ذلك، وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُون﴾ [فصلت: ٣٨]. أي: لَا يَمَلُّونَ.
ولكل واحد منهم وظائف خصه الله بها، أخلاقهم، وأفعالهم بارة طاهرة، قَالَ تَعَالَى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَة (١٥) كِرَامٍ بَرَرَة (١٦)﴾ [عبس: ١٥ - ١٦]. جبلهم الله على الحياء، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! » (٢).
فجبريل: موكل بالوحي ينزل به من الله تعالى إلى الرسل، وإسرافيل: موكل بنفخ الصور، وميكائيل: موكل بالقطر والنبات .... وهؤلاء الثلاثة كلهم موكلون بما فيه حياة، فجبريل: موكل بالوحي، وفيه حياة القلوب، وميكائيل بالقطر والنبات، وفيه حياة الأرض، وإسرافيل بنفخ الصور وفيه حياة الأجساد يوم المعاد ...
стр. 1872
وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَسَّلُ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ لَهُم فِي دُعَاءِ الاِستِفتَاحِ فِي صَلَاةِ اللَّيلِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ ... الحديث» (١).
ومنهم من وُكِّلَ بقبض أرواح بني آدم، أو بقبض روح كل ذي روح وهم ملك الموت، وأعوانه، قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُون (٦١)﴾ [الأنعام: ٦١].
ومنهم ملائكة سيَّاحون في الأرض يلتمسون حلق الذكر، وكذلك ملائكة يكتبون أعمال الإنسان، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين﴾ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
ومنهم ملائكة يتعاقبون على بني آدم بالليل والنهار، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ» (٢).
وآخرون موكلون بالنار وعددهم تسعة عشر، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر (٣٠)﴾ [المدثر: ٣٠]. وكبيرهم اسمه مالك خازن النار.
وملك الجبال الذي ورد ذكره في صحيح مسلم عِندَمَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: أَنَا مَلَكُ الجِبَالِ .. (٣). والملائكة الذين في
стр. 1873
كل سماء، وهم في صنوف من العبادات، منهم من هو قائم لله أبدًا، ومنهم من هو راكع له أبدًا، ومنهم من هو ساجد أبدًا، ومنهم من هو في ألوان من الطاعات أُخر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُوم (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤]. أي: موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة، لا يتجاوزه ولا يتعداه (١).
روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ (٢) السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيهِ مَلَكٌ سَاجِد لَوْ عَلمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ (٣) تَجْأَرُونَ (٤) إِلَى اللَّهِ» (٥).
وهم على درجات ومقامات، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُوم (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤].ومنهم الملائكة المقربون، قَالَ تَعَالَى ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. وأفضلهم جبريل ﵇، وصفه الله بأنه روح القدس،
стр. 1874
وأنه الروح الأمين، وأنه ذو قوة مكين، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين (٢٠)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠]. أي: له مكانة، ومنزلة عالية رفيعة عند الله.
روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَأَيتُ جِبرِيلَ ﵇ مُنهَبِطًا قَدْ مَلَأَ مَا بَينَ السَّماءِ وَالأَرضِ، وعَلَيْهِ ثِيابُ سُنْدُسٍ، مُعَلَّقًا بِهِ اللُّؤلُؤُ وَاليَاقُوتُ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ ﵁ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٣ - ١٤]، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عَلَيْهِ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ يَنتَثِرُ مِنْ رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ - أي الأشياء المختلفة الألوان - الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ» (٢).
وأفضل الملائكة من شهد بدرًا، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِن أَهلِ بَدرٍ: أَنَّ جِبرِيلَ ﵇ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «مَا تَعُدُّونَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ» (٣).
стр. 1875
أما خلقهم فهو خلق عظيم، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦]. روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ جَابِرِ ابنِ عَبدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ أَحَدِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» (١).
أما عددهم فخلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ مَالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فِي البَيتِ المَعمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَومٍ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَم يَعُودُوا إِلَيهِ آخِرَ مَا عَلَيهِم» (٢).
وفي رواية مسلم: «لَا يَعُودُونَ إِلَيهِ». قال ابن حجر: واستُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر (٣). اهـ.
والملائكة لا تدخل بيتًا فيه صور، أو تماثيل، أو كلاب، كما روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي طَلحَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدخُلُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ أَو صُورَةٌ» (٤)، وفي رواية:
стр. 1876
«التَّمَاثِيلُ» (١).
