← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً» (١). وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ» (٢). والفقراء هم أكثر أهل الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عِمْرَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» (٣). والفقراء هم أتباع الأنبياء والرسل: روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ هِرَقلَ مَلِكَ الرُّومِ سَأَلَ أَبَا سُفيَانَ عَن أَتبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ هَل هُم أَشْرَافُ النَّاسِ، أَو ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَل ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ» (٤). وقد أمر الله نبيه ﷺ بملازمة الفقراء، والضعفاء، والمكث معهم، فإن ذلك أبعد عن مظاهر الدنيا وفتنتها، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ:

стр. 1892

وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ نَسِيتُ اسمَيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] (١). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْتَثِلُ أَمْرَ رَبِّهِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَومَ القِيَامَةِ» (٢). وقد ابْتُلِيَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه بالجوع الشديد فصبروا حتى أغناهم الله، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَتَلَوَّى، مَا يَجِدُ دَقَلًا (٣) يَمْلُأَ بَطْنَهُ (٤). قَالَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأتِي ضُعَفَاءَ المُسلِمِينَ، وَيَزُورُهُم، وَيَعُودُ مَرضَاهُم، وَيَشهَدُ جَنَائِزَهُم (٥). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ، يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى

стр. 1893

قُبِضَ ﷺ » (١). قال ابن كثير في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨]. أي: كنت فقيرًا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر، والغني الشاكر (٢). وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ، وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمُصُّ الجِلدَ، وَالنَّوَى مِنَ الجُوعِ (٣). وَيَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِن كُنتُ لَأَعتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِن كُنتُ لَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطنِي مِنَ الجُوعِ (٤). وَيَقُولُ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ الْبَعِيرُ أَوِ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ، قَالَ الشُّرَّاحُ: أَي: لِجَفَافِهِ وَيُبْسِهِ (٥). وقد يحتقر الفقير في مجتمعه ولكنه عند الله بمنزلة عظيمة، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّهُ

стр. 1894

قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٌ: «مَا رَايُكَ فِي هَذَا؟ »، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَن يُنْكَحَ، وَإِن شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟ »، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَن لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَذَا خَيرٌ مِنْ مِلءِ الأَرضِ مِثلِ هَذَا» (١). وأخبر النبي ﷺ أن الرزق والنصر يكون بسبب الضعفاء، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي الدَّردَاءِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَبْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ، وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» (٢). وبيَّن النبي ﷺ أن الساعي على الأرملة، والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالصائم القائم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» (٣). وبيَّن النبي ﷺ أن شر الطعام طعام الوليمة التي لا يُدعى إليها

стр. 1895

الفقراء، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيهِ الْأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ المَسَاكِينُ» (١). وما تقدم ذكره من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يتضمن التنبيه على حال طائفة من المسلمين ابتلوا بالفقر، والضعف، فصبروا، واحتسبوا، ورضوا بما كتب الله لهم، أما المسألة المشهورة وهي التفضيل بين الغنى والفقر فقد اختلف فيها أهل العلم، والذي يترجح فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر، ولتفصيل ذلك مكان آخر (٢). وخيرُ الفقراءِ المُتَعَفِّفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا» (٣).

стр. 1896

يُروَى عَن عَونِ بنِ عَبدِ اللِه بنِ عُتْبَةَ قَالَ: صَحِبْتُ الأَغنِيَاءَ فَلَم أَرَ أَحَدًا أَكبَرَ هَمًّا مِنِّي، أَرَى دَابَّةً خَيرًا مِن دَابَّتِي، وَثَوبًا خَيرًا مِن ثَوبِي، وَصَحِبْتُ الفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ (١). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1897

الكلمة الثانية والتسعون: الإيمان بالكتب السابقة وآثاره الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فمن أركان الإيمان الستة التي يجب على المؤمن الإيمان بها: الإيمان بالكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله، قَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. والإيمان بالكتب المنزلة على الرسل هو التصديق بأن هذه الكتب من عند الله أرسل بها رسله إلى الخلق لهدايتهم، وإقامة العدل بينهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. قال ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية: «وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه من التوراة، والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله،

стр. 1898

وأما الإيمان بالقرآن فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب، فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله، وأنها حق، وهدى، ونور، وبيان، وشفاء» (١). قال تعالى عن التوراة وهي أعظم كتب بني إسرائيل أنزلها الله على موسى ﵇، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، قال جمع من المفسرين: إنها التوراة (٢). وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾: قال الشنقيطي ﵀: «أي: المكتوب فيها من التوراة من كلام رب العالمين، وفيه ﴿هُدًى﴾ أي: دلالة وإرشاد إلى الخير، ورحمة تقي عذاب الله، وسخطه لمن عمل به (٣)، وقيل: إن التوراة هي صحف موسى». أما الإنجيل فهو الذي أُنزل على عيسى وهو مصدق للتوراة، ومتمم لها، قال تعالى عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦]، قال ابن

стр. 1899

كثير: «وجعلنا الإنجيل هدًى يُهتَدَى به، ﴿وَمَوْعِظَة﴾ أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم» (١). والزبور هو الكتاب الذي أنزله الله على داود، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣]. وصحف إبراهيم هي الصحف التي أنزلها الله على إبراهيم، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]. والكتب السماوية السابقة أصابها التحريف، والتبديل، والتغيير، قال تعالى عن اليهود الذين نزلت عليهم التوراة: ﴿قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]. قال ابن كثير ﵀: «الصحيح أنها نزلت في اليهوديَّين اللَّذَين زنيا، وكانوا قد بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرَّفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم، والإركاب على حمار مقلوبين» (٢). وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤]. وساق القرطبي في تفسيره إلى يحيى ابن

стр. 1900

أكتم، قال: كان للمأمون - وهو أمير إذا ذاك - مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثياب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم، فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوض المجلس، دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم، قال له: أسلم حتى أفعل لك وأصنع، ووعده، فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف، قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس، دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى، قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتُريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة، فاشتُريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها، فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي، قال يحيى بن أكتم: فحججت تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الخبر، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله ، قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله ﵎: ﴿وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عن القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا

стр. 1901

لَهُ لَحَافِظُون (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فحفظه الله علينا فلم يضع (١). وقَالَ تَعَالَى شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. والكتب السابقة كانت وقتية، وخاصة بالأمم التي نزلت فيها، ولذلك لم تأخذ صفة الدوام، ولا تكفل الله بحفظها. وقد بشرت الكتب السابقة بالنبي ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال ابن كثير: «وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء بشروا أُممهم ببعثته، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم، وأحبارهم» (٢). قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. ففي هذه الآية يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ كما يعرف أحدهم ولده (٣). روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ قَالَ: «لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: أَجَلْ وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي

стр. 1902

التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا. وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا» (١). والقرآن آخر هذه الكتب وهو كلام الله، منه بدأ، وإليه يعود، وبه نسخت جميع الرسالات، والكتب التي قبله، وقد أنزله الله على نبينا محمد ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. ولا ينبغي للمؤمن الاشتغال بالكتب السابقة، والقراءة فيها، فقد روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ وَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ (٢) فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي

стр. 1903

بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» (١). من آثار الإيمان بالكتب السابقة: ١ - العلم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه، حيث أنزل لكل قومٍ كتابًا يهديهم به. ٢ - ظهور حكمة الله تعالى، حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسبها وكان خاتم هذه الكتب القرآن العظيم، مناسبًا لجميع الخلق في كل عصر ومكان إلى يوم القيامة. ٣ - المستند لهذه الأمة في شهادتها على الأمم السابقة، أن الله أقام عليها الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب. ٤ - أن الإيمان بالكتب السابقة المنزلة على الرسل لا يقتضي إقرار ما يوجد بأيدي اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل، فإنها بدلت وحرفت، والذي لم يصل إليه التحريف نسخ بالقرآن وهذا بيان من اللجنة الدائمة لموقف المسلم من هذه الكتب والأديان السماوية السابقة، وقد اشتمل على إيضاح أن الدعوة إلى وحدة الأديان كفر صريح وردة عن الإسلام:

стр. 1904

وحدة الأديان الفكر الهدام ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء استعرضت ما ورد إليها من تساؤلات وما ينشر في وسائل الإعلام من آراء ومقالات بشأن الدعوة إلى «وحدة الأديان»: دين الإسلام، ودين اليهود، ودين النصارى، وما تفرع عن ذلك من دعوة إلى بناء مسجد، وكنيسة، ومعبد في محيط واحد، في رحاب الجامعات، والمطارات، والساحات العامة، ودعوة إلى طباعة القرآن، والإنجيل في غلاف واحد إلى غير ذلك من آثار هذه الدعوة، وما يُعقد لها من مؤتمرات، وندوات، وجمعيات في الشرق، والغرب، وبعد التأمل والدراسة فإن اللجنة تقرر ما يلي: أولًا: فإن من أصول الاعتقاد في الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة: والتي أجمع عليها المسلمون، أنه لا يوجد على وجه الأرض دين حق سوى دين الإسلام، وأنه خاتمة الأديان، وناسخ لجميع ما قبله من الأديان والملل، والشرائع، فلم يبق على وجه

стр. 1905

الأرض دين يُتعبد الله به سوى الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]، والإسلام بعد بعثة محمد هو ما جاء به دون ما سواه من الأديان. ثانيًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن كتاب الله تعالى «القرآن الكريم» هو آخر كتب الله نزولًا: وعهدًا برب العالمين، وأنه ناسخ لكل كتاب أُنزل من قبل من التوراة، والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليها، فلم يبقَ كتابٌ يُتَعَبَّدُ به سوى «القرآن الكريم». قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. ثالثًا: يجب الإيمان بأن «التوراة» و «الإنجيل» قد نُسخا بالقرآن الكريم: وأنه قد لحقهما التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله الكريم. منها: قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَاّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾ [المائدة: ١٣]، وقوله - جل وعلا -: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُون (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ

стр. 1906

الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون (٧٨)﴾ [آل عمران: ٧٨]. ولهذا فما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرَّف، أو مبدَّل، وَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ غَضِبَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ صَحِيفَةً فِيهَا شَيءٌ مِنَ التَّورَاةِ، وَقَالَ ﵊: «أَفِي شَكٍّ أَنتَ يَا ابنَ الخَطَّابِ؟ أَلَم آتِ بِهَا بَيضَاءَ نَقِيَّةً؟ ! لَو كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» (١). رابعًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن نبينا ورسولنا محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فلم يبقَ رسول يجب اتباعه سوى محمد ﷺ ، ولو كان أحد من أنبياء الله ورسله حيًّا لما وسعه إلا اتباعه - وأنه لا يسع أتباعهم إلا ذلك - كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]، ونبي الله عيسى ﵊ إذا نزل في آخر الزمان يكون تابعًا لمحمد وحاكمًا بشريعته، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 1907

كما أن من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد عامة للناس أجمعين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] وغيرها من الآيات. خامسًا: ومن أصول الإسلام أنه يجب اعتقاد كفر كل من لم يدخل في الإسلام: من اليهود، والنصارى، وغيرهم وتسميته كافرًا، وأنه عدو لله ورسوله والمؤمنين، وأنه من أهل النار، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَة (١)﴾ [البينة: ١]، وقال - جل وعلا -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة (٦)﴾ [البينة: ٦] وغيرها من الآيات. وثبت في صحيح مسلم: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» (١). ولهذا: فمن لم يُكَفِّرِ اليهود والنصارى فهو كافر، طردًا لقاعدة الشريعة: «مَن لَم يُكَفِّرِ الكَافِرَ فَهُوَ كَافِرٌ». سادسًا: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية: فإن الدعوة إلى «وحدة الأديان» والتقارب بينها، وصهرها في قالب

стр. 1908

واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلطُ الحق بالباطل، وهدمُ الإسلام وتقويضُ دعائمه، وجرُّ أهله إلى ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقوله - جل وعلا -: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: ٨٩]. سابعًا: وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة: إلغاء الفوارق بين الإسلام، والكفر، والحق، والباطل، والمعروف، والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء، ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله جل وتقدس يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، ويقول - جل وعلا -: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِين (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]. ثامنًا: أن الدعوة إلى «وحدة الأديان «إن صدرت من مسلم: فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن، وسنة، وإجماع.

