الحناجر، وقد ودعت أباك مخدومي وداعًا لا تَلَاقِيَ بعده، وَقَبَّلْتُ وَجْهَهُ عَنِّي وعنك وأسلمته إلى الله وحده مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المغمدة ما لم يدفع البلاء ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، يخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب: وإنا على فراقك يا يوسف (صلاح الدين) لمحزونون» (١).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1962
الكلمة الواحدة بعد المائة: من أسماء الله الحسنى
الغافر - الغفار - الغفور
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فقد روى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
ومن أسمائه تعالى: (الغافر - الغفار - الغفور)، وقد أخبرنا ربنا تعالى أنه غافر الذنوب، وغفارها، وغفورها، كما قال: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِير (٣)﴾ [غافر: ٣]. وقال تعالى فيما حكاه عن نبيه نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١٠]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ [البقرة: ١٧٣].
قال بعضهم قد سمى الله نفسه بالغفور في إحدى وتسعين آية، وأما اسمه الغفار فقد جاء في خمس آيات، فعلم أن ورود الغفور في القرآن أكثر بكثير من الغفار، والغفار أبلغ من الغفور، قَالَ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيم (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ
стр. 1963
الأَلِيم (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. أما الغفار ففي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّار (٦٦)﴾ [ص: ٦٦]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١٠].
وأما الغافر فقد ورد مرة واحدة في القرآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣].
قال الزجَّاج: معنى الغفر في حق الله سبحانه: هو الذي يستر ذنوب عباده، ويغطيهم بستره (١)، وقال الحليمي: الغافر هو الذي يستر على المذنب، ولا يؤاخذه فيشهره ويفضحه، وأما الغفور فهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته (٢).
ومن كرم الله، وعظيم مغفرته قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي ﵀: «فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه الخالعين لثياب القنوط، الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده المتوجهين إليه في طلب العفو، الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم وما أحسن ما علل به سبحانه هذا الكلام قائلًا: إنه هو الغفور الرحيم، أي كثير المغفرة، والرحمة
стр. 1964
عظيمهما بليغهما واسعهما، ومن أبى هذا الفضل العظيم والعطاء الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم الله به، فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير وعدم التقنيط هو الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز والمسلك الذي سلكه رسوله ﷺ » (١).
ومن آثار الإيمان بهذه الأسماء العظيمة:
أولًا: وصف الله سبحانه نفسه بأنه غفار، وغفور للذنوب والخطايا صغيرها، وكبيرها، حتى الشرك إذا تاب منه الإنسان، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله أعظم منها، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]. روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» (٢).
وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
стр. 1965
سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (١).
قال الشاعر:
وَهُوَ الغَفُورُ فَلَو أُتِيَ بِقُرَابِهَا
مِنْ غَيرِ شِرْكٍ بَلْ مِنَ العِصْيَانِ
لَأَتَاهُ بِالغُفْرَانِ مِلءَ قُرَابِهَا
سُبحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفْرَانِ
بل إن الله من فضله وكرمه يبدل سيئات العبد إلى حسنات إذا صدق في توبته، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠].
ثانيًا: لا يجوز للمسلم أن يتساهل بالمعاصي والذنوب بحجة أن الله غفور رحيم، فالمغفرة إنما تكون للتائبين الأوابين، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]. فاشترط سبحانه تغيير الحال من عمل السيئات إلى عمل الصالحات لكي تحصل المغفرة.
стр. 1966
ثالثًا: إذا علم المؤمن أن الله غفور رحيم، فإنه يشرع له أن يحرص على فعل مكفرات الذنوب وهي الأقوال، والأعمال التي شرعها الله في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ حتى تكفر عنه الخطايا والسيئات.
رابعًا: أنه يشرع للمؤمن أن يكثر من الاستغفار حتى تحصل له المغفرة التي وعد الله بها المستغفرين، والنبي ﷺ كان يستغفر الله في جميع الأحوال، ومن تلك الصيغ ما رواه أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِئَةَ مَرَّةٍ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (١).
وروى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ زَيدٍ مَولَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (٢).
وروى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ مِحْجَنِ بنِ الأَدْرَعِ ﵁ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ
الكلمة الثانية بعد المئة: من أداب اللباس
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فاللباس نعمة عظيمة من نعم الله الكثيرة على عباده، لستر العورات ووقاية من الحر والبرد وسائر الآفات، وقد وردت النصوص الشرعية بأحكامه مفصلة مبينة، وبينت القدر الواجب ستره، والمستحب من اللباس والمحرم، والمكروه، والمباح مقدارًا وكيفية.
وقد ذكر أهل العلم آداب اللباس في كتبهم والأدلة على ذلك فمنها:
وجوب ستر العورة؛ وهي ما يجب تغطيته ويقبح ظهوره، ويستحيا منه، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]. فتغطيته باللباس أمر واجب، وحد عورة الرجل الذكر: من السرة إلى الركبة، لما رواه الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَرْهَدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيهِ وَقَد كَشَفَ عَن فَخِذِهِ، فَقَالَ: «يَا جَرْهَدُ! غَطِّ فَخِذَكَ، فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (١). قال
стр. 1969
البخاري بعد ذكر الخلاف في المسألة: حديث جرهد أحوط (١).
أما المرأة: فقد وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَولُهُ: «المَرأَةُ عَورَةٌ» (٢)، وقد تقدم التفصيل في كلمة خاصة بلباس المرأة.
ومنها الابتعاد عن اللباس الرقيق الذي يصف بياض الجلد، وسواده وحمرته والذي يصف الخلقة أي الحجم لرجل وامرأة، قال ابن تميم: يكره الثوب الرقيق إذا وصف البدن (٣)، قال المروذي: أمروني في منزل أبي عبد الله أن أشتري لهم ثوبًا، فقال: لا يكون رقيقًا أكره الرقيق للحي والميت، فإن الفخذ عورة (٤).
ومنها: ألا يتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.
روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ (٥).
ومنها: تحريم الإسبال للرجال، سواءٌ كان ما يلبس إزارًا أو ثوبًا أو بشتًا أو سراويلَ أو قميصًا، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الإِسبَالُ فِي الإِزَارِ،
стр. 1970
وَالقَمِيصِ، وَالعِمَامَةِ، مَن جَرَّ مِنهَا شَيئًا خُيَلَاءَ، لَم يَنظُرِ اللهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ مَرفُوعًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ» (٢).
وظاهره أن مجرد الإسبال يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس ذلك، وقد ورد الوعيد الشديد لمن أسبل إزاره تحت الكعبين، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أَسفَلَ مِنَ الكَعبَينِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ» (٣).
ومنها تحريم ارتداء الملابس التي عليها صلبان، أو تصاوير، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا النَّبِيُّ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ » فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
стр. 1971
وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وَقَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» (١).
وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ (٢).
قال الحجاوي: «فإذا منع من نصبه سترًا على الحائط وتعليقه فلأن يكون ممنوعًا لبسه أولى، لأن ذلك أكثرُ إكرامًا، وهذا أحد الوجهين في التحريم» (٣).
ومنها تحريم لباس الشهرة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
قال الحجاوي: «لأنه يزري بصاحبه وينقص مروءته، وفي الغنية من اللباس المنزه عنه: كل لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس كالخروج عن عادة أهل بلده، وعشيرته فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلا يشار إليه بالأصابع ويكون ذلك سببًا إلى حملهم على غيبتهم له فيشركهم في إثم الغيبة له» (٥).
стр. 1972
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وتكره الشهرة من الثياب وهو الترفع الخارج عن العادة، والمنخفض الخارج عن العادة، فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين المرتفع والمنخفض» (١). اهـ
قال ابن عبد البر: «كان يقال: كل من الطعام ما اشتهيت، والبس من الثياب ما اشتهى الناس» (٢). قال الشاعر:
إِنَّ العُيُونَ رَمَتْكَ مُذْ فَاجَاتَهَا
وَعَليْكَ مِنْ شُهْرِ الثِّيَابِ لِبَاسُ
أَمَّا الطَّعَامُ فَكُلْ لِنَفْسِكَ مَا اشْتَهَتْ
وَاجْعَلْ لِبَاسَكَ مَا اشْتَهَاهُ النَّاسُ
ومنها: تحريم الذهب والحرير على الرجال إلا لعذر، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَينِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» (٣).
ومنها: أن السنة التيامن عند لبس اللباس، روى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ (٤).
قال النووي ﵀: «وهذه قاعدة مستمرة في الشرع وهي أَنَّ مَا كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب، والسراويل،
стр. 1973
والخف، وغير ذلك مما هو في معناه، يستحب التيامن فيه وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها» (١). اهـ
ومنها: أن السنة عند لبس الجديد أن يقول الدعاء الوارد في ذلك: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ أَنتَ كَسَوتَنِيهِ، أَسأَلُكَ خَيرَهُ وَخَيرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» (٢).
ومنها استحباب لبس البياض، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (٣).
ومنها النهي عن لبس الثوب المعصفر وهو المصبوغ بعصفر، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو ابنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» (٤).
قال ابن حجر في فتح الباري بعدما ذكر أقوال أهل العلم في لبس الثوب الأحمر: «والتحقيق في هذا المقام: أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس الكفار، فالقول فيه كالقول في
стр. 1974
الميثرة الحمراء (١)، وإن كان من أجل أنه زي النساء فهو راجع إلى الزجر عن التشبه بالنساء فيكون النهي عنه لا لذاته، وإن كان من أجل الشهرة، أو خرم المروءة فيمنع حيث يقع ذلك، وإلا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت» (٢).
ومنها استحباب إظهار النعمة في الملبس ونحوه، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَصِ عَن أَبِيهِ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي ثَوْبٍ دُونٍ، فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟ » قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ » قَالَ: قَدْ آتَانِي اللهُ مِنَ الإِبِلِ، وَالْغَنَمِ، وَالْخَيْلِ، وَالرَّقِيقِ، قَالَ: «فَإِذَا آتَاكَ اللهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ» (٣).
ومنها الطيب، فقد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يحبه، فقد روى النسائي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» (٤). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ (٥).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1975
الكلمة الثالثة بعد المئة: خطر الرشوة
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الرشوة من الأمور المنكرة التي ابتليت بها مجتمعات المسلمين وهي مرض عضال، وداء خطير، يفسد المجتمعات، ويضيع الحقوق، ويخل بالأمانة وهي كبيرة من كبائر الذنوب، قال الله تعالى في ذم اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، والرشوة: من السحت كما فسر الآية ابن مسعود وغيره (١). روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ابنِ عَمرٍو ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ (٢). واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله.
قال الجرجاني: «الرشوة ما يُعطَى لإبطال حق، أو إحقاق باطل» (٣). قال الذهبي: الكبيرة الثانية والثلاثون: أخذ الرشوة
стр. 1976
على الحكم، واستدل على ذلك بقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
قال الذهبي: «لا تدلوا بأموالكم إلى الحكام: أي: لا تصانعوهم بها، ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقًّا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم».
وبعد أن ذكر الأحاديث الدالة على التحريم، قال: إنما تلحق اللعنة الراشي إذا قصد بها أذية مسلم، أو ينال بها ما لا يستحق، أما إذا أعطى ليتوصل إلى حق له، أو ليدفع عن نفسه ظلمًا، فإنه غير داخل في اللعنة، وأما الحاكم فالرشوة عليه حرام، أبطل بها حقًّا، أو دفع بها ظلمًا، والرائش: هو الوسيط بالرشوة، تابع للراشي في قصده إن قصد خيرًا لم تلحقه اللعنة، وإلا لحقته (١). اهـ
وصور الرشوة كثيرة، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فمنها أنها تكون في الحكم فُيقضى من أجلها لمن لا يستحق، أو يمنع من يستحق، أو يُقَدَّمُ مَنْ غَيرُهُ أَحَقُّ بالتقديم، وتكون الرشوة في تنفيذ الحكم فيتهاون من عليه تنفيذه بتنفيذه من أجل الرشوة سواء كان ذلك بالتراضي في التنفيذ، أو بعمل ما يحول بين المحكوم عليه وألم العقوبة إن كان الحكم عقوبة، والرشوة تكون في الوظائف والمسابقة فيها فَيُقَدَّمُ من أجلها من لا ينجح، أو تُعطى له الأسئلة
стр. 1977
قبل الامتحان فَيُوَلَّى الوظيفةَ مَنْ غَيرُهُ أَحَقُّ منه، وأغرب من ذلك أن تدخل الرشوة في التعليم والثقافة، فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح، أو تقدم له أسئلة الامتحان، أو يشار إلى أماكنها من المقررات أو يتساهل المراقب في مراقبة الطالب من أجلها، فيتقدم هذا الطالب مع ضعف مستواه العلمي ويتأخر من هو أحق منه لقوة مستواه العلمي، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧].
قال جمع من المفسرين: الأمانة كل ما ائتمن عليه المُؤَمَّنُ، ومن الأمانة أن يولى الأجدر والأحق بالوظيفة. اهـ
والرشوة تكون في تنفيذ المشاريع فحينما يأتي مشروع، وتعمل مناقصة فيدفع أحدهم رشوة فيحصل على هذا المشروع مع أن غيره أتقن منه عملًا وأقل سعرًا، والرشوة تكون في التحقيقات الجنائية، أو الحوادث، أو غيرها فيتساهل المحققون في التحقيق من أجل الرشوة» (١) اهـ، أو يُعين مسئول في موقع ما فيأخذ هدية مقابل أن يسهل على صاحبها بعض الأمور، أو يقدمه على غيره، أو يعفيه من بعض الالتزامات، أو غير ذلك، وهذا غلول ورشوة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قال: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْلُّتْبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ
فَإِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلِي، فَقَالَوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، قَدْ أَخَذْنَا، فَاخْرُجُوا عَنَّا (١).
وتأمل هذا الحديث الذي تفزع لهوله القلوب، وتشيب منه الرؤوس، وترتعد منه الفرائص، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنتِ العِرْبَاضِ عَن أَبِيهَا ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَاخُذُ الْوَبَرَةَ مِنْ فَيْءِ اللهِ ، فَيَقُولُ: «مَا لِي مِنْ هَذَا إِلَّا مِثْلُ مَا لِأَحَدِكُمْ إِلَّا الْخُمُسَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فِيكُمْ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ فَمَا فَوْقَهُمَا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ، فَإِنَّهُ عَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
والواجب أن لا يُعطى المرتشي شيئًا فهو يأخذ أجرة من بيت المال وهو أمين على عمله، وقد وضع لخدمة الناس، وإعطائه الرشوة من التعاون على الإثم والعدوان، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ومن صورها: أن تكون على شكل هدية في الظاهر وهي رشوة كموظف يُهدي لرئيسه من أجل ترقيته، أو محاباته على حساب العمل، أو طالب يهدي لمعلمه من أجل إنجاحه، وأهل البلد يهدون لقاضيهم من أجل الحكم لهم (٣).
стр. 1980
والرشوة من صفات اليهود والنصارى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]. والأحبار علماء اليهود، والرهبان عُبَّاد النصارى.
من مفاسد الرشوة:
أولًا: أنها مال سحت على صاحبها لا بركة فيه، وَفِي الحَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (١).
ثانيًا: أنها إفساد للمجتمع حكامًا ومحكومين.
ثالثًا: تبطل حقوق الضعفاء وتنشر الظلم.
رابعًا: الراشي والمرتشي كلهم ملعونون عند الله ورسوله.
خامسًا: الرشوة في تولي القضاء، والوظائف العامة، تفسد المجتمع وتنشر الفساد.
سادسًا: الرشوة في أمور الجند تجعل الكفاءة فيهم غير معتبرة، ويؤول الأمر إلى أن يتولى الدفاع عن البلاد من هم غير أهل لذلك فتحيق بهم الهزيمة ويلحق العار البلاد بأسرها.
سابعًا: أن الرشوة إذا فشت في جهة من الجهات انتشرت في بقية الجهات، وصار على من عمل بها أولًا وزرها ووزر من عمل
стр. 1981
بها مقتديًا به إلى يوم القيامة.
ثامنًا: فقد الأمانة، وفشو الخيانة فلا يأمن الإنسان على نفسه، ولا ماله، ولا أهله.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1982
الكلمة الرابعة بعد المئة: مقتطفات من سيرة ترجمان القرآن
عبد الله بن عباس
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وإمام من أئمة المسلمين، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر.
وُلِدَ ﵁ بِشِعْبِ بني هاشم (١) قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة، كان وسيمًا جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، زكي النفس، من رجال الكمال، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّاوِيلَ»، وقد صحب النبي ﷺ نحوًا من ثلاثين شهرًا، وروى عنه شيئًا كثيرًا، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه، وكثرة فهمه، وكمال عقله، وسعة فضله، ونبل أصله، وله قرابة مع النبي ﷺ فهو ابن عمه، إنه ترجمان القرآن وحبر هذه
стр. 1983
الأمة والمفسر لكتاب الله، فقيه العصر أبو العباس عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وهو والد الخلفاء العباسيين، وهو أحد إخوة عشرة ذكور للعباس من أم الفضل وهو آخرهم مولدًا، وقد مات كل واحد منهم في بلد بعيد من الآخر جدًّا.
روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي أَوْ عَلَى مَنْكِبِي، - شَكَّ سَعِيدٌ - ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّاوِيلَ» (١).
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ، فَقَالَ: يَا عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ فِيهِمْ؟ قَالَ: فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ أَنَا أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ تَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ، فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟ فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ. قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ. قَالَ: فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى
стр. 1984
رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلِي النَّاسُ يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي (١).
وَثَبَتَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في صحيح البخاري أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُستَضعَفِينَ (٢)، وفي رواية أخرى: أَنَّهُ تَلَا: ﴿إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨]، قال: كُنتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّن عَذَرَ اللهُ (٣).
وهاجر مع أبيه قبل الفتح فاتفق لقياهما النبي ﷺ بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة فشهد الفتح وحنينًا والطائف عام ثمان وقيل: كان في سنة تسع وحجة الوداع سنة عشر، وصحب النبي ﷺ من حينئذ ولزمه، وأخذ عنه وحفظ، وضبط الأقوال، والأفعال، والأحوال، وأخذ عن الصحابة علمًا عظيمًا مع الفهم الثاقب، والبلاغة، والفصاحة، والجمال والملاحة، والأصالة، والبيان (٤).
روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ، فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ، قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ
стр. 1985
اللَّهِ وَالْفَتْح (١)﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ، قَالَ: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح (١)﴾، وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ» (١).
وَقَالَ المُهَاجِرُوْنَ لِعُمَرَ: أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: ذَاكُم فَتَى الكُهُولِ؛ إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَؤُولًا، وَقَلْبًا عَقُوْلًا (٢).
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ لِي أَبُو العَبَّاسِ: يَا بُنَيَّ! إِنَّ عُمَرَ يُدنِيكَ، فَاحفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا: لَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يُجَرِّبَنَّ عَلَيْكَ كَذِبًا (٣). قال الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف، فقال ابن عباس: بل كل واحدة خير من عشرة آلاف.
قال ابن كثير: وقد استنابه علي على البصرة، وأقام للناس الحج في بعض السنين فخطب بهم في عرفات خطبة، وفسر فيها سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، قال من سمعه: فسر ذلك تفسيرًا لو سمعته الروم، والترك، والديلم لأسلموا، ويقول عن نفسه: إِنْ كُنْتُ
стр. 1986
لَأَسأَلُ عَنِ الأَمرِ الوَاحِدِ ثَلَاثِينَ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (١).
قال طاووس: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس، وقال أبو رجاء: رأيت ابن عباس، وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من البكاء.
قال الواقدي: حدثني داود بن جبير قال: سمعت ابن المسيب يقول: ابن عباس أعلمُ الناس، وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال، بعلم مَن سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه مِن حَدِيثِ النبي ﷺ منه، ولا بقضاء أبي بكر، وعمر، وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه ولا أعلم بما مضى ولا أَثْبَت رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا، ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا التأويل، ويومًا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالمًا جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلًا قط سأله إلا وجد عنده علمًا، قال: وربما حفظت القصيدة من فيه ينشدها ثلاثين بيتًا.
وقال مجاهد: كان ابن عباس يُسَمَّى البحر لكثرة علمه، وقال عطاء: ما رأيت مجلسًا قط أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقهًا، ولا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه، وأصحاب العربية يسألونه،
إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. قال الذهبي: فهذه قضية متواترة (١).
قال ابن كثير: وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، رضي الله عن ابن عباس، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا (٢).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 1991
الكلمة الخامسة بعد المئة: مخاطر الابتعاث وضوابطه
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فمن الأمور التي ابتليت بها أمة الإسلام في هذه الأيام، ابتعاث أبناء وبنات المسلمين إلى بلاد الكفار للدراسة دون مراعاة الضوابط الشرعية التي ذكرها أهل العلم، وما يتضمن هذا الابتعاث من المخاطر والمفاسد الشرعية الكثيرة التي يجب على العلماء، وطلبة العلم والدعاة التنبيه عليها وتحذير الناس منها، مع العلم أنه قد كتب جمع من علماء الإسلام ودعاته من مختلف البلاد الإسلامية محذرين من الابتعاث ومخاطره على الدين والأخلاق.
وحيث إن الموضوع واسع لمن أراد الكلام فيه، فسيقتصر حديثي على ذكر المخالفات الشرعية المترتبة على الابتعاث مع إلحاق فتوى هيئة كبار العلماء في ذلك، فمن تلك المفاسد المترتبة على الابتعاث:
أولًا: إضعاف عقيدة الولاء والبراء، الولاء للمؤمنين والعداوة للكافرين، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ
стр. 1992
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وأمر الله بالهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام، فقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧].
قال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكبًا حرامًا بالإجماع» (١).
روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ جَرِيرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِمَ؟ قَالَ: لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا» (٢).
قال الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: «لا يجوز للمسلم السفر إلى بلاد المشركين، أو الإقامة بين ظهرانيهم من غير ضرورة إلا لعارف بدينه بأدلته الشرعية يستطيع الدعوة إليه، والذب عن الشبه التي ترد عليه، ويقوم بأداء الواجبات الشرعية» (٣).
стр. 1993
ثانيًا: اعتناق النصرانية، والردة عن الإسلام، وهذا من أخطر وأشد المخالفات الشرعية في الذهاب إلى هناك، وللأسف أنه قد حصلت حالات ردة من بعض المبتعثين هناك، وذكرت بعض الصحف الالكترونية أن ثلاثين من المبتعثين من بلاد الجزيرة قد ارتدوا عن الإسلام، ودخلوا في النصرانية، وهذا العدد من تم تعميدهم رسميًّا في الكنيسة، أما من لم يتم تعميدهم في الكنيسة، فقد يزيد عن هذا العدد.
وقد ذكر الشيخ المحدث أحمد بن محمد شاكر: أن كثيرًا من المبتعثات ممن سافرن إلى بلاد الكفر، والإلحاد في زمانه ارتددن عن دينهن، وتزوجن برجال من أمريكا، أو أوروبا من اليهود والنصارى (١).
ثالثًا: كثرة المغريات والفتن الداعية إلى ارتكاب الفواحش، والمحرمات وخاصة فتنة النساء، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (٢).
وَقَالَ ﷺ : «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ» (٣). لا سيما وأن الدراسة مختلطة في بلاد الكفار.
стр. 1994
وقد نَشَرَتِ الصُّحُفُ الإِلِكترُونِيَّةُ شكوى بعض النساء المُبْتَعَثَات من مضايقة الرجال لهن، فبعضهن يرجع المحرم الذي سافر معها، وتبقى هذه المسكينة لوحدها في بلاد الكفار تتعرَّض للفتنة، والإغراء، فإلى الله المشتكى.
كَمَا نَشَرَتْ بَعضُ المَوَاقِعِ الإِلِكترُونِيَّةِ صُوَرًا جَمَاعِيَّةً لِبَعضِ المُبْتَعَثِينَ وَالمُبْتَعَثَاتِ: مِنَ الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ، وَهُم فِي أَوضَاعٍ مُختَلَطَةٍ، وَالمُبْتَعَثَاتُ فِي حَالَةٍ يُرْثَى لَهَا: مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ؛ مِمَّا يَنْدَى لَهُ الجَبِينُ، وَيَتَفَطَّرُ مِنهُ القَلبَ كَمَدًا وَحَسْرَةً، وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ.
رابعًا: أن المسافر هناك لا يسلم من انحرافٍ عَقَدِيٍّ، أو خُلُقِيٍّ، أو عَمَلِيٍّ في العبادة وغيرها، وإن سلم فربما تبقى مناظر هذه البلاد التي فيها الكنائس وأماكن الفساد، والتبرج، والخلاعة، وتباع فيها الخمور علنًا، وتوجد فيها أماكن للبغاء في الطرقات في ذاكرته وكفى بها مفسدة.
خامسًا: تأثر المسلم بالكثير من تقاليد الكفار، وعاداتهم السيئة، وهذا يؤدي إلى التشبه بهم، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١).
سادسًا: التعود على عدم الاكتراث بالدين، وعدم الالتفات لآدابه وأوامره، ونواهيه.
стр. 1995
سابعًا: أن كثرة رؤية المنكرات للمسافر هناك من إضاعة الصلوات وتبرج النساء، وبيع المحرمات، وغير ذلك يضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قلب المسلم وهو مأمور بإنكار ما يخالف الشرع.
روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١). إلى غير ذلك من المفاسد.
وقد صدر قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برقم ٨٨ في ١١/ ١١ / ١٤٠١ هـ وهذا نصه:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة عشرة المنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من يوم ٢٩/ ١٠ / ١٤٠١ هـ إلى نهاية يوم الأربعاء الموافق ١١/ ١١ / ١٤٠١ هـ استعرض بعض ما استهدفت به الأمة الإسلامية عامة من بث للمذاهب الهدامة، والمبادئ الأخلاقية المنحرفة، وما قصدت به شبيبة الدولة السعودية خاصة، وما أريد لها من انحراف في الأخلاق، والعقيدة لما لهذه الدولة، وشعبها من مكانة عالية في نفوس الشعوب الإسلامية، ولما هي
стр. 1996
عليه من التمسك بعقيدة الإسلام الصافية، والتخلق بآدابه النبيلة، ولأن شعب هذه البلاد ركيزة الإسلام، فإذا أُفْسِدُوا سهل إفساد سواهم، وقد استعرض المجلس وسائل أعداء الإسلام في إفساد الشبيبة، واستمع إلى شرح كثير من الوقائع، واستعاد استعراض بعض ما سبق أن أبداه في مجال إصلاح وسائل الإبقاء على كيان الأمة، وحماية شبابها من التفسخ، والانحلال والانحراف الفكري.
ونظرًا لأن أعظم أسباب انحراف الشباب في مسالك الرذيلة، والوقوع في شَرك أعداء الإسلام، والتنكر لما عليه أمتنا في عقيدتها، وأخلاقها، وعاداتها والانقلاب على أوضاعها الإسلامية، ومعاداة سلطاتها، والنظر إليها بالازدراء والوقوف موقف العداء إرسالهم في حال طراوتهم، وخلو أنفسهم من الحصانة الدينية بمبادئ الشريعة، وعدم التسلح بالعلم لمواجهة التيارات الفكرية، والخلقية المتربصة بهم، وإخراجهم من جوهم الإسلامي قبل بلوغهم المرحلة التي يصعب فيها على أعداء الإسلام إغراؤهم، وتحويلهم إلى أعداء لأمتهم، ودينهم، وولاة الأمر في بلادهم.
ولقد ذكر للمجلس - إضافة إلى ما سبق له معرفته - حوادث أليمة، وقضايا مزعجة، سببها خروج الشباب المتوقد حيوية، وفتوة، وقوة من جو محتشم محافظ على قيمه، وعفته إلى جو مملوء بالإغراء مشبع بالانحلال يتصيد مجتمعه شباب المسلمين عن قصد وتعمد، فيدفعهم إلى إشباع رغباتهم الجنسية، وإمتاع نفوسهم بشهوات خبيثة دفعًا عنيفًا، ويسلط عليهم أنواعًا من
стр. 1997
الإغراء، ويحاول تشكيكهم بدينهم، وتضخيم عيوب السياسة في أوطانهم، فإن وجدهم بوضع من التأهيل العلمي الشرعي بحيث يتعسر عليه انحلالهم وتشكيكهم، التمس إبراز عيوب حكوماتهم، وابتعادها عن أحكام الإسلام إلا من شاء الله، واختلاق عيوب غير موجودة، واستغل حماسة الشباب المتدينين لدينهم ليتوجهوا إلى التطرف فيخرجوا بأنفسهم عن العمل الإصلاحي إلى عمل تفريق الأمة، وزعزعة كيانها، وتفريق صفها، والعمل على قلب أنظمة الحكم فيها، ونظرًا لأن ولاة الأمر هم الأمناء على الأمة وعليهم مسئولية الأخذ بأيدي الناس إلى الوجهة السليمة، وإصلاح ما يرونه خطرًا على أمن البلاد، ودينها، ولأن الشباب هم ركيزة الأمة، ورجال غدها، وحراس كيانها، فجدير أن يحتاط لهم بكل ما يمكن من السعي في دفع أسباب انحرافهم، وجلب ما يصلحهم، ومن القواعد الشرعية الهامة أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن كثيرًا ممن يخرجون من البلاد للدراسة في بلاد الغرب يفاجؤون بحضارة صاخبة، ومفاتن منتشرة، وفتن متعددة، فتن الجنس، والشراب، والتشكيك، وقل أن يعود الطالب إلا وفي نفسه ما فيها من تأثر بما رأى، وسمع، ومارس، كل على حسب حاله ونظره للأمور فيعود وقد احتقر أوضاع بلاده، وأحب ما عليه أهل تلك البلاد من انطلاق بلا حدود، ولا قيود، ومن تقدم في ميدان العلوم العصرية بمختلف أنواعها مع غفلتهم عما عليه أولئك من بُعد عن الأخلاق، والشيم، والعفة، والحياء، واستمتاع
стр. 1998
بكافة ما تريده الأنفس المنحلة بلا رقيب، ولا محاسب، فيكون هذا الطالب قد جلب
على وطنه، وأمته، شرًا، وجر عليهم بلاءً، ودمارًا، وصار داعية سوء، ومعول هدم للأخلاق، والقيم.