والملائكة يُؤَمِّنُونَ على قراءة المصلي ويقولون: ربنا ولك الحمد، ويدعون لمنتظر الصلاة، ويستغفرون للمؤمنين، ويدعون لهم بدخول الجنان، ويلعنون الكفرة ومن آوى محدثًا، أو رفع على أخيه السلاح، والمرأة التي تهجر فراش زوجها، ويصلون على معلمي الناس الخير كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة.
الخلاصة: أن على المؤمن أن يؤمن بهؤلاء الملائكة ويحبهم، ويعرف لهم قدرهم، قَالَ تَعَالَى ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٨)﴾: [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]. وعليه أن يجتنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، وأعظم ذلك الكفر، والشرك، والمعاصي، وهم يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم: من الرائحة الكريهة، والأقذار، والأوساخ، والبصق على اليمين في الصلاة، وقد صحت الأدلة بذلك (٢)(٣).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1877
الكلمة التاسعة والثمانون: فضائل الشام
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن لبلاد الشام مناقبَ كثيرةً ثبتت في الكتاب والسنة، وذكرها أهل العلم في كتبهم، فمن تِلك المناقب:
أولًا: البركةُ فيها وثَبت ذَلك في خمس آيات:
١ - قَولُهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. قال جمع من المفسرين: إنها بلاد الشام.
٢ - قَولُهُ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١)﴾ [الإسراء: ١]، وحوله أرضُ الشام، وكان هذا في الإسراء.
٣ - قَولُهُ تَعَالَى في قصة إبراهيم: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِين (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِين (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧٠ - ٧١] ومعلوم أن إبراهيم إنما نجاه اللهُ ولوطًا إلى أرض الشام، مهاجرًا من أرض العراق.
стр. 1878
٤ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين (٨١)﴾ [الأنبياء: ٨١]. وإنما كانت تجري إلى أرضِ الشامِ التي فيها مملكةُ سليمان.
٥ - قَولُهُ تَعَالَى في قصة سبأ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِين (١٨)﴾ [سبأ: ١٨]، قال جمع من المفسرين: يعني قرى الشام، فكانوا يسيرون من اليمن إلى الشام، والقرى التي بورك فيها الشام، والأردن، وفلسطين، ومعنى ظاهرة: أي متواصلة.
فهذه خمسُ آيات في بركة الشام، الأولى في انتقال بني إسرائيل إليها، والثانيةُ مسرى الرسول ﷺ إليها، والثالثة هجرة إبراهيم إليها، والرابعة مملكة سليمان بها، والخامسة مسير سبأ إليها، وصفها ﵎ بأنها الأرض التي بارك فيها.
وفيها أيضًا الطور الذي كلم الله عليه موسى، والذي أقسم الله به في سورة الطور، فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون (١) وَطُورِ سِينِين (٢)﴾ [التين: ١ - ٢]. وذكر المفسرون أن المراد بالبركة بركة الدنيا، وذلك بكثرة الأقوات، والثمار، والأنهار والزروع، وسعة الأرزاق، وقال بعضهم: بركة الدين لأنها مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة والوحي، وقال النووي ﵀: «جعلها الله مباركة لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبيًّا» (١)، والصحيح أن ذلك يشمل الأمرين معًا، وَقَد دَعَا النَّبِيُّ ﷺ
стр. 1879
رَبَّهُ لِلشَّامِ بِالبَرَكَةِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا» (١).
ثانيًا: أن الشام أرض المحشر:
قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢].استدل بهذه الآية جمع من أهل العلم (القرطبي، وابن كثير، وابن حجر) على أن الشام أرض المحشر، فالحشر الأول حصل لليهود بنفيهم إلى الشام، والثاني سيكون للناس، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ حَكِيمِ بنِ مُعَاوِيَةَ عَن أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «هَا هُنَا تُحشَرُونَ، هَا هُنَا تُحشَرُونَ، هَا هُنَا تُحشَرُونَ، ثلاثًا، رُكبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِكُم .. ثم آخر الحديث، قَالَ ابنُ بُكَيرٍ: فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ: إِلَى هَا هُنَا تُحشَرُونَ» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد دل الكتاب والسنة وما روي عن الأنبياء المتقدمين ﵈ مع ما علم بالحس، والعقل، وكشوفات العارفين أن الخلق، والأمر، ابتداء من مكة أم القرى فهي أم الخلق، وفيها ابتدئت الرسالة المحمدية التي طبق نورها الأرض، وهي التي جعلها الله قيامًا للناس، إليها يصلون، ويحجون، ويقوم بها ما شاء الله من مصالح دينهم ودنياهم، فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل
стр. 1880
المذكورة على أن ملك النبوة بالشام، والحشر إليها فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق، والأمر، وهناك يحشر الخلق، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام، وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس فأول الأمة خير من آخرها، كما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى الشام» (١). اهـ.
