وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
والرسل ﵇ بعثهم الله جميعًا مبشرين، ومنذرين، قَالَ تَعَالَى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له هو دعوة الرسل جميعًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ولقد وصى الأنبياء بنيهم بالثبات على الدين الصحيح حتى الممات، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَؤابَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]. ومكث النبي ﷺ عشر سنين يدعو إلى التوحيد في مكة قبل أن تُفرض الفرائض.
وشرائع الأنبياء مختلفة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (١). العَلَاّت: هم أولاد الضرائر من صلب رجل واحد، والأمهات مختلفة، فكذلك الأنبياء دينهم واحد وهو التوحيد وشرائعهم مختلفة، شرع الله لكل أمة على لسان رسولها ما يناسبها، وأكمل الشرائع وأتمها شريعة نبينا محمد ﷺ .
стр. 2032
والأنبياء على درجة عظيمة من الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، قَالَ تَعَالَى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأوسعهم حلمًا، بر بالوالدين، وصدق في الوعد، وحلم وأناة وشجاعة، وكرم، وعفة، وحفظ للجميل، ووفاء لمعروف الآخرين، وإحسان إلى الناس، وإليك النصوص فتدبر:
قال تعالى عن يحيى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم: ١٤]. وقال تعالى عن إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (١).
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. وهو أول من أضاف الضيف، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِين (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُون (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِين (٢٦)﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٦]. وَسَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعطَاهُ قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ بَينَ جَبَلَينِ، فَأَتَى قَومَهُ فَقَالَ:
стр. 2033
أَي قَومِ أَسلِمُوا فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الفَقرَ (١). وَيَقُولُ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ: كُنَّا إِذَا حَمِيَ الوَطِيسُ اتَّقَينَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَيُحَاذِيهِ. وَقَالَ يُوسُفُ ﵇ عِندَمَا رَاوَدَتْهُ امرَأَةُ العَزِيزِ: ﴿مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون (٢٣)﴾ [يوسف: ٢٣]. وَقَالَ لِإِخوَتِهِ: ﴿قَالَ لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ [يوسف: ٩٢].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِزُعَمَاءِ قُرَيشٍ: «اذْهَبُوا فَأَنتُمُ الطُّلَقَاءُ» (٢). وأنبياء الله أعطاهم الله العلم والحكمة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
الأنبياء أشد الناس بلاء، وصبرًا في الدعوة إلى الله، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ، فَالأَمْثَلُ» (٣).
قال ابن القيِّم ﵀: «وأشد الناس بلاء الأنبياء فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل، والضرب، والشتم، والحبس، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله» (٤). اهـ.
стр. 2034
فهذا نبينا ﷺ ابتُلِيَ بأنواع من البلاء، فقد شُجَّ رأسه، وكُسِرَت رباعيته، وسُحِرَ، ووُضِعَ سلى الجزور على ظهره، ومات له ستة من الولد، وقُتِلَ أصحابه وأقاربه، ورُمِيَ بالحجارة، وقالوا: ساحر ومجنون، وحُوصِرَ في شعب أبي طالب سنوات حتى أكل هو وأصحابه أوراق الشجر، وأُخرِجَ من بلده.
ونوح ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا، وجهرًا، ويحيا، وزكريا، ابتليا بالقتل، وأيوب ﵇ ابتلى بأنواع من البلاء في جسده، حيث لم يبق موضع في جسده لم يسلم من الأذى سوى قلبه ولسانه، كان يذكر الله بهما ويسبح ليلًا، ونهارًا، صباحًا، ومساءً، وهذا الابتلاء لم يزد الأنبياء، والرسل ﵈ إلا صبرًا وحمدًا وشكرًا (١).
فالواجب على المؤمن الإيمان بهم، ومحبتهم، ومن كذب برسول منهم فقد كذب بجميع الرسل، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣].
وجميع الرسل السابقين نسخت شرائعهم بشريعة النبي ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» (٢).
стр. 2035
وعيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد، بل يحكم بشريعة النبي ﷺ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية (١)، قال النووي: أي لا يقبل إلا الإسلام أو السيف (٢).