ونظرًا لأن البلاد بحمد الله قد توافر فيها التعليم في كافة مراحله ولا تفتقر إلا إلى بعض التخصصات العلمية العصرية؛ ولأن ولي الأمر عليه أن يدل رعيته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم؛ ولأن النساء يخرجن إلى الغرب يرين ما عليه النساء هناك من التهتك، والعري، والعلاقات بالرجال الأجانب، ولو كن ذوات أزواج مع ما يحصل من اختلاط في الدراسة لمن رغبت منهن في دراسة عامة أو خاصة، أما اللاتي لم يتزوجن وإنما ذهبن للدراسة فالعلاقة بين الطالب والطالبة هناك أمر غير مستنكر، ولا مستغرب، تزوره، ويزورها، وقد حدثت أمور لا يرضى الله عنها، ولا رسوله، وإذا كان سفر المرأة بدون محرم محرمًا ومعصية لله ، ولو كان لحج بيت الله الحرام، فكيف بسفر يفضي إلى اختلاط وخلوات، وشرور لا نهاية لها.
ولهذا فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى أن النصح لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم يقضي بأن يتخذ ولاة الأمر وفقهم الله لإرضاء الله سبحانه، وحماية عباده من الفساد، وحماية هذه الأمة من التفكك ما يلي:
١ - منع ابتعاث البنات للخارج منعًا باتًّا لا استثناء فيه، ومن كانت متجاوزة مرحلة الدراسة العالية وفي تخصصها مصلحة
стр. 1999
محققة للأمة، فإن على الدولة وفقها الله تهيئة الوسائل اللازمة لذلك في داخل المملكة، وقد منحها الله سبحانه إمكانات مادية يسهل معها بإذن الله كل صعب؛ لأن سفر المرأة للدراسة في الغالب تربو مفاسده على مصالحه، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتعين عدم السماح لأي إنسان أن يبعث بنته، أو من له عليها ولاية للدراسة في الخارج، سواء في البلاد المجاورة، أو بلاد الغرب، ولو على حسابه الخاص؛ لأن الأخذ على يد مثل هؤلاء فيه نجاة الجميع، كَمَا فِي حَدِيثِ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ... » الحديث (١).
٢ - عدم إرسال أي طالب للدراسة في الخارج من المدنيين والعسكريين على حساب الدولة، أو على الحساب الخاص إلا بعد مرحلة الجامعة، وبعد الزواج، والخدمة مدة من الزمن حتى يصلب عوده وترسخ عقيدته، ويعرف عقيدة السلف، والمذاهب الهدامة والمنحرفة، ويعرف زيفها لئلا يسهل صده عن دين الله.
٣ - عدم إرسال أي شخص للتخصص في أعمال نظرية كالإدارة واللغات، والاقتصاد، ونحوها، أما في علوم الإسلام وتاريخه فيجب منعه في كل مرحلة، وأن يعاقب من أرسل أولاده للدراسة، وأن لا تعتبر شهادته في البلاد.
٤ - يجب إجراء تحريات كاملة عن كل شخص يراد ابتعاثه
стр. 2000
للتخصص لِيُعرَفَ مدى حفاظه على دينه، وأخلاقه، وثباته على ولائه لدولته، وإعطاؤه دورة يدرس فيها أحوال تلك البلاد التي سوف يذهب إليها.
٥ - أن يقتصر في التخصصات على ما لا يمكن حصوله في البلاد كعلوم بعض الصناعات التي لا يوجد لها نظير في بلادنا كعلوم الذرة، ومتى أمكن جلبها إلى البلاد وجب ذلك حتى يستغنى عن الابتعاث.
٦ - عدم تمكين أي جهة حكومية، عسكرية كانت أو مدنية، وأية مؤسسة حكومية، أو تجارية، بابتعاث منسوبيها سواء لدورات دراسية، أو لدراسة نظامية لنيل شهادة إلا عن طريق جهة الاختصاص في التعليم بعد توافر الشروط للتخصص وصفة المبتعث، وسنه، وأن يكون حسن السيرة معروفًا بالعقل الراجح.
٧ - أن يجلب كل من لا تتوفر فيه الشروط السابقة، ويعاد لإكمال دراسته في الداخل، سواء من كان على حساب نفسه وذويه، أو على حساب الحكومة، أو إحدى المؤسسات.
٨ - يوكل إلى جهة حق الرقابة على مخالفة ما تقدم، وجعل مخبرين في السفارات، والملحقيات التعليمية، لترفع تقريراتها عن كل مخالفة، وتعمد وزارة التعليم العالي، وجميع الوزارات، والمصالح، بإبلاغ الجهة المختصة عن كل مخالفة، وإذا تم ذلك على الوجه المطلوب حصل به إن شاء الله الخير العظيم للأمة في