ثالثًا: أن الملائكة باسطو أجنحتها للشام:
وهذا في حال السلم، فكيف بحال الحرب، روى الترمذي في سننه وأحمد في مسنده مِن حَدِيثِ زَيدِ بنِ ثَابِتٍ ﵁: قَالَ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «طُوبَى لِلشَّامِ، طُوبَى (٢) لِلشَّامِ، قُلتُ: مَا بَالُ الشَّامِ؟ قَالَ: المَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَجنِحَتَهَا عَلَى الشَّامِ» (٣).
رابعًا: أن الله تكفل بالشام وأهله:
روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ حَوَالَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً، جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ. قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ. فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ
تَقُومَ السَّاعَةُ» (١). وَأَهْلُ الْغَرْبِ: هُمْ أَهلُ الشَّامِ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَحمَدُ، وَأَيَّدَهُ فِي ذَلِكَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيِمِيَّةَ (٢).
سابعًا: وصية النبي ﷺ بالتوجه إلى الشام:
روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَتَخْرُجُ نَارٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ، أَوْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ تَحْشُرُ النَّاسَ. قَالُوا: فَبِمَ تَامُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ» (٣).
ثامنًا: مدح النبي ﷺ للشام وأنها خير المنازل:
روى أبو داود في سننه وأحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي الدَّردَاءِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فُسْطَاطَ (٤) الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» (٥).
وفي رواية: «يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ الكُبرَى فُسْطَاطُ الْمُسْلِمِينَ
стр. 1883
بِأَرضٍ يُقَالُ لَهَا: الغُوطَةُ، فِيهَا مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، خَيرُ مَنَازِلِ المُسلِمِينَ يَومَئِذٍ» (١).
تاسعًا: نزول عيسى ابن مريم ﵇ بالشام:
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ» (٢).
عاشرًا: هلاك المسيح الدجال يكون في الشام:
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِندَمَا ذَكَرَ وُصُولَ المُسلِمِينَ إِلَى الشَّامِ، قَالَ: «فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ، ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ» (٣).
الحادي عشر: أنها عُقْرُ دار المؤمنين:
روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّ عُقْرَ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ» (٤). قال ابن الأثير: عُقْرُ دار الإسلام الشام، أي: أصله وموضعه، كأنه أشار به إلى وقت
стр. 1884
الفتن أي يكون الشام يومئذ آمنًا منها، وأهل الإسلام به أسلم (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على المناقب السابقة من الكتاب والسنة وآثار العلماء: «وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي للمسلمين على غزو التتار وأمري لهم بلزوم دمشق ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر، واستدعائي للعسكر المصري إلى الشام، وتثبيت العسكر الشامي فيه، وقد ظهر مصداق هذه النصوص النبوية على أكمل الوجوه في جهادنا للتتار، وأظهر الله للمسلمين صدق ما وعدناهم به وبركة ما أمرناهم به، وكان ذلك فتحًا عظيمًا ما رأى المسلمون مثله مثل صرح مملكة التتار التي أذلت أهل الإسلام فإنهم لم يهزموا أو يغلبوا كما غلبوا على باب دمشق في الغزوة الكبرى التي أنعم الله علينا فيها من النعم بما لا نحصيه خصوصًا وعمومًا.
يشير بذلك إلى معركة شقحب (٢) سنة (٧٠٢ هـ) في شهر رمضان التي انتصرت فيها الجيوش المصرية والشامية بقيادة الملك الناصر قلاوون وحضور الخليفة وسكان دمشق على التتار» (٣).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1885
الكلمة التسعون: تأملات في سورة التين
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الله أنزل القرآن العظيم لتدبره والعمل به قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، ومن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجة إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم العظيمة والفوائد الجليلة سورة التين.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون (١) وَطُورِ سِينِين (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِين (٥) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين (٨)﴾ [التين: ١ - ٨].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ البَرَاءِ ابنِ عَازِبٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ» (١). فَمَا سَمِعتُ أَحَدًا أَحسَنَ صَوتًا مِنهُ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون (١)﴾ قال ابنُ عباسِ والحسنُ
стр. 1886
ومجاهدٌ وغيرهُمُ: «هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِين (٢٠)﴾ [المؤمنون: ٢٠]» (١).
