عليه من التمسك بعقيدة الإسلام الصافية، والتخلق بآدابه النبيلة، ولأن شعب هذه البلاد ركيزة الإسلام، فإذا أُفْسِدُوا سهل إفساد سواهم، وقد استعرض المجلس وسائل أعداء الإسلام في إفساد الشبيبة، واستمع إلى شرح كثير من الوقائع، واستعاد استعراض بعض ما سبق أن أبداه في مجال إصلاح وسائل الإبقاء على كيان الأمة، وحماية شبابها من التفسخ، والانحلال والانحراف الفكري.
ونظرًا لأن أعظم أسباب انحراف الشباب في مسالك الرذيلة، والوقوع في شَرك أعداء الإسلام، والتنكر لما عليه أمتنا في عقيدتها، وأخلاقها، وعاداتها والانقلاب على أوضاعها الإسلامية، ومعاداة سلطاتها، والنظر إليها بالازدراء والوقوف موقف العداء إرسالهم في حال طراوتهم، وخلو أنفسهم من الحصانة الدينية بمبادئ الشريعة، وعدم التسلح بالعلم لمواجهة التيارات الفكرية، والخلقية المتربصة بهم، وإخراجهم من جوهم الإسلامي قبل بلوغهم المرحلة التي يصعب فيها على أعداء الإسلام إغراؤهم، وتحويلهم إلى أعداء لأمتهم، ودينهم، وولاة الأمر في بلادهم.
ولقد ذكر للمجلس - إضافة إلى ما سبق له معرفته - حوادث أليمة، وقضايا مزعجة، سببها خروج الشباب المتوقد حيوية، وفتوة، وقوة من جو محتشم محافظ على قيمه، وعفته إلى جو مملوء بالإغراء مشبع بالانحلال يتصيد مجتمعه شباب المسلمين عن قصد وتعمد، فيدفعهم إلى إشباع رغباتهم الجنسية، وإمتاع نفوسهم بشهوات خبيثة دفعًا عنيفًا، ويسلط عليهم أنواعًا من
стр. 1997
الإغراء، ويحاول تشكيكهم بدينهم، وتضخيم عيوب السياسة في أوطانهم، فإن وجدهم بوضع من التأهيل العلمي الشرعي بحيث يتعسر عليه انحلالهم وتشكيكهم، التمس إبراز عيوب حكوماتهم، وابتعادها عن أحكام الإسلام إلا من شاء الله، واختلاق عيوب غير موجودة، واستغل حماسة الشباب المتدينين لدينهم ليتوجهوا إلى التطرف فيخرجوا بأنفسهم عن العمل الإصلاحي إلى عمل تفريق الأمة، وزعزعة كيانها، وتفريق صفها، والعمل على قلب أنظمة الحكم فيها، ونظرًا لأن ولاة الأمر هم الأمناء على الأمة وعليهم مسئولية الأخذ بأيدي الناس إلى الوجهة السليمة، وإصلاح ما يرونه خطرًا على أمن البلاد، ودينها، ولأن الشباب هم ركيزة الأمة، ورجال غدها، وحراس كيانها، فجدير أن يحتاط لهم بكل ما يمكن من السعي في دفع أسباب انحرافهم، وجلب ما يصلحهم، ومن القواعد الشرعية الهامة أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن كثيرًا ممن يخرجون من البلاد للدراسة في بلاد الغرب يفاجؤون بحضارة صاخبة، ومفاتن منتشرة، وفتن متعددة، فتن الجنس، والشراب، والتشكيك، وقل أن يعود الطالب إلا وفي نفسه ما فيها من تأثر بما رأى، وسمع، ومارس، كل على حسب حاله ونظره للأمور فيعود وقد احتقر أوضاع بلاده، وأحب ما عليه أهل تلك البلاد من انطلاق بلا حدود، ولا قيود، ومن تقدم في ميدان العلوم العصرية بمختلف أنواعها مع غفلتهم عما عليه أولئك من بُعد عن الأخلاق، والشيم، والعفة، والحياء، واستمتاع
стр. 1998
بكافة ما تريده الأنفس المنحلة بلا رقيب، ولا محاسب، فيكون هذا الطالب قد جلب
على وطنه، وأمته، شرًا، وجر عليهم بلاءً، ودمارًا، وصار داعية سوء، ومعول هدم للأخلاق، والقيم.
ونظرًا لأن البلاد بحمد الله قد توافر فيها التعليم في كافة مراحله ولا تفتقر إلا إلى بعض التخصصات العلمية العصرية؛ ولأن ولي الأمر عليه أن يدل رعيته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم؛ ولأن النساء يخرجن إلى الغرب يرين ما عليه النساء هناك من التهتك، والعري، والعلاقات بالرجال الأجانب، ولو كن ذوات أزواج مع ما يحصل من اختلاط في الدراسة لمن رغبت منهن في دراسة عامة أو خاصة، أما اللاتي لم يتزوجن وإنما ذهبن للدراسة فالعلاقة بين الطالب والطالبة هناك أمر غير مستنكر، ولا مستغرب، تزوره، ويزورها، وقد حدثت أمور لا يرضى الله عنها، ولا رسوله، وإذا كان سفر المرأة بدون محرم محرمًا ومعصية لله ، ولو كان لحج بيت الله الحرام، فكيف بسفر يفضي إلى اختلاط وخلوات، وشرور لا نهاية لها.