стр. 1909

تاسعًا: وتأسيسًا على ما تقدم: ١ - فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا ورسولًا، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلًا عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها والانتماء إلى محافلها. ٢ - لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردين، فكيف مع القرآن في غلاف واحد! فمن فعله أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد، لما في ذلك من الجمع بين الحق «القرآن الكريم» والمحرف أو الحق المنسوخ «التوراة» و «الإنجيل». ٣ - كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة بناء مسجد، وكنيسة، ومعبد في مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يُعبد الله به غير الإسلام، وإنكار ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاث، لأهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال؛ لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى من عند الله، تعالى الله عن ذلك. كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس «بيوت الله» وأن أهلها يعبدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنها عبادة غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]؛ بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، نعوذ

стр. 1910

بالله من الكفر، وأهله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ليست - أي: البيع والكنائس - بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها، فالبيوت بمنزلة أهلها، وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار» (١). عاشرًا: ومما يجب أن يعلم: أن دعوة الكفار بعامة، وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق البيان، والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام، وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بيّنة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤]. أما مجادلتهم، واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، ونقض عُرى الإسلام ومعاقد الإيمان فهذا باطل يأباه الله ورسوله ﷺ والمؤمنون، والله المستعان على ما يصفون، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وإن اللجنة إذ تقرِّر ذلك وتبيِّنه للناس، فإنها توصي المسلمين

стр. 1911

بعامة، وأهل العلم بخاصة بتقوى الله تعالى، ومراقبته، وحماية الإسلام، وصيانة عقيدة المسلمين من الضلال، ودعاته، والكفر وأهله، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة «وحدة الأديان» ومن الوقوع في حبائلها، ونعيذ بالله كل مسلم أن يكون سببًا في جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين، وترويجها بينهم. نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا جميعًا من مضلات الفتن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، حماة للإسلام على هدى ونور من ربنا حتى نلقاه وهو راض عنا. وبالله التوفيق، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1912

الكلمة الثالثة والتسعون: الجزاء من جنس العمل الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فقد وردت آيات كريمة، وأحاديث شريفة، ذكر فيها جزاء المحسنين، والمسيئين من جنس أعمالهم ترغيبًا في الأعمال الصالحة، وترهيبًا من الأعمال السيئة، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلَاّ الإِحْسَان (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). ومن ذب عن عرض أخيه المسلم، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي الدَّردَاءِ ﵁:

стр. 1913

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). ومن ولي من أمر المسلمين شيئًا فشقَّ عليهم شقَّ الله عليه، ومن رفق بهم رفق الله به، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (٢). ومن احتجب من الولاة عن ذوي الحاجة والمسكنة احتجب الله عن خلته، وحاجته، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَمرِو بنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ! إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَالْخَلَّةِ، وَالْمَسْكَنَةِ، إِلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ، وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ» (٣). ومن أنفق أنفق الله عليه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (٤). ومن بخل بماله عما أوجب الله عليه من الحقوق، أتلف الله

стр. 1914

ماله، ومحق بركته، وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (١). وَمَن ذَكرَ اللهَ فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ اللهُ فِي نَفْسِهِ، وَمَن ذَكَرَهُ فِي مَلَإٍ ذَكَرَهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيرٌ مِنْهُمْ، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» (٢). وَمَن بَنَى مَسجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عُثمَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ» (٣). وَمَن تَتَبَّعَ عَورَاتِ المُسلِمِينَ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ وَفَضَحَهُ فِي بَيتِهِ، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ، يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (٤).

стр. 1915

قال بعض السلف: أدركت أقوامًا لم تكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس، فذكر الناس لهم عيوبًا، وأدركت أقوامًا كانت لهم عيوب، فكفوا عن عيوب الناس، فنسيت عيوبهم .. أو كما قال (١). قال الشافعي ﵀: يَا هَاتِكًا حُرَمَ الرِّجَالِ وَتَابِعًا ... طُرُقَ الفَسَادِ عِشْتَ غَيرَ مُكَرَّمِ لَو كُنتَ حُرًّا مِن سُلَالَةِ مَاجِدٍ ... مَا كُنتَ هَتَّاكًا لِحُرمَةِ مُسْلِمِ مَن يَزْنِ فِي قَومٍ بِأَلفَيْ دِرْهَمٍ ... فِي أَهْلِهِ يُزْنَى بِرُبُعِ الدِّرْهَمِ إِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِنْ أَقْرَضْتَهُ ... كَانَ الوَفَا مِنْ أَهلِ بَيتِكَ فَاعْلَمِ ومن شرب الخمر في الدنيا حُرمها في الآخرة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ» (٢). ومن عذب الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ هِشَامِ بنِ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» (٣). ومن الوقائع التي تبين أن الجزاء كان من جنس العمل، ما بشر به النبي ﷺ زوجته خديجة أم المؤمنين ﵂، فقد روى البخاري

