← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

والمودة، ويتفقد بعضهم بعضًا، وفي نهاية الأسبوع يكون لخطبة الجمعة الأثر البالغ في نفوسهم. وفي المساجد تُعْقَدُ حِلَقُ العِلمِ التي خَرَّجَت الآلاف من العلماء، وطلبة العلم من شتى البقاع، وكذلك حلق تحفيظ القرآن الكريم، والدروس والمحاضرات، والكلمات، .. ونحوها. وبيَّن سبحانه أن من أعظم الجرائم صد الناس عن بيوت الله والسعي في خرابها، وأن الجزاء في ذلك خزي في الدنيا، وعذاب عظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَاّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [البقرة: ١١٤]. والمساجد أحب البقاع إلى الله. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» (١). قال النووي ﵀: أحب البلاد إلى الله مساجدها لأنها بيوت خصت بالذكر، وبقع أسست للتقوى والعمل الصالح، فالمساجد مواضع نزول رحمة الله وفضله، والأسواق على الضد منها (٢). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ

стр. 2067

قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ» (١). والمساجد بيوت الله من دخلها فقد حل ضيفًا على ربه، فلا قلب أطيب، ولا نفس أسعد من رجل حل ضيفًا على ربه، وفي بيته، وتحت رعايته. روى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ قال: «الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَتَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ كَانَ الْمَسْجِدُ بَيْتَهُ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ إِلَى الجَنَّةِ» (٢). وهذه الضيافة تكون في الدنيا بما يحصل في قلوبهم من الاطمئنان والسعادة، والراحة، وفي الآخرة بما أَعَدَّ لهم من الكرامة في الجنة. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2068

الكلمة الرابعة: الانتحار الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. ففي كل عام يموت الآلاف من الناس منتحرين بعمليات مختلفة، إما بالحرق، أو الشنق، أو الرمي من مكان شاهق، أو تناول السم والمواد الضارة، أو إطلاق النار، .. أو غير ذلك. وهذه الظاهرة الخطيرة التي انتشرت في بلاد العالم، تحتاج منا إلى وقفات وتأملات للاطلاع على الأسباب، والعلاج، والحكم الشرعي فيها. وقد دَلَّتِ النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الانتحار من أعظم الذنوب عند الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ

стр. 2069

جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (١). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ» (٢). وفي الصحيحين من حديث ثابت بن الضحاك: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). والمنتحر مصيره إلى النار والجنة عليه حرام. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (٤). وبعد التأمل والاطلاع على الإحصائيات العالمية وأحوال الناس، يتبين أن من أسباب الانتحار: أولًا: الهم والقلق النفسي والضيق الذي يشعر به الإنسان المُقْدم على الانتحار، حيث تصبح الحياة لا قيمة لها عنده، ويريد التخلص مما يعانيه، والغالب ذلك

стр. 2070

في الكفار، وقد يحصل من بعض المسلمين عند ضعف الإيمان. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦ - ١٢٤]. ثانيًا: تراكم الديون والحقوق ومطالبة أصحابها بها والخوف من عواقب ذلك، وفقدان الوظيفة أو عدم الحصول عليها بعد البحث والانتظار لسنوات عديدة، والبقاء عاطلًا بلا عمل. ثالثًا: الخسارة المالية الكبيرة التي تسبب الصدمة العنيفة لصاحبها على سبيل المثال (خسارة الأسهم المشهورة في السنوات الماضية). رابعًا: الأمراض النفسية المزمنة، كحالات الاكتئاب الشديدة، أو انفصام الشخصية، وأثبتت الدراسات أن (٩٠ %) من حالات الانتحار كانت بسبب الاكتئاب. خامسًا: استعمال المخدرات والمسكرات، فإنها تسبب تلف خلايا المخ، وبالتالي يصبح المدمن عرضة للانتحار في أي وقت. سادسًا: المشاكل الأسرية والتي تؤدي إلى الطلاق، وتشتت الأسر، والعزلة عن الناس. سابعًا: السجن لسنوات طويلة مع شعور السجين بالظلم، والإهمال لحقوقه.

стр. 2071

ثامنًا: تسجيل بعض المواقف السياسية، أو الاحتجاج على بعض الأوضاع المعيشية الصعبة، كحالات الفقر الشديدة، أو البطالة، أو غيرها، ويكون هذا أمام المقرات الرسمية المهمة في الدول. تاسعًا: سجلت حالات انتحار لأطفال لم يبلغوا الحلم، إما بسبب تقليد الأفلام الكرتونية، أو لعدم احتواء مشاكلهم، واضطراباتهم السلوكية، أو لغير ذلك. عاشرًا: ويلحق بهذه الأسباب قيادة السيارات بطريقة غير صحيحة، كمن يسرع سرعة شديدة تؤدي إلى عدم السيطرة على السيارة تحت أي ظرف يتعرض له، أو القيادة بشكل معاكس للطريق، أو التفحيط أو المسابقة بالسيارات .. أو غير ذلك مما يفعله السفهاء. ولعل من الحلول المناسبة لهذه الجريمة الخطيرة: أولًا: تقوية الوازع الديني لدى الناس وتذكيرهم بالتوكل على الله وتفويض الأمر إليه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير﴾ [الأنعام: ١٧]. والصبر على البلاء، وأن يسعوا في الرزق، فليس مرتبطًا بالوظيفة، أو الشهادة الدراسية، فكم من أُمِّيٍّ لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يملك الأموال الطائلة؟ ! قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾ [الذاريات: ٢٢]. ثانيًا: الاقتصاد في المعيشة، والبعد عن الإسراف، وأن يقتصر

стр. 2072

الدين على الحالات الضرورية القصوى، قال تعالى: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ [الأعراف: ٣١]. ثالثًا: التداوي بالقرآن، فإن فيه الشفاء لكل الأمراض النفسية والعضوية، قال تعالى: ﴿وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. واستعمال العقاقير الطبية الموصوفة من الأطباء المتخصصين الموثوق بهم. رابعًا: بث الوعي الديني بخطورة العجلة في قيادة السيارات، والالتزام بأنظمة المرور، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وبيان فوائد الالتزام بآداب القيادة، وما فيها من المصالح وما يدرأ بها من المفاسد، وإحالة المخالفين إلى المحاكم الشرعية لمعاقبتهم بما يقتضيه الحكم الشرعي. خامسًا: إبعاد الأفلام، والمسلسلات الكرتونية، أو التلفزيونية التي تحتوي على العنف، أو الانتحار عن الأطفال، واستبدالها بما ينفعهم في دينهم ودنياهم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2073

الكلمة الخامسة: حقوق الجار الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من محاسن هذا الدين العظيم التي جاء بها: الوصية بالجار، والمجتمع كله عبارة عن أُسر كثيرة يتجاور بعضها مع بعض، فإذا أحسن كل منهم عشرة جاره صلح المجتمع، وساده الحب، والرحمة، والتعاون، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (١). قال العلماء: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فالجار الذي له ثلاثة حقوق وهو الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم، وأما الذي له حقان: فالجار المسلم له حق الجوار، وحق الإسلام، وأما الذي له

стр. 2074

حق واحد فالجار المشرك» (١)، قال ابن عباس: الجار ذي القربى، أي: القريب؛ والجار الجنب، أي: الغريب (٢). قال ابن حجر: «واسم الجار يشمل المسلم، والكافر، والعابد، والفاسق، والصديق، والعدو، والغريب، والبلدي، والنافع، والضار، والقريب، والأجنبي، والأقرب دارًا، والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها، ثم أكثرها وهلم جرًا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيُعطى كل حقه بحسب حاله» (٣). قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: «حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية، والسلام، وطلاق الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت، أو معنوية» (٤). فعلى سبيل المثال عدم رمي الأوساخ بجوار بيته، أو إيقاف السيارات أمام منزله إذا كان ذلك يؤذيه، أو تتبع عوراته، أو النظر إلى محارمه، أو غير ذلك مما يسبب له الأذى، ولا يكفي هذا بل لا بد من تحمل الأذى الذي يصدر منه.

стр. 2075

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي شريح قال: قال رسول الله ﷺ : «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ»، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَامَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (١). والبوائق: جمع بائقة وهي الداهية، والشيء المهلك، والأمر الشديد الذي يُوافي بغته. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» (٢). وأخبر النبي ﷺ أن الإحسان إلى الجار سبب لدخول الجنة، كما أن إيذاءه سبب لدخول النار. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ (٣) مِنَ الَاقِطِ (٤)، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (٥). وأخبر النبي ﷺ أن حرمة الجار أعظم من حرمة غيره من