ولهذا فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى أن النصح لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم يقضي بأن يتخذ ولاة الأمر وفقهم الله لإرضاء الله سبحانه، وحماية عباده من الفساد، وحماية هذه الأمة من التفكك ما يلي:
١ - منع ابتعاث البنات للخارج منعًا باتًّا لا استثناء فيه، ومن كانت متجاوزة مرحلة الدراسة العالية وفي تخصصها مصلحة
стр. 1999
محققة للأمة، فإن على الدولة وفقها الله تهيئة الوسائل اللازمة لذلك في داخل المملكة، وقد منحها الله سبحانه إمكانات مادية يسهل معها بإذن الله كل صعب؛ لأن سفر المرأة للدراسة في الغالب تربو مفاسده على مصالحه، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتعين عدم السماح لأي إنسان أن يبعث بنته، أو من له عليها ولاية للدراسة في الخارج، سواء في البلاد المجاورة، أو بلاد الغرب، ولو على حسابه الخاص؛ لأن الأخذ على يد مثل هؤلاء فيه نجاة الجميع، كَمَا فِي حَدِيثِ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ... » الحديث (١).
٢ - عدم إرسال أي طالب للدراسة في الخارج من المدنيين والعسكريين على حساب الدولة، أو على الحساب الخاص إلا بعد مرحلة الجامعة، وبعد الزواج، والخدمة مدة من الزمن حتى يصلب عوده وترسخ عقيدته، ويعرف عقيدة السلف، والمذاهب الهدامة والمنحرفة، ويعرف زيفها لئلا يسهل صده عن دين الله.
٣ - عدم إرسال أي شخص للتخصص في أعمال نظرية كالإدارة واللغات، والاقتصاد، ونحوها، أما في علوم الإسلام وتاريخه فيجب منعه في كل مرحلة، وأن يعاقب من أرسل أولاده للدراسة، وأن لا تعتبر شهادته في البلاد.
٤ - يجب إجراء تحريات كاملة عن كل شخص يراد ابتعاثه
стр. 2000
للتخصص لِيُعرَفَ مدى حفاظه على دينه، وأخلاقه، وثباته على ولائه لدولته، وإعطاؤه دورة يدرس فيها أحوال تلك البلاد التي سوف يذهب إليها.
٥ - أن يقتصر في التخصصات على ما لا يمكن حصوله في البلاد كعلوم بعض الصناعات التي لا يوجد لها نظير في بلادنا كعلوم الذرة، ومتى أمكن جلبها إلى البلاد وجب ذلك حتى يستغنى عن الابتعاث.
٦ - عدم تمكين أي جهة حكومية، عسكرية كانت أو مدنية، وأية مؤسسة حكومية، أو تجارية، بابتعاث منسوبيها سواء لدورات دراسية، أو لدراسة نظامية لنيل شهادة إلا عن طريق جهة الاختصاص في التعليم بعد توافر الشروط للتخصص وصفة المبتعث، وسنه، وأن يكون حسن السيرة معروفًا بالعقل الراجح.
٧ - أن يجلب كل من لا تتوفر فيه الشروط السابقة، ويعاد لإكمال دراسته في الداخل، سواء من كان على حساب نفسه وذويه، أو على حساب الحكومة، أو إحدى المؤسسات.
٨ - يوكل إلى جهة حق الرقابة على مخالفة ما تقدم، وجعل مخبرين في السفارات، والملحقيات التعليمية، لترفع تقريراتها عن كل مخالفة، وتعمد وزارة التعليم العالي، وجميع الوزارات، والمصالح، بإبلاغ الجهة المختصة عن كل مخالفة، وإذا تم ذلك على الوجه المطلوب حصل به إن شاء الله الخير العظيم للأمة في
стр. 2001
دينها، ودنياها، والسلامة في عقيدتها، وأخلاقها، والله الموفق.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
رئيس الدورة:
عبد العزيز بن صالح عبد الله خياط
عبد الله بن محمد بن حميد عبد العزيز بن عبد الله بن باز
سليمان بن عبيد محمد بن علي الحركان
عبد الرزاق عفيفي راشد بن خنين
محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبد الله بن غديان صالح بن غصون
عبد المجيد حسن عبد الله بن قعود
عبد الله بن منيع صالح بن لحيدان
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 2002
الكلمة السادسة بعد المئة: مجالس الناس
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُم ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثرَةَ السُّؤَالِ» (١).
قال القاضي عياض: ومعنى «قِيلَ وَقَالَ»: الخوض في أخبار الناس، وحكايات ما لا يعني من أحوالهم؛ قيل: كذا، وقال فلان: كذا، فقيل: كذا، وعلى هذا نقول (٢).
وهذا الحديث ينطبق على طائفة من الناس ليس لهم شغل إلا الحديث عن الناس، وأحوالهم، والتفاصيل الدقيقة في ذلك، والذي يتأمل في مجالس الناس واجتماعاتهم، يجد أن الكثير منها يتحدثون فيه بشتى الموضوعات، فمن السياسة إلى الاقتصاد إلى المسائل الشرعية التي لا يصلح أن يتكلم فيها إلا كبار العلماء، إلى الخوض في أعراض الناس، إلى نقل الشائعات والنكت المكذوبة،
стр. 2003
إلى التفصيل في أحوال الناس ومعيشتهم، فلان طلق زوجته، فلان طرد من وظيفته، فلان خسر في تجارته، وهكذا يذهب الوقت في قيل وقال.
ولا شك أن ما سبق يوقع المسلم في عدد من المخالفات الشرعية، فمن ذلك:
أولًا: أن هذا من لغو الكلام الذي ينبغي الإعراض عنه والاشتغال عنه بما يفيد، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون (٣)﴾ [المؤمنون: ٣]. قال الشيخ الشنقيطي ﵀: «ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من صفات المؤمنين المفلحين إعراضهم عن اللغو وأصل اللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل فيه اللعب واللهو والهزل وما توجب المروءة تركه».
وما أثنى الله به على المؤمنين المفلحين في هذه الآية أشار له في غير هذا الموضع كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢]. ومن مرورهم به كرامًا: إعراضهم عنه وعدم مشاركتهم أصحابه فيه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] (١).