قال القرطبي: «﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء﴾ يريدُ شجرةَ الزيتونَ، وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشامِ والحجازِ وغيرهما من البلاد وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار» (٢).
وقال بعض المفسرين: وإنما أقسم الله بالتين لأنه كان ستر آدم في الجنة لِقَولِهِ تَعَالَى ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وكان ورق التين والزيتون شجرة مباركة، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥].
وينتفع به في الدهن والاصطباغ كما يسرج به فهو أَضْوَأُ وأصفى الأدهان، ويستعمل حطب هذه الشجرة للوقود، كما أن للزيتون فوائد طيبة عظيمة، وقد ذكر في مزاياها أنها شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها، وأن زيتها لا يحتاج في استخراجه إلى إعصار، بل كل أحد يستخرجه بسهولة، كما أنه يُعالج القروح والجراحات (٣).
стр. 1887
روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُوا مِنَ الزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» (١).
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَطُورِ سِينِين (٣)﴾ هو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى ﵇، وإنما أقسم بالجبل لأنه بالشام وبالأرض المقدسة وقد بارك الله فيهما، قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين (٣)﴾ هو مكة، قال ابن كثير: ولا خلاف في ذلك، وقد أقسم الله بمكة لأنها أحب البقاع إلى الله، وأشرف البقاع عند الله.
وقد أقسم الله بهذه الأشياء الأربعة: التين، والزيتون، وطور سينين، والبلد الأمين.
قال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيًا مرسلًا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم، والثاني: طور سينين، وهو الذي كلم الله فيه موسى بن عمران، والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنًا،
стр. 1888
وهو الذي أرسل فيه محمدًا ﷺ (١).
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم (٤)﴾ هذا جواب القسم، والمراد أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها، قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيًّا عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا مدبرًا حكيمًا (٢).
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: ٢].
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِين (٥)﴾ أي: إلى النار، قال ابن كثير: ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل، ولهذا قال: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين (٣).
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون (٦)﴾ أي: غير منقوص ولا منقطع.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧)﴾ أي: فأي شيء يجعلك أيها الإنسان بعد هذا البيان لا تصدق بيوم الحساب وقد علمت البدأة وعرفت أن من قدر على البدأة فهو قادر على الرجعة بطريق
стр. 1889
الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين (٨)﴾ أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا، ومن عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وفي الحديث الذي رواه مسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (١).
اللهم اجعل هذا القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وقائدنا ودليلنا إلى جناتك جنات النعيم، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يرضيك عنا.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1890
الكلمة الحادية والتسعون: الفقراء والضعفاء
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الله بحكمته وعلمه فاضل بين عباده بالفقر، والغنى، فأغنى من شاء وأفقر من شاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]، قال ابن عباس ﵄: أي: نبتليكم بالشر والخير أي بالشدة والرخاء، والصحة، والسقم، والغنى، والفقر، والحلال، والحرام، والطاعة، والمعصية، والهدى، والضلال، وهذا من تمام حكمته ورحمته بخلقه، فلو أغنى الناس جميعًا لبغوا في الأرض، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء﴾ [الشورى: ٢٧].
والفقراء هم أول من يدخل الجنة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵄: عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْفُقَرَاءُ الْمُهَاجِرُونَ، الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وَيُتَّقَى بِهِمُ الْمَكَارِهُ، وَيَمُوتُ
стр. 1891
أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً» (١).
وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ» (٢).
والفقراء هم أكثر أهل الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عِمْرَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» (٣).
والفقراء هم أتباع الأنبياء والرسل: روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ هِرَقلَ مَلِكَ الرُّومِ سَأَلَ أَبَا سُفيَانَ عَن أَتبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ هَل هُم أَشْرَافُ النَّاسِ، أَو ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَل ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ» (٤).
وقد أمر الله نبيه ﷺ بملازمة الفقراء، والضعفاء، والمكث معهم، فإن ذلك أبعد عن مظاهر الدنيا وفتنتها، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: