← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وفيه يقول حسان بن ثابت: أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوُّةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ وَضَمَّ الإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذْ قَالَ فِي الْخَمْسِ المُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ روى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: «يقول له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح وفي مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلًا عبد الله جل ثناؤه وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرًا، وقيل: أي أعلينا ذكرك فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك يظهر عليه، وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات، والظاهر أن الآية عامة تشمل ذلك كله» (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي: «وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته» (٢).

стр. 1927

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ هذه بشارة من الله لرسوله ولأمته، وجرى على الرسول ﷺ عسر حينما كان بمكة يضيق عليه، وفي الطائف وكذلك في المدينة مع المنافقين، وقد أنجز الله له ما وعده ويسر أمره فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز، واليمن، ووسع ذات يده حتى كان يعطي الرجل المئين من الإبل ويهب الهبات العظيمة ويدخر لأهله قوت سنة. فهذا اليسر الذي حصل للنبي ﷺ سيكون لأمته، كذلك قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (١). وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: «خَلَقْتُ عُسْرًا وَاحِدًا، وَخَلَقْتُ يُسْرَيْنِ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» (٢). وتوجيه كلامه مع أن العسر ذكر مرتين واليسر ذكر مرتين، قال أهل البلاغة: إن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ العسر الأول أعيد في الثانية بأل، فأل هنا للعهد الذكري وأما يسر فإنه لم يأت معرفًا بل جاء منكرًا، والقاعدة أنه إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما ندر، وإذا كرر الاسم

стр. 1928

مرتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول لأن الثاني نكرة، إذًا في الآيتين الكريمتين يسران وفيهما عسر واحد، قال الشاعر: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى اليَاسِ القُلُوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ وَأَوْطَأَتِ المَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوبُ وَلَم تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الأَرِيبُ أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المُستَجِيبُ وَكُلُّ الحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الفَرَجُ القَرِيبُ وقال آخر: وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا المَخْرَجُ كَمُلَتْ، فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب (٧)﴾، أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب في العبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة، قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك ﴿فَانصَب﴾ أي: بالغ في الدعاء وسله حاجتك. قَالَ ابنُ مَسعُودٍ: فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الفَرَائِضِ، فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيلِ. اهـ. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (٨)﴾، قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله . وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1929

الكلمة السادسة والتسعون: الإنابة الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن الإنابة من العبادات العظيمة التي وصف الله بها أنبيائه وعباده المؤمنين، قال تعالى عن نبي الله داود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]. وقال تعالى عن نبي الله سليمان ﵇: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب (٣٤)﴾ [ص: ٣٤]. وقال تعالى عن نبي الله شعيب ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. وقال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (١٠)﴾ [الشورى: ١٠]. وأثنى الله على خليله إبراهيم ﵇ لاتصافه بالإنابة إليه والرجوع إليه في كل أمر، قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. وأمر الله بها عباده فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]. والصالحون من عباد الله يقولون: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٤)﴾ [الممتحنة: ٤]. قال ابن القيِّم ﵀: «الإنابة: الإسراع في مرضاة الله مع الرجوع إليه في كل وقت، وإخلاص العمل له، وقال أيضًا: الإنابة إلى الله إنابتان: الأولى: إنابة إلى ربوبيته وهي إنابة المخلوقات

стр. 1930

كلها، المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣]. والثانية: إنابة أوليائه، وهي: إنابة لألوهيته، إنابة عبودية ومحبة، وهي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه» (١). اهـ مختصرًا والإنابة إلى الله سبحانه هي مفتاح السعادة، والهداية، قال : ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَاب﴾ [الرعد: ٢٧]. روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ، فَإِنَّ هَوْلَ المُطَّلَعِ شَدِيدٌ (٢)، وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ، وَيَرْزُقَهُ اللهُ الْإِنَابَةَ» (٣). وأخبر سبحانه أن ثوابه، وجنته لأهل الخشية والإنابة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيب (٣٣)﴾ [ق: ٣١ - ٣٣]. وأخبر سبحانه أن البشرى لأهل الإنابة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 1931

اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]. ومن صفات العبد المنيب: الاعتبار بالآيات الدالة على عظمة الله تعالى، وعزته وسلطانه، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج (٦) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيب (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَاّ مَن يُنِيب﴾ [غافر: ١٣]. والإنابة إلى الله مانعة من العذاب، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُون (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٤]. وقد أمر الله جميع الخلق بالإنابة والرجوع إليه، قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين (٣١)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١]. وكان من دعاء النبي ﷺ أن يرزقه الله الإنابة، روى أبو داود في سننه وأحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي، وَيَسِّرِ الْهُدَى إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي،

стр. 1932

وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبيِ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ بُرَيدَةَ عَن أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ بُرَيْدَةُ عِشَاءً، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا صَوْتُ الرَّجُلِ يَقْرَأُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَقُولُهُ مُرَائِيًا؟ فَقَالَ بُرَيْدَةُ: أَتَقُولُهُ مُرَائِيًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ، لَا، بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ، فَإِذَا الْأَشْعَرِيُّ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ لَهُ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ الْأَشْعَرِيَّ - أَوْ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ - أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ» (٢). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أكثر الناس إنابة إلى ربه، وكان من دعائه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ومَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ

стр. 1933

المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. أو لَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (١). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1934

الكلمة السابعة والتسعون: مواقف مؤثرة من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة وإمام من أئمة الهدى، جدَّد الله به الدين وقمع به البدعة، كان إمام الدنيا في زمانه، وأحد أذكياء العالم وأفراده في الحفظ والعلم والعمل، إنه شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن شهاب الدين عبد الحليم ابن مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحرَّاني ابن تيمية وهو لقب لجده الأعلى، ولد في العاشر من ربيع الأول سنة (٦٦١ هـ)، والحرَّاني نسبة إلى بلدة مشهورة بين الشام والعراق، كان أبيض البشرة، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، جهوري الصوت، فصيحًا، سريع القراءة، إليه كان المنتهى في فرط الشجاعة، والسماحة، حفظ القرآن وهو في الصغر، وأتقن علم الشريعة والعربية والمنطق وغيرها، ولم يتزوج ولا تَسَرَّى، لا رغبة عن النكاح، فهو سنة النبي ﷺ وإنما انشغالًا بالعلم والتعليم

стр. 1935

والدعوة والجهاد، كان يقضي وقته كله في البحث، والقراءة والمطالعة، فلا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تَرَوَّى من المطالعة، ولا تمل من الانشغال ولا تكل من البحث. قال الذهبي: ما رأيته إلا ببطن كتاب. وقد بدأ التأليف وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان من أفراد الدهر في كثرة تأليفه، فلا يعلم في الإسلام من صنف نحو ما صنف، وقدرت مؤلفاته بخمسمائة مجلد، وبأربعة آلاف كراس أو أكثر، وقد بلغ ما يكتبه في اليوم والليلة أربع كراريس، وكان يكتب مؤلفاته من حفظه، وكان ذا قلم سريع الكتابة إذا رقم يكاد يسبق البرق إذا لمع، وكانت مؤلفاته في غاية الإبداع وقوة الحجاج وحسن التصنيف والترتيب، وشرع بالتدريس وهو في الحادية والعشرين من عمره بعد وفاة أبيه، وأما درس التفسير فقد بدأ به وعمره ثلاثون سنة، واستمر مدة سنين متطاولة، وقد انعقدت له الإمامة في التفسير وعلوم القرآن الكريم، وقد أقبل عليه إقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قصب السبق ويقال: إنه وضع تفسيرًا مطولًا أتى فيه بالغريب العجيب وكان مشهورًا بقوة حفظه، وقلما حفظ شيئًا فنسيه، كان الحافظ المزي يبالغ في تعظيم الشيخ والثناء عليه حتى كان يقول: لم ير مثله منذ أربعمائة سنة. وكانت قوته في حياته الجادة التي لا تعرف الهزل فضلًا عن سافل الأخلاق من الغيبة والنميمة، فقد كان في غاية التنزه من الغيبة، والنميمة، وما عُرفت عثرة له في شيء من ذلك، وكانت

стр. 1936

مجالسه عامرة بالخير، لا يجرؤ المغتابون على غشيانها. وكان ﵀ زاهدًا في الدنيا غيرَ مبالٍ بها، كان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجة له، وكان يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألف القلوب، وله محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه، عرضت عليه المناصب والولايات فرفض وقال: يقوم بها غيري، أما نشر العلم وتصحيح الاعتقاد ورد الناس إلى الله ورسوله فالناس أحوج ما يكونون إليه، وعُرضت عليه المرتبات والأعطيات فأباها؛ لأنه يعلم أنه إذا أخذت اليد ضعفت مقاومة الباطل واهتز موقف الناصح وهذا هو منهج الإمام أحمد بن حنبل، فقد قيل في ترجمته: أتته الدنيا فأباها، هذا مع انصراف شيخ الإسلام عن أمور الدنيا انصرافًا كليًا، إذ ليس له من المعلوم إلا اليسير، وقد تكفل أخوه شرف الدين بشؤونه، قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: وهذا يفيد الدرس الآتي وهو عدم اجتماع الضدين فكما أن: حُبُّ الكِتَابِ وَحُبُّ أَلحَانِ الغِنَا فِي قَلْبِ عَبدٍ لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ فحب العلم وإشغال القلب والبدن بالمال وجمعه وتنميته والمكاثرة فيه لا يجتمعان، فكلما منحت هذا من جهدك ووقتك ضاع من ذاك، فَلْنَبْكِ على حالنا؟ (١).

стр. 1937

أما مواقفه مع الولاة، فقد كانت قوية في النصح، والأمر، والنهي، فمن ذلك مواقفه العظيمة في كسر شوكة الملاحدة، والباطنية كما في وقعة شقحب والكسروان، وموقفه مع غازان حتى وصفت شجاعته بأنها خالدية نسبة إلى سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁، فقد حدث سنة (٦٩٩ هـ) أن ملك التتر غازان قدم إلى دمشق، فخرج إليه شيخ الإسلام واجتمع به وكلمه بغلظة، فكف الله يد غازان عنه، وذلك أنه قال لترجمان الملك غازان قل له: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا، وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما عملا الذي عملت؛ عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت. وجرت له مع غازان وقطلوشاه، وبولاي، أمور قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله، وحضر قضاة دمشق وأعيانها إلى مجلس غازان، فقدَّم إليهم غازان طعامًا فأكلوا إلا ابن تيمية، فقيل: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه مما قطعتم من أشجار الناس، ثم إن غازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وجهادًا في سبيلك فأيده وانصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فافعل به واصنع .. يدعو عليه، وغازان يؤمن على دعائه، وقضاة دمشق قد خافوا القتل وجمعوا ثيابهم خوفًا أن يبطش به غازان فيصيبهم من دمه، فلما خرجوا قال قاضي القضاة ابن الصصري لابن تيمية: كدت تهلكنا معك ونحن

стр. 1938

ما نصحبك من هنا، فقال: ولا أنا أصحبكم. وقد سجن بقلعة دمشق في آخر حياته، فبقي يؤلف الكتب، ويرسل الرسائل لأصحابه ويذكر ما فتح الله عليه من العلوم العظيمة والأحوال الجسيمة، فقال: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثيرًا من العلماء يتمنونها وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، ثم إنه مُنع من الكتابة ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق فأقبل على التلاوة والمناجاة والذكر، وقال ابن القيِّم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، قال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة». وكان في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير .. ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليها وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب (١٣)﴾ [الحديد: ١٣]. وكان كثير التعبد ومداومة الذكر والأوراد، لا يشغله عن هذا

стр. 1939

شاغل ولا يصرفه صارف، قال ابن القيم: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إِلَيَّ وقال: هذه غدوتي ولو لم أتخذ هذا الغداء لسقطت قوتي، أو كلامًا قريبًا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لِأَسْتَعِدَّ بتلك الراحة لذكر آخر، أو كلامًا هذا معناه. وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف وهو مع ذلك كان أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وَأَسَرَّهُمْ نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوةً ويقينًا وطمأنينةً، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. اهـ وكان يقول: أحللت كل من آذاني، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، قال القاضي ابن مخلوف وكان من أعدائه: ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا. كانت وفاته في قلعة دمشق في سحر ليلة الاثنين عشرين من ذي القعدة سنة (٧٢٨ هـ)، وقد حُمَّ ﵀ سبعة عشر يومًا، وقد قبض في الثلث الأخير من الليل، فاجتمع في القلعة خلق كثير من أصحابه يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن

стр. 1940

أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا في الحادية والثمانين فانتهيا إلى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقد اجتمع خلق كثير للصلاة عليه وحزر الرجال بستين ألفًا أو أكثر إلى مائتي ألف، والنساء بخمسة عشر ألفًا، وظهر بذلك قول الإمام أحمد بن حنبل لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز، وقد رئيت له منامات كثيرة صالحة، وصُلِّي عليه صلاة الغائب في غالب بلاد المسلمين القريبة والبعيدة حتى في اليمن، والصين، وأخبر المسافرون أنه نودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم جمعة (الصلاة على ترجمان القرآن) (١). رحم الله شيخ الإسلام. وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1941

الكلمة الثامنة والتسعون: ذم البخل الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فمن الصفات المذمومة التي ذمها الله ورسوله البخل، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «أي: ولا يظن الذين يبخلون أي: يمنعون ما عندهم مما أتاهم الله من فضله من المال، والجاه، والعلم .. وغير ذلك مما منحهم الله وأحسن إليهم به وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك وأمسكوه وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم بل هو شر لهم في دينهم، ودنياهم، وعاجلهم، وآجلهم» (١). اهـ وأشد البخل الشح، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [الحشر: ٩].قال الرازي: الشح هو البخل مع

стр. 1942

حرص (١)، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (٢). ويؤيد ذلك ما رواه أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ، وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (٣). وأنواع البخل كثيرة: فمنها بخل بالمال، أو الجسد، أو العلم، أو الجاه، أو السلام، أو الصلاة على النبي ﷺ . وقد وردت بذلك نصوص كثيرة، منها ما رواه البيهقي في شعب الإيمان مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرفُوعًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعجَزَ النَّاسِ مَن عَجِزَ فِي الدُّعَاءِ، وَإِنَّ أَبخَلَ النَّاسِ مَن بَخِلَ بِالسَّلَامِ» (٤). وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ حُسَينِ بنِ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (٥). والبخل درجات فأعظمه البخل بالواجبات، والفرائض، مثل البخل بالزكاة، أو النفقة على الأهل، أو الضيافة الواجبة، روى

стр. 1943

البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَاخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠]» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: خُذِي بِالْمَعْرُوفِ» (٢). وروى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (٣). قال ابن قدامة المقدسي: «البخل والسخاء درجات، وأشد درجات البخل أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة إليه، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البخل، فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، وبين من يؤثر على نفسه مع الحاجة، والأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء» (٤). اهـ

стр. 1944

الدرجة الثانية: البخل بما يستحب كالبخل بالصدقات، أو إقراض الآخرين، أو الضيافة المستحبة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ابنِ مَسعُودٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ السَّلَفَ يَجرِي مَجرَى الصَّدَقَةِ» (٢). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ البُخْلِ، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا، فَكُنْتُ أَسمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن الجميع يتمادحون بالشجاعة والكرم، حتى إن ذلك عامة ما تمدح به الشعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتذامون بالبخل والجبن، ثم قال: ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة، والكرم، بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله

стр. 1945

به من يقوم بذلك، فقال: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨]» (١). اهـ ومما يدل على مقت البخل وأنه مما ينافي مكارم الأخلاق، ما رواه البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ عَلِقَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» (٢). قال ابن حجر: «وفيه ذم الخصال المذكورة وهي البخل، والكذب، والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها» (٣). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أكرم الناس، فقد أعطى يوم حنين الأقرع ابن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل، ولما جاءه أعرابي أعطاه واديًا من الغنم بين جبلين، فرجع إلى أصحابه

стр. 1946

وهو يقول: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يُعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (١). قال ابن القيِّم ﵀: «الجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل» (٢). قال الشاعر: إِذَا كُنْتَ جَمَّاعًا لِمَالِكَ مُمْسِكًا فَأَنْتَ عَلَيْهِ خَازِنٌ وَأَمِينُ تُؤَدِّيهِ مَذْمُومًا إِلَى غَيْرِ حَامِدٍ فَيَاكُلَهُ عَفْوًا وَأَنْتَ دَفِينُ وقال آخر: إِذَا جَادَتِ الدُّنيَا عَلَيكَ فَجُدْ بِهَا عَلَى النَّاسِ طُرًّا إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ فَلَا الجُودُ يُفْنِيهَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ وَلَا البُخلُ يُبقِيهَا إِذَا هِيَ تَذهَبُ وقال ابن مفلح ﵀: «عجبًا للبخيل المتعجل للفقر الذي منه هرب، والمؤخر للسعة التي إياها طلب، ولعله يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدنيا عيش الفقراء وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنك لم تر بخيلًا إلا غيره أسعد بمالِهِ منه لأنه في الدنيا مهتم بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدنيا من همه، وناج في الآخرة من إثمه» (٣). اهـ قال حبيش الثقفي: «قعدت مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين

стр. 1947

والناس متوافرون فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا» (١). قال الماوردي ﵀: «قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة، وإن كان ذريعة إلى كل مذمة، أربعة أخلاق، ناهيك بها ذمًّا وهي: الحرص والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق، وإذا آل البخيل إلى ما وصفناه من هذه الأخلاق المذمومة، والشيم اللئيمة، لم يبقَ معه خير مرجو، ولا صلاح مأمول» (٢). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1948

الكلمة التاسعة والتسعون: فضائل العفو الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فإن العفو من الأخلاق الجميلة، والصفات الحميدة التي أمر الله بها نبيه وعباده المؤمنين، قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]. قال الكفوي: «العفو: كف الضرر مع القدرة عليه (١)، وكل من استحق عقوبة وتركها فهذا الترك عفو، والفرق بين الصفح والعفو مع أنهما متقاربان في المعنى فيقال: صفحت عنه أعرضت عن ذنبه وعن تثريبه، إلا أن الصفح أبلغ من العفو، فقد يعفوا الإنسان ولا يصفح، وصفحت عنه أوليته صفحة جميلة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحْ

стр. 1949

عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُون﴾ [الزخرف: ٨٩]» (١). قال ابن كثير في قَولِهِ تَعَالَى: «﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾، هذه الآية نزلت في الصِّدِّيق ﵁: حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة، بعدما قال في عائشة، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة ﵂، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت وتاب الله على من تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه شرع ﵎، وله الفضل والمنة يعطف الصِّدِّيق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة ابن خالة الصِّدِّيق وكان مسكينًا لا مال له، وقد ولق ولقة تاب الله عليه منها، وضرب الحد عليها، وكان الصِّدِّيق ﵁ معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب، والأجانب، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ أي: كان الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر [ذنب من أذنب] إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك، فعند ذلك قَالَ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللهِ إِنَّا نُحِبُّ أَن تَغفِرَ لَنَا يَا رَبَّنَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ مَا كَانَ يَصِلُهُ مِنَ النَّفَقَةِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنزِعُهَا مِنهُ أَبَدًا فِي مُقَابَلَةِ مَا كَانَ، قَالَ: وَاللهِ لَا أَنفَعُهُ بِنَافِعَةٍ أَبَدًا. فَلِهَذَا كَانَ الصِّدِّيقُ هُوَ الصِّدِّيقُ ﵁» (٢). وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

стр. 1950

«دَخَلَ عُيَينَةُ بنُ حِصنٍ عَلَى عُمَرَ ابنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ» (١). قال الشافعي ﵀: قَالُوا سَكَتَّ وَقَد خُوصِمْتَ قُلتُ لَهُم ... إِنَّ الجَوَابَ لِبَابِ الشَّرِّ مِفْتَاحُ فَالعَفْوُ عَنْ جَاهِلٍ أَو أَحمَقٍ شَرَفٌ ... وَفِيهِ أَيْضًا لِصَونِ العِرْضِ إِصْلَاحُ إِنَّ الأُسُودَ لَتُخْشَى وَهِيَ صَامِتَةٌ ... وَالكَلْبُ يُحْثَى (٢) وَيُرْمَى وَهُوَ نُبَاحُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» (٣).

стр. 1951

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أكثر الناس عفوًا وتسامحًا، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَاسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ » (١). وفي رواية: ثُمَّ لَم يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢). وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِزُعَمَاءِ قُرَيشٍ الَّذِينَ آذَوْهُ، وَقَتَلُوا أَصحَابَهُ، وَأَخرَجُوهُ مِن بَلَدِهِ: «اذهَبُوا فَأَنتُمُ الطُّلَقَاءُ» (٣). وفي مسند الإمام أحمد مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ (٤)، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَالَ رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَمِنَ (٥) الَأسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، نَاسًا سَمَّاهُمْ، فَأَنْزَلَ الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرين﴾

стр. 1952

[النحل: ١٢٦]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ» (١). والعفو من صفاته ﷺ التي وصف بها في التوراة، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵄: أَنَّ عَطَاءَ بنَ يَسَارٍ سَأَلَهُ أَن يُخبِرَهُ عَن صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّورَاةِ؟ قَالَ: أَجَلْ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ» (٢). والعفو من صفات الأنبياء السابقين، قال تعالى عن يوسف ﵇ وهو يخاطب إخوته: ﴿قَالَ لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ [يوسف: ٩٢]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (٣). والعفو من صفات الصالحين من عباد الله. ففي عهد الخليفة المعتصم سجن الإمام أحمد بن حنبل

стр. 1953

وضرب بالسياط حتى أُغمي عليه، وسال الدم من جسده، وكان يقول: قد جعلت أبا إسحاق - يعني المعتصم - في حل، وعفا عنه، وسجن الإمام مالك، وضرب بالسياط حتى انخلعت يده من كتفه، فعفا عمن ضربه. والمواقف في العفو كثيرة عند التتبع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ، أَوْ ظُلْمِهِ، وَعُدْوَانِهِ، فَإِنِّي قَدْ أَحْلَلْتُ كُلَّ مُسْلِمٍ، وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ، وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي. وَالَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي (١). ومما ينبغي التنبيه عليه أن العفو مشروط بالإصلاح، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. قال الشيخ ابن سعدي ﵀: «يجزيه أجرًا عظيمًا، وثوابًا كبيرًا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورًا به، وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، كما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل» (٢). اهـ ومن وصل إلى هذه الحالة فليحمد الله على هذه النعمة الكبرى، وعلى راحة الضمير، وعلى كثرة ما يجني من الخير.

стр. 1954

ويشرع للمسلم أن يكثر من سؤال الله العفو، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ، تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (١). قال الشاعر: يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً ... فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ إِن كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ ... فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ المُجْرِمُ مَا لِي إِلَيكَ وَسِيلَةٌ إِلَّا الرَّجَا ... وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثُمَّ إِنِّي مُسْلِمُ فوائد العفو: ١ - امتثال أمر الله . ٢ - إزالة ما في النفس من الأحقاد والبغضاء. ٣ - راحة النفس، وطمأنينة القلب. ٤ - الأجر العظيم من الله تعالى. ٥ - الرفعة في الدنيا والآخرة. ٦ - نشر المحبة والأخوة بين المسلمين. ٧ - أنه طريق موصل إلى الجنة. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1955

الكلمة المائة: مقتطفات من سيرة بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فهذه مقتطفات من سيرةِ عَلَمٍ من أعلام هذه الأمة، وبَطَلٍ من أبطالها وفَارِسٍ من فرسانها، ولد ﵀ سنة (٥٣٢ هـ)، في تكريت في العراق، وكان خليقًا للإمارة، مهيبًا شجاعًا حازمًا، مجاهدًا كثير الغزو، عالي الهمة، إنه الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي أبو المظفر يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي ابن مروان بن يعقوب الدويني (١) ثم التكريتي المولد. قال الذهبي: «كانت له همة في إقامة الجهاد، وإبادة الأضداد ما سمع بمثلها في دهر، وكانت له اليد البيضاء، ببذل الأموال، والخيل المثمنة لجنده، وله عقل جيد، وفهم، وحزم، وعزم، كان نور الدين زنكي قد أمره وبعثه في عسكره إلى مصر مع عمه أسد

стр. 1956

الدين شيركوه، فحكم شيركوه مصر ثم توفي، فقام بعده صلاح الدين ودانت له العساكر، وقهر بني عبيد ومحى دولتهم، وفي سنة (٥٨٣ هـ) فتح طبرية، ونازل عسقلان ثم كانت وقعة حطين بينه وبين الفرنج، وكانوا أربعين ألفًا فحال بينهم وبين الماء على تل وسلموا أنفسهم وأُسرت ملوكهم، وبادر فأخذ عكا، وبيروت، وكوكب، وسار فحاصر القدس وَجَدَّ في ذلك، فأخذها بالأمان، ثم إن الإفرنج قامت قيامتهم على بيت المقدس وأقبلوا كقطع الليل المظلم برًّا وبحرًا، وأحاطوا بعكا ليستردوها وطال حصارهم لها وبنوا على أنفسهم خندقًا فأحاط بهم السلطان ودام الحصار لهم وعليهم نيفًا وعشرين شهرًا، وجرى في غضون ذلك ملاحم، وحروب تشيب لها النواصي» (١). ومن أخباره التي تدل على شدته على الكفار، وغيرته على الإسلام، أنه لما أسر ملوك الأفرنج في معركة حطين، كان قد نذر أن يقتل أرناط وهو صاحب الكرك، فأسره يومئذ وكان قد مر به قوم من مصر في حال الهدنة، فغدر بهم، فناشدوه الصلح، فقال ما فيه استخفاف بالنبي ﷺ وقتلهم، فاستحضر صلاح الدين الملوك، ثم ناول الملك جفري شربة جلاب ثلج، فشرب، فناول أرناط، فشرب، فقال السلطان للترجمان: قل لجفري: أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما سقيته، ثم استحضر البرنس أرناط في مجلس آخر وقال: أنا أنتصر لمحمد ﷺ منك، ثم عرض عليه الإسلام فأبى،

стр. 1957

فحل كتفه بالنيمجاه (١)، وافتتح عامه ما لم يفتحه ملك، وطار صيته في الدنيا، وهابته الملوك. قال ابن كثير: «كان السلطان صلاح الدين من أشجع الناس وأقواهم قلبًا وبدنًا مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والأسقام، ولا سيما وهو مرابط مصابر مثابر عند عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشجاعة، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل ويقال: ستمائة ألف، وكان جملة من قُتل منهم مائة ألف مقاتل، ولما انفصل الحال وتسلموا عكا وقتلوا أكثر من كان بها، وساروا برمتهم نحو بيت المقدس جعل يسايرهم منزلة منزلة ومرحلة مرحلة وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله، وخذلهم، وأيَّده وقتلهم، وسبقهم إلى بيت المقدس فصانه وحماه وشيد بنيانه، ولم يزل بجيشه مقيمًا به، يرهبهم، ويرعبهم ويكسرهم، ويأسرهم، حتى تضرعوا إليه وخضعوا لديه ودخلوا عليه أن يصالحهم ويتاركهم وتضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الذي أراده لا ما يريدونه، وكان ذلك من جملة الرحمة التي خص بها المؤمنون». وكان ﵀ سخيًّا، كريمًا، حبيبًا، ضحوك الوجه، كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة والمثابرة على الخيرات

стр. 1958

والطاعات (١). قال العماد: أطلق في مدة حصار عكا اثني عشر ألف فرس، وما حضر اللقاء إلا استعار فرسًا، نزَّه المجالس من الهزل، ومحافله آهلة بالفضلاء، حليمًا، مقيلًا للعثرة، تقيًّا، نقيًّا، وفيًّا صفيًّا، يُغضِي ولا يغضب، ما رد سائلًا ولا خَجَّل قائلًا، كثير البر والصدقات. قال الموفق عبد اللطيف: أتيت صلاح الدين بالقدس فرأيت ملكًا يملأ العيون روعة، والقلوب محبة قريبًا بعيدًا سهلًا محببًا وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧] وأول ليلة حضرتُهُ وجدت مجلسه حافلًا بأهل العلم يتذاكرون وهو يحسن الاستماع والمشاركة ويأخذ في كيفية بناء الأسوار وحفر الخنادق ويأتي بكل معنى بديع، وكان مهتمًّا في بناء سور بيت المقدس وحفر خندقه ويتولى ذلك بنفسه وينقل الحجارة على عاتقه ويتأسى به الخلق. اهـ. وكان السلطان صلاح الدين متقللًا في ملبسه ومأكله ومشربه ومركبه، فلا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، ولا يعرف أنه تخطى مكروهًا بعد أن أنعم عليه بالملك بل كان همه الأكيد ومقصوده الأعظم نصر الإسلام وكسر الأعداء اللئام، ويعمل فكره في ذلك ورأيه وحده مع من يثق برأيه ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهرًا، ومع هذه الفضائل والآداب، فقد كان مواظبًا على الصلوات في

стр. 1959

أوقاتها جماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل حتى ولا في مرض موته، بل كان يدخل الإمام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، وكان يحب سماع القرآن العظيم ويواظب على سماع الحديث حتى إنه سمع في بعض المصافات جزءًا وهو بين الصفين للقتال وكان يقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثًا. قال ابن كثير: «وفي سنة (٥٨٩ هـ) اشتد به المرض ثم حصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض، وعندما ظهرت مخايل الضعف الشديد وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات استدعى الشيخ أبا جعفر إمام الكلَاّسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في غمرات الموت: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] فقال: وهو كذلك صحيح، فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ: ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة: ١٢٩] تبسم، وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه، ومات ﵀ وأكرمه وجعل جنة الفردوس مأواه، وكان له من العمر سبع وخمسون سنة، فقد كان ردءًا للإسلام، وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه، وغلقت الأسواق، وأخذ الناس في البكاء» (١).

стр. 1960

وكانت وفاته بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمس مئة، قال الذهبي: فوجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء، وما رأيت ملكًا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محببًا، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر، ولقد صدق العماد في مدحه حيث يقول: وَلِلنَّاسِ بِالمَلِكِ النَّاصِرِ الصَّلَا حِ صَلَاحٌ وَنَصرٌ كَبِيرُ هُوَ الشَّمسُ أَفلَاكُهُ فِي البِلَا دِ وَمَطلَعُهُ سَرْجُهُ وَالسَّرِيرُ إِذَا مَا سَطَا أَو حَبَا وَاحتَبَى فَمَا اللَّيثُ مِن حَاتِمٍ مَا ثَبِيْرُ (١) قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى دينار واحد، وستة وثلاثين درهمًا، وقال غيره: سبعة وأربعين دينار، ولم يترك دارًا ولا عقارًا، ولا مزرعة، ولا بستانًا، ولا شيئًا من أنواع الأملاك، وإنما لم يخلف أموالًا، ولا أملاكًا لكثرة عطاياه وهباته وصدقاته وإحسانه إلى أُمرائه ووزرائه وأوليائه حتى إلى أعدائه. وكتب القاضي الفاضل تعزية إلى صاحب حلب ابن صلاح الدين الأيوبي: قَالَ تَعَالَى: «﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم (١)﴾ كتبت إلى مولانا الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف من السلف في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالًا شديدًا، وقد حضرت الدموع المحاجر وبلغت القلوب

стр. 1961

الحناجر، وقد ودعت أباك مخدومي وداعًا لا تَلَاقِيَ بعده، وَقَبَّلْتُ وَجْهَهُ عَنِّي وعنك وأسلمته إلى الله وحده مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المغمدة ما لم يدفع البلاء ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، يخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب: وإنا على فراقك يا يوسف (صلاح الدين) لمحزونون» (١). وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

стр. 1962

الكلمة الواحدة بعد المائة: من أسماء الله الحسنى الغافر - الغفار - الغفور الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ: فقد روى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». ومن أسمائه تعالى: (الغافر - الغفار - الغفور)، وقد أخبرنا ربنا تعالى أنه غافر الذنوب، وغفارها، وغفورها، كما قال: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِير (٣)﴾ [غافر: ٣]. وقال تعالى فيما حكاه عن نبيه نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١٠]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ [البقرة: ١٧٣]. قال بعضهم قد سمى الله نفسه بالغفور في إحدى وتسعين آية، وأما اسمه الغفار فقد جاء في خمس آيات، فعلم أن ورود الغفور في القرآن أكثر بكثير من الغفار، والغفار أبلغ من الغفور، قَالَ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيم (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ

стр. 1963

الأَلِيم (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. أما الغفار ففي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّار (٦٦)﴾ [ص: ٦٦]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١٠]. وأما الغافر فقد ورد مرة واحدة في القرآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]. قال الزجَّاج: معنى الغفر في حق الله سبحانه: هو الذي يستر ذنوب عباده، ويغطيهم بستره (١)، وقال الحليمي: الغافر هو الذي يستر على المذنب، ولا يؤاخذه فيشهره ويفضحه، وأما الغفور فهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته (٢). ومن كرم الله، وعظيم مغفرته قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي ﵀: «فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه الخالعين لثياب القنوط، الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده المتوجهين إليه في طلب العفو، الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم وما أحسن ما علل به سبحانه هذا الكلام قائلًا: إنه هو الغفور الرحيم، أي كثير المغفرة، والرحمة

стр. 1964

عظيمهما بليغهما واسعهما، ومن أبى هذا الفضل العظيم والعطاء الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم الله به، فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير وعدم التقنيط هو الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز والمسلك الذي سلكه رسوله ﷺ » (١). ومن آثار الإيمان بهذه الأسماء العظيمة: أولًا: وصف الله سبحانه نفسه بأنه غفار، وغفور للذنوب والخطايا صغيرها، وكبيرها، حتى الشرك إذا تاب منه الإنسان، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله أعظم منها، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]. روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» (٢). وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:

стр. 1965

سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (١). قال الشاعر: وَهُوَ الغَفُورُ فَلَو أُتِيَ بِقُرَابِهَا مِنْ غَيرِ شِرْكٍ بَلْ مِنَ العِصْيَانِ لَأَتَاهُ بِالغُفْرَانِ مِلءَ قُرَابِهَا سُبحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفْرَانِ بل إن الله من فضله وكرمه يبدل سيئات العبد إلى حسنات إذا صدق في توبته، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠]. ثانيًا: لا يجوز للمسلم أن يتساهل بالمعاصي والذنوب بحجة أن الله غفور رحيم، فالمغفرة إنما تكون للتائبين الأوابين، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]. فاشترط سبحانه تغيير الحال من عمل السيئات إلى عمل الصالحات لكي تحصل المغفرة.
следующие страницы →