قال ابن حزم ﵀: رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقسامًا ثلاثة، أحدهما: من لا يبالي فيما أنفق كلامه فيتكلم بكل ما سبق إلى
стр. 2004
لسانه غير محقق نصر حق، ولا إنكار باطل، وهذا هو الأغلب في الناس. والثاني: أن يتكلم ناصرًا لما وقع في نفسه أنه حق، ودافعًا لما توهم أنه باطلٌ، غير محقق لطلب الحقيقة، لكن لجاجًا فيما التزم، وهذا كثيرٌ وهو دون الأول. والثالث: واضع الكلام في موضعه، وهذا أعز من الكبريت الأحمر (١).
ثانيًا: أنه ورد الترغيب من السلف الصالح في ترك ما لا يعني، وورد بذلك حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ضعَّفه بعض أهل العلم، وحسَّنه بعضهم: «إِنَّ مِن حُسنِ إِسلَامِ المَرءِ تَركَهُ مَا لَا يَعنِيهِ» (٢).
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ تَرجُمَانُ القُرآنِ: لَا تَكَلَّمَنَّ فِيمَا لَا يَعنِيكَ، حَتَّى تَرَى لَهُ مَوضِعًا. وَقَالَ أَبُو سُلَيمَانَ الدَّارَانِيُّ: مَنِ اشتَغَلَ بِنَفسِهِ شُغِلَ عَنِ النَّاسِ.
وَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ: مَن عَدَّ كَلَامَهُ مِن عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعنِيهِ، قَالَ ابنُ رَجَبٍ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعُدُّ كَلَامَهُ مِن عَمَلِهِ فَيُجَازِفَ وَلَا يَتَحَرَّى، وَقَد خَفِيَ هَذَا عَلَى مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ حَتَّى سَأَلَ عَنهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: «ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِم فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِم؟ ! » (٣).
стр. 2005
وقد نفى الله الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] (١).
قال ابن رجب: «ودخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل، فسألوه عن سبب تهلل وجهه، فقال: ما من عمل أوثق عندي من خصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين، وقال الحسن: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه، وقال سهل بن عبد الله التستري: من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق، وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله (٢). وقال عبد الله ابن مسعود: أنذرتكم فضول الكلام، بحسب أحدكم ما بلغ حاجته» (٣).
وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيحٍ العَدَوِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيرًا أَو لِيَصْمُتْ» (٤). وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ابنِ عَمرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَن صَمَتَ نَجَا» (٥).
وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ:
стр. 2006
قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (١).
قال الإمام النووي: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير وغالب في العادة، والسلامة (٢) لا يعدلها شيء. اهـ
قال الشاعر:
إِنْ كَانَ يُعْجِبُكَ السُّكُوتُ فَإِنَّهُ
قَدْ كَانَ يُعجِبُ قَبْلَكَ الأَخْيَارَا
وَلَئِنْ نَدِمْتَ عَلَى سُكُوتِكَ مَرَّةً
فَلَقَدْ نَدِمْتَ عَلَى الكَلَامِ مِرَارًا
إِنَّ السُّكُوتَ سَلَامَةٌ وَلَرُبَّمَا
زَرَعَ الكَلَامُ عَدَاوَةً وَضِرَارًا
وَإِذَا تَقَرَّبَ خَاسِرٌ مِنْ خَاسِرٍ
زَادَا بِذَاكَ خَسَارَةً وَتَبَارًا
ثالثًا: أن هذه الأخبار التي تتناقل بين الناس ويحدث بعضهم بعضًا بها لا تسلم من الكذب والشائعات، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٣).
رابعًا: أن هذا قد يدخل في تتبع عورات المسلمين وزلاتهم،
стр. 2007
وهو أمر منهيٌّ عنه، فقد روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (١).
وقد يؤدي ذلك إلى الوقوع في الغيبة فإن الناس في الغالب يكرهون نقل أخبارهم، وأسرارهم إلا ما حسن منها، وتكلم رجل في حق رجل، فقال له صاحبه: أغزوت الروم؟ قال: لم أفعل، قال: سلم منك النصارى ولم يسلم منك أخوك المسلم.
وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (٢).
خامسًا: أن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً (٣)، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (٤).
стр. 2008
سادسًا: أن هذا من إضاعة الوقت فيما لا فائدة فيه، وسيسأل المرء عن كل لحظة من لحظات حياته، بل إن هذا من أصول الأسئلة التي توجه له يوم القيامة، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَربَعٍ: ذَكَرَ مِنهَا: عَن عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ » (١).
الخلاصة: أنه ينبغي للمؤمن أن يكون جادًا في حياته، حافظًا لوقته، مشتغلًا بما ينفعه، كما وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» (٢)، وأن يكون بعيدًا عن سفاسف الأمور، مترفعًا عن الرذائل، وخوارم المروءة.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 2009
الكلمة السابعة بعد المئة: مواقف مؤثرة
من سيرة الإمام الشافعي ﵀
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، وإمام من أئمة الدين، نصر الله به السنة، وقمع به البدعة.
ولد ﵀ بغزة وهي مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر جنوب فلسطين سنة (١٥٠ هـ) من شهر رجب، واشتهر بالذكاء والحفظ منذ صغره، يقول عن نفسه: كنت في الكتَّاب أسمع المعلم يلقن الصبي الآية فأحفظها، فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم قد حفظت جميع ما أملى، فقال لي ذات يوم: لا يحل لي أن آخذ منك شيئًا، واستمر على ذلك، حتى جمع القرآن وهو ابن سبع سنين.
نشأ يتيمًا في حجر أمه، فخافت عليه الضيعة فتحولت به إلى مكة وهناك تعلم العربية، والشعر، ثم حُبب إليه الفقه فساد أهل زمانه، وصنف التصانيف العظيمة في الفقه، وأصوله، والأنساب، والأدب وغيرها.
إنه إمام الدنيا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن
стр. 2010
شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ابن عبد مناف، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة أبو عبد الله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي الغزي المولد نسيب رسول الله ﷺ وابن عمه، فالمطلب هو أخو هاشم والد عبد المطلب، كان أبيض جسيمًا، طوالًا جميلًا مهيبًا يخضب بالحناء مخالفة للشيعة، وقد أثنى عليه العلماء ثناءً عظيمًا، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: «ما أحد مس بيده محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في رقبته منة، ولولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث، وكان الفقه مقفلًا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي».
وقال أيضًا عندما سأله ابنه فقال له: يا أبت أي رجل كان الشافعي؟ سمعتك تكثر الدعاء له، فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض.
وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوًا من أربعين سنة وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَبعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِئَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (١)، قال: فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية (٢).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لما نظرت الرسالة للشافعي
стр. 2011
أذهلتني لأنني رأيت كلام رجل عاقلٍ، فصيح نصيح، فإني أكثر الدعاء له، وما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل».
وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: «للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه وحفظه الكتاب والسنة، وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف، وجودة الأصحاب والتلامذة، مثل أحمد ابن حنبل في زهده وورعه وإقامته على السنة».
وكان الشافعي يقول: «العلم علمان: علم الدين وهو الفقه، وعلم الدنيا وهو الطب، وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث، وأنشد يقول:
كُلُّ العُلُومِ سِوَى القُرآنِ مَشْغَلَةٌ ... إِلَّا الحَديِثَ وَعِلْمَ الفِقْهِ فِي الدِّينِ
العِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا ... وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ»
وسُئل: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان، فقيل له: فكيف حرصك؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال، فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.
قال ﵀:
سَأَضْرِبُ فِي طُولِ البِلَادِ وَعَرْضِهَا ... أَنَالُ مُرَادِي أَو أَمُوتُ غَرِيبًا
стр. 2012
فَإِن تَلِفَتْ نَفْسِي فَلِلَّهِ دَرُّهَا ... وَإِنْ سَلِمَتْ كَانَ الرُّجُوعُ قَرِيبًا
وكان يقول: «قراءة الحديث خير من صلاة التطوع، وطلب العلم أفضل من صلاة النافلة». وكان يقول: «من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نما قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه». وقال: «وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ تَعَلَّمُوا هَذَا العِلْمَ، وَلَم يُنسَبْ إِلَيَّ مِنهُ شَيءٌ، فَأُؤجَرُ عَلَيهِ، وَلَا يَحمَدُونِي».
وقال أيضًا: إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذهَبِي، وَإِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَولِي الحَائِطَ.
وكان من العبَّاد الزهَّاد، قال الربيع بن سليمان: «كان الشافعي قد جزَّأ الليل، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام، وكان يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة».
ومن أقواله العظيمة: «العلم ما نفع وليس العلم ما حفظ». وقال: «ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة، فأدخلت يدي فتقيأتها؛ لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف العبادة». وقال: «لا يكمل الرجل إلا بأربع: بالديانة، والأمانة، والصيانة، والرزانة». وقال: «العاقل من عقله عقله عن كل مذموم». وقال: «من لم تعزه التقوى فلا عز له». وقال: «وما فزعت من الفقر قط، طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد».
стр. 2013
وقيل له: ما لك تكثر من إمساك العصا، ولست بضعيف؟ قال: لأذكر أني مسافر، وقال: من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء الدنيا، وقال: الخير في خمسة: غنى النفس، وكف الأذى، وكسب الحلال، والتقوى، والثقة بالله، وقال: اجتناب المعاصي، وترك ما لا يعنيك ينور القلب، عليك بالخلوة وقلة الأكل، وإياك ومخالطة السفهاء، ومن لا ينصفك.
وقال ﵀: «إذا تكلمت فيما لا يعنيك ملكتك الكلمة ولم تملكها، وقال: المروءة أركان أربعة: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك، وقال أيضًا: والتواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام، التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة».
وقال أيضًا: إذا خفت على عملك العجب، فاذكر رضى من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب، فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله.
آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة.
وقال: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلًا من لا يرى فضله.
وهذه الأقوال السابقة تدل على كمال عقله وفصاحته، فقد كانوا يعدونه من عقلاء الرجال.
قال الذهبي: «لا نُلَام والله على حب هذا الإمام؛ لأنه من رجال
стр. 2014
الكمال في زمانه». فرحم الله الشافعي، وأين مثله في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة علمه، وفرط ذكائه، ونصره للحق، وكثرة مناقبه، وقال الربيع بن سليمان: «لو وزن عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم، ولو كان من بني إسرائيل لاحتاجوا إليه».
وكان ﵀ كريمًا يُضرب به المثل مع أنه كان في أكثر حياته فقيرًا، فإذا أتاه مقدار من المال أنفقه، وتصدق به على الفقراء والمحتاجين، قال الحميدي: قدم الشافعي مرة من اليمن ومعه عشرون ألف دينار، فضرب خيمته خارجًا من مكة فما قام حتى فرقها كلها، قال أبو ثور: أراد الشافعي الخروج إلى مكة ومعه مال، فقلت له: لو اشتريت به ضيعة لولدك، وكان قل أن يمسك شيئًا من سماحته، فخرج ثم قدم، فسألته فقال: لم أجد بمكة ضيعة يمكنني شراؤها بمعرفتي ولكني بنيت بمنى مضربًا يكون لأصحابنا إذا حجوا نزلوا فيه، قال أبو ثور: فرآني كأني اهتممت بذلك فأنشد:
إِذَا أَصبَحتُ عِندِي قُوتُ يَومِي ... فَخَلِّ الهَمَّ عَنِّي يَا سَعِيدُ
وَلَا تَخطُرُ هُمُومُ غَدٍ بِبَالِي ... فَإِنَّ غَدًا لَهُ رِزْقٌ جَدِيدُ
قال المزني: «دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: يا أبا عبد الله كيف أصبحت؟ فرفع رأسه وقال: أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله واردًا، ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ رَجَائِي دُوْنَ عَفْوِكَ سُلَّمًا
стр. 2015
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ ... تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا»
وكانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة ﵀، وأكرم مثواه، وجعل الجنة مأواه.
قال الربيع: «رأيت الشافعي بعد وفاته بالمنام، فقلت: يا أبا عبد الله ما صنع الله بك؟ قال: أجلسني على كرسي من ذهب ونثر علي اللؤلؤ الرطب» (١).
رحم الله الشافعي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسكنه الدرجات العلى.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 2016
الكلمة الثامنة بعد المئة: التحايل على الأحكام الشرعية
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فقد جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ : أَنَّ هَذِهِ الأمة سيكون فيها من يتبع الأمم السابقة من اليهود والنصارى ويقلدهم فيما كانوا عليه من الضلال. ففي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ » (١).
وقد ارتكبوا من الضلالات، وانتهاك الحرمات، ما استحقوا به غضب الله ولعنته، ومن أعظم ذلك استحلال المحرمات بالحيل وهو فعل اليهود، وقد ذكر الله عنهم ذلك وأنهم لما حرم عليهم صيد السمك في يوم السبت جعلوا الشباك يوم السبت وأخذوه يوم الأحد فكانت عقوبتهم المسخ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين﴾ [الأعراف: ١٦٦].
стр. 2017
وفي مسألة أُخرى أخبر النبي ﷺ : أنه لما حرمت عليهم الشحوم أذابوها وباعوها وأكلوا ثمنها، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (١). كل ذلك مخادعة لله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَاّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُون﴾ [البقرة: ٩]. قال ابن عباس ﵄: من يخادع الله يخدعه.
قال ابن القيِّم ﵀: «ولا ريب أن من تدبر القرآن، والسنة، ومقاصد الشارع جزم بتحريم الحيل وبطلانها، فإن القرآن دل على أن المقاصد والنيات معتبرة في التصرف، والعادات، كما هي معتبرة في القربات، والعبادات، فيجعل الفعل حلالًا أو حرامًا، وصحيحًا أو فاسدًا، وصحيحًا من وجه وفاسدًا من وجه، كما أن القصد والنية في العبادات تجعلها كذلك، وشواهد هذه القاعدة كثيرة جدًا في الكتاب والسنة» (٢).
كما أخبر أنه نهاهم عن خصلتين من الضلال طالما فعلوهما وهما: كتم الحق عمن يجهله، ولبس الحق بالباطل على من يعرفه، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٧١)﴾ [آل عمران: ٧١]. وإن من مظاهر اتباعهم ومجاراتهم في هذه الضلالات، ما يقوم به بين الحين والآخر بعض المنافقين من بني جلدتنا من محاولات لاستحلال المحرمات
стр. 2018
التي ينتج عنها نشر الرذائل في المجتمع بحيل شيطانية يهودية، أو نصرانية، فإذا أرادوا نشر شيء من تلك القبائح توسلوا إلى استحلاله بأنه سيكون وفق الضوابط الشرعية هكذا يزعمون وهم في الحقيقة يكذبون، ويخادعون، وتصرفاتهم ولحن أقوالهم تدل على أنه لا اعتبار للشرع عندهم ولا لضوابطه.
برهان ذلك: أنهم لا يرجعون إلى العلماء ولا يقبلون ما يفتون به، وهؤلاء المنافقون يعلمون أنه لا يمكنهم هدم الدين الذي ينتسبون إليه ظاهرًا ويعادونه باطنًا مباشرة كما يعلمون أن أكبر المعاول لهدمه هو هدم الأخلاق، فيسعون إلى هدمها، ويستخدمون في ذلك أكبر معاول الهدم وأشدها فتكًا وهي المرأة، بالسعي إلى الأخذ من خطط إبليس اللعين الذي يمدهم بتعاليمه الخبيثة وهي كشف العورات، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]. لذلك فإني أوجه التحذير والإنذار إلى طائفتين:
الأولى: الطائفة التي سبق وصف حالهم، أن يتقوا الله فإنهم إنما يخادعون الله، والله خادعهم، وأنه لا ينفعهم التسمي باسم الإسلام، أو العيش بين ظهراني أهله، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُور (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 2019
مَاوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِير (١٥)﴾ [الحديد: ١٣ - ١٥].
وَلَا يَغُرَّنَّهُمْ إنفاقهم في بناء مسجد، أو صدقة على محتاج، فهذه أموال أُخذت من أهلها، وقد أنفقوا في عداوة ربهم، ومحاربة دينه أضعاف ذلك كثيرًا، روى ابن ماجه في سننه مِن حَدِيثِ ثَوْبَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَاتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَاخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَاخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (١).
وَلَا يَغُرَّنَّهُمْ أن الله أمهلهم ولم يعجل لهم العقوبة، فإنما ذلكم استدراج وبمثل هذا اغتر سادتهم من اليهود فقالوا: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، قال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِير (٨)﴾ [المجادلة: ٨].
الطائفة الثانية: قوم مشوا في ركاب هؤلاء وأيدوهم جهلًا، أو تجاهلًا، غفلة، أو تغافلًا، فطبقوا تعاليمهم ومارسوا ما يملونه عليهم، وهم يقودونهم إلى مهاوي الردى، شعروا أم لم يشعروا، وقد أخبر النبي ﷺ عن الطائفتين جميعًا، الداعي والمستجيب،
стр. 2020
فيما حذر الأمة منه مما يقع من الفتن في آخر الزمان فقال: «دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» (١).