стр. 2076

الناس، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ » قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصحَابِهِ: «لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشَرَةٍ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ»، قَالَ: فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ » قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: «لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ» (١). وفي الصحيحين من حديث عبد الله قال: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ عِندَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» (٢). ومن حقوقه أيضًا: الإحسان وبذل المعروف له، وإكرامه. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي شريح العدوي: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» (٣). وفي رواية: «فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ» (٤). وحث النبي ﷺ على إطعام الجار، فروى مسلم في صحيحه

стр. 2077

من حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» (١). قال عمر بن الخطاب ﵁: من حق الجار أن تبسط إليه معروفك، وتكف عنه أذاك (٢). قال شراح الحديث: «ففي الحديث الحض على مكارم الأخلاق، والإرشاد لمحاسنها لما يترتب عليه من المحبة، والألفة ولما يحصل به من المنفعة، ودفع الحاجة والمفسدة، فقد يتأذى الجار برائحة قدر جاره وعياله وصغار ولده ولا يقدر على التوصل إلى ذلك فتهيج من صغارهم شهية الطعام، ويقوم على القائم بهم الألم والكلفة، وربما كان يتيمًا، أو أرملة، فتكون المشقة أعظم، وتشتد منهم الحسرة والألم، فلا أقبح من منع هذا اليسير المترتب عليه هذا الضرر الكبير، وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيء من الطبخ» (٣). ومنها: بذل النصيحة له في دينه، ودنياه، والمشورة عليه بالخير، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جرير بن عبد الله قال: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ،

стр. 2078

وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» (٢). ومن أهم ذلك: حثُّه وترغيبه على المحافظة على الصلاة في جماعة المسلمين، وكذلك تحذيره من تقصيره في تربية أولاده، وإهماله لمن تحت يده، وتحذيره من اقتناء آلات اللهو، والقنوات الفضائية الفاسدة، وبيان خطر جلساء السوء، ومصاحبتهم. ومنها: زيارته، وتفقد أحواله والسؤال عنه، وإجابة دعوته. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» - ذكر منها - «وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ» (٣). هذه الحقوق على وجه العموم، ويتأكد ذلك في حق الجار، وهو نص قوله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَليُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ» (٤). وكلما كان الجار أقرب كان حقه أعظم. روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِيَ؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» (٥).

стр. 2079

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» (١). ولا يحتقر المسلم الهدية التي يهديها لجاره وإن كانت قليلة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» (٢). ومنها: إظهار محاسنه، وستر عيوبه وخاصة عند الأهل، والأولاد، فإن ذلك ينتج عنه انتشار المحبة، والمودة بين الجيران، وهذه الخصلة السابقة في غاية الأهمية، ليكونَ ذلك داعيًا إلى عدم المجاهرة بالأخلاق السيئة. قال الغزالي ﵀ مُلَخِّصًا حقوق الجار: «أن يبدأه بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلاته، ولا يتطلع من السطح إلى عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في مصب الماء في ميزابه، ولا يضيق طرقه إلى الدار، ويستر ما يتكشف له من عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، ولا يغفل عن ملاحظته عند غيبته، ولا يسمع عليه كلامًا، ويغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته، ويتلطف بولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه، ودنياه» (٣).

стр. 2080

ومن القصص التي تُذكر في هذا المجال، ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَاسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّارِ» (١). وفي رواية: فَلَمَّا مَاتَ قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2081

الكلمة السادسة: تأملات في سورة الناس الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ومن سور القرآن التي تتكرر على أسماعنا ونحتاج إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الفوائد الجليلة والحكم العظيمة سورة الناس ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس * إِلَهِ النَّاس * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾ [الناس: ١ - ٦]. قال ابن كثير ﵀: «هذه الصفات من صفات الرب الربوبية والملك والإلهية، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة عبيد له، فأمر المستغيث أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزيِّن له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال. والمعصوم من عصمه الله» (١). اهـ. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود: أن

стр. 2082

النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ»، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَامُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (١). وفي الصحيحين من حديث أنس في قصة زيارة صفية للنبي ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلًا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله ﷺ ثم تعدا، فقال لهما رسول الله ﷺ : «عَلَى رِسْلِكُمَا»، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي تميمة الهُجَيمِي عمن كان رديف النبي ﷺ قال: كُنْتُ رَدِيفَهُ عَلَى حِمَارٍ، فَعَثَرَ الْحِمَارُ، فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: صَرَعْتُهُ بِقُوَّتِي، فَإِذَا قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَصَاغَرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، حَتَّى يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ الذُّبَابِ» (٣). قال ابن كثير: «وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر

стр. 2083

الشيطان، وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب» (١). قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس﴾ الوسوسة هي ما يلقيه الشيطان من الأفكار والأوهام، والتخيلات التي لا حقيقة لها، والخناس الذي يخنس، ويهزم، ويولي عند ذكر الله وهو الشيطان (٢)، قال سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس﴾، قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس (٣). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّاذِينَ، فَإِذَا قَضَى التَاذِينْ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضي التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا واذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِن قَبلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ ! » (٤). قوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس﴾ ظاهر الآيات أن الذي يسوس يكون من شياطين الجن، ويكون من شياطين الإنس، وجاء التوجيه الإلهي الكريم بالاستعاذة من النوعين جميعًا، وقد ورد في الكتاب العزيز أنهما يشتركان في الوحي الشيطاني، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ

стр. 2084

إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون﴾ [الأنعام: ١١٢] (١). روى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ، لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً (٢) أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٤). قال ابن القيم ﵀: «وتأمل حكمة القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾، ولم يقل: من شر وسوسته، لتعم الاستعاذة شره جميعه، فإن قوله: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس﴾ تعم كل شره، ووصفه بأعظم صفاته، وأشدها شرًا، وأقواها تأثيرًا، وأعمها فسادًا، وهي الوسوسة التي هي مبادئ الإرادة، فإن القلب يكون فارغًا من الشر، والمعصية فيوسوس إليه، ويخطر الذنب بباله، فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه، فيصير شهوة، ويزينها له ويحسنها، ويخيلها له في خياله،

стр. 2085

حتى تميل نفسه إليه فيصير إرادة، ثم لا يزال يمثل له ويخيل، ويمني ويشهي، وينسي علمه بضررها، ويطوي عنها سوء عاقبتها فيحول بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط، وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادة عزيمة جازمة فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان معهم مددًا لهم، وعونًا، فإن فتروا حركهم، وإن ونوا أزعجهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]. أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين، وأزتهم، وأثارتهم، فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب، وتنظم وتسهل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة، فأصل كل معصية، وبلاء إنما هو الوسوسة، فلهذا وصفه بها لتكون الاستعاذة من شرها أهم من كل مستعاذ منه، وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضًا» (١). ومن فوائد السورة الكريمة: ١ - إثبات الربوبية، والملك، والألوهية لله تعالى، فهو رب كل شيء ومليكه والخلق كلهم عبيده، وتحت ملكه، قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُون﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]. وهذه الاستعاذة لها مواضع عند القراءة، والغضب، وفي الصلاة .. وغيرها.

стр. 2086

٢ - استحباب قراءة المعوذتين والإخلاص صباحًا ومساءً ثلاث مرات وعند المبيت، وعلى المرضى، والمسحورين. روى أبو داود في سننه من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ ﵁ أنه قال: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ، وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: «أَصَلَّيْتُمْ؟ » فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ: «قُلْ»، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ»، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١]، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (١). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا (٢). وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَاسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٣). وقد أوصى النبي ﷺ عقبة بن عامر بهما وقال: «تَعَوَّذْ بِهِمَا،

стр. 2087

فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (١). قال ابن القيم ﵀ في كلامه على المعوِّذتين: «المقصود الكلام على هاتين السورتين وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًا في دفع السحر، والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعانة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس، والطعام، والشراب، واللباس» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2088

الكلمة السابعة: آداب الطريق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن من الآداب العظيمة التي حث عليها الإسلام ورغب فيها: آداب الطريق. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا»، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ» (١). فذكر النبي ﷺ في هذا الحديث جملة من الآداب، التي ينبغي أن يتحلَّى بها من جلس في الطريق، فمن تلك الآداب: غض البصر، وقد أمر الله به في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث جرير ابن عبد الله قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟

стр. 2089

فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي (١). وروى أبو داود في سننه من حديث ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ قال: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (٢). قال الشاعر: كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَؤُهَا مِنَ النَّظَرِ ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ والمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... فِي أَعْيُنِ الغِيدِ مَوقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ كَمْ نَظْرَةٍ فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا ... فَتكَ السِّهَامِ بِلَا قَوسٍ ولَا وَتَرِ يَسُرُّ نَاظِرَهُ مَا ضَرَّ خَاطِرَهُ ... لَا مَرحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ وقال آخر: وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا ... لِقَلْبِكَ يومًا أَتعَبَتْكَ المَنَاظِرُ رَأَيْتَ الَّذِي لَا كُلَّهُ أَنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ ومنها: كف الأذى، وإزالته من الطريق. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» (٣). وفي رواية لمسلم: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» (٤).