стр. 1916

ومسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَا ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ (١). والصخب: ارتفاع الأصوات، والنصب: التعب، قال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين، - أعني المنازعة والتعب - أنه ﷺ لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا فلم تحوجه إلى رفع صوت، ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها (٢). اهـ وجعفر بن أبي طالب لما قاتل في معركة مؤتة، وقطعت يداه عوضه الله بأن جعله يطير في الجنة مع الملائكة، روى الحاكم في المستدرك مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَأَيتُ جَعفَرَ بنَ أَبِي طَالِبِ يَطِيرُ مَعَ جِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَهُ جَنَاحَانِ» (٣). ومن أشهر ما يقع، وحكاياته منتشرة بين الناس، بر الوالدين وعقوقهما، فقد تداول الناس حكايات كثيرة فيمن بر والديه فرزقه الله أولادًا بروه في حياته، وكذلك العكس فيمن عقَّ والديه،

стр. 1917

ومما يُحكى في هذا الباب: أن رجلًا كان له أولاد هم به بارون، فإذا أرادوا أن يردوا لجلب الماء من البئر أخذوا أباهم معهم وكان شيخًا كبيرًا ليستأنس بذلك، فإذا ما وصلوا إلى مكان البئر أنزلوا أباهم برفق عن ظهر البعير وهيئوا له مكانًا، وأوقدوا له نارًا ليستدفئ بها ويصنعون له القهوة عليها، وفي إحدى المرات شاهدوا على البئر شيخًا كبيرًا وابنه يريدان أن يستقيا من البئر، وجرت العادة أن الشخصين عند الاستسقاء يكون أحدهما في أسفل البئر وعمله أشق، والآخر في أعلى البئر، وكان ذلك الابن يأمر أباه بالنزول إلى أسفل البئر ويتهدده بالقوة، وأبوه يتلطف أن يقوم هو بالنزول ولكن دون جدوى، حتى أنزله مكرهًا، فأراد أبناء الرجل البار أن يقوموا بتأديب ذلك الابن العاق إنكارًا لفعله، فقال لهم أبوهم: لو حفرتم في الأرض حولنا لوجدتم آثار موقد النار التي كنت أضعها لوالدي، وقد رزقت بركم جزاء لما كنت أصنعه به، وأما ذاك الرجل فقد شهدته وهو يصنع بأبيه ما يصنع به ابنه الآن، والجزاء من جنس العمل. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1918

الكلمة الرابعة والتسعون: خطورة الغضب الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الغضب من الصفات الذميمة التي وردت النصوص في ذمها والتحذير منها، فكم سبب من عداوات، وأحقاد، وفرقة بين الأزواج، وتشتت الأسر وضياع الأولاد، وقطع الأرحام، وكم حصل بسببه من حروب، وفتن، وسفك للدماء؟ ! إن الغضب يجمع الشر كله، يغضب الرحمن، ويرضي الشيطان. قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب الحذر من الغضب لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون (٣٧)﴾ [الشورى: ٣٧]، وقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]. روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» (١). قَالَ الخَطَّابِيُّ: «لَا تَغْضَبْ»: اجتنب أسباب الغضب، ولا

стр. 1919

تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتَّى النهي عنه، لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجِبِلَّةِ (١). وقال ابن التين: جمع ﷺ في قوله: «لَا تَغْضَبْ» خير الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يؤول إلى التقاطع، ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يُؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين (٢). قال ابن حجر: بعدما ذكر مفاسد الغضب ومن تأمل هذه المفاسد في مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قَولُهُ ﷺ : «لَا تَغْضَبْ» من الحكمة، واستجلاب المصلحة، ودرء المفسدة، مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته، وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب الديني (٣). اهـ وأخبر النبي ﷺ أن القوي ليس الذي يصرع الرجال، ولكنه الذي يمسك نفسه عند غضبه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (٤). وَوَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَن مَلَكَ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ بِالجَنَّةِ، روى الطبراني في مسند الشاميين مِن حَدِيثِ أَبِي الدَّردَاءِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 1920

يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدخِلُنِي الجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَغْضَبْ، وَلَكَ الجَنَّةُ» (١). الأسباب التي يُدفع بها الغضب: ١ - أن يتأمل الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ عُيَينَةَ بنَ حِصنٍ استَأذَنَ عَلَى عُمَرَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ سَهلِ بنِ مُعَاذٍ عَن أَبِيهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ ﵎ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» (٣). ٢ - أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لما جاء في الصحيحين مِن حَدِيثِ سُلَيمَانَ بنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 1921

وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ (١). قال الطوفي: أقوى الأشياء في دفع الغضب استحضار التوحيد الحقيقي وهو أن لا فاعل إلا الله، وكل فاعل غيره فهو آلة له، فمن توجه إليه بمكروه من جهة غيره فاستحضر أن الله لو شاء لم يمكن ذلك الغير منه اندفع غضبه لأنه لو غضب والحالة هذه كان غضبه على ربه - جل وعلا - وهو خلاف العبودية (٢). قال ابن حجر: وبهذا يظهر السر في أمره ﷺ الذي غضب بأن يستعيذ من الشيطان لأنه إذا توجه إلى الله في تلك الحالة بالاستعاذة به من الشيطان أمكنه استحضار ما ذكر، وإذا استمر الشيطان متلبسًامتمكنًا من الوسوسة لم يمكنه من استحضار شيء من ذلك (٣). اهـ ٣ - الجلوس، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» (٤).

стр. 1922

قال الخطَّابي: القائم متهيِّئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما فيشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بالقعود لئلا يندر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها فيما بعد (١). قال ابن القيِّم ﵀: «دخل الناس النار من ثلاثة أبواب، باب شبهة أورثت شكًّا في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه» (٢). قال ابن عباس ﵄ في تفسير قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]: الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله، وخضع لهم عدوهم (٣). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله: لا تعاقب عند غضبك، وإذا غضبت على رجل فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ولا تجاوز خمسة عشر سوطًا (٤). ومن تأمل أحوال الناس لم يجد أحدًا غضب لغير الله إلا كان الندم حليفه، والعجب أن الكثير منهم يرى عواقب الغضب الوخيمة ثم لا ينتهي عنه.

стр. 1923

ومما ينبغي أن يُعلم أن الغضب منه ما كان محمودًا وهو الغضب لله، وذلك عند انتهاك حرماته ومخالفة أوامره وفي جهاد أعدائه، قال تعالى عن نبي الله موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. قال ابن كثير: ولما سكن عن موسى الغضب - أي: غضبه على قومه - أخذ الألواح التي ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل، غَيرَةً لله وغضبًا له (١). روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ لِلهِ » (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ» (٣). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1924

الكلمة الخامسة والتسعون: تأملات في سورة الانشراح الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن من سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجة إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم والفوائد العظيمة سورة الانشراح. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك (١) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَك (٢) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (٨)﴾ [الانشراح: ١ - ٨]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك (١)﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ممتنًّا عليه بإحسانه إليه حاضًا له بذلك على شكره على ما أنعم عليه ليستوجب بذلك المزيد منه: ألم نشرح لك صدرك يا محمد فنورناه وجعلناه فسيحًا واسعًا، وسعناه لشرائع الدين، والدعوة إلى الله والاتصاف بمكارم الأخلاق، والإقبال على الآخرة، وتسهيل الخيرات، فلم يكن ضيقًا حرجًا لا يكاد ينقاد لخير ولا تكاد تجده منبسطًا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وكان من دعاء نبي الله موسى ﵇:

стр. 1925

﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ [طه: ٢٥]. ومن جملة شرح الله صدر نبيه: ما فعل به ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا (١)، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً» (٢). قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَك (٢)﴾، أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك (٣)﴾، أي: أثقله حتى سمع نقيضه أي صوته، قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمع له صرير من شدة الحمل وثقله، قال بعضهم: وإنما وضعت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها وندمهم منها وتحسرهم عليها. قَولُهُ تَعَالَى: ، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك (٤)﴾ قال مجاهد: يعني التأذين

стр. 1926

وفيه يقول حسان بن ثابت: أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوُّةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ وَضَمَّ الإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذْ قَالَ فِي الْخَمْسِ المُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ روى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: «يقول له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح وفي مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلًا عبد الله جل ثناؤه وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرًا، وقيل: أي أعلينا ذكرك فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك يظهر عليه، وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات، والظاهر أن الآية عامة تشمل ذلك كله» (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي: «وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته» (٢).