وما الدعوات التي نسمعها هنا وهناك من فتح دور السينما، وقيادة المرأة للسيارة، وفتح النوادي النسائية، وتأنيث المحلات التجارية، والاختلاط في مقاعد الدراسة بين الذكور والإناث، ومشاركة المرأة في الكشافة وغيرها، مما تم لهم تطبيقه أو يسعون إلى تنفيذه إلا أمثلة على خططهم الماكرة التي يسعون من خلالها إلى إيقاع الفتنة بين ولاة الأمر وشعوبهم، بدلًا من إطفائها، والسعي إلى جمع الشمل، وتوحيد الكلمة، وتنفيذ توجيهات علماء الأمة، والالتفاف حولهم.
وهذه فتاوى العلماء في بعض ما ذكر:
بيان اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
حول ما نُشر في الصحف عن المرأة (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
فمما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، ما تعيشه المرأة المسلمة تحت ظلال الإسلام، وفي هذه البلاد خصوصًا، من كرامة، وحشمة، وعمل لائق بها، ونيل لحقوقها الشرعية التي
стр. 2021
أوجبها الله لها، خلافًا لما كانت تعيشه في الجاهلية، وتعيشه الآن في بعض المجتمعات المخالفة لآداب الإسلام، من تسيب وضياع وظلم.
وهذه نعمة نشكر الله عليها، ويجب علينا المحافظة عليها، إلا أن هناك فئات من الناس ممن تلوثت ثقافتهم بأفكار الغرب، لا يُرضيهم هذا الوضع المشرِّف، الذي تعيشه المرأة في بلادنا من حياء، وستر، وصيانة، ويريدون أن تكون مثل المرأة في البلاد الكافرة، والبلاد العلمانية، فصاروا يكتبون في الصحف، ويُطالبون باسم المرأة بأشياء تتلخص في:
١ - هتك الحجاب الذي أمرها الله به في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وبقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وبقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
وقول عائشة ﵂ في قصة تخلُّفِها عن الرَّكْبِ، ومرور صفوان بن المعطَّل ﵁ عليها، وتخميرها لوجهها لما أحسَّت بالرجال، قَالَتْ: «وَكَانَ يَرَانِي قَبلَ الحِجَابِ» (١) وقولها: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحنُ مُحرِمَاتٌ، فَإِذَا مَرَّ بِنَا الرِّجَالُ سَدَلَت إِحدَانَا
стр. 2022
خِمَارَهَا عَلَى وَجهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفنَاهُ» (١).
إلى غير ذلك مما يدل على وجوب الحجاب على المرأة المسلمة من الكتاب والسنة، ويريد هؤلاء منها أن تُخالف كتاب ربها وسنة نبيها، وتصبح سافرة يتمتع بالنظر إليها كل طامع وكل من في قلبه مرض.
٢ - ويُطالبون بأن تُمكَّن المرأة من قيادة السيارة، رغم ما يترتب على ذلك من مفاسد وما يُعرضها له من مخاطر لا تخفى على ذي بصيرة.
٣ - ويُطالبون بتصوير وجه المرأة، ووضع صورتها في بطاقة خاصة بها تتداولها الأيدي، ويطمع فيها كل من في قلبه مرض، ولا شك أن ذلك وسيلة إلى كشف الحجاب.
٤ - يُطالبون باختلاط المرأة بالرجال، وأن تتولى الأعمال التي هي من اختصاص الرجال، وأن تترك عملها اللائق بها والمتلائم مع فطرتها وحشمتها، ويزعمون أن في اقتصارها على العمل اللائق بها تعطيلًا لها.
ولا شك أن ذلك خلاف الواقع، فإن توليتها عملًا لا يليق بها هو تعطيلها في الحقيقة، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة من منع
стр. 2023
الاختلاط بين الرجال، والنساء، ومنع خلوة المرأة بالرجل الذي لا تحل له، ومنع سفر المرأة بدون محرم، لما يترتب على هذه الأمور من المحاذير التي لا تُحمد عقباها.
ولقد منع الإسلام من الاختلاط بين الرجال والنساء حتى في مواطن العبادة، فجعل موقف النساء في الصلاة خلف الرجال، ورغَّب في صلاة المرأة في بيتها، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (١) كل ذلك من أجل المحافظة على كرامة المرأة، وإبعادها عن أسباب الفتنة.
فالواجب على المسلمين أن يحافظوا على كرامة نسائهم، وأن لا يلتفتوا إلى تلك الدعايات المضللة، وأن يعتبروا بما وصلت إليه المرأة في المجتمعات التي قبلت مثل تلك الدعايات، وانخدعت بها من عواقب وخيمة، فالسعيد من وُعظ بغيره.
كما يجب على ولاة الأمور في هذه البلاد أن يأخذوا على أيدي هؤلاء السفهاء، وأن يمنعوهم من نشر أفكارهم السيئة، حماية للمجتمع من آثارها السيئة، وعواقبها الوخيمة، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (٢)، وَقَالَ ﷺ : «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا» (٣)، ومن الخير لهن المحافظة
стр. 2024
على كرامتهن، وعفتهن، وإبعادهن عن أسباب الفتنة.
وفق الله الجميع لما فيه الخير، والصلاح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
بكر أبو زيد صالح الفوزان
عضو
عبد الله بن غديان
نائب الرئيس
عبد العزيز آل الشيخ
الرئيس
عبد العزيز بن باز
بيان المشايخ العلماء: الجبرين، والبراك، والراجحي
في حكم الأندية الرياضية النسائية
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أما بعد: فإن المطالبة بفتح أندية رياضية للنساء مخالفة ظاهرة لما جاءت به الشريعة - شريعة الله لا الشريعة الدولية - من أحكام قويمة فيها صيانة كرامة المرأة المسلمة عن التدنس بأخلاق الجاهلية، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وفي لزوم المرأة المسلمة وإلزامها بالآداب الشرعية، سلامة المجتمع من شر فتنة النساء، وطهارته من شيوع الفاحشة، وأسبابها، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ
стр. 2025
أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (١٩)﴾ [النور: ١٩].
ولا ريب أن الذين يطالبون بفتح هذه الأندية النسائية لهم نصيب من هذا الذم، والوعيد، فإن فتح هذه الأندية من أعظم الأسباب، وأوسع الأبواب لإشاعة الفاحشة، ولهذا نُحذر عموم المسلمين من الانخداع بالدعايات المُضللة لهذه الأندية، ونُحذر أولئك المطالبين، من سخط الله وعقابه لما يتسببون فيه من شر على هذه الأمة، وما يجنونه على المرأة، والمجتمع من مفاسد هذه الأندية عاجلة، وآجلة.
وإننا نُذكر الجميع بالله الذي سنقدم عليه، ونقف بين يديه، كَمَا قَالَ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ» (١).
ووالله الذي لا إله إلا هو: إن افتتاح هذه النوادي ليس عملًا صالحًا، بل هو حرام لما يُفضي إليه من المفاسد المحققة، فالمرأة في كل زمان ولا سيما هذا الزمان أحوج ما تكون إلى القرار الذي أمر الله به نساء نبيه ﷺ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾.
وما يُذكر من شبهة خروج بعض النساء للرياضة بالدوران على بعض المباني هو خطأ من قلة من النساء، لا يصح أن يعالج بخطأ أعظم منه، وهو فتح أبواب واسعة لخروج المرأة في كل
стр. 2026
نواحي المملكة.
ومعلوم أن هذه الأندية لا تحقق الرياضة إلا للمشاركات في المباريات، وهذا لا يُتاح إلا لقلة من النساء كما هو الشأن في أندية الشباب، وسائرهن يحضر للتفرج والتشجيع كلٌ لفريقه، كما أن من المعلوم أنه لن يرتاد هذه الأندية من النساء إلا من تكون قليلة الحياء، أو عديمته.
وعلى هذا: فهذه الأندية حقيقتها ملاعب، وملاهي، وستضاف مفاسد هذه الأندية النسائية، أخلاقية وأمنية إلى ما تعانيه الأمة من مفاسد أندية الشباب.
هذا ويجب أن يُعلم: أن تحريم فتح هذه الأندية ليس تحريمًا لجنس الرياضة، فللمرأة أن تمارس الرياضة في بيتها بالوسائل المتاحة لها وهي كثيرة، ولها أن تُسابق زوجها في مكان خال كالبرية ونحوها كما سَابَقَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ ﵂ مَرَّتَينِ، رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد (١). ومن العجب أن يُجعل ذلك دليلاً على فتح الأندية.
نسأل الله أن يوفق ولاة أمورنا لما فيه الخير، والصلاح لهم، ولرعيتهم، وأن يرزق الجميع البصيرة في الدين، والاستقامة عليه،
стр. 2027
إنه ولي ذلك والقادر عليه (١).
الموقِّعون
عبد الرحمن بن ناصر البراك
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
رسالة من الإمام عبد الله بن حميد إلى الملك فيصل رحمهما الله
نشرت في كتاب الدرر السنية المجلد الخامس عشر، وفيها:
ومن أهم ما يجب المبادرة إلى رفعه وإزالته، أو دفعه وعدم إقراره، هو: وجود هذه السينمات التي انتشرت في أكثر الأماكن، وما يعرض فيها من صور خليعة، وأمراض أخلاقية فتّاكة، تقتل ما في الإنسان من رجولية، أو مروءة، أو ديانة، إنها والله فخ نصبه لنا أعداؤنا، ليُذهبوا ما فينا من حماسة أخلاقية، امتاز بها المسلمون على غيرهم، وقد أدركوا ما يريدون من كثير من أبناء المسلمين بسببها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فتاوى تحريم توظيف النساء محال بيع المستلزمات النسائية:
قال الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: «إن توظيف النساء في محال بيع المستلزمات النسائية، وجعل المرأة في مواجهة الرجال تحاسب، وتبيع بلا حياء ولا خجل، تترتب عليه مصائب كثيرة
стр. 2028
يتحمل أوزارها التجار أصحاب هذه المحال، وأكد أن التساهل في توظيف النساء في أعمال يكن فيها في مقابلة الرجال جرم ومخالف للشرع» (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: «قرأت ما نشرته الصحف ما جاء في خطبة الجمعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - حفظه الله - من تحريم جعل المرأة موظفة في المحلات التجارية تبيع المستلزمات النسائية على رواد المحلات من الرجال، وغيرهم، وتقابلهم مما يتنافى مع حشمتها وحيائها، وقد صدر سابقًا من اللجنة الدائمة للإفتاء فتوى بتحريم عمل الكاشيرات في المحلات التجارية، كما أن هذا العمل يتنافى مع القرارات الصادرة من ولاة الأمر في ضوابط عمل المرأة.
وأضاف: وإذا كان أصحاب هذه المحلات بحاجة إلى عمال فليكونوا من الرجال، وهم كثيرون وبحاجة إلى العمل، والواجب التقيد بأوامر الشرع وبقرارات ولاة الأمر الموافقة لها تجنبًا للفتنة ومحافظة على العفة، وفق الله الجميع لصالح القول والعمل» (٢).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 2029
الكلمة التاسعة بعد المائة: الإيمان بالرسل ﵈
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالرسل ﵈، وهو ركن من أركان الإيمان الستة، والرسل هم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع وأمرهم بتبليغها، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. فمن قصه الله علينا وعرفناه آمنا به بعينه، ومن لم يُقصص علينا ولم نعرفه نؤمن به إجمالًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤].
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ شارح الطحاوية: «وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه، وخصوصًا محمدًا ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وأول الرسل نوح ﵇، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا
стр. 2030
إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]. يعني وحيًا كإيحائنا إلى نوح والنبيين من بعده وهو وحي الرسالة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث الشفاعة وفيه: «أن أهل الموقف يقولون لنوح: أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ» (١). أما آدم ﵇ فهو نبي وليس برسول.
وآخرهم، وخاتمهم، وأفضلهم محمد ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وكل رسول كان يرسل إلى قومه، أما نبينا محمد ﷺ فقد أُرسل إلى الناس جميعًا، العرب، والعجم، والجن، والإنس، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرً﴾ [سبأ: ٢٨].
وفي صحيح مسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (٢).
والرسل درجات، قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وأفضلهم الخمسة أولي العزم من الرسل، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ
стр. 2031
وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
والرسل ﵇ بعثهم الله جميعًا مبشرين، ومنذرين، قَالَ تَعَالَى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له هو دعوة الرسل جميعًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ولقد وصى الأنبياء بنيهم بالثبات على الدين الصحيح حتى الممات، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَؤابَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]. ومكث النبي ﷺ عشر سنين يدعو إلى التوحيد في مكة قبل أن تُفرض الفرائض.
وشرائع الأنبياء مختلفة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (١). العَلَاّت: هم أولاد الضرائر من صلب رجل واحد، والأمهات مختلفة، فكذلك الأنبياء دينهم واحد وهو التوحيد وشرائعهم مختلفة، شرع الله لكل أمة على لسان رسولها ما يناسبها، وأكمل الشرائع وأتمها شريعة نبينا محمد ﷺ .
стр. 2032
والأنبياء على درجة عظيمة من الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، قَالَ تَعَالَى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأوسعهم حلمًا، بر بالوالدين، وصدق في الوعد، وحلم وأناة وشجاعة، وكرم، وعفة، وحفظ للجميل، ووفاء لمعروف الآخرين، وإحسان إلى الناس، وإليك النصوص فتدبر:
قال تعالى عن يحيى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم: ١٤]. وقال تعالى عن إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (١).
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. وهو أول من أضاف الضيف، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِين (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُون (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِين (٢٦)﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٦]. وَسَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعطَاهُ قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ بَينَ جَبَلَينِ، فَأَتَى قَومَهُ فَقَالَ:
стр. 2033
أَي قَومِ أَسلِمُوا فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الفَقرَ (١). وَيَقُولُ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ: كُنَّا إِذَا حَمِيَ الوَطِيسُ اتَّقَينَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَيُحَاذِيهِ. وَقَالَ يُوسُفُ ﵇ عِندَمَا رَاوَدَتْهُ امرَأَةُ العَزِيزِ: ﴿مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون (٢٣)﴾ [يوسف: ٢٣]. وَقَالَ لِإِخوَتِهِ: ﴿قَالَ لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ [يوسف: ٩٢].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِزُعَمَاءِ قُرَيشٍ: «اذْهَبُوا فَأَنتُمُ الطُّلَقَاءُ» (٢). وأنبياء الله أعطاهم الله العلم والحكمة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
الأنبياء أشد الناس بلاء، وصبرًا في الدعوة إلى الله، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ، فَالأَمْثَلُ» (٣).
قال ابن القيِّم ﵀: «وأشد الناس بلاء الأنبياء فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل، والضرب، والشتم، والحبس، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله» (٤). اهـ.
стр. 2034
فهذا نبينا ﷺ ابتُلِيَ بأنواع من البلاء، فقد شُجَّ رأسه، وكُسِرَت رباعيته، وسُحِرَ، ووُضِعَ سلى الجزور على ظهره، ومات له ستة من الولد، وقُتِلَ أصحابه وأقاربه، ورُمِيَ بالحجارة، وقالوا: ساحر ومجنون، وحُوصِرَ في شعب أبي طالب سنوات حتى أكل هو وأصحابه أوراق الشجر، وأُخرِجَ من بلده.
ونوح ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا، وجهرًا، ويحيا، وزكريا، ابتليا بالقتل، وأيوب ﵇ ابتلى بأنواع من البلاء في جسده، حيث لم يبق موضع في جسده لم يسلم من الأذى سوى قلبه ولسانه، كان يذكر الله بهما ويسبح ليلًا، ونهارًا، صباحًا، ومساءً، وهذا الابتلاء لم يزد الأنبياء، والرسل ﵈ إلا صبرًا وحمدًا وشكرًا (١).
فالواجب على المؤمن الإيمان بهم، ومحبتهم، ومن كذب برسول منهم فقد كذب بجميع الرسل، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣].
وجميع الرسل السابقين نسخت شرائعهم بشريعة النبي ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» (٢).
стр. 2035
وعيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد، بل يحكم بشريعة النبي ﷺ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية (١)، قال النووي: أي لا يقبل إلا الإسلام أو السيف (٢).
ومما تقدم يتبين عظيم الإيمان بالرسل وأن الله أقام الحجة على خلقه بإرسالهم، نؤمن بذلك، ونشهد به في الدنيا ويوم القيامة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
كما يتبين رحمة الله تعالى بعباده بإرساله الرسل إلى كل أمة يبشرون وينذرون، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَاّ خلَا فِيهَا نَذِير (٢٤)﴾ [فاطر: ٢٤]. فله الحمد وله الشكر حتى يرضى، وصلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته على جميع أنبيائه ورسله، نشهد أنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا لأممهم، كما نشهد ونؤمن أن أكملهم في ذلك كله هو خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ .
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.