стр. 2090

وروى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيئًا أَنتَفِعُ بِهِ؟ قَالَ: «اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» (١). وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» (٢). ومن كف الأذى: عدم قضاء الحاجة في طريق الناس، أو ظلهم. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (٣). ومن الأذى الذي يجب كفه: الالتزام بأنظمة المرور في السير، والوقوف، وكذلك استعمال المنبه في غير حاجة. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (٤). ومنها: هداية السائل. روى البخاري في صحيحه من حديث

стр. 2091

أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (١). ومنها: إعانة الرجل في حمله على دابته، أو رفع متاعه عليها. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ» (٢). ومنها: رد السلام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (٣). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» (٤). وفي رواية: «الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ» (٥). ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:

стр. 2092

١١٠]. قال القرطبي ﵀: «إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة، لأن المسلمين منهم أكثر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى» (١). وأخبر سبحانه أن الناجين من الأمم هم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون﴾ [هود: ١١٧]. قال شيح الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومن لم يكن في قلبه بغض ما يبغض الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر، والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه» (٢). اهـ وقال أيضًا: «وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر، ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا نعت النبي ﷺ والمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. وهذا واجب كل مسلم قادر وهو فرض الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره» (٣). ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يحث من رآه متخلفًا عن صلاة الجماعة إليها، وإذا رأى من يشرب الدخان، أو يستمع إلى الغناء والموسيقى نهاه عن ذلك، وإن مرَّ على من يغشُّ في بيعه وشرائه،

стр. 2093

أنكر عليه ذلك، ومن المنكرات الفاشية التي يجب التعاون على إنكارها لعظيم ضررها، تبرج النساء في الأسواق، والطرق واختلاطهن بالرجال، فالمنكرات إذا كثر إنكارها زالت أو تلاشت، وإن سكت عنها فشت وانتشرت، وبهذا امتازت أمة محمد ﷺ وفُضِّلَتْ على سائر الأمم، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون﴾ [آل عمران: ١١٠]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2094

الكلمة الثامنة: فضل الوضوء والتيمم وصفتهما الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. «فالآية الكريمة أوجبت الوضوء للصلاة وبينت الأعضاء التي يجب غسلها، أو مسحها في الوضوء، وحددت مواضع الوضوء منها، ثم بيَّن النبي ﷺ صفة الوضوء بقوله، وبفعله، بيانًا كافيًا. أحدها: غسل الوجه بكامله ومنه المضمضة، والاستنشاق، فمن غسل وجهه وترك المضمضة والاستنشاق أو أحدهما، لم يصح وضوؤه، لأن الفم والأنف من الوجه، والله تعالى يقول: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فأمر بغسل الوجه كله، فمن ترك شيئًا منه لم يكن ممتثلًا

стр. 2095

لأمر الله تعالى، والنبي ﷺ تمضمض واستنشق» (١) (٢). الثاني: غسل اليدين مع المرفقين لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فإن (إلى) هنا بمعنى مع، فلا بد أن يصل الماء إلى نهاية المرفقين، يدل على ذلك حديث أبي هريرة: أَنَّهُ غَسَلَ يَدَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ (٣). الثالث: مسح الرأس كله، ومنه الأذنان لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾. وفي حديث ابن عباس: ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ وَأُذُنَيهِ، بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحَتَينِ (٤) وَظَاهِرَهُمَا بِإِبهَامَيهِ (٥)، وَقَالَ ﷺ «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّاسِ» (٦). قال الشيخ ناصر الدين الألباني: «وهذا الحديث يدل على وجوب مسح الأذنين وأنهما في ذلك كالرأس، وحسبك في هذا المذهب إمام السنة أبو عبد الله أحمد بن حنبل، وسلفه في ذلك جماعة من الصحابة. وأما المسألة الثانية: فهل يكفي في مسح الأذنين ماء الرأس،