стр. 1927

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ هذه بشارة من الله لرسوله ولأمته، وجرى على الرسول ﷺ عسر حينما كان بمكة يضيق عليه، وفي الطائف وكذلك في المدينة مع المنافقين، وقد أنجز الله له ما وعده ويسر أمره فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز، واليمن، ووسع ذات يده حتى كان يعطي الرجل المئين من الإبل ويهب الهبات العظيمة ويدخر لأهله قوت سنة. فهذا اليسر الذي حصل للنبي ﷺ سيكون لأمته، كذلك قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (١). وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: «خَلَقْتُ عُسْرًا وَاحِدًا، وَخَلَقْتُ يُسْرَيْنِ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» (٢). وتوجيه كلامه مع أن العسر ذكر مرتين واليسر ذكر مرتين، قال أهل البلاغة: إن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ العسر الأول أعيد في الثانية بأل، فأل هنا للعهد الذكري وأما يسر فإنه لم يأت معرفًا بل جاء منكرًا، والقاعدة أنه إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما ندر، وإذا كرر الاسم

стр. 1928

مرتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول لأن الثاني نكرة، إذًا في الآيتين الكريمتين يسران وفيهما عسر واحد، قال الشاعر: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى اليَاسِ القُلُوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ وَأَوْطَأَتِ المَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوبُ وَلَم تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الأَرِيبُ أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المُستَجِيبُ وَكُلُّ الحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الفَرَجُ القَرِيبُ وقال آخر: وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا المَخْرَجُ كَمُلَتْ، فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب (٧)﴾، أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب في العبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة، قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك ﴿فَانصَب﴾ أي: بالغ في الدعاء وسله حاجتك. قَالَ ابنُ مَسعُودٍ: فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الفَرَائِضِ، فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيلِ. اهـ. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (٨)﴾، قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله . وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1929

الكلمة السادسة والتسعون: الإنابة الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الإنابة من العبادات العظيمة التي وصف الله بها أنبيائه وعباده المؤمنين، قال تعالى عن نبي الله داود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]. وقال تعالى عن نبي الله سليمان ﵇: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب (٣٤)﴾ [ص: ٣٤]. وقال تعالى عن نبي الله شعيب ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. وقال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (١٠)﴾ [الشورى: ١٠]. وأثنى الله على خليله إبراهيم ﵇ لاتصافه بالإنابة إليه والرجوع إليه في كل أمر، قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. وأمر الله بها عباده فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]. والصالحون من عباد الله يقولون: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٤)﴾ [الممتحنة: ٤]. قال ابن القيِّم ﵀: «الإنابة: الإسراع في مرضاة الله مع الرجوع إليه في كل وقت، وإخلاص العمل له، وقال أيضًا: الإنابة إلى الله إنابتان: الأولى: إنابة إلى ربوبيته وهي إنابة المخلوقات

стр. 1930

كلها، المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣]. والثانية: إنابة أوليائه، وهي: إنابة لألوهيته، إنابة عبودية ومحبة، وهي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه» (١). اهـ مختصرًا والإنابة إلى الله سبحانه هي مفتاح السعادة، والهداية، قال : ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَاب﴾ [الرعد: ٢٧]. روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ، فَإِنَّ هَوْلَ المُطَّلَعِ شَدِيدٌ (٢)، وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ، وَيَرْزُقَهُ اللهُ الْإِنَابَةَ» (٣). وأخبر سبحانه أن ثوابه، وجنته لأهل الخشية والإنابة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيب (٣٣)﴾ [ق: ٣١ - ٣٣]. وأخبر سبحانه أن البشرى لأهل الإنابة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ
следующие страницы →