ومما تقدم يتبين عظيم الإيمان بالرسل وأن الله أقام الحجة على خلقه بإرسالهم، نؤمن بذلك، ونشهد به في الدنيا ويوم القيامة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
كما يتبين رحمة الله تعالى بعباده بإرساله الرسل إلى كل أمة يبشرون وينذرون، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَاّ خلَا فِيهَا نَذِير (٢٤)﴾ [فاطر: ٢٤]. فله الحمد وله الشكر حتى يرضى، وصلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته على جميع أنبيائه ورسله، نشهد أنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا لأممهم، كما نشهد ونؤمن أن أكملهم في ذلك كله هو خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ .
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
стр. 2036
الكلمة العاشرة بعد المئة: مقتطفات من أخلاقه وسيرته العطرة ﷺ
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن الله أرسل نبيه محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، ففتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، والواجب على المسلم أن يكون على علم بأخلاقه وسيرته العطرة ﷺ امتثالًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد أثنى الله تعالى على خلق نبيه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقد كان ﷺ أحسن الناس خُلُقًا، فلم يكن فاحشًا، ولا متفحشًا ولا سبابًا ولا لعانًا وما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فيكون أبعد الناس عنه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكان دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، كان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويكون في مهنة أهله، ويمشي مع الأرامل والمساكين، ويجيب دعوتهم، ويقضي حاجتهم، ولا يعيب على الخدم ولا يوبخهم، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسٍ رضي اللهُ عنه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لا تحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلم لأحد، ولا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس وأعدلهم، وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال عليه من أمن وخوف وغنى وفقر، وقلة وكثرة» (١).
وكان ﷺ أفصح الناس وأبلغهم بيانًا، صلى ذات يوم صلاة الفجر، فصعد المنبر فخطب الناس حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى ثم صعد المنبر حتى حضرت العصر، فنزل فصلى ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس فأخبرهم بما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة (٢).
كان ﷺ أبهى الناس وأحسنهم منظرًا، إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، قَالَ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ ﵄: لَم أَرَ شَيئًا قَطُّ أَحسَنَ مِنهُ (٣)، وكان طيب الجسد، زكي الرائحة، قَالَ أَنَسٌ ﵁: «مَا شَمِمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٤).
ويجب على المؤمن أن يعرف للنبي ﷺ منزلته وقدره، فلا يرفعه فوق منزلته، ولا ينقص من منزلته، وعليه اتباعه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي
стр. 2042
يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: «ويحصل تعظيم الرسول ﷺ بتعظيم أوامره، واجتناب نواهيه، والاهتداء بهديه، واتباع سنته، والدعوة إلى دينه الذي دعا إليه، ونصرته، وموالاة من عمل به، ومعاداة من خالفه، ومحبته مقدمة على المال والأهل والولد» (١).
روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2043
الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة
دروس يومية
(١٥٠) درسًا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين
إعداد
د. أمين بن عبد الله الشقاوي
عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
«الجزء الثامن»
стр. 2044
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين:
أما بعد: فقد اطَّلعت على الكتاب الموسوم بـ «موسوعة الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة دروس يومية» إعداد الشيخ الدكتور أمين بن عبد الله الشقاوي، عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
والشيخ أمين معروف لديَّ، وهو من الدعاة المعروفين بالعلم والبصيرة، وقد سمعتُ عددًا من كلماته التي يلقيها في المساجد.
ولما تصفَّحتُ الموسوعة وجدتها منوعة تشمل موضوعات متعددة في العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، وفي العلم، وفي الوصايا، والأدعية والأذكار، وآداب الطعام، والمحرمات، وصيانة الأعراض، واللباس، والمواعظ والرقائق، والفضائل والأخلاق، وقضايا اجتماعية كقضية المرأة وغيرها، وتوجيهات عامة، وغيرها.
ولا شكَّ أن هذه الموضوعات شاملة لقضايا متعددة من أمور الدين،
стр. 2045
الناس بحاجة إليها، فهذه الكلمات مفيدة لعامة الناس، وهي مفيدة للدعاة والخطباء وأئمة المساجد يقرؤونها على الناس دروسًا يومية.
وإنني أوصي عموم المسلمين بقراءة هذه الموسوعة والاستفادة منها، وأوصي أيضًا أئمة المساجد، والخطباء، والدعاة، بالاستفادة منها على شكل دروس يومية تقرأ على المصلين.
والمؤلف - وفقه الله - بذل جهده في اختيار الموضوعات المهمة، ودعمها بالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة، والتابعين، وأهل العلم المعتبرين، ورجع إلى كتب التفسير، وكتب الفقه وكتب الحديث وكتب التاريخ والسِّير، فجاءت هذه الموسوعة - بحمد الله - وافيةً بالغرض نافعةً، يجد فيه الباحث بغيته.
وأسأل الله أن ينفع بهذه الموسوعة وبكلمات الشيخ أمين التي يلقيها في المساجد، وأن يجعلنا وإياه من الهداة المهتدين، وأن يرزقنا الإخلاص في العمل، والصدق في القول، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه جواد كريم.
وصلى الله وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
كتبه
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
٢٨/ ٣ / ١٤٣٥ هـ
стр. 2046
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار.
أما بعد:
فهذا هو المجلد الرابع من كتاب الدرر المنتقاة، يحتوي على
стр. 2047
أربعين كلمةً متنوعةً، وبهذا يصل العدد الإجمالي لموضوعات كتاب الدرر أربع مئة موضوع، وقد سميتها موسوعة «الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة»، والتي استغرق العمل فيها ما يقارب ثماني سنوات، وقد بذلتُ جهدي في اختيار الموضوعات لتشمل جميع أبواب الدين، والقضايا التي يحتاجها المجتمع، وهو كسابقِيه قد التزمت ألَّا أورد فيه من الأحاديث إلا ما صُحِّحَ، وقد ضبطت الأحاديث، وبعض الكلمات بالشكل؛ ليتمكن القراء من القراءة الصحيحة، تلبيةً لطلبات قراء الكتاب.
كما آمل من إخواني القراء إفادتي بأي ملاحظات ترفع من مستوى الموسوعة العلمي، وتحقق الفائدة المطلوبة منها.
أسأل الله تعالى أن ينفع بها الجميع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
الرياض ١١/ ٤ / ١٤٣٥ هـ
стр. 2048
الكلمة الأولى: الغيرة على الأعراض
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن الشريعة الإسلامية جاءت بكل ما يصلح الأفراد والمجتمعات، في دينهم ودنياهم.
ومن الأمور العظيمة التي اهتم بها الإسلام (الغيرة على الأعراض)، وهي فطرة في الإنسان.
قال القاضي عياض: «الغيرة مشتقة من تغير القلب، وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين» (١).
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُون﴾ [الأعراف: ٣٣].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسيره: «ذكر الله المحرمات التي حرمها الله في كل شريعة من الشرائع، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾، أي: الذنوب الكبار التي تستفحش، وتستقبح
стр. 2049
لشناعتها وقبحها» (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ» (٣).
والغيرة من الأخلاق التي أيدها الإسلام لدى المتصفين بها، ومن المبالغات في الغيرة: أن أعرابيًّا طلق زوجته عندما رأى أناسًا ينظرون إليها، فعُوتِب في ذلك، فقال في ذلك شعرًا رائعًا منه:
وَأَتْرُكُ حُبَّهَا مِنْ غَيرِ بُغْضٍ ... وَذَاكَ لِكَثْرَةِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ
إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى طَعَامٍ ... مَنَعْتُ يَدِي وَنَفْسِي تشْتَهِيهِ
وتَجْتَنِبُ الأُسُودُ وُرُودَ مَاءٍ ... إِذَا كَانَ الكِلَابُ وَلَغْنَ فِيهِ
وكلما كان إيمان العبد أقوى كانت غيرته أشد، وأشد الناس غيرة هو نبينا محمد ﷺ لأنه يغار لله ولدينه، ففي حديث سعد بن
стр. 2050
عبادة عندما قال: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ (١). فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ ! لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (٢). وقال علي ﵁ يخاطب المسلمين: «بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق، أما تغارون؟ لا خير فيمن لا يغار» (٣).
ومن صور ضعف الغيرة عند بعض الناس: ترك الرجل امرأته أو من تحت ولايته من النساء تسافر بدون محرم. فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ الْمَرْأَةُ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً؟ قَالَ: «اذْهَب فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (٤).
فهذا مجاهد في سبيل الله أمره النبي ﷺ أن يعدل عن الغزو في سبيل الله، كي يرافق امرأته التي خرجت في سفر طاعة وهو الحج، فكيف بمن سمح بسفر ابنته إلى بلاد الكفار للدراسة وهي في سن الشباب، وعرضها للفتنة والرذيلة؟ ! فإلى الله المشتكى.
стр. 2051
ومنها: جلوس الرجل مع زوجته وبناته أمام شاشات القنوات الفضائية السيئة، التي تعرض مشاهد فاضحة وصورًا خليعة.
ومنها: سماح الرجل لابنته، أو زوجته، أو من تحت ولايته بالعمل بالأماكن المختلطة مع الرجال؛ كالمستشفيات، والشركات، والأسواق .. وغيرها.
ومنها: السماح للمرأة سواء كانت زوجة، أو بنتًا بالركوب مع السائق بمفردها. روى الترمذي في سننه من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (١).
ومنها: سماح الرجل لامرأته، أو ابنته، أو من تحت ولايته بخروج صورتها للرجال الأجانب عبر وسائل الإعلام؛ كالقنوات الفضائية، أو المجلات والجرائد، أو الإنترنت، .. أو غيرها من الوسائل. فإلى الله المشتكى.
ومنها: انتشار لبس القصير، والبنطال للبنات الصغيرات اللائي تجاوزن سن التمييز، ويحتج آباؤهن بأنهن صغيرات، مع أن النبي ﷺ تزوج عائشة وبنى بها وسنها تسع سنين.
ومنها: ترك الرجل امرأته، ومن تحت ولايته تلبس الملابس التي تظهر البدن عند خروجها للأسواق، أو المناسبات كالملابس الضيقة، أو الشفافة، أو المفتوحة، أو العارية، أو تضع العباءة على الكتف، أو
стр. 2052
تلبس البرقع وتظهر جزءًا من وجهها، وهو لا يحرك ساكنًا ولا ينهاها، فأين القوامة والغيرة؟ !
وصور ضعف الغيرة كثيرة لمن تتبعها.
أما أسباب ضعف الغيرة فهي كثيرة، فمن ذلك:
أولًا: ضعف الإيمان، لأن المسلم كلما ضعف إيمانه ضعفت غيرته. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعد بن عبادة: أن النبي ﷺ قال: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ ! لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (١).
ثانيًا: التقليد الأعمى للكفار، فكثير من الذين لا يغارون قد تأثروا بالسفر إلى بلاد الكفار، أو بمشاهدة الأفلام، والقنوات الغربية الفاسدة.
ثالثًا: حياة الترف التي يعيشها كثير من الناس، أدت في النهاية إلى الكسل وحب الراحة، والاعتماد على الغير من السائقين، والخدم، وغيرهم.
رابعًا: الاختلاط بالأمم الوافدة، وفيهم من هو من غير المسلمين، أو من المسلمين الذين ضعفت عندهم الغيرة، واستمرؤوا الانحلال والتفسخ.
خامسًا: ضعف شخصية بعض الرجال، لأن الواجب عليهم القوامة والإرشاد للنساء، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾
стр. 2053
[النساء: ٣٤].
قال ابن كثير: أي: الرجل قيِّم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها، والحاكم عليها ومؤدِّبها إذا اعوجَّت (١).
سادسًا: جهل بعض المسلمين بأحكام الشرع.
سابعًا: صدور الفتاوى المتساهلة من بعض المحسوبين على أهل العلم إلى العامة فيما يتعلق بأمور النساء، والاختلاط، والخلوة، والسفر وغيرها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2054
الكلمة الثانية: إصلاح البيوت
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن إصلاح البيوت أمانة في عنق كل مسلم ومسلمة، يريدان رضا الله بتربية ذرية صالحة تساهم في بناء المجتمع المسلم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ [التحريم: ٦].
ومن هذه الخطوات التي تساعد على إصلاح البيوت:
١ - الاهتمام بغرس العقيدة الصحيحة في قلوب أفراد الأسرة، وتحذيرهم من الشرك بأنواعه، كما قال تعالى عن نبي الله إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام﴾ [إبراهيم: ٣٥]. فإبراهيم إمام الموحدين، ومع ذلك خاف على نفسه من الشرك، قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ﵇؟ ! (١).
٢ - حث أفراد الأسرة على الصلاة في أوقاتها بالرفق والحسنى،
стр. 2055
فالأولاد يؤمرون بصلاة الجماعة، والنساء صلاتهن في بيوتهن أفضل، كما قال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وقال تعالى عن نبي الله إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]. روى أبو داود في سننه من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (١).
قال ابن القيم ﵀: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا. اهـ (٢).
٣ - إخراج المنكرات من البيوت من الصور، والتماثيل، والتمائم والصلبان، وغيرها. روى مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ: أَلَا أَبْعَثُكَ؟ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا» (٣).
والواجب على المسلم أن يتلف الصور، وأن يُخلي بيته منها ما أمكنه
стр. 2056
ذلك، وإذا كان في منزله صور معلقة على الحيطان، أو منصوبة سواء كانت تماثيل، أو كانت رسومًا على أوراق من صور ذوات الأرواح كالبهائم، والطيور والآدميين، وكل ما فيه روح، فإنه يجب إزالتها، فقد غضب النبي ﷺ حينما رأى سترًا وضعته عائشة على الجدران فيه تصاوير (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي طلحة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةُ» (٢). حتى لو احتاج رب الأسرة إلى الكلب للحراسة، فإنه يوضع في مكان خاص خارج البيت.
٤ - الحرص على جمع شمل الأسرة، وعدم تشتتها والترابط بينها وذلك باحترام الكبير، والرحمة بالصغير، والبر بالوالدين؛ فإنه من أعظم القربات، والأدب واللطف عند التعامل بين أفرادها، قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ» (٣).
وتربية الأولاد على الكلام الحسن، وتجنيبهم الألفاظ القبيحة، وأن يتحلَّى رب الأسرة بالصبر، والحلم، والحكمة، والرفق، فإن أعظم
стр. 2057
ما يشتت الأسر ويؤدي إلى ضياع الأولاد، وتقطع وشائج الأرحام، ويولد العداوة والبغضاء الطلاق.
٥ - الحذر من دخول الرجال الأجانب على المرأة في البيت، وخاصة أقارب زوجها وأبويها، فإنهم يترددون غالبًا وربما كان يجمعهم بيت واحد، وتارة تكون وحدها في البيت عند دخول أحدهم. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (١). والحمو قريب الزوج، شبَّهه النبي ﷺ بالموت لخطورته وتساهل الناس فيه، والحرص كذلك على منع اختلاط الرجال بالنساء في المناسبات والزيارات العائلية، والذي تساهل به بعض الناس، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
قال الشيخ بكر أبو زيد: «وإذا كان الرجال ممنوعين من الدخول على النساء، وممنوعين من الخلوة بهن بطريق الأولى، كما ثبت بأحاديث أُخر؛ صار سؤالهن متاعًا لا يكون إلا من وراء حجاب، ومن دخل عليهن فقد خرق الحجاب» (٢).
٦ - توجيه النساء والأخذ على أيديهن، وخاصة عند خروجهن
стр. 2058
للزيارات والمناسبات، فإن بعضهن تلبس اللباس الضيق، أو العاري، أو المفتوح، أو البنطال، وهذا لا يجوز سواء كان عند محارمها من الرجال، أو النساء مثلها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤]. وفي الحديث: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (١).
٧ - إخراج القنوات الفضائية السيئة التي تنشر الرذائل وتدعو إليها، وتحارب الفضائل وتقلل من شأنها، فكم هتكت من أعراض؟ ! وكم ضيعت من صلوات بأسبابها؟ ! وكذلك آلات المعازف والطرب، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين﴾ [لقمان: ٦].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معقل بن يسار: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (٢). ومن الغش للأسرة: إدخال هذه الأجهزة، التي تفسد عليهم دينهم وأخلاقهم.
٨ - الانتباه لخطورة السائقين، والخادمات في البيوت،
стр. 2059
وخاصة أن كثيرًا من الخادمات تكون في سن الشباب، وفي البيت مراهقون، وقد يختلي أحدهم بهذه الخادمة فتحصل الفتنة والشر، والبعض يجلب الخدم والسائقين من شتى ملل الكفر، وهذا فيه مخالفة صريحة لقول النبي ﷺ حيث قال: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» (١).
إضافة إلى تبلُّد إحساس المسلم بكثرة مخالطة الكفار، وهذا يقضي تدريجيًا على مفهوم الولاء والبراء في قلب المؤمن، ولذلك ينبغي أن يكون استقدام الخدم والسائقين من المسلمين وفق الحاجة، مع مراعاة الجوانب الشرعية الأخرى.
٩ - التعاون بين أفراد الأسرة على تنظيم الحياة الأسرية داخل المنزل وخارجه، وذلك بترتيب الأوقات، حيث يكون النوم في وقته، والاستيقاظ، مع التعاون على الاقتصاد في المعيشة، وترك الإسراف في النفقات، والحث على النظافة .. ونحو ذلك من الأمور التي حث عليها الشرع، ودعت إليها الأخلاق، وتوافقت مع الجوانب الصحية للحياة السليمة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2060
الكلمة الثالثة: فضل بناء المساجد ورعايتها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تبين فضل المساجد، وبنائها، ورعايتها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِين﴾ [التوبة: ١٨].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عثمان ابن عفان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ» (١).
وروى البزار في مسنده من حديث أنس: أن النبي ﷺ قال: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ أَجْرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» (٢).
стр. 2061
والمساجد يجب أن تنظف، وتطيب، وتجنب الأقذار، والروائح الكريهة.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ امرَأَةً سَودَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسجِدَ، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنهَا؟ فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ » قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» (٢). وفي رواية: «كَانَتْ تَلْتَقِطُ الْخِرَقَ، وَالْعِيدَانَ مِنَ الْمَسْجِدِ» (٣).
وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (٤).
ويلحق بهذا الأطعمة ذات الروائح الكريهة، وأعظم من ذلك
стр. 2062
وأولى بالنهي التدخين، أو ما يسمى الشيشة، وقد جاء النهي أيضًا عن نشد الضالة، والبيع والشراء في المسجد. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ» (٢).
ويلحق بذلك سؤال الناس أموالهم في المساجد، وإشغالهم عن التسبيح والتكبير، والتهليل، والذكر عمومًا بحجة الفقر والحاجة.
وقد اختلف أهل العلم في حكم التَّسَوُّل في المساجد؟ فذهب المالكية ومن وافقهم إلى تحريم السؤال، واستدلوا على ذلك بنهيه ﷺ عن إنشاد الضوال في المسجد، ويلحق به ما في معناه من البيوع، والشراء، والإجارة ونحوها، وكراهة رفع الصوت في المساجد بالعلم، وغيره.
وذهب آخرون إلى الكراهة وهم الشافعية، واستدلوا بحديث عبد الله بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ » فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا بِسَائِلٍ، فَوَجَدتُّ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ
стр. 2063
فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ (١).
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة؟ فأجاب بما نصه: «أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد، ولم يؤذ أحدًا بتخطيه رقاب الناس، ولا بغير تخطيه، ولم يكذب فيما يرويه، ويذكر من حاله، ولم يجهر جهرًا يضر الناس، مثل أن يسأل والخطيب يخطب، أو هم يسمعون علمًا يشغلهم به .. ونحو ذلك. جاز والله أعلم» (٢). اهـ
وقد وردت كذلك الأحاديث الكثيرة بالنهي عن زخرفة المساجد، والمبالغة في صرف الأموال في ذلك. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ» (٣).
وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» (٤). وقال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى (٥).
وروى سعيد بن منصور في سننه من حديث أبي هريرة ﵁
стр. 2064
قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا زَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، فَالدَّمَارُ عَلَيْكُمْ» (١).
وكان مسجده ﵊ متواضعًا، لم يكن به شيء من الزخارف والزينة، فروى البخاري في صحيحه من حديث نافع: أَنَّ عَبدَ اللَّهِ أَخبَرَهُ أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا (٢).
وفي صحيح البخاري: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، وَقَالَ: أَكِنَّ (٣) النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ (٤). وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا (٥).
وعمارة المساجد ليست مقتصرة على بنائها فقط، بل تكون بالصلاة والذكر، والدعاء، والاستغفار، وحلق العلم، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال *
стр. 2065
رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَاتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ (١) فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ » فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (٣).
ومكانة المسجد في الإسلام عظيمة، ولذلك النبي ﷺ لما وصل إلى المدينة كان أول عمل عمله بناء المسجد، وهو ساحة العبادة، ومدرسة العلم، ومنطلق الجيوش لمقارعة الأعداء، ويجتمع الناس في المساجد كل يوم خمس مرات، الغني والفقير، والأمير والمأمور، والصغير والكبير، جنبًا إلى جنب، فيشعرون بالمواساة والمحبة
стр. 2066
والمودة، ويتفقد بعضهم بعضًا، وفي نهاية الأسبوع يكون لخطبة الجمعة الأثر البالغ في نفوسهم.
وفي المساجد تُعْقَدُ حِلَقُ العِلمِ التي خَرَّجَت الآلاف من العلماء، وطلبة العلم من شتى البقاع، وكذلك حلق تحفيظ القرآن الكريم، والدروس والمحاضرات، والكلمات، .. ونحوها.
وبيَّن سبحانه أن من أعظم الجرائم صد الناس عن بيوت الله والسعي في خرابها، وأن الجزاء في ذلك خزي في الدنيا، وعذاب عظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَاّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [البقرة: ١١٤].
والمساجد أحب البقاع إلى الله. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» (١).
قال النووي ﵀: أحب البلاد إلى الله مساجدها لأنها بيوت خصت بالذكر، وبقع أسست للتقوى والعمل الصالح، فالمساجد مواضع نزول رحمة الله وفضله، والأسواق على الضد منها (٢).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ
стр. 2067
قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ» (١).
والمساجد بيوت الله من دخلها فقد حل ضيفًا على ربه، فلا قلب أطيب، ولا نفس أسعد من رجل حل ضيفًا على ربه، وفي بيته، وتحت رعايته. روى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ قال: «الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَتَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ كَانَ الْمَسْجِدُ بَيْتَهُ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ إِلَى الجَنَّةِ» (٢).
وهذه الضيافة تكون في الدنيا بما يحصل في قلوبهم من الاطمئنان والسعادة، والراحة، وفي الآخرة بما أَعَدَّ لهم من الكرامة في الجنة. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2068
الكلمة الرابعة: الانتحار
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
ففي كل عام يموت الآلاف من الناس منتحرين بعمليات مختلفة، إما بالحرق، أو الشنق، أو الرمي من مكان شاهق، أو تناول السم والمواد الضارة، أو إطلاق النار، .. أو غير ذلك.
وهذه الظاهرة الخطيرة التي انتشرت في بلاد العالم، تحتاج منا إلى وقفات وتأملات للاطلاع على الأسباب، والعلاج، والحكم الشرعي فيها.
وقد دَلَّتِ النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الانتحار من أعظم الذنوب عند الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ
стр. 2069
جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ» (٢).
وفي الصحيحين من حديث ثابت بن الضحاك: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
والمنتحر مصيره إلى النار والجنة عليه حرام. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (٤).
وبعد التأمل والاطلاع على الإحصائيات العالمية وأحوال الناس، يتبين أن من أسباب الانتحار:
أولًا: الهم والقلق النفسي والضيق الذي يشعر به الإنسان المُقْدم على الانتحار، حيث تصبح الحياة لا قيمة لها عنده، ويريد التخلص مما يعانيه، والغالب ذلك
стр. 2070
في الكفار، وقد يحصل من بعض المسلمين عند ضعف الإيمان. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦ - ١٢٤].
ثانيًا: تراكم الديون والحقوق ومطالبة أصحابها بها والخوف من عواقب ذلك، وفقدان الوظيفة أو عدم الحصول عليها بعد البحث والانتظار لسنوات عديدة، والبقاء عاطلًا بلا عمل.
ثالثًا: الخسارة المالية الكبيرة التي تسبب الصدمة العنيفة لصاحبها على سبيل المثال (خسارة الأسهم المشهورة في السنوات الماضية).
رابعًا: الأمراض النفسية المزمنة، كحالات الاكتئاب الشديدة، أو انفصام الشخصية، وأثبتت الدراسات أن (٩٠ %) من حالات الانتحار كانت بسبب الاكتئاب.
خامسًا: استعمال المخدرات والمسكرات، فإنها تسبب تلف خلايا المخ، وبالتالي يصبح المدمن عرضة للانتحار في أي وقت.
سادسًا: المشاكل الأسرية والتي تؤدي إلى الطلاق، وتشتت الأسر، والعزلة عن الناس.
سابعًا: السجن لسنوات طويلة مع شعور السجين بالظلم، والإهمال لحقوقه.