стр. 2096

أم لا بد لذلك من جديد؟ قال المناوي كما في فيض القدير في شرح الحديث: «الأذنان من الرأس، لا من الوجه، ولا مستقلتان، يعني فلا حاجة إلى أخذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزئ مسحهما ببل ماء الرأس، وإلا لكان بيانًا للخلقة فقط، والمصطفى لم يبعث لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة» (١). الرابع: غسل الرجلين مع الكعبين لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ وإلى بمعنى (مع)، وذلك للأحاديث الواردة في صحة الوضوء، فإنها تدل على دخول الكعبين في الغسل. الخامس: الترتيب بأن يغسل الوجه أولًا ثم اليدين، ثم يمسح الرأس، ثم يغسل رجليه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. ولأن النبي ﷺ رتب الوضوء على هذه الكيفية. قال ابن عباس بعدما ذكر صفة رسول الله ﷺ : «هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢). السادس: «الموالاة وهي أن يكون غسل الأعضاء المذكورة متواليًا، بحيث لا يفصل بين غسل عضو وغسل العضو الذي قبله، بل يتابع غسل الأعضاء الواحد تلو الآخر حسب الإمكان» (٣). وقد وردت نصوص كثيرة في فضل الوضوء. روى البخاري

стр. 2097

ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا (١) مُحَجَّلِينَ (٢) مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» (٣). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عثمان ﵁ أنه قال: ألا أحدثكم حديثًا لولا آية ما حدثتكموه، سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا» (٥). قال عروة: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]. وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ)، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ، كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ)، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ، (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء)، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» (٦).

стр. 2098

وقد تعرض حالات يكون الماء فيها معدمًا، أو في حكم المعدوم، أو موجودًا لكن يتعذر استعماله لعذر من الأعذار الشرعية، وقد جعل الله ما ينوب عنه وهو التيمم بالتراب تيسيرًا على الخلق، ورفعًا للحرج، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. والتيمم في اللغة: القصد، وشرعًا: مسح الوجه واليدين بصعيد، على وجه مخصوص. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ابن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (١). وفي رواية: «جُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» (٢). ونقل ابن قدامة في المغني الإجماع على جواز التيمم في الجملة (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا التيمم المأمور به في الآية هو من خصائص المسلمين، ومما فضلهم الله به على غيرهم من الأمم» (٤). وينوب التيمم عن الماء في أحوال: أولًا: إذا عدم الماء لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا

стр. 2099

طَيِّبًا﴾ سواء عدمه في الحضر، أو السفر وطلبه فلم يجده. ثانيًا: إذا كان معه ماء يحتاج لشرب، وطبخ فلو تطهر منه لأضر حاجته بحيث يخاف العطش على نفسه، أو عطش غيره من آدمي، أو بهيمة. ثالثًا: إذا خاف باستعمال الماء الضرر في بدنه بمرض، أو تأخر برء، أو شدة برودة، وكان عاجزًا عن تسخينه لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى إلى قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. رابعًا: إذا عجز عن استعمال الماء لمرض لا يستطيع معه الحركة، وليس عنده من يوضئه، وخاف خروج الوقت. ففي تلك الأحوال يتيمم ويصلي، وإن وجد ماء يكفي بعض طهره استعمله فيما يمكنه من أعضائه، أو بدنه، وتيمم عن الباقي الذي قصر عنه الماء لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وإن كان به جرح يتضرر بغسله، أو مسحه بالماء، تيمم له وغسل الباقي، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وإن كان جرحه لا يتضرر بالمسح مسح الضماد الذي فوقه بالماء، وكفاه المسح عن التيمم. «ويجوز التيمم بما على وجه الأرض من تراب، وسبخة، ورمل، وغيره، هذا هو الصحيح من قولي العلماء لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وكان النبي ﷺ وأصحابه إذا أدركتهم الصلاة تيمموا بالأرض التي يصلون عليها ترابًا أو غيره، ولم يكونوا يحملون معهم التراب» (١).

стр. 2100

وصفة التيمم أن يضرب التراب بيديه ضربة واحدة، ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ويمسح كفيه براحتيه، ويعمم الوجه والكفين بالمسح، وقد وردت هذه الصفة في الصحيحين من حديث عمار ابن ياسر (١) ﵁. ويبطل التيمم عن حدث أصغر بمبطلات الوضوء، وعن حدث أكبر بموجبات الغسل من جنابة، أو حيض، أو نفاس، وكذلك يبطل بوجود الماء إن كان التيمم لعدمه، وبزوال العذر الذي من أجله شرع التيمم من مرض ونحوه، ومن عدم الماء والتراب، أو وصل إلى حال لا يستطيع الوضوء، ولا التيمم، فإنه يصلي على حسب حاله بلا وضوء ولا تيمم، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يعيد هذه الصلاة لأنه أتى بما أمر به، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2101

الكلمة التاسعة: التحذير من قذف المؤمنين والمؤمنات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد .. فإن القذف من كبائر الذنوب التي حرمها الله ورسوله، ورتب عليها الحد في الدنيا، والعذاب في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [النور: ٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [النور: ٢٣]. «ومعنى الآية الكريمة: أن الذين يقذفون بالزنى المحصنات الحرائر العفيفات العاقلات، ثم لم يأت هؤلاء القذفة بأربعة شهداء على ما رموهن به، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا فرق بين كون المقذوف ذكرًا، أو أنثى، وإنما خص النساء بالذكر، لخصوص الواقعة ولأن قذف النساء أشنع، وأغلب، وإنما استحق القاذف هذه العقوبة صيانة لأعراض المسلمين عن التدنيس، ولأجل كف الألسن عن هذه الألفاظ القذرة التي تلطخ أعراض الأبرياء، وصيانة للمجتمع الإسلامي من شيوع الفاحشة فيه» (١).

стр. 2102

والقذف من السبع الموبقات التي حذر النبي ﷺ منها. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (١). والمقصود بالقذف هو الرمي بالزنا، أو اللواط، سواء كان المقذوف رجلًا أو امرأة، قال الشيخ محمد صديق بن حسن خان: «التحقيق أن المراد من رمي المحصنات المذكور في كتاب الله هو أن يأتي القاذف بلفظ يدل لغة، أو شرعًا، أو عرفًا، على الرمي بالزنا ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يرد إلا ذلك، ولم يأت بتأويل مقبول يصح حمل الكلام عليه، فهذا يوجب حد القذف بلا شك، أو شبهة، وكذلك لو جاء بلفظ لا يحتمل الزنا أو يحتمله احتمالًا مرجوحًا وأقر أنه أراد الرمي بالزنا فإنه يجب عليه الحد، وأما إذا عرض بلفظ محتمل ولم تدل قرينة حال، ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا فلا شيء عليه لأن لا يسوغ إيلامه بمجرد الاحتمال» (٢) اهـ. والمراد بلا شيء عليه يعني الحد، أما التعزير فلا بد منه، ويرجع ذلك إلى تقدير القاضي. ويثبت حد القذف بأمرين:

стр. 2103

١ - إقرار القاذف، ويثبت ذلك بإقراره مرة لكون إقرار المرء لازمًا له. ٢ - شهادة عدلين كسائر ما تمضي فيه الشهادة، كما أطلقه القرآن. أما عقوبة القاذف الدنيوية والأخروية إذا لم يقم بينة على صحة ما قال: ١ - أن يجلد ثمانين جلدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [النور: ٤]. روى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَاكَ وَتَلَا تَعْنِي الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (١). ٢ - أن ترد شهادته دائمًا إلا إذا تاب وأصلح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون * إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ [النور: ٤ - ٥]. ٣ - أن يكون من الفاسقين، قال تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾. ٤ - يكون عند الله من الكاذبين، لقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]. ٥ - أنه ملعون في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣]. ٦ - أن له عذابًا عظيمًا ادخره الله له يوم القيامة، لقوله تعالى:

стр. 2104

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [النور]. ٧ - تشهد عليه جوارحه زيادة في الخزي، والعار على رؤوس الأشهاد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [النور: ٢٤]. ٨ - إن الله تعالى يوفيهم جزاء فعلهم، ويجزيهم حساب عملهم من القدر المستحق من أنواع العذاب في نار جهنم لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِين﴾ [النور: ٢٥]. أما شروط القاذف والمقذوف والتفاصيل في ذلك، فتراجع في مظانها في كتب الفقه. وعلى المسلم أن يحفظ لسانه عن القذف، والسب، والغيبة، وسائر الذنوب، فإن الحد إذا لم يؤخذ في الدنيا من صاحبه أُخر إلى يوم القيامة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا، يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» (١). وعندما ذكر الله قصة قذف أم المؤمنين عائشة ﵂، كما في سورة النور، قال بعدها: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم﴾ [النور: ١٥]. وإذا اجتمع القذف مع الذنوب الأخرى كان مهلكًا لصاحبه. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ

стр. 2105

قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَاتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →